عرض مشاركة واحدة
  #328  
قديم 18-12-2025, 10:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,795
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس عشر

صـــ 2الى صـــ 11
(328)






[ ص: 2 ] باب انتقاض الإجارة

( قال رحمه الله ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال حين وضع رجله في الغرز إن الناس قائلون غدا ماذا قال عمر ، وإن البيع عن صفقة ، أو خيار والمسلمون عند شروطهم ) ، وفي هذا الحديث دليل أن الإجارة يتعلق بها اللزوم إذا لم يشترط فيها الخيار كالبيع بخلاف ما يقوله شريح رحمه الله إن الإجارة من المواعيد لا تكون لازمة ، وقد بيناه ، وفيه دليل على أن البيع نوعان لازم بنفسه وغير لازم إذا شرط فيه الخيار فإن الصفقة هي اللازمة النافذة يقال هذه صفقة لم يشهدها خاطب إذا أنفذ أمر دون رأي رجل فيكون حجة على الشافعي رحمه الله ; لأنه يثبت خيار المجلس في كل بيع ، وفيه دليل وجوب الوفاء بالمشروط إذا كان الشرط صحيحا شرعا فلا خلاف بيننا . فالشافعي رحمه الله يقول عقد الإجارة إذا أطلقت فهي لازمة كالبيع إلا أن عندنا قد يفسخ الإجارة بالعذر ، وعنده لا يفسخ إلا بالعيب وهو بناء على أصله أن المنافع كالأعيان الموجودة حكما فإن العقد عليها كالعقد على العين فكما لا يفسخ البيع إلا بعيب . فكذلك الإجارة ، وعندنا جواز هذا العقد للحاجة ولزومه لتوفير المنفعة على المتعاقدين . فإذا آل الأمر إلى الضرر أخذنا فيه بالقياس وقلنا العقد في حكم المضاف في حق المعقود عليه والإضافة في عقود التمليكات تمنع اللزوم في الحال كالوصية ، ثم الفسخ بسبب العيب لدفع الضرر لا لعين العيب . فإذا تحقق الضرر في إيفاء العقد يكون ذلك عذرا في الفسخ .

وإن لم يتحقق العيب في المعقود عليه ( ألا ترى ) أن من استأجر أجيرا ليقلع ضرسه فسكن ما به من الوجع كان ذلك عذرا في فسخ الإجارة ، أو استأجره ليقطع يده للآكلة ، ثم بدا له في ذلك ، أو استأجره ليهدم بناء له ، ثم بدا له في ذلك ; لأنه لا يتمكن من إيفاء العقد إلا بضرر يلحقه في نفسه ، أو ماله من حيث إتلاف شيء من بدنه أو إتلاف ما له وجواز الاستئجار للمنفعة لا للضرر ، وقد يرى [ ص: 3 ] الإنسان المنفعة في شيء ، ثم يتبين له الضرر في ذلك .

وكذلك لو استأجره ليتخذ له وليمة ، ثم بدا له في ذلك فليس للأجير أن يلزمه اتحاد الوليمة شاء أو أبى ; لأن في ذلك عليه من الضرر في إتلاف ماله وجواز الاستئجار للمنفعة لا لضرر إذا عرف هذا فنقول من العذر في استئجار البيت أن ينهدم البيت ، أو يهدم منه ما لا يستطيع أن يسكن فيه ، وهذا من نوع العيب في المعقود عليه وثبوت حق الفسخ به مجمع عليه ; لأن تقبض الدار المنافع لا تدخل في ضمانه فحصول هذا العارض في يد المستأجر كحصوله في يد الآجر فإن أراد صاحب البيت أن يبيعه فليس هذا بعذر ; لأنه لا ضرر عليه في إيفاء العقد إلا قدر ما التزمه عند العقد وهو الحجر على نفسه عن التصرف في المستأجر إلى انتهاء المدة ، وإن باعه فبيعه باطل لا يجوز لعجزه عن التسليم .

