
18-12-2025, 11:35 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 52الى صـــ 61
(333)
باب إجارة الرقيق في الخدمة وغيرها
( قال رحمه الله وإذ استأجر عبدا للخدمة كل شهر بأجر مسمى فهو جائز ) ; لأنه عقد متعارف ، وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يباشروا ذلك فهو عمل مباح معلوم في نفسه فيجوز الاستئجار عليه وله أن يستخدمه من السحر إلا أن تنام الناس بعد العشاء الأخيرة ; لأن بمطلق التسمية يستحق ما هو المتعارف وابتداء الاستخدام من وقت السحر متعارف فمن يبتكر يحتاج إلى أن يسرج الخادم ويهيأ أمر طهوره ويرفع فراش نومه ويبسط ثوب تعبده ، وكذلك إلى ما بعد العشاء الأخيرة قد يجلسون ساعة خصوصا في زمن طول الليالي ، ثم يحتاج إلى خادم يبسط فراش نومه ويطوي ثيابه ويطفئ السراج ; فلهذا كان له أن يستخدمه إلى هذا الوقت ، وإنما يخدمه كما يفعل الناس فما يكون أعمال الخدمة معلوما عند الناس يطلبون ذلك من المماليك والخدم ولا يكلفونهم فوق ذلك . فكذلك في وسط الليل الاستخدام غير متعارف ولا يكون له أن يكلفه ذلك ويكره له أن يستأجر امرأة حرة أو أمة يستخدمها ويخلو بها لقوله صلى الله عليه وسلم { لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل فإن ثالثهما الشيطان } ، ولأنه لا يأمن من الفتنة على نفسه ، أو عليها إذا خلا بها ، ولكن هذا النهي لمعنى في غير العقد فلا يمنع صحة الإجارة ووجوب الأجر إذا عمل كالنهي عن البيع وقت النداء . وإذا استأجر العبد كل شهر بكذا ففي قول أبي حنيفة رحمه الله الأول يطالبه بالأجر شهرا فشهرا ، وفي قوله الآخر يوما بيوم ، وقد بينا نظيره .
وإن دفع عبده إلى رجل يقوم عليه أشهرا مسماة في تعليم النسخ على أن يعطيه المولى كل شهر شيئا مسمى فهو جائز ; لأنه استأجره ليتعلم عنده وتعليم الأعمال معلوم عند أهل الصنعة فيصح الاستئجار عليه عند بيان المدة ، وإن كان الأستاذ هو الذي شرط للمولى أن يعطيه ذلك ويقوم على غلامه في تعليم ذلك فهو جائز ; لأنه يستخدم الغلام ويستعمله في حوائجه واستأجره مدة معلومة بما سمى من البدل وتعليم العمل وكل واحد منهما يصلح عوضا عند الانفراد . فكذلك عند الجمع بينهما ، وكذلك تعليم سائر الأعمال وتعليم الخط والهجاء والحساب [ ص: 53 ] فإن شرط عليه أن يحذقه في ذلك فهو غير جائز ; لأن التحذيق ليس في وسع المعلم فالحاذقة لمعنى في المتعلم دون المعلم ، وإن أراد أن يدفع عبده إلى عامل بأجر مسمى سنة فأراد رب العبد أن يستوثق من الأستاذ فإنه يؤاجر الشهر الأول بجميع الأجرة إلا درهما وباقي السنة بنفسه حتى إذا أراد الأستاذ فسخ العقد بعد مضي الشهر لا يتضرر مولى العبد بذلك ويمتنع الأستاذ من ذلك لما لحقه من زيادة الأجر .
( قال ) وإن أراد الأستاذ أن يستوثق جعل السنة كلها إلا الشهر الأخير بدرهم والشهر الأخير ببقية الأجر ، وهذا العقد جائز ; لأنهما عقدا عقدين كل واحد منهما في مدة معلومة ببدل معلوم . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يخالف الأجرين فيجعل أحدهما دنانير والآخر دراهم فهذا أقرب إلى التوثق ، وإنما قصدا بهذا التحرز عن جهل بعض الحكام كي لا يجعلوا عقدا واحدا لاتصال المدة بعضها ببعض واتحاد جنس الأجر .
