
18-12-2025, 11:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 42الى صـــ 51
(332)
ولو استأجر رجلا يكتب له مصحفا ، أو فقها معلوما كان جائزا ; لأن الكتابة عمل معلوم وهو يتحقق من المسلم والكافر ، ثم الاستئجار عليه متعارف وقيل الاستئجار على الكتابة كالاستئجار على الصياغة ; لأن بعمله يحدث لون الحبر في البياض أو كالاستئجار على النقش ، وذلك جائز إذا كان معلوما عند أهل الصنعة .
( قال ) الشيخ الإمام رحمه الله الأصح عندي أن المقصود هنا يحصل بعمل الأجير وهي الكتابة بخلاف التعليم فالمقصود هناك لا يحصل إلا بمعنى في المتعلم وإيجاد ذلك ليس في وسع المعلم بينهما .
ولو استأجر رجلا يعمل عملا فلا أجر له في ذلك بخلاف ما لو استأجر نصيبه من دار بينهما ، وقد بينا هذا .
ولو استأجر الوصي نفسه ، أو عبده يعمل لليتيم لم يجز أما عند محمد رحمه الله فلأن الوصي لا ينفرد بالعقد لليتيم مع نفسه بحال كما في البيع ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يجوز ذلك إلا بمنفعة ظاهرة ولا منفعة هنا ; لأن من جهة الوصي مما ليس بمتقوم لنفسه ويشترط على اليتيم بمقابلته مالا متقوما فهذا لا يجوز ولم يذكر أنه لو استأجر اليتيم ، أو عبد اليتيم بمال نفسه ليعمل له هل يجوز أم لا قالوا وينبغي أن يجوز ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لما فيه من المنفعة الظاهرة لليتيم فإنه يدخل في ملكه مالا بإزاء ما ليس بمال والأب يستأجر نفسه ، أو عبده لعمل يعمله لولده فيجوز ذلك ويستوجب الأجر ; لأن شفقة الأبوة تمنعه من ترك النظر له فيجوز عقده مع نفسه من غير اشتراط منفعة ظاهرة لولده فيه .
ولو استأجر الوصي من نفسه عبدا لليتيم ليعمل ليتيم آخر من حجرة وهو وصيهما فهذا لا يجوز ; لأنه إن نفع أحدهما أضر بالآخر وهو لا ينفرد بالتصرف إلا بمنفعة ظاهرة ولا يجوز للصبي أن يؤاجر نفسه ; لأنه عقد معاوضة كالبيع فلا يملكه المحجور عليه ، وإنما ذلك إلى وليه وله الأجر إن عمل استحسانا ، وفي القياس لا أجر له ; لأن العقد باطل ووجوب الأجر باعتباره . فإذا بطل لم يجب الأجر ، وفي الاستحسان يجب الأجر ; لأن هذا العقد منه تمحض منفعة بعد إقامة العمل فإنا لو اعتبرنا العقد استوجب الأجر ، ولو لم يعتبره لم يجب له الأجر والصبي لا يكون محجورا عما يتمحض منفعة له [ ص: 43 ] كقبول الهبة والصدقة .
وكذلك العبد المحجور عليه لا يؤاجر نفسه فإن فعل وسلم من العمل وجب له الأجر استحسانا لما قلنا فإن مات من العمل تقرر الضمان على المستأجر ; لأنه غاصب له ، ثم الأجر له ; لأنه ملكه بالضمان من حين وجب عليه الضمان بخلاف الصبي الحر فإنه ، وإن هلك في العمل فله الأجر بقدر ما أقام من العمل ; لأن الحر لا يملك بالضمان . وإذا أخذ العبد الأجر فهو لمولاه ; لأنه كسب عبده فإن أخذه الغاصب من يده فاستهلكه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأن إتلاف بدل منفعة كإتلاف منافعه ، وقد بينا هذا في الغصب
وإذا استأجر نهرا يابسا ليجري فيه الماء بأرضه ، أو إلى رحا ماء فهذا فاسد ; لأن موضع النهر لا يصلح للسكنى وإجراء الماء فيه ليس في وسعه ومقدار ما يجري من الماء مجهول والضرر يختلف بقلته وكثرته ، وكذلك لو استأجر بالوعة ليصب فيها وضوءه وبوله ، أو مسيل ماء ليسيل فيه ماء ميزابه فهذا مجهول والضرر يختلف بقلته وكثرته ، وكذلك لو استأجر بئرا ليسقي منها غنمه ، وإن أراد الحيلة في ذلك فالوجه أن يؤاجره من حريم النهر والبئر موضعا معلوما ليكون عطنا لمواشيه ويبيح له سقي المواشي من البئر ، وكذلك إجارة المرعى لا تجوز والحيلة فيه أن يؤاجره موضعا معلوما ليضرب فيه خيمة فيسكن ويبيح له الانتفاع بالمرعى ، ولو أجره بكرة وحبلا ودلوا يسقي بها غنمه فهو فاسد للجهالة إلا أن يسمي وقتا فيجوز ; لأن العقد يرد على منفعة العين في المدة .