وقد بينا في البيوع أن الصحيح من الرواية أن البيع موقوف على سقوط حق المستأجر ، وليس للمستأجر أن يفسخ البيع ، وإن كان على المؤاجر دين فحبس في دينه فباعه فهذا عذر ; لأن علته في إيفاء العقد ضرر لم يلتزم ذلك بالعقد وهو الحبس على سقوط حق المستأجر عن العين فإن بعقد الإجارة لا يزول ملكه عن العين ولا يثبت للمستأجر حق في ماليته فيكون المديون مجبورا على قضاء الدين من ماليته محبوسا لأجله إذا امتنع ; فلهذا كان ذلك عذرا له في الفسخ ، ثم ظاهر ما يقول هنا يدل على أنه يبيعه بنفسه فيجوز .

وقد ذكر في الزيادات أنه يرفع الأمر إلى القاضي ليكون هو الذي يفسخ الإجارة وبيعه وهو الأصح ; لأن هذا فصل مجتهد فيه فيتوقف على إمضاء القاضي كالرجوع في الهبة .
وإن انهدم منزل المؤاجر ولم يكن له منزل آخر فأراد أن يسكنه لم يكن له أن ينقض الإجارة ; لأنه لا ضرر عليه فوق ما التزمه بالعقد فإنه يتمكن من أن يكتري منزلا آخر أو يشتري ، وكذلك إن أراد التحول من المصر ; لأنه لا يخرج المنزل مع نفسه فلا يلحقه ضرر فوق ما التزمه بالعقد وهو ترك المنزل في يد المستأجر إلى هذه المدة ، وإن كان هذا بيتا في السوق يبيع فيه ويشتري فلحق المستأجر دين ، أو أفلس فقام من السوق فهذا عذر وله أن ينقض الإجارة ; لأنه استأجره للانتفاع وهو يتضرر بإيفاء العقد بعد ما ترك تلك التجارة ، أو أفلس ضررا لم يلزمه بنفس العقد ، وكذلك إذا أراد التحول من بلد إلى بلد ; لأنه لو لزمه الامتناع من السفر تضرر به ضررا لم يلتزمه بالعقد ، وبعد خروجه لا يتمكن من الانتفاع بالبيت فإن قال رب البيت إنه يتعلل ولا يريد الخروج حلف القاضي المستأجر على ذلك ; لأن الظاهر شاهد له فالظاهر أنه لا يترك ما كان عزم عليه من التجارة في الحانوت إلا إذا أراد [ ص: 4 ] التحول من بلد إلى بلد فالقول قوله مع يمينه .

وقيل بحكم القاضي حاله في ذلك فإن رآه قد استعد للسفر قبل قوله قال الله تعالى { ، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وقيل يقول له مع من يخرج فالإنسان لا يسافر إلا مع رفقة ، ثم يسأل رفقاءه عن ذلك ، وإن فسخ العقد وخرج الرجل ، ثم رجع وقال قد بدا لي في ذلك وخاصمه صاحب البيت فإن القاضي يحلف المستأجر بالله إنه كان في خروجه قاصدا للسفر ; لأن رب البيت يدعي بطلان الفسخ لعدم العذر ، وذلك ينبني ، وما في ضميره في ضمير المستأجر لا يعلمه غيره فكان القول قوله مع يمينه .

وكذلك إن أراد التحول من تلك التجارة إلى تجارة أخرى فهذا عذر ; لأن في إيفاء العقد ضررا لم يلتزمه بالعقد ، وقد تروج نوع التجارة في وقت وتبور في وقت آخر ، وإن لم يكن هذا ، ولكن وجد بيتا هو أرخص منه لم يكن عذرا ، وكذلك لو اشترى منزلا وأراد التحول إليه ; لأنه لا يلحقه ضرر إلا ما التزمه بالعقد وهو التزام الأجر عند استيفاء المنفعة ، وإنما يقصد بالفسخ هنا الربح لا دفع الضرر .
وإن استأجر دابة بعينها إلى بغداد فبدا للمستأجر أن لا يخرج فهذا عذر ; لأن عليه ضررا في إيفاء العقد وهو تحمل مشقة السفر . وقال ابن عباس رضي الله عنهما لولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { السفر قطعة من العذاب } لقلت العذاب قطعة من السفر ، ولو قال رب الدابة أنه يتعلل فالسبيل للقاضي أن يقول له اصبر فإن خرج فقاد الدابة معه ; لأن المعقود عليه خطوات الدابة . فإذا قادها معه فقد تمكن من استيفاء المعقود عليه فيلزمه الأجر ، وإن لم يركب ، وكذلك لو أراد الخروج في طلب غريم له ، أو عبد آبق فرجع ، وكذلك لو مرض ، أو لزمه غرم ، أو خاف أمرا ، أو عثرت الدابة ، أو أصابها شيء لا يستطاع الركوب معه فبعض هذا عيب في المعقود عليه وبعضه عذر للمستأجر في التخلف عن الخروج ولا فائدة للمؤاجر في إيفاء العقد إذا لم يخرج المستأجر .

