
18-12-2025, 10:03 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,022
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر
صـــ 12الى صـــ 21
(329)
وإن حمل الأجير شيئا في خدمة أستاذه فسقط ففسد لم يضمن ، ولو سقط على وديعة عنده فأفسدها كان ضامنا لها ، وكذلك لو عثر فسقط عليها فإن كان بساطا أو وسادة استعاره للبسط فلا ضمان في ذلك على رب البيت ولا على أجيره ; لأنه مأذون في بسطه من جهة صاحبه .
وإذا جفف القصار ثوبا على حبل فمرت به حمولة في الطريق فخرقته فلا ضمان على القصار ; لأنه متلف لا بعمله والضمان على سائق الحمولة ; لأنه مسبب وهو متعدي في ذلك فسوق الدابة في الطريق يتقيد عليه بشرط السلامة . فإذا لم يسلم كان ضامنا .
ولو تكارى دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها خمسة عشر مختوما فلما بلغ المقصد عطبت الدابة فعليه الأجر كاملا لاستيفاء المعقود عليه بكماله وهو ضامن ثلث قيمتها بقدر ما زاد ، وقد بينا هذا في العارية وذكرنا الفرق بينه وبين الجناية في بني آدم أن المعتبر هناك عدد الجناة في حق ضمان النفس وأوضح الفرق بما ذكرنا فقال لو أن حائطا مائلا لرجل ثلثاه وللآخر ثلثه يقدم إليهما فيه فوقع على رجل فجرحه وقتله كان على كل واحد منهما نصف الدية ، ولو لم يجرحه ، ولكنه قتله نقل الحائط كانت الدية عليهما بقدر الملك ; لأن نقل ملك صاحب الثلثين ضعف نقل ملك صاحب الثلث ، وفي الجرح المعتبر أصل الجراحة وكل واحد منهما خارج له بملكه فكان بمنزلة الجارح بيده . فكذلك في مسألة الدابة يضمن باعتبار نقل الزيادة ، وفي مسألة الشجاج في العبد يكون ضمان النفس على كل واحد منهما باعتبار أصل الجرح لا مقداره وعدده وعلى هذا لو أمر [ ص: 13 ] رجلا أن يضرب عبده عشرة أسواط فضرب أحد عشر سوطا فهو متعدي في السوط الحادي عشر فيضمن نقصان ذلك العبد من قيمته مضروبا عشرة أسواط ونصف ما بقي من قيمته إذا مات من ذلك ; لأنه في ضرب عشرة أسواط عامل لصاحبه بأمره فكأنه فعل ذلك هذا بنفسه ، وقد مات العبد من السياط كلها فتوزع بدل نفسه نصفين باعتبار عدد الحياة لا عدد الجنايات
وإذا سلم الرجل عبده أو أمته إلى مكتب ، أو عمل آخر فضربه الأستاذ فهو ضامن لما أصابه من ذلك ، وإن أذن له في ذلك فلا ضمان عليه ; لأن فعله بإذنه كفعل المولى بنفسه فلا يكون تعديا منه وفعله بغير أمره يكون تعديا منه وفرق أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بين هذا وبين ما إذا ضرب الدابة التي استأجرها ضربا معتادا فقالا الضرب معتاد هناك عند السير متعارف فيجعل كالمأذون فيه وهنا الضرب عند التعليم غير متعارف ، وإنما الضرب عند سوء الأدب يكون ذلك ليس من التعليم في شيء فالعقد المعقود على التعليم لا يثبت الإذن في الضرب ; فلهذا يكون ضامنا إلا أن يأذن له فيه نصا ، وكذلك إن سلم ابنه في عمل إلى رجل فإن ضربه بغير إذن الأب فلا إشكال في أنه يكون ضامنا ، وإن ضربه بإذن الأب فلا ضمان عليه في ذلك ; لأنه غير متعدي في ضربه بإذن الأب ، ولو كان الأب هو الذي ضربه بنفسه فمات كان ضامنا في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا ضمان عليه في قول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وهما يدعيان المناقضة على أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة فيقولان إذا كان الأستاذ لا يضمن باعتبار إذن الأب فكيف يكون الأب ضامنا إذا ضربه بنفسه ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله يقول ضرب الأستاذ لمنفعة الصبي لا لمنفعة نفسه فلا يوجب الضمان عليه إذا كان يأذن وليه .