فإن استأجر من رجل موضع جذع يضعه على حائطه لم يجز عندنا وجاز عند الشافعي رحمه الله ; لأنه موضع استأجره لمنفعة معلومة ولو استعاره لذلك جاز . فكذلك إذا استأجره ، ولكنا أفسدناه للجهالة ; لأن الضرر يتفاوت بثقل الجذع وخفته وكثرة ما يبني وقلته ، وكذلك لو استأجر حائطا ليبني عليه سترة فهو فاسد في قول أبي حنيفة رحمه الله للجهالة ، وقد يفضي إلى المنازعة .
وإن استأجر طريقا في دار ليمر فيه كل شهر بأجر مسمى فهو فاسد ، وفي قول أبي حنيفة رحمه الله لجهالة الموضع الذي يتطرق فيه وللشيوع فإن عنده استئجار جزء من الدار شائعا لا يجوز . فكذلك الطريق وعندهما استئجار جزء شائع صحيح . فكذلك الطريق وهو معلوم بالعرف على وجه لا يكون فيه منازعة .
ولو استأجر علو منزل ليبني عليه لم يجز في قول أبي حنيفة رحمه الله وجاز في قولهما ; لأن مقدار بناء العلو معلوم بالعرف وسطح السفل حق صاحب السفل كالأرض .
ولو استأجر أرضا ليبني عليه بيتا جاز . فكذلك إذا استأجر سطح السفل ليبني عليه وأبو حنيفة رحمه الله يقول هذا استئجار الهواء والهواء ليس بمملوك لأحد [ ص: 44 ] ثم مقدار ما يبني مجهول والضرر على حيطان السفل يتفاوت بقلة ذلك وكثرته وربما تفضي هذه الجهالة إلى المنازعة بخلاف الأرض فالضرر على الأرض لا يختلف بخفة البناء وثقله .
ولو استأجر موضع كوة ينقبها في حائط له يدخل عليه منها الضوء لم يجز ; لأن هذا ليس من إجارة الناس ، ولأن المقصود الانتفاع بما ليس من ملك المؤاجر وهو ضوء الشمس . فكذلك لو استأجر موضعا ليمتد في حائط يعلق عليه شيئا فإنه لا يجوز من قبل أنه ليس معه أرض وبهذا اللفظ يستدل من لا يجوز من أصحابنا رحمهم الله استئجار البناء بدون الأرض ففي تأمله تنصيص على هذا ، ثم الضرر على الحائط يختلف بخفة ما يعلقه على الوتد أو بثقله فهو مجهول على وجه لا يمكن إعلامه ، وكذلك لو استأجر موضع ميزاب في حائط لأن الضرر على الحائط يتفاوت بقلة الماء الذي يسيل وكثرته فأما إذا استأجر ميزابا مدة معلومة لينصبه في حائط يسيل فيه ماؤه فهذا جائز ; لأنه عين منتفع به استأجره لمنفعة معلومة .