وإن عرض لصاحب الدابة مرض لا يستطيع الشخوص مع دابته لم يكن له أن ينقض الإجارة ; لأن بامتناعه من الخروج لا يتعذر تسليم المعقود عليه فيؤمر بتسليم الدابة ، وأنه يرسل معه رسولا يتبع الدابة .

وكذلك لو حبسه غريمه وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله قال إذا امتنع رب الدابة من الخروج فيكون هذا عذرا ، وإن مرض فهو عذر له ; لأنه يقول غيري لا يشفق على دابتي ولا يقوم بتعاهدها كقيامي . فإذا تعذر عليه الخروج لمرض يلحقه في إيفاء العقد ضرر لم يلتزمه بالعقد .

وروى هشام عن أبي يوسف رحمهما الله قال إذا اكترت المرأة إبلا إلى مكة للذهاب والرجوع فلما كان في يوم النحر ولدت قبل أن تطوف [ ص: 5 ] للزيارة فهذا عذر للمكاري ; لأنها تحبس إلى مضي مدة النفاس ، وهذا ضرر لم يلتزمه المكاري بالعقد ; لأنه غير معتاد ، وإن كانت قد ولدت قبل ذلك فإن كان الباقي مدة النفاس بعد يوم النحر عشرة أيام ، أو أقل فهذا ليس بعذر للمكاري ; لأن ما بقي مثل مدة الحيض ، وذلك معلوم وقوعه عادة وكان المكاري ملتزما ضرر التأخير بقدره ، وإن عطبت الدابة فهذا عذر ، وهذا ; لأن المعقود عليه فات ولا سبب للفسخ أقوى من هلاك المعقود عليه .

وإن كانت الدابة بغير عينها لم يكن هذا عذر ; لأن المكاري التزم العمل في ذمته وهو قادر على الوفاء به بدابة أخرى يحمله عليها .

ولو مات المستأجر في بعض الطريق كان عليه من الأجر بحساب ما سار ويبطل عنه بحساب ما بقي لانفساخ العقد بموت أحد المتكاريين ، وقد بينا ذلك .
وإن مات رب الإبل في بعض الطريق فللمستأجر أن يركبها على حالة حتى يأتي مكة وذكر في كتاب الشروط أن هذا إذا كان في مفازة بحيث لا يقدر به على سلطان وخاف أن يقطع به وهو الصحيح ; لأنه كما يجوز نقض الإجارة عند العذر لدفع الضرر يجوز إيفاؤها بعد ظهور سبب الانتقاض لدفع الضر . وإذا كان في المفازة لو قلنا بانتقاض العقد يتعذر عليه الركوب فيتضرر به ; لأنه عاجز عن المشي ولا يقدر على دابة أخرى . فأما إذا كان في مصر فهو لا يتضرر بانتقاض العقد وموت أحد المتكاريين موجب انتقاض العقد .

فإذا بقي العقد لم يضمن إن عطبت من ركوبه وعليه الأجر المسمى وهو استحسان ; لأن العقد لما بقي للتعذر صار الحال بعد موت المكاري كالحال قبله . فإذا أتى مكة دفع ذلك إلى القاضي ; لأن ما به من العذر قد زال وبقيت الدابة في يده ملكا للورثة وهو عيب فدفعها إلى القاضي فإن سلم له القاضي الكراء إلى الكوفة فهو جائز إما ; لأنه أمضى فصلا مجتهدا فيه باجتهاده ، أو ; لأنه يرى النظر في ذلك ; لأنه لو أخذها منه أجرها من غيره ليردها إلى الكوفة وصاحبها رضي بكونها في يده فالأولى له إذا كان المستأجر ثقة أن ينفذ له الكراء إلى الكوفة ، وإن رأى النظر في بيعها فهو جائز ; لأن البعث بثمنها إلى الورثة ربما يكون أنفع وأيسر لهم فإن الثمن لا يحتاج إلى النفقة ، وإن كان أنفق المستأجر عليها شيئا لم يحسب له ذلك ; لأنه متطوع في ذلك بالإنفاق على ملك الغير بغير أمره إلا أن يكون بأمر القاضي فيحسب له إذا أقام البينة عليه ; لأن للقاضي ولاية النظر في حق الغائب فالإنفاق بأمره كالإنفاق بأمر صاحب الدابة ، ولكنه غير مقبول القول فيما يدعي من الإنفاق .