وإذا دفع غلامه إلى عامل ليعلمه عملا ولم يشترط واحد منهما على صاحبه أجرا ، أو دفعه على وجه الإجارة فلما علمه العمل قال الأستاذ لي الأجر . وقال رب العبد لي الأجر فإني أنظر إلى ما تصنع أهل تلك البلاد في ذلك العمل فإن كان المولى هو الذي يعطى الأجر جعلت عليه أجر مثله للأستاذ ، وإن كان الأستاذ هو الذي يعطى الأجر جعلت على الأستاذ أجر مثله للمولى ; لأن العقد كان مطلقا بينهما فيجب حمله على المتعارف ، ولأن الظاهر شاهد لمن يوافق العرف قوله والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه .
( قال ) رضي الله عنه كان شيخنا الإمام رحمه الله يقول العمل الذي يشترط للأستاذ فيه الأجر في ديارنا عمل المغازل فإنه يفسد الحسب حتى يتعلم ، وكذلك الذي ينقب الجواهر ، وما أشبه ذلك من الأعمال الذي يفسد المتعلم بعض ما هو متقوم حتى يتعلم . فإذا كان بهذه الصفة فالأجر للأستاذ ولو لم يكن الأجر مسمى عند العقد فيصار إلى أجر المثل . فإذا استأجر الرجل غلاما في عمل مسمى كل شهر بكذا فالعقد لازم على كل شهر واحد ; لأنه أضاف كلمة كل إلى ما لا يعرف منتهاه فيتناول أدناه وكل شهر يستعمله فيه بعد ذلك فله الأجر . فإذا دخل من الشهر الثاني يوم واحد واستعمله فيه فقد لزمته الإجارة في ذلك لوجود الرضى منهما دلالة ، وبعد لزوم العقد لا يكون له أن يخرجه إلا من عذر . وإذا أبق العبد من المستأجر فله أن يفسخ الإجارة لتعذر استيفاء المعقود عليه فإن لم يفسخها حتى رجع العبد فالإجارة لازمة له فيما بقي من المدة لزوال العذر ، وقد بينا أن الإجارة في حكم عقود متفرقة فيما يفسخ العقد في بعض المدة لفوات المعقود عليه فذلك لا يمنع لزومه فيما بقي من المدة .
وإذا استأجر [ ص: 54 ] عبدا شهرين شهرا بخمسة وشهرا بستة فهو جائز ; لأن كل واحد من العقدين يتناول مدة معلومة ببدل معلوم ، ثم الشهر الأول يجب فيه من البدل ما ذكر أولا إن كان ذكر الخمسة أولا ففي الشهر الأول يجب خمسة ; لأنه لو اقتصر على المذكور أولا يتعين له الشهر الأول فلا بد من أن يصرف المذكور آخرا إلى الشهر الثاني ، وإن استأجر ثلاثة أشهر شهرين بدرهم وشهرا بخمسة فالشهران الأولان بدرهم ; لأن الكلام المبهم إذا تعقبه تفسير فالحكم لذلك التفسير ، وإنما بدأ بتفسيره بالشهرين الأولين بدرهم ، وإن استأجره للخدمة بالكوفة فليس له أن يسافر به ; لأن خدمة السفر أشق من خدمة الحضر فليس له أن يكلفه فوق ما التزم ; لأن السفر شقة من العذاب فليس له أن يكلفه بمطلق العقد فإن ( قيل ) هو في ملك منافعه ينزل منزلة المولى في منافع عبده وللمولى أن يسافر بعبده فلماذا لا يكون له أن يسافر بأجيره للخدمة ( قلنا ) إنما يسافر المولى في منافعه بعبده ; لأنه يملك رقبته وهو لا يملك رقبة أجيره ، وإنما يملك منافعه بالعقد والمسمى في العقد استخدامه في الكوفة فلا يكون له أن يجاوز ذلك .
( ألا ترى ) أنه يزوج عبده لملكه رقبته ولا يدل ذلك أن له أن يزوج أجيره ، وإن سافر به فهو ضامن لمولاه ; لأنه صار غاصبا له بالإخراج والاستخدام لا على الوجه المستحق بالعقد ولا أجر عليه ; لأن الأجر والضمان لا يجتمعان ، ولأن المعقود عليه منافع العبد بالكوفة ولا يتصور وجود ذلك بعد إخراجه من الكوفة .