وإذا استأجر رجلا ليعمل له عمل اليوم إلى الليل بدرهم خياطة أو صباغة ، أو خبزا ، أو غير ذلك فالإجارة فاسدة عند أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قولهما يجوز استحسانا ، ويكون العقد على العمل دون اليوم حتى إذا فرغ منه نصف النهار فله الأجر كاملا ، وإن لم يفرغ في اليوم فله أن يعمله في الغد ; لأن المقصود العمل وهو معلوم مسمى وذكر الوقت للاستعجال لا لتعليق العقد به فكأنه استأجره للعمل على أن يفرغ منه في أسرع أوقات الإمكان ، وهذا ; لأن المستأجر إنما يلتزم البدل بمقابلة ما هو مقصود له ، وذلك العمل دون المدة وأبو حنيفة رحمه الله يقول جمع في العقدتين تسمية العمل والمدة وحكمهما مخالف فموجب تسمية المدة استحقاق منافعه في جميع المدة بالعقد وموجب تسمية العمل أن يكون المعقود عليه الوصف الذي يحدثه في المعمول لا منافعه ويتعذر الجمع بينهما اعتبارا ، وليس أحدهما بالاعتبار بأولى من الآخر فيفسد العقد بجهالة المعقود عليه ، وقد تفضي هذه الجهالة إلى المنازعة فإنه إذا فرغ من العمل قبل مضي اليوم فللمستأجر أن يقول منافعك في بقية اليوم حقي باعتبار تسمية الوقت ، وأنا أستعملك . وإذا لم يفرغ من العمل في اليوم فللأجير أن يقول عند مضي اليوم قد انتهى العقد بانتهاء المدة ، وإن كان العمل مقصود المستأجر فالمدة مقصود الأجير فليس البناء على مقصود أحدهما بأولى من البناء على مقصود الآخر ، ولأن الأجير يلتزم ما لا يقدر عليه وهو إقامة جميع العمل المسمى في الوقت المسمى .
وروى محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه لو استأجره ليخيط له هذا القميص لا يجوز ، ولو قال في اليوم يجوز ; لأن بحرف في [ ص: 45 ] يظهر أن مراده من ذكر المدة الاستعجال لا تسمية المقدار المعقود عليه من المنفعة وحرف في للظرف والمظروف ، وقد يشغل جزءا من الظرف لا جميعه وعلى هذا الخلاف لو استأجر دابة من الكوفة إلى بغداد ثلاثة أيام بأجر مسمى فذكر المدة والمسافة والعمل ، وكذلك لو استأجره ينقل له طعاما معلوما من موضع إلى موضع من اليوم إلى الليل فهو على الخلاف الذي بينا .
وإن استأجر عبدا شهرا بأجر مسمى على أنه إن مرض فعليه أن يعمل بقدر الأيام التي مرض فيها من الشهر الداخل فهذا فاسد لجهالة مدة الإجارة فلا يدري في أي مقدار من الشهر يمرض ليدخل في العقد بقدر ذلك من الشهر الداخل ، ثم هذا الشهر يخالف مقتضى العقد ; لأن مقتضى العقد انتهاؤه بمضي المدة تمكن من استيفاء المعقود عليه ، أو لم يتمكن ، وهذا الشرط يخالف ذلك .
وإن استأجر بيتا شهرا بعشرة دراهم على أنه إن سكنه يوما ، ثم خرج عليه عشرة دراهم فهذا فاسد ; لأن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد ; لأن مقتضى العقد أنه متى خرج بعذر لا يلزمه الأجر ، ثم مقدار أجر منفعة البيت في اليوم الأول مجهول أنه ثلاثة دراهم ، أو عشرة دراهم ، وكذلك إن استأجر دابة بعشرة دراهم إلى بغداد على أنه إن بلغ قرية كذا ، ثم بدا له أن يرجع فله الأجر كاملا فهذا فاسد لجهالة مقدار الأجر إلى الموضع الذي سمى ، ولأن الشرط يخالف مقتضى العقد .
وإن استأجر دابة ليحمل عليها حمل كذا بأجر معلوم إلى موضع كذا على أنه إن حمل عليها كذا من الحمل فحمل غير ذلك إلى ذلك المكان ولم يحمل الأول فأجرها كذا فهو فاسد في قول أبي حنيفة رحمه الله الأول وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وهو جائز في قوله الآخر على ما شرطا ، وكذلك لو استأجر أرضا ليزرعها حنطة بخمسين درهما ، وإن زرعها سمسما فأجرها مائة درهم فهو على هذا الخلاف ، وكذلك إن استأجر بيتا على أنه إن أسكنه بزازا فأجره خمسة ، وإن أسكنه قصارا فأجره عشرة وجه قوله الأول أن المعقود عليه مجهول والبدل بمقابلته مجهول فالضرر يختلف بسكن القصار والبزاز وهما عقدان في عقد { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعين في بيع } أرأيت لو سلم إليه البيت فلم يسكنه أصلا حتى مضت المدة فماذا يوجب عليه خمسة أو عشرة ووجه قوله الآخر أن كل نوع من المنفعة معلوم بالتسمية والبدل بمقابلته معلوم فيصح العقد ، وهذا ; لأن الأجر لا يجب بنفس العقد ، وإنما يجب باستيفاء المنفعة ، وعند ذلك لا جهالة في المعقود عليه ولا في البدل .