فأما ضرب الأب إياه لمنفعة نفسه فإنه بغير سوء أدب ولده فيتقيد بشرط السلامة كضرب الزوج زوجته لما كان لمنفعة نفسه يقيد بشرط السلامة .
وإذا توهن راعي الرمكة رمكة منها فوقع الوهن في عنقها فجذبها فعطبت فهو ضامن ; لأنه من جناية يده ، وإن كان صاحبها أمره بالتوهن فلا ضمان عليه ; لأن فعله بأمر صاحبها كفعل صاحبها ، وهذا ; لأن التوهن ليس من عمل الراعي في شيء ولا يدل في مقابلته فلا يتقيد على المأمور بشرط السلامة بخلاف الدق من القصار .
ولو أمر رجلا أن يختن عبده ، أو ابنه فأخطأ فقطع الحشفة كان ضامنا لما بينا أن عمل الختان معلوم بمحله . فإذا جاوز ذلك كان ضامنا ولم يبين في الكتاب ماذا يضمن وهو مروي عن محمد رحمه الله في النوادر قال إن برأ فعليه كمال بدل نفسه فإن مات فعليه نصف بدل نفسه ; لأنه إذا برأ [ ص: 14 ] فعليه ضمان الحشفة وهو عضو مقصود لا يتأتى له في البدن فيتقدر بدله ببدل النفس . وإذا مات فقد حصل تلف النفس بفعلين أحدهما مأذون فيه وهو قطع الجلدة والآخر غير مأذون فيه وهو قطع الحشفة فكان ضامنا نصف بدل النفس .
ولو أمر رجلا أن يقطع أصبعه لوجع أصابه فيها فقطعها فمات منها لم يكن على القاطع شيء إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله فإنه يقول يضمن الدية اعتبارا بما لو قال ذلك اقتلني فقتله وجه ظاهر الرواية أن الإذن صح هنا ; لأن للآذن أن يفعل ذلك بنفسه فينتقل عمل المأذون إليه ويصير كأنه فعله بنفسه بخلاف قوله اقتلني فالإذن هناك غير صحيح ; لأن الآذن ليس له أن يفعل ذلك بنفسه ، وكذلك لو أمر أن يفعل ذلك بابن له صغير ، أو بعبد له فهذا ، وما لو أمره بنفسه سواء .
ولو أمر حجاما ليقطع سنا ففعل فقال أمرتك أن تقلع سنا غير هذا فالقول قوله والحجام ضامن ; لأن الإذن يستفاد من جهته ولو أنكره كان القول قوله . فكذلك إذا أنكر الإذن في السن الذي قلعه
ولو تكارى دابة يحمل عليها عشرة مخاتيم فجعل في جوالق عشرين مختوما ، ثم أمر رب الدابة فكان هو الذي وضعها على الدابة فلا ضمان عليه ; لأن صاحب الدابة هو المباشر بحمل الزيادة على دابته وأكثر ما فيه أنه مغرور من جهة المستأجر ، ولكن الغرور إذا لم يكن مشروطا في عقد ضمان لا يكون مثبتا الرجوع للمغرور على الغار ، وإن حملاها جميعا ووضعاها على الدابة ضمن المستأجر ربع قيمة الدابة ; لأن نصف المحمول مستحقا بالعقد ونصفه غير مستحق وفعل كل واحد منهما في الحمل شائع في النصفين فباعتبار النصف الذي حمله على الدابة لا ضمان على أحد وباعتبار النصف الذي حمله المستأجر لا ضمان عليه في نصفه ; لأنه يستحق بالنصف وعليه الضمان في النصف الآخر ; لأنه متعدي فيه فكان ضامنا ربع قيمتها .
وإن كان الحمل في عدلين فرفع كل واحد منهما عدلا فوضعاهما جميعا على الدابة لم يضمن المستأجر شيئا ; لأن المستأجر استحق بالعقد حمل عشرة مخاتيم حنطة ، وقد حمل هذا المقدار فيجعل حمله مما كان مستحقا بالعقد والزيادة إنما حملها رب الدابة .