وإن استأجره بالكوفة ليستخدمه كل شهر بأجر مسمى ولم يشترط الخدمة بالكوفة فهو على الخدمة بالكوفة أيضا ، وليس له أن يسافر به ; لأن مطلق العقد ينصرف إلى المتعارف ، ولأنه بالعقد يستحق الاستخدام فقط والسفر به وراء الاستخدام وهو يلزم مولاه مؤنة الرد فلا يكون ذلك إلا عن شرط فإن سافر به بغير إذن مولاه فهو ضامن ولا أجر عليه لما قلنا ، وليس له أن يضرب العبد فإن ضربه بغير إذن صاحبه فعطب فهو ضامن ، ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله ظاهر فقد بيناه في الدابة إن استأجرها إنه لو ضربها فعطبت ضمن عنده ففي العبد أولى وهما يفرقان فيقولان العبد مخاطب يؤمر وينهى فيفهم ذلك ولا يحتاج إلى ضربه عند الاستخدام عادة فلا يصير مأذونا فيه بمطلق العقد بخلاف الدابة فإنها لا تفهم الأمر والنهي ولا تتفاوت في السير إلا بالضرب فيكون له أن يضربها ضربا متعارفا .
وإن دفع الأجر عند غرة الشهر الأول إلى العبد فإن كان المولى هو الذي أجره لم يبرأ من الأجر ; لأن حقوق العقد في الإجارة تتعلق بالعاقد والعبد ليس بعاقد ولا مالك للأجر فالدفع إليه كالدفع [ ص: 55 ] إلى أجنبي آخر ، وإن كان العبد هو الذي أجر نفسه فهو بريء من الأجر ; لأنه هو العاقد وإليه قبض البدل بحكم العقد وله أن يكلفه كل شيء من خدمة البيت وبأمره أن يغسل ثوبه ، وأن يخيط ويخبز ويعجن إذا كان يحسن ذلك ويعلق على دابته وينزل بمتاعه من ظهر بيت ، أو يرقى به إليه ويحلب شاته ويستقي له من ماء البئر فهذا كله يعد من الخدمة وما يكون من الخدمة معلوم عند الناس باعتبار العادة ، وفي اشتراط تسمية كل ذلك عند العقد حرج والحرج مدفوع ، وليس له أن يقعده خياطا ولا في صناعة من الصناعات ، وإن كان حاذقا في ذلك ; لأنه استأجره للخدمة ، وهذا العمل من التجارة ليس من الخدمة في شيء ، وليس على المستأجر إطعامه إلا أن يتطوع بذلك ، أو يكون فيه عرفا ظاهرا فله أن يأمره بخدمة أضيافه ; لأن ذلك من خدمته فالإنسان يستأجر الخادم لينوب عنه فيما هو من حوائجه وخدمة أضيافه من جملة حوائجه وله أن يؤاجره من غيره للخدمة ; لأن هذا مما لا يتفاوت الناس فيه عادة كسكنى الدار ونحوه ، ولأن العبد عاقل لا ينقاد إذا كلف فوق طاقته ، وبعد الطاقة لا فرق بين أن يستخدمه المستأجر الأول والثاني .
وإن تزوج المستأجر امرأة فقال لها اخدميني وعيالي فله ذلك ; لأن خدمة العيال من حوائجه ، وإنما يستأجر الخادم في العادة لذلك ، وكذلك المرأة إن كانت هي المستأجرة فتزوجت فقالت اخدمني وزوجي فلها ذلك ; لأنه من حوائجها وهو أظهر فخدمة الزوج عليها فإنما استأجرته لينوب عنها فيما يحق عليها
وإن استأجرت امرأة رجلا ليخدمها فهو جائز وأكره أن يخلو بها حرا كان ، أو عبدا لما فيه من خوف الفتنة .