فأما إذا لم يسكنها فقال بعض مشايخنا رحمهم الله ينبغي على قياس قوله الآخر أن يلزمه نصف [ ص: 46 ] كل واحد من التسميتين ; لأن وجوب الأجر التمكن من الاستيفاء هنا ، وقد تمكن من استيفاء المنفعتين جميعا ، وليس أحد البدلين بالإيجاب عليه بأولى من الآخر فيلزمه نصف كل واحد منهما والأصح أنه لا يلزمه إلا خمسة ; لأن أصل البدل بمقابلة منفعة البيت خمسة ، ثم التزم زيادة البدل بزيادة الضرر . وإذا سكنه قصارا ; لأن ذلك يوهن البناء . فإذا لم يسكنها أحدا فقد انعدم ذلك الضرر .
( ألا ترى ) أنه لو أسكن بزازا لا يلزمه إلا خمسة ، وقد كان متمكنا من أن يسكنه قصارا . فإذا لم يسكنه أصلا أولى أن لا يلزمه إلا خمسة .
رجل استأجر دارا سنة بمائة درهم على أن لا يسكنها ولا ينزل فيها فالإيجارة فاسدة ; لأنه نفى موجب العقد بالشرط ، وذلك يضاد العقد ، وإن لم يسكنها فلا أجر عليه ، وفي هذا اللفظ تنصيص على أن الإجارة الفاسدة بالتمكن من الاستيفاء لا يوجب الأجر ما لم يوجب الاستيفاء حقيقة كما في النكاح الفاسد ، وإنما يتكلفون من الفرق بينهما غير معتمد ، وإن سكنها فعليه بأجر مثلها لا ينقص مما سمى ; لأنه إنما رضي بالمسمى بشرط أن لا يسكن فعند السكنى لا يكون راضيا به فيلزمه أجر مثلها بالغا ما بلغت .
وإن جعلت أجر الدار أن يؤذن لهم سنة ، أو يوما فالإجارة فاسدة وعليه أجر مثل الدار إن سكنها ; لأنه استوفى منافعها بعقد فاسد فإنما سمى إذا كان لا يصلح بدلا فهو في الحكم كما لو أجرها ولم يسم الأجر ولا أجر له في الأذان والإمامة ; لأن الإجارة لا تنعقد على هذا العمل لا صحيحا ولا فاسدا ، ولأنه عامل لنفسه فلا يكون مسلما عمله إلى غيره .
وإن تكارى برذونا ليتعرض عليه فإن جاز فعليه عشرة دراهم ، وإن لم يجز فعليه خمسة فالإجارة فاسدة ومعنى المسألة أن المستأجر من أصحاب الديوان اسمه في ديوان الفرسان ، وقد يفق فرسه فطلب السلطان العرض فاستأجر الفرس على أنه إن لم يوقف على ضيعة فالأجر عشرة ، وإن وقف على ذلك فالأجر خمسة فهذا فاسد لجهالة الأجر فلا يدري الجواز ولا يجوز وعليه أجر مثلها فيما استوفى من المنفعة ولا ضمان عليه أن يفق في ركوبه أو أخذه السلطان ; لأن المقبوض بحكم إجارة فاسدة في حكم الضمان كالمقبوض بحكم إجارة صحيحة .
وإن تكارى بغلا على أنه كلما ركب الأمير ركب معه فالإجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه وعليه من كل ركبة أجر مثله ; لأن أجر المثل بعقد فاسد بقدر المستوفى من المنفعة
وإن تكارى دابة إلى بغداد على أنه إن رزقه الله تعالى من بغداد شيئا ، أو من فلان شيئا أعطاه نصف ذلك فهذا فاسد لجهالة الأجر والغرر المتمكن بسبب الشرط في أصل الأجر وعليه أجر مثلها فيما يركب ، وإن تكاراها إلى بغداد على أنها إن بلغته [ ص: 47 ] إلى بغداد فله أجر عشرة دراهم وإلا فلا شيء له فالإجارة فاسدة وعليه أجر مثلها بقدر ما سار عليها لمعنى المخاطرة والضمان ، وقد تقدم نظيره في مسألة الخياطة والله أعلم بالصواب .
