عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 18-12-2025, 02:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 142الى صـــ 151
(323)






ولو اشترط رب الدار على المستأجر حين أجره إخراج ما أحدثه فيها من تراب أو سرجين كان جائزا ; لأن ذلك عليه بدون الشرط فالشرط لا يزيده إلا وكادة . .
وإذا استأجر فامي من رجل بيتا فباع فيه زمانا ، ثم خرج منه واختلفا فيما فيه من الأواني والرفوف والتحاتح التي قد بنى عليه البناء فقال المستأجر أنا أحدثتها وقال رب البيت كانت فيه حين أجرته فالقول قول المستأجر لأن الظاهر شاهد له فهو الذي يتخذ ذلك عادة لحاجته إليه فرب البيت مستغن عن ذلك ; فإنه يبني البيت ليؤاجره ممن يستأجر منه ، ثم كل عامل يتخذ فيه ما يكون من أداة عمله ، وعند المنازعة القول قول من يشهد له الظاهر ولأن هذه الأشياء موضوعة في البيت وفي الموضوع القول قول المستأجر كسائر الأمتعة وكذلك الطحان إذا خرج من البيت فأراد أن يأخذ من متاع الرحى وما تحتها من بنائها وخشبها التي فيها وأسطواناتها فذلك كله للطحان ; لأنه من أداء عمله ، وكذلك القصاب والقلاء والحداد وما أشبهه من الأوعية والأداة التي تكون للصانع ، ولو استأجر أرضا ليطبخ فيها الآجر والفخار ، ثم اختلفا في الأتون التي يطبخ فيها الآجر ففي القياس القول قول رب الأرض ; لأنه بناء كسائر الأبنية وفي البناء القول قول رب الأرض لأنه تبع لأرضه وفي الاستحسان القول قول المستأجر قال : لأني رأيت المستأجر هو الذي بنى وإنما يبنى الحكم على ما يعرف عند المنازعة [ ص: 143 ] ثم هذا البناء لحاجة المستأجر ليس لحاجة رب الأرض بخلاف سائر الأبنية .

( ألا ترى ) أن كل عامل من هذا الجنس يبني الأتون على الوجه الذي يتخذه أهل صنعته ، ولو اختلفا في بناء سوى ما ذكرنا أو في باب أو خشبة أدخلت السقف فالقول قول رب الدار أنه أجرها وهي كذلك ، وكذلك الآجر المفروش والغلق والميزاب فالظاهر أن رب الدار هو الذي يتخذ ذلك ; لأن الساكن به يتمكن من السكنى في الدار وعلى رب الدار تمكين المستأجر من الانتفاع فهو الذي يحدث ما به ليتم تمكنه من الانتفاع به ، وما كان في الدار من لبن موضوع أو آجر أو جص أو جذع أو باب موضوع فهو للمستأجر ; لأنه بمنزلة المتاع الموضوع غير مركب في البناء ولا هو تبع للأرض والبناء ، فإن أقاما البينة ففي كل شيء جعلنا القول فيه قول المستأجر فالبينة بينة رب الدار ; لأنها مثبتة لحقه .

ولو كان في الدار بئر ماء مطوية أو بالوعة محفورة فقال المستأجر أنا أحدثتها وأنا أقلعها فالقول قول رب الدار ; لأن هذا من توابع البناء ومما لا يتأتى بدونه السكنى ولأنه يحتاج في قلعها إلى نقض البناء والمستأجر لا يملك ذلك إلا بحجة وهي البينة ، وكذلك الخص والسترة والخشب المبني في بناء والدرج فالمراد من الدرج ما يكون مبنيا منه ، فأما ما يكون موضوعا فيه كالسلم فالقول قول المستأجر ; لأنه لا يحتاج في رفعه إلى قلع البناء وهو موضوع كالأمتعة .