فإذا أقام البينة رد ذلك عليه من الثمن ، وكذلك إن أقام البينة على توفية الكراء رد عليه بحساب ما بقي ; لأنه أثبت [ ص: 6 ] دينه في تركة الميت ، وهذا مال الميت ، ولأن الإبل محبوسة في يده إلى أن يرد عليه ما أنفق بأمر القاضي أو بما عجل من الكراء فلا يتمكن القاضي من أخذها وبيعها حتى يرد عليه ما بقي له فلهذا قبل بينته على ذلك ونفذ قضاؤه على الورثة مع غيبتهم .

وإن استأجر أرضا فغلب عليها الماء أو أصابها نز لا تصلح معه الزراعة فهذا عذر ; لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه ، وكذلك إن أراد أن يترك الزرع أو افتقر حتى لا يقدر على ما يزرع فهذا عذر ; لأن الزارع في الحال متلف لبذره ولا يدري أيحصل الخارج ، أو لا ، وقد بينا أنه إذا كان لا يتمكن من إيفاء العقد إلا بإتلاف ماله فهو عذر له ، وإن وجد أرضا أرخص منها ، أو أجود لم يكن هذا عذرا ; لأنه بالفسخ يقصد هنا تحصيل الربح لا دفع الضرر .
وإن مرض المستأجر فإن كان هو الذي يعمل بنفسه فهذا عذر ; لأنه تعذر عليه استيفاء المعقود عليه ، وإن كان إنما يعمل أجراؤه فليس هذا عذرا البقاء يمكنه من استيفاء المعقود عليه كما قصده بالعقد .
وإن كانت الأرض ليتيم أجرها وصيه فكبر اليتيم لم يكن له أن يفسخ الإجارة ; لأن عقد الوصي على ماله كعقده على نفسه ولا ضرر عليه في إيفاء الإجارة بعد بلوغه بخلاف ما إذا كان أجر نفسه فإن ذلك كد وتعب وهو يتضرر بإيفاء العقد بعد بلوغه .
وإذا استأجر عبدا لخدمة أو لعمل آخر فمرض العبد فهذا عذر في جانب المستأجر ، ولأنه يتعذر عليه استيفاء المعقود عليه ، وإن أراد رب العبد ذلك لم يكن له ذلك ; لأنه لا ضرر عليه في إيفاء العقد فالمستأجر لا يكلفه من إيفاء العمل إلا بقدر طاقته وهو يرضى بذلك ، وإن كان ذلك دون حقه ، وإن لم يفسخها واحد منهما حتى برئ العبد فالإجارة جائزة لازمة لزوال العذر ويطرح عنه من الأجر بحساب ذلك وهو ما يتعطل ، وكذلك إن أبق العبد ، أو كان سارقا فللمستأجر أن يفسخ الإجارة إما لتعذر استيفاء المعقود عليه أو لضرر يلحقه في ذلك ، وليس لمولى العبد فسخها ; لأنه لا ضرر عليه في إيفاء العقد فوق ما التزمه بالعقد ، ولو أراد المستأجر أن يسافر ويترك ذلك العمل فهو عذر ; لأنه لا يتعذر عليه الخروج إلى السفر لحاجته ولا يمكنه أن يستصحب العبد إذا خرج .