باب إجارة حفر الآبار والقبور
( قال رحمه الله . وإذا استأجر حفارا ليحفر له بئرا في داره ولم يسم موضعا ولم يصفها فهو فاسد ) لجهالة المعقود عليه فعمل الحفر يختلف باختلاف الموضع في الصلابة والرخاوة والسهولة والصعوبة ويختلف باختلافه البئر في العرض والعمق ، ولو سمى عشرة أذرع في الأرض ومما يدير هكذا ذراعا بأجر مسمى جاز ; لأن العمل صار معلوما بتسمية الذرعان عند أهل الصنعة والموضع معلوم بتسمية داره فإن حفر ثلاثة أذرع ، ثم وجد جبلا أشد عملا وأشد مؤنة فأراد ترك ذلك فليس له ترك ذلك ويجبر على الحفر إذا كان يطاق ; لأنه إن التزم العمل مع عمله على أن أطباق الأرض تختلف فليس في إبقاء العقد عليه ضرر فوق ما التزم بالعقد فلا يكون ذلك عذرا في الفسخ .
وفي الكتاب ( قال ) إذا كان يطاق ، وما من موضع إلا ويطاق فيه حفرا ، ولكن مراده من هذا اللفظ إذا كان يطاق حفرا بآلة الحفارين ولا يحتاج الأجير إلى اتخاذ آلة أخرى لذلك ; لأنه إنما التزم إقامة العمل بآلة الحفارين . فإذا كان يحتاج إلى اتخاذ آلة أخرى لذلك فهذا ضرر لم يلتزمه بالعقد فيكون عذرا له في الفسخ ، وإن شرط عليه أن كل ذراع في سهل ، أو طين بدرهم وكل ذراع في جبل أو ماء بدرهمين وسمى طول البئر خمسة عشر ذراعا فهو جائز ; لأنه ذكر نوعين من العمل وسمى بمقابلة كل واحد منهما بدلا معلوما ولا يبقى بعد ذلك للتسمية جهالة تفضي إلى المنازعة ; لأن وجوب الأجر عند الحفر ، وعند ذلك ما يلزمه من الأجر معلوم القدر .
ولو استأجره ليحفر له بئرا عشرة أذرع في جبل مروة فحفر ذراعا ، ثم استقبل جبلا صما صفا فإن كان يطاق حفره فهو عليه والمروة اللين من الحجر الذي يضرب إلى الخضرة والصفا ما يضرب إلى الحمرة ، وقد بينا أنه التزم الحفر بآلة الحفارين . فإذا كان بحيث يطاق الحفرة بتلك الآلة فلا عذر له في الترك ، وإن كان لا يطاق فله أن لا يترك الإجارة وله من الأجر بحساب ما حفر ، وكذلك النهر والقناة والسرداب والبالوعة إذا ظهر الماء فيه قبل أن يبلغ ما شرط عليه فإن كان لا يستطاع الحفر معه فهذا عذر ; لأن في إيفاء العقد يلحقه الضرر لم يلتزمه بالعقد .
ولو استأجره ليحفر له بئرا في داره فحفرها ، ثم انهارت قبل أن يفرغ منها فله من [ ص: 48 ] الأجر بحساب ما حفر ; لأنه يقيم العمل في ملك المستأجر فيصير عمله مسلما إليه بقدر ما يفرغ منه ويتقرر حقه في الأجر فلا يسقط حقه بالتلف بعد ما يخرج من ضمانه .
ولو كانت بئر ماء فشرط عليه مع حفرها طيها بالآجر والجص ففعل وفرغ منها ، ثم انهارت فله الأجر كاملا ، وإن انهارت قبل أن يطويها بالأجر فله الأجر بحساب ذلك ; لأن بنفس العمل يجب له الأجر ويصير العمل مسلما إلى صاحبه فيطالبه بالأجر بحساب ما أقام من العمل .
ولو استأجره ليحفرها في الجبانة في غير ملكه ولا في فنائه فحفرها فانهارت فلا أجر له حتى يسلمها إلى صاحبها بمنزلة العامل من الخياط والقصار في بيت نفسه ، وهذا ; لأن عمله ما اتصل بملك المستأجر ليصير المستأجر بذلك قابضا ولا بد لدخول العمل في ضمانه من أن يثبت يده عليه ، وذلك لا يكون إلا بالتسليم إليه ، وفي هذا اللفظ دليل على أن الفناء حق المرء ، ولكنه غير مملوك له .