( قال ) وكذلك التنور ، وكذلك الأتون التي يطبخ فيها الآجر أن القول قول المستأجر وفي التنور القول قول رب الدار ولا فرق بينهما إلا بالعرف ، ثم التنور من توابع البناء في الدار فيحتاج إليه كل ساكن ، فأما الأتون فإنما يحتاج إليه من يطبخ الآجر دون من يعمل في الأرض عملا آخر ، فالظاهر هناك أن المستأجر هو الذي بناه والظاهر هنا أن رب الدار هو الذي يبني التنور ، ولو كان في الدار كوارت نحل أو حمامات فذلك كله للمستأجر كالمتاع الموضوع ، ولو أقر رب الدار أن المستأجر خصصها أو فرشها بالآجر أو ركب فيها بابا أو غلقا كان للمستأجر أن يقلع من ذلك ما لا يضر قلعه بالدار ; لأنه عين ملكه ، فأما ما يضر بها فليس له أن يقلعه دفعا للضرر عن رب الدار .

( ألا ترى ) أن رب الدار لو فعل ذلك غصبا لم يكن لمالك ذلك العين أن يقلعه فإذا فعله المالك أولى ولكن قيمة ذلك على رب الدار يوم يختصمون ; لأن ذلك العين احتبس عنده فيغرم قيمته كما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ الغير فأراد صاحب الثوب أن يأخذه وإنما اعتبر قيمته عند الخصومة ; لأنه عند ذلك تملكه على صاحبه ، ولو انهدم بيت من الدار فاختلفا في نقضه فإن كان يعرف أنه من بيت انهدم فهو لرب الدار ; لأنهما لو اختلفا قبل الانهدام كان القول [ ص: 144 ] قول رب الدار فكذلك بعده ، وإن لم يعرف ذلك وقال المستأجر هو لي فالقول فيه قوله ; لأنه موضوع كسائر الأمتعة ولو كان رب الدار أمره بالبناء في الدار على أن يحبسه له من الأجر فاتفقا على البناء واختلفا في مقدار النفقة فالقول قول رب الدار والبينة بينة المستأجر ; لأن حاصل اختلافهما فيما صار المستأجر موفيا من الأجر فهو يدعي الزيادة فالبينة بينته ورب الدار ينكرها فالقول قوله ، وكذلك لو قال رب الدار لم تبن أو بنيت بغير إذني ; لأن المستأجر يدعي عليه الأمر وبه يصير موفيا الأجر عند البناء فالقول قول رب الدار لإنكاره ، ولو كان على باب منها مصراعان فسقط أحدهما وقال المستأجر هما لي أو قال : هذا الساقط لي ويعرف أنه أخو المغلق فالقول قول رب الدار ; لأن الظاهر شاهد له ، أما في المغلق غير مشكل

والساقط إذا كان أخ المغلق فهما كشيء واحد مضى في معنى الانتفاع حتى لا ينتفع بأحدهما دون الآخر ، والبينة بينة المستأجر ; لأنه هو المحتاج إلى إقامتها ، وكذلك لو كان فيها بيت مصور بجذوع مصورة فسقط جذع منها فكان في البيت مطروحا فقال رب الدار هو من سقف هذا البيت وقال المستأجر بل هو لي ويعرف أن تصاويره موافق لتصاوير البيت فالقول في ذلك قول رب الدار لشهادة الظاهر له ، وهو نظيره ما لو اختلفا الزوجان في متاع البيت فما يصلح للرجال يجعل القول قول الزوج وما يصلح للنساء فهو للمرأة لشهادة الظاهر لها ، ثم موافقة التصاوير وكون موضع ذلك الجذع من السقف ظاهرا دليل فوق اليد ، وإذا جعل القول قول ذي اليد لشهادة الظاهر له فهذا أولى ، وعمارة الدار وتطيينها وإصلاح الميزاب وما وهي من بنائها على رب الدار ; لأن به يتمكن المستأجر من سكنى الدار ، وكذلك كل سترة يضر تركها بالسكنى ; لأن المستأجر بمطلق العقد استحق المعقود عليه بصفة السلامة فإن أبى أن يفعل فللمستأجر أن يخرج منها لوجود العيب بالمعقود عليه إلا أن يكون استأجرها وهي كذلك وقد رآها فحينئذ هو راض بالعيب فلا يردها لأجله ، وإصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج على رب الدار ، وإن كان امتلأ من فعل المستأجر ; لما بينا أنه يحتاج في ذلك إلى هدم البناء ، ولكن لا يجبر رب الدار على ذلك ولا المستأجر ، وإن شاء المستأجر أن يصلح ذلك فعل ولا يحتسب له من الأجر ، وإن شاء خرج إذا أبى رب الدار أن يفعله ; لأن الإنسان لا يجبر على إصلاح ملكه ولكن العيب في عقود المعاوضات يثبت للعاقد حق الفسخ فيما يعتمد لزومه تمام الرضاء .