وإن أراد رب العبد أن يسافر به لم يكن له هذا عذرا ; لأنه لا يلحقه من الضرر فوق ما التزمه بالعبد وهو ترك العبد في يد المستأجر إلى انتهاء المدة ، وإن وجد المستأجر أجيرا أرخص منه لم يكن هذا عذرا ; لأن في هذا تحصيل الربح لا دفع الضرر ، وإن كان العبد غير حاذق بذلك العمل لم يكن للمستأجر أن يفسخ الإجارة ; لأن صفة الجودة لا تستحق بمطلق العقد إلا أن يكون عمله فاسدا فله أن يفسخ حينئذ ; لأن صفة السلامة عن [ ص: 7 ] العيب تستحق بمطلق المعاوضة ، وإن مات العبد انتقضت الإجارة لفوات المعقود عليه .
وإن كان المستأجر رجلين فمات أحدهما انتقضت حصته ، وكذلك إن مات أحد المؤجرين اعتبارا لموت أحدهما بموتهما في حق الميت منهما .
وإن ارتد الآجر والمستأجر والعياذ بالله ولحق بدار الحرب انتقضت الإجارة ; لأن القاضي بموته حكم حين يقضى بلحاقه فهو كما لو مات حقيقة ، وإن لم يختصما في ذلك حتى رجع مسلما ، وقد بقي من المدة شيء فالإجارة لازمة فيما بقي منهما ; لأن اللحاق بدار الحرب إذا لم يتصل قضاء القاضي به بمنزلة الغيبة فلا يوجب انفساخ العقد ، ولكنه كان بمنزلة العذر . فإذا زال برجوعه كانت الإجارة لازمة فيما بقي من المدة والله أعلم .

باب الشهادة في الإجارة قال رحمه الله وإذا اختلف شاهدا الإجارة في مبلغ الأجر المسمى في العقد والمدعي هو المؤاجر أو المستأجر فشهد أحدهما بمثل ما ادعاه المدعي والآخر بأقل ، أو أكثر لا تقبل الشهادة ; لأن المدعي كذب أحد الشاهدين ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول هذا قبل استيفاء المنفعة ; لأن الحاجة إلى القضاء بالعقد ومع اختلاف الشاهدين في البدل لا يتمكن القاضي من ذلك . فأما بعد استيفاء المنفعة فالحاجة إلى القضاء بالمال فينبغي أن تكون المسألة على الخلاف عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقضى بالأقل كما في دعوى الدين إذا ادعى المدعي ستة وشهد بها أحد الشاهدين والآخر بخمسة ( قال ) رحمه الله والأصح عندي أن الشهادة لا تقبل عندهم جميعا هنا ; لأن الأجرة بدل في عقد المعاوضة كالثمن في البيع ولا بد أن يكون المدعي مكذبا أحد شاهديه فيمنع ذلك قبول شهادته له ، وإن لم يكن لهما بينة ، وقد تصادقا على الإجارة واختلفا في الأجرة قبل استيفاء المنفعة تحالفا ، أو ترادا لاحتمال العقد الفسخ ، وكذلك إن كانت دابة فقال المستكري من الكوفة إلى بغداد بخمسة ، وقال رب الدابة إلى الصراة والصراة المنصف تحالفا ، وبعدما حلفا أن قامت البينة لأحدهما أخذت بينته ; لأن البينة العادلة أحق بالعمل بها من اليمين الفاجرة ، وإن قامت لهما بينة أخذت ببينة رب الدابة على الآجر وبينة المستأجر على فضل المسير على قول أبي حنيفة رحمه الله وكان يقول أولا إلى بغداد باثني عشر ونصف وهو قول زفر رحمه الله ، وقد بينا نظيره ، وإن اتفقا على المكان واختلفا في جنس الأجر فالبينة بينة رب الدابة ; لأنه يثبت حقه بالبينة ، ولأنه يثبت دعواه بالبينة والأجر يثبت بإقراره ، وإنما تثبت بالبينة [ ص: 8 ] الدعوى دون الإقرار .
ولو ركب رجلا دابة رجل إلى الحيرة فقال رب الدابة اكتريتها إلى الجباية بدرهم فجاوزت ذلك وقال الذي ركب أعرتنيها وحلف على ذلك فهو بريء من الأجر ; لأنه منكر لعقد الإجارة فإن أقام رب الدابة شاهدين أنه أكراه إلى الحيرة بدرهم لم يقبل ذلك ; لأن دعواه إكذاب منه لشهوده فإنه ادعى الإكراء إلى الجباية .
وإن ادعى رب الدابة أنه أكراها إلى السالحين بدرهم ونصف وشهد له شاهد بذلك وآخر شهد أنه أكراها إلى السالحين بدرهم فإنه يقضى له عليه بدرهم إذا كان قد ركبها ; لأن الشاهدين اتفقا على ذلك القدر لفظا والمدعي يدعيه أيضا .
ولو قال المستأجر تكاريتها منك إلى القادسية بدرهم . وقال رب الدابة بل إلى موضع كذا في السواد في غير ذلك الطريق بدرهم ، وقد ركبها إلى القادسية فلا كراء عليه ; لأنه خالف فصار ضامنا معناه أن رب الدابة ينكر الإذن له في الركوب في طريق القادسية ، وقد ركب فصار ضامنا ، وإنما ادعى رب الدابة العقد على الركوب في طريق آخر ولم يركب المستأجر في ذلك الطريق فلا أجر عليه لذلك .
ولو ادعى أنه أكراه دابتين بأعيانهما إلى بغداد بعشرة . وقال رب الدابتين بل هذه منهما بعينها إلى بغداد بعشرة وأقام البينة ففي قول أبي حنيفة الأول رحمه الله هما له إلى بغداد بخمسة عشر إذا كان أجر مثلهما سواء ، وفي قوله الآخر هما له إلى بغداد بعشرة ; لأن المستأجر هو المدعي والمثبت بينة الزيادة في حقه .