وإذا استأجر الرجل امرأته0 لتخدمه كل شهر بأجر مسمى لم يجز ; لأن خدمة البيت مستحقة عليها دينا ومطلوب منها بالنكاح عرفا على ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زوج فاطمة من علي رضي الله عنهما جعل أمور داخل البيت عليها وأمور خارج البيت عليه } ، ولأن الشرع ألزمه نفقتها لتقوم بخدمة بيته فلا تستحق مع ذلك أجرا آخر ، وإن سمى .
وإن استأجرها لترضع ولدا له من غيرها ، أو لترعى دوابه ، أو تعمل عملا سوى خدمة البيت فهو جائز ; لأن هذا العمل غير مستحق عليها ولا مطلوب بالنكاح منها .
وإن استأجرت المرأة زوجها ليخدمها فهو جائز ; لأن خدمتها غير مستحقة على الزوج . وقال في كتاب الآثار له أن يمتنع من الخدمة ; لأنه يلحقه مذلة بأن يخدم زوجته ، وذلك عذر في فسخ الإجارة كالحرة إذا أجرت نفسها للظئورة ولم تكن معروفة بذلك ، ولو خدمها كان له الأجر عليها ، وكذلك لو استأجرته يرعى غنمها ، أو يقوم على عمل لها فإنه في ذلك كأجنبي آخر .
وإن استأجر الرجل ابنه [ ص: 56 ] ليخدمه في بيته لم يجز ولا أجر عليه ; لأن خدمة الأب مستحق على الابن دينا وهو مطالب به عرفا فلا يأخذ عليه أجرا ويعد من العقوق أن يأخذ الولد الأجر على خدمة أبيه والعقوق حرام ، وكذلك إن استأجرته الأم ; لأن خدمتها أوجب عليه فإنها أحوج إلى ذلك وأشفق عليه ، وإن كان أحدهما استأجره ليرعيه غنما ، أو يعمل غير الخدمة جاز فإن ذلك غير مستحق عليه ولا هو مطلوب في العرف .
وإن استأجر الابن أباه ، أو أمه أو جده ، أو جدته لخدمته لم يجز ; لأنه منهي عن استخدام هؤلاء لما فيه من الإذلال فلا يجوز أن يصير ذلك مستحقا له قبلهم بعقد الإجارة وكيف يستحق هو ولا يترك هو ليستخدم والده ولا الوالدة تخدمه ، ولكن إن عمل شيئا من ذلك فله الأجر ; لأن بعد الاستخدام لو لم يوجب عليه الأجر كان معنى الإذلال فيه أكبر ، ولأنا لم نحكم بصحة العقد في الابتداء لكن لا تصير خدمته مستحقة عليه ، وقد زال هذا المعنى حتى أقام العمل .
وإن كان الابن مكاتبا فاستأجره أبوه لخدمته وأبوه حر غني عن خدمته ، أو محتاج إليها فهو جائز ; لأن المملوك لا يلزمه خدمة أحد من أقاربه سوى مولاه فهو في ذلك كأجنبي آخر ، ولأن خدمته لمولاه ولا سبب بين المولى وبين المستأجر والمكاتب بمنزلة العبد مملوك حتى لا تلزمه نفقة أبيه الحر ، وإن كان محتاجا . فكذلك لا تلزمه خدمته ، وإن كان الأب عبدا والابن حرا فاستأجره من مولاه ليخدمه بطل ذلك ولم يجز ; لأن الابن ممنوع من إذلال أبيه ، وإن كان عبدا ; ولهذا يعتق عليه إذا ملكه ، وفي استخدامه إذلاله ولا يلحقه الذل في أن يخدم ابنه ، وليس للمرء أن يذل نفسه فإن عمل جعلت له الأجر لما قلنا .
فإن كان الأب كافرا والابن مسلما أو الابن كافرا والأب مسلما فاستأجره لخدمته لم يجز ; لأن خدمة الأب مستحقة على الابن دينا مع اختلاف الدين .
( ألا ترى ) أنه يلزمه نفقته فهو كاستئجار ابنه للخدمة إذا كان موافقا له في الدين ويجوز الاستئجار للخدمة بين الإخوة وسائر الأقارب كما يجوز بين الأجانب بخلاف الاستخدام بملك اليمين فإن ذلك يثبت بطريق القهر من غير أن يرضى به الخادم والقرابة القريبة تصان عن مثله . فأما هذا عقد يعتمد المراضاة والاستخدام عن تراض لا يكون سببا لقطيعة الرحم بينهما .