ولو استأجر من رجل نصف أرض غير مقصود أو نصف عبد أو نصف دابة فالعقد فاسد عند أبي حنيفة رحمه الله [ ص: 145 ] والشيوع فيما يحتمل القسمة وما لا يحتمل القسمة سواء عنده في إفساد الإجارة وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله جائز ويتهايآن فيه ، وحجتهم في ذلك أن هذا معاوضة مال بمال فتلزم في المشاع كالبيع وهذا ; لأن موجب الإجارة ملك المنفعة وللجزء الشائع منفعة .

( ألا ترى ) أنه لو أجر من شريكه يجوز العقد لهذا المعنى ولو أجر من رجلين تجوز العقود وكل واحد من المستأجرين يملك منفعة النصف شائعا والدليل عليه أنه لو أعار نصف داره من إنسان جاز ذلك وتأثير الشيوع في المنع من عقد التبرع أكثر منه في المنع من المعاوضة كما في الهبة مع البيع فإذا جاز تمليك منفعة نصف الدار بطريق التبرع فبطريق المعاوضة أولى وأبو حنيفة رحمه الله يقول : التزم بعقد المعاوضة تسليم ما لا يقدر على تسليمه فلا يجوز كما لو باع الآبق أو أجره وبيان ذلك أن عقد الإجارة يرد على المنفعة وتسليم المنفعة يكون باستيفاء المستأجر ولا يتحقق استيفاء المنفعة من النصف شائعا إنما يتحقق من جزء معين ; فإنهما إن تهايآ على المكان فإنما يسكن كل واحد منهما ناحية بعينها ، وإن تهايآ على الزمان فإنما يسكن كل واحد منهما جميع الدار في بعض المدة فعرفنا أن استيفاء المنفعة في الجزء الشائع لا يتحقق فكان بإضافة العقد إلى جزء شائع ملتزما تسليم ما لا يقدر على تسليمه ويحكى عن أبي طاهر الدباس رحمه الله أنه كان يقول إذا أجر أحد الشريكين نصيبه من أجنبي يصح عند أبي حنيفة رحمه الله وإذا أجر المالك نصف أرضه لا يصح وكان يفرق فيقول : يحتاجان إلى المهايأة ، فإما أن يعود إلى يد الأجير جميع المستأجر في بعض المدة إذا تهايآ على الزمان أو بعض المستأجر في جميع المدة إذا تهايآ على المكان وعود المستأجر إلى يد الأجير يمنع استيفاء المنفعة بحكم الإجارة كما لو أعاره المستأجر من الأجير أو أجره منه فاستحقاق ذلك بسبب يقترن بالعقد يبطل الإجارة