وكذلك إن كان رب الدابتين ادعى أنه أكراه أحديهما بعينها بدينار وأقام البينة وأقام المستأجر البينة أنه [ ص: 9 ] استكراهما جميعا بعشرة دراهم فله دابتان بدينار وخمسة دراهم ; لأن جنس الأجر هنا مختلف فكل واحد منهما يثبت ببينته حقه فلا بد من قبول بينة قول كل واحد منهما بخلاف الأول فهناك جنس الأجر متحد ، وقد اتفق الشهود عليه فلا حاجة لرب الدابة إلى الإثبات ، ولكن المستأجر هو المحتاج إلى إثبات العقد في الدابة الأخرى وبينته تثبت ذلك وبينة رب الدابة تنفي فالمثبت أولى .

وإن ادعى المستأجر دابة واحدة ، وإن تكاراها إلى بغداد بدينار وأقام البينة وأقام صاحبها البينة أنه أكراها إياه إلى البصرة بعشرين درهما ، وقد ركبها إلى بغداد قضيت عليه بعشرين درهما ونصف دينار ; لأن جنس الأجر لما اختلف فلا بد من العمل بالبينتين ، وقد أثبت رب الدابة ببينة إلى البصرة بعشرين درهما وأثبت المستأجر ببينة العقد من البصرة إلى بغداد بنصف دينار ; فلهذا قضي بهما .
وإن ادعى المستأجر الإجارة وجحدها صاحب الدابة فشهد شاهد أنه استأجرها ليركبها إلى بغداد وشهد الآخر أنه استأجرها ليركبها ويحمل عليها هذا المتاع والمستأجر يدعي كذلك لم تجز الشهادة لاختلاف الشاهدين في مقدار المعقود عليه وإكذاب المدعي أحد شاهديه فإن ( قيل ) أليس أن الشاهدين اتفقا على الركوب لفظا ومعنى ويفرد أحدهما بالزيادة وهو حمل المتاع فينبغي أن يقضى بما اتفق عليه الشاهدان قلنا المعقود عليه منفعة الدابة لا عين الركوب فالركوب فعل الراكب وحمل المتاع كذلك فعله والمعقود عليه ملك رب الدابة ، وذلك يختلف باختلاف الشاهدين فيما شهد به فلا تتحقق الموافقة بينهما لفظا بخلاف الدرهم ونصف مع أن هذا إنما يكون قبل استيفاء المنفعة وقبل استيفاء المنفعة الحاجة إلى القضاء بالعقد فلا يتمكن منه مع اختلافهما ، وكذلك إن اختلفا في حمولتين ; لأن المدعي يكون مكذبا أحدهما لا محالة .
ولو ادعى أنه سلم ثوبا إلى صباغ وجحد الصباغ ذلك فشهد شاهد أنه دفع إليه ليصبغه أحمر بدرهم . وقال الآخر ليصبغه أصفر فقد اختلفت الشهادة لاختلاف الشاهدين في المعقود عليه هو الوصف الذي يحدثه في الثوب والأصفر منه غير الأحمر فيكون المدعي مكذبا أحد الشاهدين ، والله أعلم بالصواب .
باب ما يضمن فيه الأجير قال رحمه الله رجل سلم إلى قصار ثوبا فدقه بأجر مسمى فتخرق ، أو عصره فتخرق ، أو جعل فيه النورة ، أو وسمه فاخترق فهو ضامن لذلك كله ; لأن هذا من جناية يده ، وقد بينا أن [ ص: 10 ] الأجير المشترك ضامن لما جنت يده فإن كان أجير المشترك القصار فعل ذلك غير متعمد له فالضمان على القصار دون الأجير ; لأن الأجير له أجير خاص فلا يضمن إلا بالخلاف ولم يخالف ، ثم عمله كعمل الأستاذ .