فإن استأجر الذمي أو المستأمن مسلما لخدمته حرا ، أو عبدا فهو جائز ، ولكن يكره للمسلم خدمة الكافر لما فيه من معنى الذل ، وليس للمؤمن أن يذل نفسه ، ولكن هذا النهي لمعنى وراء ما به يتم العقد .
وإن استأجر المسلم ذميا ، أو مستأمنا لخدمته كان جائزا ، ولكن لا ينبغي أن يستخدمه في أمور دينه من أمر الطهور ونحوه فربما لا يؤدي الأمانة [ ص: 57 ] فيه قال الله تعالى { لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } أي لا يقصرون في الإفساد من دينكم والله أعلم بالصواب .
باب الاستئجار على ضرب اللبن وغيره
( قال رحمه الله . وإذا استأجر الرجل رجلا ليضرب له لبنا في داره فإن كان الملبن معلوما فهو جائز ) ; لأن العمل يتفاوت بحسب الملبن . فإذا كان مجهولا فهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة ، وبعد ما كان معلوما فلا منازعة بينهما فإن أسد لبنه المطر قبل أن يرفعه أو انكسر فلا أجر عليه ; لأنه لا يصير العمل مسلما إلى المستأجر ما لم يصر لبنا فما دام على الأرض فهو طين لم يصر لبنا بعد .
( ألا ترى ) أنه لو ترك كذلك فسد وصار وجه الأرض فإن أقامه فهو بريء منه اللبان في قول أبي حنيفة رحمه الله وله الأجر ، وإن فسد بعد ذلك وعندهما لا حتى يجف . فإذا جف وأشرح فحينئذ له الأجر ومذهبهما استحسان اعتبرا فيه العرف واللبان هو الذي يتكلف لذلك في العادة ومثل هذا يصير مستحقا بمطلق العقد كإخراج الخبز من التنور وغرف القدور في القصاع يكون مستحقا على الطباخ عند الاستئجار في الوليمة وأبو حنيفة رحمه الله أخذ بالقياس فقال المستحق عليه يصير الطين لبنا ، وقد فعل فإنه لما أقام من وجه الأرض عرفنا أنه صار لبنا وخرج من أن يكون طينا فالطين ينتشر على وجه الأرض ، ولأن الإقامة لتسوية أطرافه ، وذلك من عمل اللبان .
فأما بعد ذلك الجفاف ليس من عمل اللبان والتشريح كذلك فإنه جمع اللبن ، وليس بعمل ليخدمه في العين فهو كالنقل إلى موضع البناء ، وذلك لا يستحق على اللبان توضيحه أن المستأجر قد ينقل اللبن إلى موضع العمل قبل أن يشرحه فلم يكن التشريح من المقاصد لا محالة بخلاف الإقامة فإنه لا ينقله إلى موضع العمل قبل الإقامة فصار ذلك مستحقا له على اللبان لما عرف من مقصود المستأجر ، وهذا كله إذا كان يقيم العمل في ملك المستأجر . فأما في غير ملكه ما لم يشرحه ويسلمه إلى المستأجر لا يخرجه من ضمانه حتى إذا فسد قبل أن يسلمه إليه لم يكن له الأجر إلا على قول زفر رحمه الله ، وقد بينا نظيره في الخياط والفرق بينهما إذا كان يعمل في بيت نفسه ، أو في بيت المستأجر .