( ألا ترى ) أنه قال في غير ملكه ولا في فنائه والفناء في يده لكونه أحق بالانتفاع به . فإذا كان الحفر فيه يصير العمل مسلما إليه بمنزلة الحفر في ملكه ، وكذلك لو استأجره ليحفر له قبرا ، ثم دفن فيه إنسان قبل أن يأتي المستأجر بجنازته لم يكن على المستأجر أجر ; لأنه حفر القبر في غير ملك المستأجر فلما لم يسلم إليه لا يتقرر حقه في الأجر ، وإن جاء المستأجر فحال الأجير بينه وبين القبر فانهار بعد ذلك ، أو دفنوا فيه إنسانا آخر فله الأجر كاملا ; لأنه قد سلم المعقود عليه إلى صاحبه ، وإن دفن فيه المستأجر ميتة ، ثم قال للأجير احث التراب عليه فأبى الأجير في القياس لا يلزمه ذلك ; لأنه التزم عمل الحفر وحثي التراب كنس ، وليس بحفر وهو ضد ما التزمه بعقد الإجارة ، ولكني أنظر إلى ما يضع أهل ملك البلاد فإن كان الأجير هو الذي يحثي التراب خيرته في ذلك ، وذلك يعمل بالكوفة ، وإن كان الأجير لم يفعل ذلك في تلك البلدة لم أجبره عليه ، وهذا ; لأن بمطلق العقد يستحق ما هو المتعارف والمعروف في كل موضع يجعل كالمشروط .
وإن أراد أهل الميت أن يكون الأجير هو الذي يضع الميت في لحده وهو ينصب اللبن عليه لم يجبر الأجير على ذلك ; لأن هذا غير متعارف بل العرف إن أقرباء الميت وأصدقاءهم الذين يضعونه في لحده وترك ذلك إلى الأجير يعد من الاستخفاف به فإن وصف له موضع يحفر فيه فوافق فيه جبلا هو أشد من وجه الأرض فحفره لم يزد على أجره ; لأنه قد التزم عمل الحفر مع عمله باختلاف أطباق الأرض في الصلابة والرخاوة .
وإن استأجره بالكوفة يحفر قبرا ولم يسم له في أي المقابر يحفر فالعقد فاسد في القياس للجهالة التي تفضي إلى المنازعة ، ولكن أستحسن إذا حفر في الناحية [ ص: 49 ] التي يدفن فيها أهل ذلك الموضع أجعل له الأجر ، وهذا بناء على عادة أهل الكوفة فإن لكل درب فيهم مقبرة على حدة لأهلها . فأما في ديارنا فلو انتقل من محلة إلى محلة فلا بد من تسمية المقبرة بناء على عرف ديارنا ، وإن سمى له موضعا معلوما فحفر في موضع آخر فلا أجر له إلا أن يدفنوا في حفرته فإن فعلوا ذلك فله الأجر حينئذ ، وكذلك إن أمروه بحفر القبر ولم يسموا موضعا فحفر في غير مقبرة أهل تلك البلدة ، أو تلك الناحية فلا أجر له إلا أن يدفنوا في حفرته فحينئذ يستوجب الأجر لوجود الرضاء منهم بعمله حين دفنوا الميتة فيه .
وإن أرادوا منه تطيين القبر ، أو تجصيصه فليس ذلك عليه ; لأنه التزم عمل الحفر والتجصيص ليس من ذلك في شيء ، وفي العادة الذي يطين القبر غير الذي يحفره ، وإن استأجروه ليحفر لهم القبر ولم يسموا له طوله ولا عرضه ولا عمقه في الأرض فهو فاسد في القياس ; لأن القبور تختلف في الطول والعرض والعمق والعمل بحسبه يتفاوت ، ولكني أستحسن فأجبره فأقدره بوسط ما يعمل الناس ; لأن ذلك معلوم بالعرف فهو كالشروط بالنص وبمطلق العقد يستحق الوسط في المعاوضات فإنه فوق الوكس ودون الشطط وخير الأمور أوسطها ، وإن وصفوا له موضعا فوجد وجه الأرض لينا فلما حفر ذراعا وجد جبلا أجبره على أن يحفر إن كان ذلك مما يحفر الناس ; لأنه التزمه بمطلق العقد ، وإن لم يسموا له لحدا ولا شقا فهو عادة أهل تلك الناحية فإن كان بالكوفة فعظم عملهم على اللحد ، وإن كان في بلد عظم عملهم على الشق فهو على الشق ; لأن بمطلق العقد يستحق المتعارف والمتعارف ما عليه عظم العمل .