( ألا ترى ) أن الأستاذ يستوجب به الأجر فيكون الضمان عليه .

وإن هلك الثوب عند القصار ، أو سرق فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما ، وقد بينا .

وروي عن محمد رحمه الله قال إذا وضع القصار السراج في الحانوت فاحترق به الثوب من غير فعله فهو ضامن ; لأن هذا مما يمكن التحرز عنه في الجملة ، وإنما الذي لا يضمن به الحرق الغالب الذي لا يمكن التحرز عنه ولا يتمكن هو من إطفائه .
و ( قال ) في الصباغ يصبغ الثوب أحمر فيقول رب الثوب أمرتك بأصفر فالقول قول رب الثوب ; لأن الإذن يستفاد من قبله وله أن يضمنه قيمة ثوبه أبيض ، وإن شاء أخذ ثوبه وضمن للصباغ ما زاد على العصفر في ثوبه ; لأنه بمنزلة الغاصب فيما صبغه به حين لم يثبت إذن صاحب الثوب له في ذلك ، وإن كان صبغه أسود فاختار أخذ الثوب لم يكن للصباغ عليه شيء عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما ، وقد بينا ذلك في الغصب .
قال أبو حنيفة رحمه الله في الملاح إذا أخذ الأجر فإن غرقت السفينة من ريح ، أو موج ، أو شيء وقع عليها أو جبل صدمته فلا ضمان على الملاح ; لأن التلف حصل من عمله ، وإن غرقت من مده ، أو معالجته أو جذفه فهو ضامن ; لأن هذا من جناية يده والملاح أجير مشترك ، وإن كان على الملاح الطعام وخلي بينه وبين الطعام فنقض فلا ضمان على الملاح عنده بعد أن يحلف ; لأنه أمين فالقول قوله مع يمينه ولا يضمن ما تلف بغير فعله ، وإن انكسرت السفينة فدخل الماء فيها فأسده .

فإن كان ذلك من عمل الملاح فهو ضامن له وإلا فلا شيء عليه عند أبي حنيفة ، وإن كان رب الطعام في السفينة أو وكيله فلا ضمان على الملاح في شيء من ذلك إلا أن يخالف ما أمر به ويصنع شيئا مما يتعمد فيه الفساد ; لأن المتاع في يد صاحبه والعمل يصير مسلما إليه بنفسه فيخرج من ضمان الملاح بخلاف ماذا لم يكن صاحب الطعام معه فالعمل هناك لا يصير مسلما وعلى هذا قالوا لو رد الموج السفينة إلى الموضع الذي حمل الطعام منه فإن لم يكن رب الطعام معه فلا أجر للملاح ، وإن كان رب الطعام معه في السفينة فله الأجر بقدر ما صار ; لأن العمل قد صار مسلما بنفسه ويقرر الأجر بحبسه . فأما إذا خالف ما أمره به فهذا العمل لا يصير مسلما إلى صاحب الطعام بل يكون العامل فيه متعديا خاصا فيكون ضامنا لذلك .

وإذا حجم الحجام بأجر ، أو بزغ البيطار ، أو حقن الحاقن بأجر حرا ، أو عبدا بأمره أو بطأ قرحه فمات من ذلك فلا ضمان [ ص: 11 ] عليه بخلاف القصار إذا دق فخرق ; لأن المستحق عليه هناك العمل السليم عن العيب ، وذلك في مقدور البشر يصح التزامه بالعقد وهنا المستحق عليه عمل معلوم بجده لا عمل غير ساري ; لأن ذلك ليس في مقدور البشر فالجرح فتح باب الروح والبرء بعده بقوة الطبيعة على دفع أثر الجراحة ، وليس ذلك في مقدور البشر فلا يجوز التزامه بعقد المعاوضة ، وإنما الذي في وسعه إقامة العمل بجده ، وقد أتى به فلا يضمن إلا أن يخالف لمجاوزة الحد أو يفعل بغير أمره فيكون ضامنا حينئذ ، توضيح الفرق أن السراية لا تقترن بالجرح ، ولكنه يكون بعدها بزمان ضعف الطبيعة عن دفع أثر الجراحة وتوالي الآلام على المجروح .