ولو تكارى خبازا يخبز له لم يجب له الأجر حتى يخرجه من التنور ، وهذا على مذهبهما ظاهر وأبو حنيفة رحمه الله يفرق بين هذا وبين ما سبق فيقول لا بد من إخراج الخبز من التنور فالمستأجر لا يفعل ذلك [ ص: 58 ] بنفسه عادة ولا يستأجر لأجله غيره بخلاف التشريح بعد إقامة العمل فليس ذلك بمطلوب لا محالة لجواز أن ينقله إلى موضع العمل قبل التشريح توضيحه أن الخبز لو ترك في التنور يفسد ، وما يرجع إلى الإصلاح صار مستحقا على الخباز ، وذلك في الإخراج من التنور ووزانة الإقامة في اللبن . فأما اللبن بعد الإقامة لو ترك ولم يفسد فلا يستحق التشريح على اللبان إلا بالشرط ، وإن استأجره يضرب له لبنا بملبن معلوم ويطبخ له آجرا على أن الحطب من عند رب اللبن فهو جائز ; لأنه استأجره لعمل معلوم من عند العامل بآلات المستأجر ، وإن أفسد اللبن بعد ما أدخله الأتون وتكسر لم يكن له الأجر ; لأنه لم يفرغ منه بعد فإنه ما لم يخرجه من الأتون لم يتم عمله في طبخ الآجر فما لم يفرغ من العمل لا يصير مسلما إلى صاحبه ، ولو طبخه حتى يصح ، ثم كف النار عنه فاختلف هو وصاحبه في الإخراج فإخراجه على الأجير بمنزلة إخراج الخبز من التنور ; لأنه لو تركه كذلك فسد .
وإن انكسر قبل أن يخرجه فلا أجر له ; لأن العمل لا يخرجه من ضمانه ما لم يفرغ منه ، وإن أخرجه من الأتون والأرض في ملك رب اللبن وجب له الأجر ويبرأ من ضمانه لوقوع الفراغ من العمل وتحصيل مقصود المستأجر بكماله ، وإن كان الأتون في ملك اللبان فلا أجر له حتى يدفعه إلى صاحبه ; لأنه ما اتصل عمله بملك المستأجر فلا بد من التسليم إليه حقيقة ليخرج من ضمانه .
وإذا شق رجل رواية رجل فهو ضامن لما شق منها ولما عطب بما سال منها لم يستوعبها صاحبها ; لأن المائع لا يستمسك إلا بوعاء فشق الرواية بمنزلة صب ما فيها .
( ألا ترى ) أن قطع حبل القنديل بمنزلة مباشرة الإلقاء والكسر في إيجاب الضمان ، ولو صب ما فيها كان متلفا ضامنا لها ولما عطب بما سال منها ; لأنه تسبب هو فيه متعديا بمنزلة حفر البئر وإلقاء الحجر في الطريق ، وكذلك إن كان شيئا يحمله رجل فشقه آخر فإن حمله صاحبه وهو ينظر إليه فهذا رضاء بما صنع استحسانا ; لأنه بعد العلم به لا يترك استئنافه إلا راضيا بصنعه والرضاء بدلالة العرف يثبت كسكوت البكر عند العلم بالعقد ومن باع مجهول الحال ، ثم قال له اذهب مع مولاك وهو ساكت والصغير والكبير في هذا سواء ; لأن وجوب هذا الضمان بمباشرة الإتلاف والصبي فيما يؤاخذ به من الأفعال كالبالغ .
وإذا شق رواية رجل فلم يسل ما فيها ، ثم مال الجانب الآخر فوقع وانخرق أيضا فهو ضامن لهما جميعا ; لأنه بمنزلة المباشر بصب ما في الرواية حين شقها وصب ما في إحدى الروايتين يكون إيقاعا للأخرى بطريق إزالة ما به كان الاستمساك وهو تسبب منه لإلقاء الأخرى وهو متعد [ ص: 59 ] في هذا السبب فيكون ضامنا إلا أن يكون صاحبه قد مضى وساق بعيره مع ذلك فيكون ذلك منه دليل الرضى بفعله فلا ضمان عليه فيما يحدث بعد ذلك كما لو أمره في الابتداء حين فعل ( قال ) أرأيت لو شق فيه ثقبا صغيرا فقال صاحبها بئسما صنعت ، ثم مضى وساقها فزلق رجل بما سال منه أكان يكون على الأول ضمان ذلك فلا شيء عليه من ذلك لوجود الرضا من صاحبها حين ساق بعيره ، ولأن فعل الأول قد انتسخ بما أخذ به الثاني من سوق البعير ونحوه وهذه المسألة ليست من مسألة الإجارات ولعل محمدا رحمه الله عند فراغه من هذا الكتاب ذكر هذه المسألة قياسا في هذا الموضع كي لا يفوت ، وقد جعل مثله في كتاب البحر حين ذكر بابا من الإجارات في آخر التجزؤ ، وقد بينا شرح ذلك ، ثم ذكر في نسخ أبي حفص رحمه الله زيادة مثله هنا .