ولو استأجره ليكري له نهرا ، أو قناة فأراه مفتحها ومصبها وعرضها وسمى له كم يمكن في الأرض فهو جائز ، وإن اشترط طيها بالأجر والجص من عند الأجير فهو فاسد ; لأنه مشتر للآجر والجص فهذا بيع شرط في الإجارة ، وذلك مفسد للعقد ، وإن شرط الآجر والجص من عند المستأجر ولم يسم عدد الآجر فهو في القياس فاسد لجهالة ما شرط عليه من العمل ، وذلك يتفاوت بتفاوت الآجر ، وفي الاستحسان هو جائز على ما يعمل الناس ; لأن عدد ما يحتاج الناس إليه لذلك العمل من الآجر معلوم عند أهل الصنعة فيكون كالمشروط ، وإن سمى عدد الآجر وكيل الجص وعرض الطي وطوله في السماء فهو أوثق ; لأنه عن المنازعة أبعد .
وإن استأجر قوما يحفرون له سردابا لم يجز حتى يسمي طوله وعرضه وقعره في الأرض فالمعقود عليه لا يصير معلوما إلا بذلك ، وبعد الإعلام إذا عمل بعضهم أكثر من غيره فالأجر بينهم على عدد الرءوس ; لأن [ ص: 50 ] استحقاق الأجر يقبل العمل ، وقد استووا في ذلك ، ولأنه اشتركوا مع عملهم أنه لا بد من تفاوت في عملهم فكان ذلك رضاء منهم بترك اعتبار ذلك التفاوت ، وإن لم يعمل واحد منهم لمرض أو عذر فإن كان بينهم شركة في الأصل فله الأجر معهم بعقد الشركة بينهم ، وإن لم يكن بينهم شركة فلا أجر له ; لأن استحقاق الأجر بالعمل لا يستحقه من لم يعمل سواء ترك العمل بعذر أو بغير عذر ويرفع عنهم من الأجر بحساب حصته ، ويكون عملهم في حصته تطوعا ; لأن كل واحد منهم يستحق الأجر عند العمل بالتسمية فإنما يستحق بقدر ما سمى له ، وإن زاد عمله على ما التزم بالعقد فهو متطوع في تلك الزيادة .
رجل تكارى رجلا يحفر له بئرا عشرة أذرع طولا في عرض معلوم بعشرة دراهم وزعم الحفار أنه شرط أن يحفرها خمسة أذرع طولا ولم يعمل شيئا بعد فإنهما يتحالفان لاختلافهما في مقدار المعقود عليه في حال قيام العقد واحتماله للفسخ ، وإن كان قد حفر خمسة أذرع فالقول قول المستأجر مع يمينه ويعطيه من الأجر بحساب ما قال ; لأن الأجير يدعي عليه الزيادة وهو منكر ويحلف الأجير على دعوى المستأجر ; لأنه يدعي عليه حفر خمسة أذرع أخرى مما التزمه بالعقد وهو منكر فيحلف على ذلك ويتشاركان فيما بقي
ولو قال احفر لي في هذا المكان فحفر فانتهى إلى جبل لا يطاق أي لا يطاق بآلة الحفارين فالأجير بالخيار لما يلحقه من الضرر فوق ما التزمه بالعقد والله أعلم بالصواب .