وذكر في النوادر لو أن القصار استعان بصاحب الثوب حتى دق الثوب معه فتخرق ولا يدري من أي الفعلين تخرق فعلى قول أبي يوسف رحمه الله القصار ضامن نصف القيمة باعتبار الاحتمال وعلى قول محمد رحمه الله هو ضامن جميع القيمة ; لأن الثوب في يده فباعتبار اليد هو ضامن ما لم يصل إلى صاحبه سواء تلف بعمله ، أو بغير عمله فما لم يعلم أن التلف بعمل صاحب الثوب كان القصار ضامنا
وإذا ساق الراعي الغنم ، أو البقر فتناطحت [ ص: 15 ] فقتل بعضها بعضا ، أو وطئ بعضها بعضا من سياقته وهو غير مشترك وهي لإنسان واحد فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون في السوق ، وقد بينا أن الأجير الخاص لا يكون ضامنا فيما يتلف بعمل المأذون فيه ، وإن كانت لقوم شتى فهو ضامن مشتركا كان أو غير مشترك أما المشترك فلأن هذا من جناية يده وأما غير المشترك فلأنه سائق الدابة التي وطئت والسائق ضامن بالسبب وكل من وقع عليه الضمان فلا أجر له فيه ; لأنه ملك المضمون بالضمان فلا يكون مسلما إلى صاحبه .
وإذا ساق الراعي الماشية فعطبت واحدة أو وقعت في نهر فعطبت فهو ضامن ; لأنه أجير مشترك والتلف حصل بعمله
ولو استأجر دابة ليركبها فلبس من الثياب أكثر مما كان عليه حين استأجرها فإن لبس من ذلك مثل ما يلبس الناس إذا ركبوا لم يضمن ، وإن كان أكثر من ذلك ضمن بقدر ما زاد ; لأن المستحق بمطلق العقد ما هو المتعارف .
وإن تكارى ناقة ليحمل عليها امرأة فولدت المرأة فحملها هي وولدها على الناقة بغير أمر صاحبها فعطبت الناقة فهو ضامن بحساب ما زاد عليها للولد ; لأن الولد مقصود بالحمل بعد الانفصال وهو في مقداره مخالف فيضمن بحساب ما يخالف كما لو زاد متاعا معها ، ولو نتجت الناقة فحمل ولد الناقة مع المرأة فهو ضامن أيضا ; لأنه مخالف لما قلنا ، وإن تكارى بغير المحمل فحمل عليه زاملة فهو ضامن ; لأنه مخالف فيما صنع فالزاملة أضر بالبعير من المحمل ، وإن حمل عليه رجلا مكان المحمل فلا ضمان عليه فلا يكون فعله ذلك خلافا ، وقد بينا نظيره في السرج مع الإكاف والله تعالى أعلم بالصواب .
باب إجارة رحا الماء
( قال رحمه الله وإذا استأجر رجل رحا ماء والبيت الذي هو فيه وهو متاعها كل شهر بأجر مسمى فهو جائز ) ; لأنه غير منتفع به واستئجاره متعارف فإن انقطع الماء عنها فلم يعمل رفع عنه الأجر بحساب ذلك لزوال تمكنه من الانتفاع على الوجه الذي استأجره فإنه إنما استأجره ليطحن فيها بالماء دون الثور وبانقطاع المال زال تمكنه من ذلك وبدون التمكن من الانتفاع لا يجب الأجر فله أن ينقض الإجارة لتغير شرط العقد عليه فإن لم ينقضها حتى عاد الماء لزمته الإجارة فيما بقي من الشهر ، وإن كان قد بقي واحد فلم يكن له أن ينقضها لزوال العذر وتمكنه من الانتفاع فيما بقي من المدة ، ولأن هذه الإجارة في حكم عقود متفرقة لا يثبت الخيار لتفرق الصفقة ، وإن اختلفا في مقدار ما كان الماء منقطعا فالقول قول المستأجر ; لأنهما يتفقان أنه لم [ ص: 16 ] يستوف جميع المعقود عليه ، وإنما اختلفا في مقدار ما استوفى فرب الرحا يدعي زيادة في ذلك والمستأجر منكر ذلك ، ولو قال المؤاجر لم ينقطع الماء فإنه بحكم الحال فيه فإن كان الماء منقطعا في الحال فالقول قول المستأجر ، وإن كان جاريا فالقول قول المؤاجر مع يمينه على عمله ; لأنه إذا كان منقطعا في الحال فالظاهر أنه كان منقطعا فيما مضى .