( قال ) إذا استأجر الرجل رجلا كل شهر بدرهم على أن يطحن له كل يوم قفيزا إلى الليل فهذا باطل إلا أن يسمي له قفيزا ، ولكن يقول على أن يطحن لي يوما إلى الليل فحينئذ يجوز وأضاف هذا الجواب إلى أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وقد بينا قبل هذا في الكتاب أنه متى جمع بين المدة والعمل فالعقد فاسد عند أبي حنيفة رحمه الله وجائز عندهما ، وقد جمع هنا بين المدة والعمل ، ثم أجاب بفساد العقد عندهما فاستدلوا بهذا على رجوعهما إلى قول أبي حنيفة رحمه الله وقيل بل اختلف الجواب على قولهما باختلاف الموضوع فهناك ذكر ما هو المقصود من العمل بكماله فعرفنا أن ذكر المدة للاستعجال لا لتعليق العقد به فيبقى العقد على العمل سواء فرغ من العمل في تلك المدة ، أو لم يفرغ وهنا لم يذكر جميع مقصوده في العمل ، وإنما استأجره مدة معلومة وشرط عليه في كل يوم من أيامه عملا لا يدري أيقدر على الوفاء به ، أو لا يقدر فلا بد من اعتبار المدة لتعليق العقد بها والعمل مقصود لا بد من اعتباره أيضا ، وعند اعتبارهما يصير المستحق بالعقد مجهولا على ما قررنا ; لأن باعتبار المدة المستحق هو الوصف الذي يجد به في المعمول وجهالة المستحق بالعقد مفسد للعقد ، والله أعلم بالصواب .
كتاب أدب القاضي
( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى وهو من أشرف العبادات لأجله أثبت الله تعالى لآدم عليه السلام اسم الخلافة فقال [ ص: 60 ] جل جلاله { إني جاعل في الأرض خليفة } وأثبت ذلك لداود فقال عز وجل { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } ، وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون } . وقال الله تعالى { ، وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } ) ، وهذا لأن في القضاء بالحق إظهار العدل وبالعدل قامت السموات والأرض ورفع الظلم وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل ، وإنصاف المظلوم من الظالم واتصال الحق إلى المستحق وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ولأجله بعث الأنبياء والرسل رضوان الله عليهم ، وبه اشتغل الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم .
وقد دل على جميع ما قلنا الحديث الذي بدأ به محمد رحمه الله الكتاب ورواه عن أبي بكر الهذلي عن أبي المليح عن أسامة الهذلي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، وما كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما عند الناس يسمونه كتاب سياسة القضاء وتدبير الحكم وقوله أما بعد أي بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله وهذه الكلمة علامة بها يعرف تحول الكاتب إلى بيان مقصوده من الكتاب وعد من فصل الخطاب قيل في تأويل قوله تعالى { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } الحكمة النبوة وفصل الخطاب أما بعد . وقال قتادة الحكمة الفقه وفصل الخطاب البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقوله فإن القضاء فريضة محكمة أي مقطوع بها ليس فيها احتمال نسخ ولا تخصيص ولا تأويل فتفسير المحكم هذا بيانه في قوله تعالى { آيات محكمات هن أم الكتاب } ومنه يقال بناء محكم والفرض هو التقدير والقطع قال الله تعالى { سورة أنزلناها وفرضناها } وقوله سنة متبعة أي طريقة مسلوكة في الدين يجب اتباعها على كل حال فالسنة في اللغة الطريقة ، وما يكون متبعا منها فأخذها هدى وتركها ضلالة ( قال ) فافهم إذا أدلى إليك الخصمان والإدلاء رفع الخصومة إلى الحاكم والفهم إصابة الحق فمعناه عليك ببذل المجهود في إصابة الحق إذا أدلى إليك وقيل معناه اسمع كلام كل واحد من الخصمين وافهم مراده وبهذا يؤمر كل قاض ; لأنه لا يتمكن من تمييز الحق من المبطل إلا بذلك وربما يجري على لسان أحد الخصمين ما يكون فيه إقرار بالحق لخصمه . فإذا فهم القاضي ذلك أنفذه . وإذا لم يفهم ضاع وإليه أشار في قوله فإنه لا ينفع تكلم بحق ولا نفاذ له وقيل المراد استمع إلى كلام الشهود وافهم مرادهم فإنهم يتكلمون بالحق بين يديك .