فأما إذا أجر أحدهما نصيبه من أجنبي فالمهايأة تكون بين المستأجر والشريك فلا يعود المستأجر إلى يد الأجير وإنما يعود إلى يد أجنبي وذلك جائز في الإجارة كما لو أعاره المستأجر أو أجره من أجنبي والأصح أنه لا فرق بينهما عنده والعقد فاسد ; لما بينا ولأن استيفاء المعقود عليه لا يتأدى إلا بالمهايأة والمهايأة عقد آخر ليس من حقوق عقد الإجارة فبدونه لا تثبت القدرة على قبض المعقود عليه وذلك مانع من جواز العقد ، فإن استوفى المنفعة مع الفساد استوجب أجر المثل ; لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد وهذا ; لأن العجز عن التسليم يفسد العقد ولا يمنع انعقاده كما في بيع الآبق فإذا استوفى فقد تحقق الاستيفاء بعد انعقاد . [ ص: 146 ] العقد وهذا بخلاف البيع ; لأن التسليم هناك بالتخلية يتم ، وذلك في الجزء الشائع يتم ، فأما إذا أجره من شريكه فقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز ذلك وجعله كالرهن في هذه الرواية ; لأن استيفاء المنفعة التي يتناولها العقد لا يتأتى إلا بغيرها وهو منفعة نصيبه ، وذلك مفسد لعقد الإجارة كمن استأجر أحد زوجي المقراض لمنفعة قرض الثياب لا يجوز ; لأن استيفاء المعقود عليه مما يتناوله العقد لا يمكن إلا بما لم يتناوله العقد

وفي ظاهر الرواية يجوز ; لأن استيفاء المعقود عليه على الوجه الذي استحقه بالعقد يتأتى هنا ; فإنه يسكن جميع الدار فيصير مستوفيا منفعة نصيبه بملكه ومنفعة المستأجر بحكم الإجارة بخلاف ما إذا أجره من غير شريكه فهناك يتعذر الاستيفاء على الوجه الذي أوجبه العقد وهو نظير بيع الآبق ممن هو في يده يجوز بكون التسليم مقدورا عليه بيده ومن غير من في يده لا يجوز لعجزه عن التسليم وهذا بخلاف الرهن فبالشيوع هناك ينعدم المعقود عليه ; لأن المعقود عليه هو الحبس المستدام ولا تصور لذلك في الشائع وفي هذا الشريك والأجنبي سواء ، فأما هنا بالشيوع لا ينعدم المعقود عليه وهو المنفعة إنما ينعدم التسليم ، وذلك لا يوجد في حق الشريك وبه فارق الهبة أيضا فالشيوع فيما يحتمل القسمة يمنع تمام القبض الذي به يقع الملك ، والهبة من الشريك ومن غيره في ذلك سواء

وأما إذا أجر من رجلين فتسليم المعقود عليه كما أوجبه العقد مقدور عليه للمؤاجر ، ثم المهايأة بعد ذلك تكون بين المستأجرين بحكم ملكيهما وهو نظير الراهن من رجلين فهو جائز لوجود المعقود عليه باعتبار ما أوجبه الراهن لهما فإن مات أحد المستأجرين حتى بطل العقد في نصيبه فقد ذكر الطحطاوي عن خالد بن صبيح عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه يفسد العقد في النصف الآخر ; لأن الإجارة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنفعة فكان هذا في معنى شيوع يقترن بالعقد ، وفي ظاهر الرواية يبقى العقد في حق الآخر ; لأن تجدد الانعقاد في حق المعقود عليه ، فأما أصل العقد فمنعقد لازم في الحال وباعتبار هذا المعنى الشيوع طارئ والطارئ من الشيوع ليس نظير المقارن كما في الهبة إذا وهب له جميع الدار وسلمها ، ثم رجع في نصفها وهذا بخلاف الإعارة ; لأنه لا يتحقق بها استحقاق التسليم والمؤثر العجز عن التسليم فإنما يؤثر في العقد الذي يتعلق به استحقاق التسليم .