وهذا كله بعد أن يصير العمل مسلما إلى صاحبه ويخرج من ضمان العمل . فأما بخرق الثوب يكون مقترنا بالدق قبل أن يخرج العمل من ضمان القصار ; فلهذا كان ضامنا لما يتلف بعمله ; لأن عمله مضمون بما يقابله من البدل ، ولو وطئا الأجير الخاص للقصار على الثوب مما لا يوطأ عليه في دقه فكان الضمان عليه خاصة ; لأنه غير مأذون من جهة الأستاذ في الوطء على هذا الثوب فكان متعديا فيما صنع ، وإن كان مما يوطأ عليه فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون في الوطء عليه فيكون فعله كفعل الأستاذ ، وإن كان الثوب وديعة عند القصار فالأجير ضامن ، وإن كان ذلك مما يوطأ عليه ; لأنه غير مأذون في بسطه والوطء عليه من جهة الأستاذ فإنه إنما أذن له في العمل في بيان القصارة دون ودائع الناس عنده .
ولو حمل الإنسان حملا في بيت القصار من ثياب القصارة فعثر وسقط فتخرق بعضها كان ضمان ذلك على القصار دون الأجير ; لأنه مأذون في هذا العمل من جهة الأستاذ

ولو دخل بنار السراج بأمر القصار فوقعت شرارة على ثوب من القصارة ، أو وقع السراج من يده فأصاب دهنه ثوبا من القصارة فالضمان على الأستاذ دون الغلام ; لأنه مأذون من جهته في إدخال النار بالسراج ، وكذلك أجير لرجل يخدمه إن وقع من يده شيء فتكسر وأفسد متاعا مما يختلف في خدمة صاحبه فلا ضمان عليه إذا كان في ملك صاحبه ; لأنه استأجره لهذه الأعمال .
ولو أن غلام القصار انفلتت منه المدقة فيما يدق من الثياب فوقعت على ثوب من القصارة فخرقته فالضمان على القصار دون الغلام ; لأنه مأذون من جهة الأستاذ في دق الثوبين جميعا ، ولو وقع على ثوب إنسان من غير القصارة كان ضمان ذلك على الغلام دون القصار ; لأنه غير مأذون في دق ذلك الثوب فيكون هو جانيا في ذلك الثوب ، وإن كان مخطئا وتعذر الخطأ لا يسقط عنه ضمان المحل ، وإن وقعت المدقة على موضوعها ، ثم وقعت على شيء بعدها فلا ضمان على الأجير ; لأنها كما لو وقعت على المحل [ ص: 12 ] المأذون فيه صار العمل مسلما وخرج من عهدة الأجير فلا ضمان عليه بعد ذلك ، وإنما الضمان على الأستاذ ، وإن أصاب إنسانا فقتله كان الغلام ضامنا ، وقد بينا الفرق بين الجناية في بني آدم ، وما سوى ذلك من الأموال فيما سبق .

وكذلك لو مر بشيء من متاعه فيما يحمله فوقع على إنسان في البيت فقتله كان الضمان على الغلام ; لأن الجناية في بني آدم موجبة الأرش على العاقلة فلا يمكن اعتبار العقد فيه بخلاف ما سوى ذلك من الأموال ، وكذلك إن انكسر شيء من أدوات القصار بعمل الغلام مما يدق به أو يدق عليه فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون من جهة الأستاذ ، وإن كان مما لا يدق به ولا يدق عليه فهو ضامن .

وعلى هذا لو دعا رجل قوما إلى منزله فمشوا على بساطه فتخرق ، أو جلسوا على وسادة فتخرقت ، وإن كان الضيف متقلدا سيفا فلما جلس شق السيف بساطا أو وسادة فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون فيما فعل من المشي والجلوس وتقلد السيف ، ولو وطئ على آنية من أوانيه ، أو ثوبا لا يبسط مثله ولا يوطأ فهو ضامن ; لأنه غير مأذون في الوطء والجلوس على مثله .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.15 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.52 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]