وإنما يظهر منفعة ذلك لتنفيذ القاضي [ ص: 61 ] إياه ، ثم قال أس بين الناس معناه سو بين الخصمين فالتأسي في اللغة التسوية قال قائلهم :
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن
أعز النفس عنهم بالتأسي وفيه دليل أن على القاضي أن يسوي بين الخصوم إذا تقدموا إليه اتفقت مللهم أو اختلفت فاسم الناس يتناول الكل ، وإنما يسوى بينهم فيما أشار إليه في الحديث فقال في وجهك ومجلسك وعدلك يعني في النظر إلى الخصمين والإقبال عليهما في جلوسهما بين يديه حتى لا يقدم أحدهما على الآخر ، وفي عدله بينهما وبالعدل أمر وحكي أن أبا يوسف رحمه الله قال في مناجاته عند موته اللهم إن كنت تعلم أني ما تركت العدل بين الخصمين إلا في حادثة واحدة فاغفرها لي قيل وما تلك الحادثة قال ادعى نصراني على أمير المؤمنين دعوى فلم يمكني أن آمر الخليفة بالقيام من مجلسه والمحاباة مع خصمه ، ولكني رفعت النصراني إلى جانب البساط بقدر ما أمكنني ، ثم سمعت الخصومة قبل أن أسوي بينهما في المجلس فهذا كان جوري ليعلم أن هذا من أهم ما ينبغي للقاضي أن ينصرف إليه في العناية لما أشار إليه في الحديث فقال لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف من جورك والحيف هو الظلم قال الله تعالى { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } .
فإذا قدم الشريف طمع في ظلمه وانكسر بهذا التقديم قلب خصمه الضعيف فيخاف الجور ، وربما يتمكن للشريف عند هذا التقديم من التلبس ويعجز الضعيف عن إثبات حقه بالحجة والقاضي هو المسبب لذلك بإقباله على أحدهما وتركه التسوية بينهما في المجلس ويصير به متهما بالميل أيضا وهو مأمور بالتحرز عن ذلك بأقصى ما يمكنه ( قال ) { البينة على المدعي واليمين على من أنكر } ، وهذا اللفظ مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد من جوامع الكلم على ما قال صلوات الله وسلامه { أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا } ، وقد أملينا فوائد هذين الحديثين في شرح كتاب الدعوى .
( قال ) { والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما } ، وهذا أيضا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه دليل جواز الصلح وإشارة إلى أن القاضي مأمور بدعاء الخصمين إلى الصلح قد وصف الله تعالى الصلح بأنه خير فقال عز وجل { والصلح خير } ، وذلك دليل النهاية في الخيرية ويستدل الشافعي رحمه الله بظاهر الاستثناء في إبطال الصلح مع الإنكار ( قال ) هو صلح حرم حلالا وأحل حراما ; لأن المدعي إذا كان مبطلا فأخذ المال كان حراما عليه والصلح يحل له ذلك [ ص: 62 ] وإن كان محقا فالصلح يكون على بعض الحق عادة وما زاد على ذلك إلى تمام حقه كان أخذه حلالا قبل الصلح حرم عليه ذلك بالصلح وكان حراما على الخصم منعه قبل الصلح أحل له ذلك بالصلح ، ولكنا نقول ليس المراد هذا ، ولكن المراد تحليل محرم العين أو تحريم ما هو حلال العين بأن وقع الصلح على خمر ، أو خنزير ، أو في الخصومة بين الزوجات صالح إحدى المرأتين على أن لا يطأ الأخرى ، أو صالح زوجته على أن يحرم أمته على نفسه فهذا هو الصلح الذي حرم حلالا ، أو أحل حراما ، وهذا باطل عندنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|