وإن كان جاريا في الحال فالظاهر أنه كان جاريا فيما مضى ، وفي الخصومات القول قول من يشهد له الظاهر توضيحه إنا قد عرفنا الماء جاريا عند العقد والبناء على الظاهر واستصحاب الحال أصل ما لم يعلم خلافه . فإذا علمنا انقطاع الماء في الحال بقدر استصحاب الحال فاعتبرنا الدعوى والإنكار فرب الرحا يدعي تسليم المعقود عليه والمستأجر منكر فالقول قوله .
فأما إذا كان جاريا في الحال فاستصحاب الحال ممكن فجعلنا رب الرحا مسلما للمعقود عليه بهذا الطريق ; ولهذا كان القول قوله مع يمينه على عمله ; لأن الاستحلاف على ما لم يكن في يده ولا من عمله فيكون على العلم ، وإن كان استأجر جميع ذلك بعشرة دراهم كل شهر فطحن فيها في الشهر بثلاثين درهما فربح عشرين درهما فإن كان المستأجر هو الذي يقوم على الرحا والطعام ، أو أجيره ، أو عبده فالربح له طيب ; لأن الفضل بمقابلة منافعه ، وإن كان رب الطعام هو الذي يلي ذلك لم يطلب الربح للمستأجر إلا أن يكون قد عمله فيها عملا تنتفع بها الرحا من كري النهر ، أو نقر الرحا وغير ذلك فحينئذ يجعل الفضل بمقابلة عمله فيطيب له فقد جعل نقر الرحا معتبرا بجعل الفضل بمقابلته ولم يجعل كنس البيت فيما سبق معتبرا في ذلك ; لأن كنس البيت ليس بزيادة في البيت ، ولأن التمكن من الانتفاع باعتباره .
فأما نقر الرحا وكري النهر بعد زيادة المستأجر ، وبه يتمكن من الانتفاع . وإذا استأجر موضعا على نهر ليبني عليه بناء ويتخذ عليه رحا ماء على أن الحجارة والمتاع والحديد والبناء من عند المستأجر فهو جائز ; لأنه استأجر الأرض لمنفعة معلومة فإن انقطع ماء النهر فلم يطحن ولم يفسخ الإجارة فالأجر لازم له ; لأن المعقود عليه منفعة الأرض وهي باقية بعد انقطاع الماء والمستأجر مستوفي بما يشغل الأرض بمتاعه بخلاف الأول فهناك المعقود عليه منفعة الرحا لعمل الطحن والتمكن منه يزول بانقطاع الماء إلا أن هنا له أن يفسخ الإجارة للعذر فإن مقصوده استيفاء منفعة لا يتم ذلك بدون جريان الماء . وفي إلزام العقد إياه بعد انقطاع الماء ضرر فيكون ذلك عذرا له في الفسخ .
ولو استأجر رحا ماء بمتاعها فانقطع الماء شهرا فلا أجر عليه في ذلك الشهر لما قلنا ، وإن قل الماء حتى أضر به في الطحن وهو يطحن مع ذلك فإن كان ضررا فاحشا فهو عيب فيما هو المقصود فيتمكن [ ص: 17 ] لأجله من فسخ العقد ، وإن لم يفسخ كان الأجر واجبا عليه لبقاء تمكنه من الانتفاع ورضاه بالعيب ، وإن كان غير فاحش فالإجارة لازمة له ; لأنه لما استأجر الرحا في الابتداء مع علمه أن الماء يزداد تارة وينتقص أخرى فقد صار راضيا بالنقصان اليسير ، ولأن ما لم يمكن التحرز عنه عفو .
وإذا خاف رب الرحا أن ينقطع الماء فتفسخ الإجارة فأكرى البيت والحجرين والمتاع خاصة فهو جائز ; لأنه عين منتفع به فإن انقطع الماء فللمستأجر أن يترك الإجارة ; لأن استئجار هذه الأعيان كان لمقصود معلوم ، وقد فات ذلك بانقطاع الماء ، وفي إيفاء العقد بعد انقطاع الماء ضرر عليه ، وهذا ضرر لم يلزمه بأصل العقد فيكون عذرا له في الفسخ كما لو استأجر الرحا يطحن بجمله فينفق جمله ولم يكن عنده ما يشتري به جملا كان له أن يترك الإجارة .