باب إجارة البناء
( قال رحمه الله . وإذا استأجر الرجل رجلا يبني له حائطا بالجص والآجر وأعلمه طوله وعرضه وعمقه وارتفاعه في السماء فهو جائز ) ; لأنه عمل معلوم يستأجر عليه عرفا ويقدر الأجير على إيفائه ، وإن سمى كذا كذا ألف آجرة من هذا الآجر وكذا كذا من الجص ولم يسم الطول والعرض فهو في القياس فاسد لجهالة المعقود عليه ; لأن المعقود عليه العمل دون الآجر والجص والعمل يختلف باختلاف صفة الحائط في الطول والعرض ، وفي أسفل الحائط يكون العمل أسهل وكل ما يرتفع من وجه الأرض كان العمل أشق ، ولكنه استحسن ( فقال ) هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة وبنيان مقدار الآجر والجص يصير الطول والعرض في الحائط الذي يبني عليه معلوم عند أهل الصنعة فلو سمى مع ذلك الطول والعرض كان أجود ; لأنه عن الجهالة أبعد ، وإن سمى كذا كذا آجرا ولبنا ولم يسم الملبن ولم يره إياه فهو فاسد في القياس للجهالة ، ولكنه [ ص: 51 ] استحسن فقال إن كان ملبن ذلك البلد الآجر واللبن واحد معلوم فالمعلوم بالعرف كالمشروط بالنص ، وإن كان مختلفا فحينئذ يفسد العقد إذا لم يبين فهو قياس النقد في ذلك .
وإذا استأجر بناء ليبني له دارا الأساس والسراديب والسفل والعلو بالطاقات والأساطين والحيطان على مثل ما يبني بالكوفة كل ألف آجرة وأربعة أكرار جص بكذا فهو في القياس فاسد ; لأن الأساس والسفل أهون من العلو والطاقات أشد من الحائط المستطيل فكان المعقود عليه مجهولا وربما تفضي هذه الجهالة إلى المنازعة فالبناء عند العقد لا يعرف مراد صاحب البناء ، ولكنه استحسن ( فقال ) صفة البناء معلوم بطريق الظاهر والإنسان إنما يبني داره على عادة أهل بلده وأهل محلته ، وإن كان يتكلف التفاوت فهو يسير لا تجزئ المنازعة باعتبار العادة ( قال ) واجعل الزنابيل والدلاء وآنية الماء على رب الدار للعرف ، ولأن البناء التزم بالعقد العمل وهذه الأشياء ليس من العمل في شيء فيكون على رب الدار كالآجر والجص ولا طعام على رب الدار في هذه الإجارة ; لأنه بالعقد التزم الأجر والطعام وراء الأجر ، ولأنه غير معتاد في تقبل العمل ، وإنما هو معتاد في استئجار العامل يوما بيوم ، وإن اشترط رب الدار الزنبيل وآنية الماء على المستقبل فهو عليه ; لأنه التزمه ، وقد استأجره للعمل بإرادة نفسه ، وذلك جائز كاستئجار الخياط ليخيط بإبرة نفسه وأما الماء فهو على رب الدار بمنزلة الآجر والجص ، ولكن على المستقبل أن يسقيه إن كانت في الدار بئر ، أو كانت البئر قريبة من الدار باعتبار العرف ، ولكن المرء على المستقبل ولا فرق بين المرء والزنبيل من حيث المعنى ، ولكن العرف معتبر فيها وإلى ذلك أشار بقوله ; لأن عمل الناس بالكوفة على ذلك .
وإن تكارى رجلا يعمل له يوما إلى الليل فهو جائز فيعمل له من حين يصلي الغداة إلى غروب الشمس ; لأنه تكاراه يوما وأول اليوم من طلوع الفجر الثاني إلا أن ما قبل الفراغ من الصلاة صار مستثنى ، ولأنه يشتغل بالصلاة قبل أن يأخذ في العمل وآخر اليوم غروب الشمس بدليل امتداد الصوم إليه ( قال ) والعمال بالكوفة يعملون إلى العصر ، وليس لهم ذلك إلا أن يشترطوه ; لأن العرف لا يعارض النص ، وقد نص عند العقد على يوم ولا يكون له أن يترك العمل قبل غروب الشمس إلا عن شرط ، ولو اشترط رب الدار على وضع الجذوع والهوادي وكنس السطوح وتطيينها وسمى ذلك فهو جائز ; لأنه معلوم عند أهل الصنعة .
وإن استأجره ليبني له باللبن فعلى البناء بل الطين ونقله إلى الحائط إلا أن يكون مكانا بعيدا فيكون بالخيار إذا علم ذلك ; لأنه يلحقه زيادة ضرر لم يلتزمه بالعقد فإن كان أراه المكان فلا خيار له [ ص: 52 ] لالتزامه ذلك القدر من الضرر
وإن استأجره ليبني له حائطا بالرهص وشرط عليه الطول والعرض والارتفاع فهو جائز ; لأن العمل بما سمى يصير معلوما عند أهل الصنعة على وجه لا يتفاوت والله أعلم بالصواب .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|