ولو استأجر رحا ماء فانكسر أحد الحجرين أو الدوارة ، أو البيت فله أن يفسخ الإجارة لزوال تمكنه من الانتفاع فإن أصلح ذلك رب الرحا قبل الفسخ لم يكن للمستأجر أن يفسخ بعد ذلك لزوال العذر في بقية المدة ، ولكن يرفع عنه من الأجر بقدر ذلك لانعدام تمكنه من الانتفاع به والقول قول المستأجر في مقدار العطلة لاتفاقهما على أنه لم يسلم جميع المعقود عليه إلا أن ينكر المؤاجر البطالة أصلا فكان القول قوله باعتبار استصحاب الماء ; لأنا عرفنا تمكن المستأجر من الانتفاع عند تسليم الرحا ، ثم يدعي هو عارضا مانعا فلا يقبل قوله في ذلك إلا بحجة كما لو ادعى أن غاصبا حال بينه وبين الانتفاع بالرحا .
وإن استأجر رحا ماء على أن يطحن فيها الحنطة ولا يطحن غيرها فطحن فيها شعيرا ، أو شيئا من الحبوب سوى الحنطة فإن كان ذلك لا يضر بالرحا فلا ضمان عليه ، وإن كان أضر عليها من الحنطة ضمنه ما نقصها ; لأن التقيد معتبر إذا كان مفيدا والخلاف إلى ما هو أضر عدوان منه فيلزمه ضمان النقصان ولا أجر عليه في ذلك الوقت ; لأنه غاصب ضامن من النقصان ولا يجتمع الأجر والضمان .
وإذا استأجر الرجل رحا وبيتا من أجير وبعيرا من آخر صفقة واحدة كل شهر بأجر معلوم فهو جائز ; لأن استئجار كل عين من هذه الأعيان على الانفراد صحيح ، ثم يقتسمون الأجر بينهم على قدر ذلك ; لأن المسمى بمقابلة الكل فيتوزع عليها بالحصة ، ولو اشترك أرباب هذه الأشياء على أن يعملوا للناس بأجر فما طحنوا فالأجر بينهم أثلاثا فإن أجروا الجمل بعينه فطحن فأجر ذلك لصاحب الجمل ; لأنه سمى بمقابلته منفعة الجمل وللآخرين أجر مثلهما لنفسهما ومتاعهما على صاحب الجمل ; لأن سلامة الأجر له بذلك كله فيكون هو مستوفيا لمنافعهما ، وقد شرط بمقابلة ذلك أجر ولم [ ص: 18 ] يسلم لهما ذلك الأجر فإن قبلوا الطعام على أن يطحنوه بأجر معلوم ولم يؤجر وإلا الجمل بعينه فما اكتسبوه صار أثلاثا بينهم ; لأنهم اشتركوا في تقبل العمل وبذلك استوجبوا الأجر .
وإن كان لرجل بيت على نهر قد كان فيه رحا ماء فذهب وجاء آخر برحا آخر ومتاعها فنصبها في البيت واشتركا على أن يتقبلا من الناس الحنطة والشعير فطحناه فما كسبا فهو بينهما نصفان فهو جائز وما طحناه ، وما تقبلاه فأجره بينهما نصفان لاستوائهما في تقبل العمل في ذمتها ، وليس للرحا ولا للبيت أجرة ; لأن كل واحد منهما ما ابتغى عن متاعه أجرا سوى ما قال ( ألا ترى ) أن قصارين لو اشتركا على أن يعملا في بيت أحدهما بأداة الآخر فما كسبا فهو بينهما نصفان كان جائزا ولم يكن لواحد منهما أن يطالب صاحبه بأجر أداته .
ولو أجر الرحا بأجر معلوم على طعام معلوم كان الأجر كله لصاحب الرحا ; لأنه مسمى بمقابلة منفعة ملكه ولصاحب البيت أجر مثل بيته ونفسه على صاحب الرحا إذا كان قد عمل في ذلك ; لأن منفعة بيته ونفسه سلمت لصاحب الرحا ولم يسلم له بمقابلته ما شرط له من الأجر ( قال ) ولا أجاوز به نصف أجر مثل الرحا في قول أبي يوسف رحمه الله ، وقد بينا نظيره في كتاب الشركة .
ولو انكسر الحجر الأعلى من الرحا فنصب رجل مكانه حجرا بغير أمر صاحبه وجعل يتقبل الطعام ويطحن فهو مسيء في ذلك ضامن لما أفسد من الحجر الأسفل ومتاعه ; لأنه غاصب والأجر له ; لأنه وجب بعقده ، وإن كان وضع الحجر الأعلى برضاء صاحبه على أن الكسب بينهما نصفان فهو كما شرط وهو نظير ما سبق إذا كان يتقبلان الطعام فالأجر بينهما كما شرط .
ولو بنى على نهر بيتا ونصب فيها رحا ماء بغير رضى صاحب النهر ، ثم يقبل الطعام فكسب في ذلك مالا كان له في الكسب وكان ضامنا لمناقص البيت وساحته وموضعه والنهر ; لأنه متلف لذلك بفعله ولا يضمن شيئا من الماء ; لأن الماء غير مملوك ، ولأنه لم يفسد شيئا من الماء بعمله .
ولو أن رجلا له نهر اشترك هو ورجلان على إن جاء أحدهما برحا والآخر بمتاعها على أن يبنوا البيت جميعا من أموالهم على أن ما كسبوا من شيء فهو بينهم فهو جائز ، وهذا مثل المسألة الأولى إذا كانوا يتقبلون الطعام فالأجر بينهم أثلاثا والله أعلم بالصواب .
باب الكراء إلى مكة قال رحمه الله . وإذا استأجر بعيرين من الكوفة إلى مكة فحمل على أحدهما محملا فيه [ ص: 19 ] رجلان ، وما يصلحهما من الوطء والدثر وإحداهما زاملة يحمل عليه كذا مختوما والسويق ، وما يصلحهما من الخل والزيت والمعاليق ، وقد رأى الرجلين ولم ير الوطء والدثر ولم يبين ذلك وشرط حمل ما يكفيه من الماء ولم يبين ذلك فهذا كله فاسد في القياس لجهالة وزن الوطء والدثر وجهالة مقدار الماء والخل والزيت والمعاليق وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة فإن الضرر على الإبل تختلف بقلة ذلك وكثرته .
وفي الاستحسان يجوز ; لأنه متعارف ، وفي اشتراط إعلام وزن كل شيء من ذلك بعض الحرج ، ثم المقصود على أحد الحملين الرجلان ، وقد رآهما الحمال وعلى الحمال الآخر الدقيق والسويق ، وما سوى ذلك تبع إذا صار ما هو الأصل معلوما فالجهل في البيع عفو ومقدار البيع يصير معلوما أيضا بطريق العرف وعلى هذا لو اشترط عليه أن يحمل له من هدايا مكة من صالح ما يحمل الناس فهو جائز أيضا ; لأنه متعارف معلوم المقدار عرفا ، ولو بين وزن المعاليق والهدايا كان أحب إلينا ; لأنه أبعد من المنازعة .
وإذا أرادا الاحتياط في ذلك فينبغي أن يسمى لكل محمل قربتين من ماء أو إداوتين من أعظم ما يكون من ذلك ويكتب في الكتاب أن الحمال قد رأى الوطء والدثر والقربتين والإداوتين والخيمة والقبة فإن ذلك أوثق ، وإنما يكتب الكتاب على أوثق الوجوه ، وإن اشترط عليه عقبة الأجير فهو جائز ويكتب ، وقد رأى الحمال الأجير ، وفي تفسير عقبة الأجير قولان أحدهما أن المستأجر ينزل في كل يوم عند الصباح والمساء فذلك معلوم فيركب أجيره في ذلك الوقت وسمي ذلك عقبة الأجير والثاني أن يركب أجيره في كل مرحلة فرسخا ، أو نحوه مما هو متعارف على خشبة خلف المحمل ويسمى ذلك عقبة الأجير .
وفي كتاب الشروط قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يرى أن يشترط من هدايا مكة كذا وكذا منا ; لأن ذلك أبعد من المنازعة والمحمول من الهدايا يختلف في الضرر على الدابة باختلاف مقدار الوزن .
وإن تكارى شق محمل ، أو شق زاملة فاختلفا فقال الحمال إنما عينت عيدان المحمل . وقال المستكري بل عينت الإبل فإن كان الكراء كما يتكارى به لإبل إلى مكة فهو على الإبل ، وإن كان كما يتكارى به شق محمل خشب فالقول قول الحمال مع يمينه ; لأنه إذا كان كما يتكارى به الأول فالظاهر يشهد للمستكري ، وإن كان شيئا يسيرا كما يتكارى به الخشب فالظاهر يشهد للحمال ، وعند المنازعة يجعل القول قول من يشهد له الظاهر كما لو اشترى قربة ماء بدانق فقال إنما اشتريت القربة دون الماء لا يصدق ، ولو اشتراها بعشرين درهما قال السقاء بعت الماء دون القربة ، وكذلك لو اشترى مبطخة ، ثم قال المشتري اشتريت الأرض . وقال البائع إنما بعت البطيخ [ ص: 20 ] فإنه بحكم الثمن في ذلك فيجعل القول قول من يشهد له الظاهر .
وإذا تكارى من الكوفة إلى مكة إبلا مسماة بغير أعيانها فقال الحمال أخرجك في عشر ذي القعدة فقال المستكري أخرجني في خمس مضين أو على عكس ذلك فإنه يخرجه في خمس مضين في الوجهين جميعا ; لأنه لا يخاف الفوت إذا خرج بعد خمس مضين فإن أراد الحمال أن يخرجه قبل ذلك فهو يريد أن يلزمه ضرر السفر من غير حاجة إليه فيسقط عن نفسه مؤنة العلف فلا يمكن من ذلك . وإذا طلب المستكري في عشر ذي القعدة وهو يريد أن يلزم الحمال ضرر السفر من غير حاجة ليكون هو مترفها في نفسه ; فلهذا لا يمكن من ذلك ، ولأن بمطلق العقد إنما يثبت المتعارف والمتعارف الخروج من الكوفة بخمس مضين .
فإذا أراد الحمال أن يتأخر إلى نصف ذي القعدة وأبى ذلك المستكري فليس للحمال ذلك ; لأنه يخاف الفوت في هذا التأخير ويلحق المستكري مشقة عظيمة باستدامة السفر ، وإن قال المستأجر أخرجني للنصف من ذي القعدة . وقال الحمال أخرجك بخمس مضين فإنه يرتكب مؤنة العلف فإني أؤخره لعشر مضين من ذي القعدة ولا أؤخره لأكثر من ذلك ; لأن الغالب إدراك الحج إذا خرج بعشرة مضين والغالب هو الفوات إذا أخر الخروج أكثر من ذلك والمستحق بمطلق العقد صفة السلامة لا نهاية الجودة ، وإن كان بينهما شرطا حملهما على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم { الشرط أملك } : أي يوفى به ولا بأس بأن يسلف في كراء مكة قبل الحج سنة أو بأشهر ; لأن وقت الحج معلوم لا يجهل ، وهذا بناء على مذهبنا إن الإجارة المضافة إلى وقت في المستقبل تصح .
( وعلى قول ) الشافعي رحمه الله لا تصح الدار والحانوت والدواب وغير ذلك فيه سواء ، وهذا بناء على أصله إن جواز العقد باعتبار أن المنافع جعلت كالأعيان القائمة فإنما يتحقق ذلك إذا اتصل المعقود عليه بالعقد في الإجارة المضافة ولا يوجد ذلك ، ثم الإضافة إلى وقت في المستقبل كالتعليق بالشرط حتى أن ما يتحمل التعليق بالشرط يجوز إضافته إلى وقت في المستقبل كالطلاق والعتاق ، وما لا فلا كالإجارة والبيع ، ثم الإجارة لا تحتمل التعليق بالشرط فلا تحتمل الإضافة إلى وقت في المستقبل والدليل عليه أنه لا يتعلق به اللزوم ولا يملك الأجر بنفس العقد .
وإن شرط التعجيل فلو انعقد العقد صحيحا لانعقد بصفة اللزوم ويملك الأجر به إذا شرط التعجيل فإن ذلك موجب العقد وحجتنا في ذلك أن جواز عقد الإجارة لحاجة الناس ، وقد تمس الحاجة إلى الاستئجار مضافا إلى وقت في المستقبل ; لأن في وقت حاجته ربما لا يجد ذلك ، أو لا يجده بأجر المثل فيحتاج إلى أن يسلف فيه قبل ذلك [ ص: 21 ] ثم قد بينا أنه وإن أطلق العقد فهو في معنى المضاف في حق المعقود عليه ; لأنه يتجدد انعقاده بحسب ما يحدث من المنفعة ، أو تقام العين المنتفع بها مقام المعقود عليه في هذا العقد .
ولا فرق في هذا بين المضاف إلى وقت في المستقبل وبين المعقود عليه في الحال ، وهذا ; لأن ذكر المدة لبيان مقدار المعقود عليه كالكيل فيما يكال ، وذلك لا يختلف به ، وبه فارق التعليق بالشرط فإن التعليق يمنع انعقاد العقد في الحال والإضافة لا تمنع من ذلك ، وفي لزوم الإجارة المضافة روايتان وأصح الروايتين أنه يلزم ، وليس لأحدهما أن يفسخ إلا بعذر فإن الأجر لا يملك بشرط التعجيل ، وقد بينا الفرق بين هذا وبين ما إذا شرط التعجيل في عقد الإجارة في الحال ; لأن هناك تأخر الملك بقضية المساواة فيحتمل التغير بالشرط وهنا تأخر الملك لنصيبهما على التأخير بإضافة العقد إلى وقت في المستقبل فلا يتغير ذلك بالشرط .
ولو تكارى إبلا إلى مكة بشيء من المكيل أو الموزون معلوم القدر والصفة وجعل له أجلا مسمى فهو جائز ، وإن لم يسم الموضع الذي يوفيه فيه ، وقد نص على الخلاف فيما تقدم أن على قول أبي حنيفة رحمه الله لا بد من بيان المكان فتبين بذلك أن هذا الجواب قولهما ، وإن حل الأجل بمكة وأراد أخذه هناك وأبى المستأجر فإن استوثق من المستأجر على أن يوفيه بالكوفة حيث تكارى ، وقد ذكرنا على قولهما أن في إجارة الدار يتعين للإيفاء موضع الدار وهنا ذلك غير ممكن ; لأن الأجر يجب شيئا فشيئا بحسب سير الدابة في الطريق فيتعذر تعيين موضع استيفاء المعقود عليه للإيفاء وربما يتعين للتسليم موضع السبب وهو العقد ، وإن كان الأجر شيئا بعينه مما له حمل ومؤنة فإنما يتعين لإيفائه الموضع الذي فيه ذلك العين ; لأنه ملك في ذلك الموضع بعينه كالمبيع بخلاف ما لا حمل له ولا مؤنة فإنه يسلم إليه بعد الوجوب حيث ما لقيه ، وقد بينا الفرق بينهما في البيوع .
ولو تكارى منه حملا وزاملة وشرط حملا معلوما على الزاملة فما أكل من ذلك الحمل أو نقص من الكيل والوزن كان له أن يتم ذلك في كل منزل ذاهبا وجائيا ; لأنه استحق بالعقد حملا مسمى على البعير في جميع الطريق فيكون له أن يستوفي ما استحقه بالشرط ، وليس للحمال أن يمنعه من ذلك بخلاف المحمل فإنه إذا شرط فيه إنسانين معلومين فليس له أن يحمل غيرهما إلا برضاء الحمال ; لأن الضرر على الدابة يختلف باختلاف الراكب ، وإن خرج بالبعيرين يقودهما ولا يركبهما ولم يحمل عليهما جائيا فعليه الأجر كاملا لتمكنه من استيفاء المعقود عليه .
وكذلك لو بعث بهما مع عبده يقودهما لما بينا أن المعقود عليه خطوات الدابة في الطريق ، وقد صار مسلما إلى [ ص: 22 ] المستأجر نقود الدابة معه في الطريق . وإذا مات الرجل بعد ما قضى المناسك ورجع إلى مكة فإنما عليه من الأجر بحساب ذلك ; لأن العقد فيما بقي قد بطل بموته فيسقط الأجر بحسابه ويجب في تركته بحساب ما استوفى ، ثم بين فقال يلزمه من الكراء خمسة أعشار ونصف ويبطل عنه أربعة أعشار ونصف وبيان تخريج هذه المسألة أن من الكوفة إلى مكة سبعا وعشرين مرحلة فذلك للذهاب والرجوع كذلك وقضاء المناسك تكون في ستة أيام في يوم التروية يخرج إلى منى ، وفي يوم عرفة يخرج إلى عرفات ، وفي يوم النحر يعود إلى مكة لطواف الزيارة وثلاثة أيام بعده للرمي فيحسب لكل يوم مرحلة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|