رجل تكارى دارا من رجل على أن جعل أجرها أن يكسوه ثلاثة أثواب فهذا فاسد ; لأن المسمى مجهول الجنس والصفة ، والثياب بمطلق التسمية لا تصلح عوضا في البيع فلا تصلح أجرة وعليه أجر مثلها فيما سكن لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد .
[ ص: 147 ] ولو تكارى منزلا كل شهر بدرهم فخلى بينه وبين المنزل ولم يفتح له الباب فجاء رأس الشهر وطلب الأجر فقال المستأجر لم يفتحه ولم أنزله ، فإن كان يقدر على فتحه فالكراء واجب عليه لتمكنه من استيفاء المعقود ; فإنه في الامتناع بعد التمكن قاصد إلى الإضرار بالأخير فيرد عليه قصده ، وإن كان لا يقدر على فتحه فلا أجر له عليه لأنه ما تمكن من الاستيفاء وعلى المؤاجر أن يمكنه من استيفاء المعقود فلا يستوجب الأجر بدونه إذا لم يستوف .
ولو تكارى منزلا في دار وفي الدار سكان فخلى بينه وبين المنزل فلما جاء رأس الشهر طلب الأجر فقال : ما سكنته حال بيني وبين المنزل فيه فلان الساكن ، والساكن مقر بذلك أو جاحد ; فإنه بحكم الحال فإنه كان المستأجر فيه في الحال فالأجر عليه وإذا كان الغاصب فيه فلا أجر عليه ، والقول فيه قوله ; لأن الاختلاف وقع بينهما فيما مضى والحال معلوم فيرد المجهول إلى المعلوم ويحكم فيه الحال كالمستأجر مع رب الرحا إذا اختلفا في انقطاع الماء في المدة بحكم الحال فيه ، وإن لم يكن في المنزل ساكن في الحال فالمستأجر ضامن الأجر لأنه متمكن من استيفاء المنفعة في الحال فذلك دليل على أنه كان متمكنا فيما مضى فيلزمه الأجر والمانع لا يثبت بمجرد قوله من غير حجة
ولو تكارى بيتا ولم يسم ما يعمل فيه فهو جائز ; لأن المعقود عليه معلوم بالعرف وهو السكنى في البيت ، وذلك لا يتفاوت فلا حاجة إلى تسمية ، وليس له أن يعمل فيه القصارة ونظائرها ; لأن ذلك يضر بالبناء وقد بينا أنه لا يستحقه بمطلق العقد فإن عملها فانهدم البيت فهو ضامن ; لما انهدم من عمله ; لأنه متلف متعد ولا أجر عليه فيما ضمن لأن الأجر والضمان لا يجتمعان ; فإنه يتملك المضمون بالضمان مستندا إلى وقت وجوب الضمان ، فلا يجب عليه الأجر فيما استوفى من منفعة ملك نفسه ، وإن سلم فعليه الأجر استحسانا وفي القياس لا أجر عليه ; لأنه غاصب فيما صنع ; ولهذا كان ضامنا ، ولا أجر على الغاصب في المنفعة وجه الاستحسان أنه استوفى المعقود عليه وزيادة وإنما كان ضامنا باعتبار تلك الزيادة فإذا سلم سقط اعتبار تلك الزيادة حكما فيلزمه الأجر باستيفاء المعقود عليه وإذا انهدم فقد وجب اعتبار تلك الزيادة لإيجاب الضمان عليه ; فلهذا لا يلزمه الأجر .
وإن قال المستأجر : استأجرته منك لأعمل فيه القصارة وقال رب البيت : أكريتك لغير ذلك فالقول قول رب البيت ; لأنه هو الموجب ولو أنكر الإيجاب والإذن أصلا كان القول قوله إذا أقر بشيء دون شيء ولأن المستأجر يدعي زيادة فيما استحقه بالعقد فعليه أن يثبت ذلك بالبينة ورب الدار منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، وإن سكنه وأسكن [ ص: 148 ] فيه معه غيره فانهدم من سكنى غيره لم يضمن لأنه غير متعد فيما صنع وكثرة الساكنين في الدار لا توهن البناء ولكنها تزيد في عمارة الدار .
وإذا طلب رب البيت أجر ما سكن فقال الساكن أسكنتنيه بغير أجر فالقول قوله والبينة بينة رب الدار لأنه يدعي الأجر في ذمة الساكن فعليه إثباته بالبينة ، والساكن منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه وهذا بخلاف العين إذا قال : بعته منك وقال الآخر وهبته لي وقد هلك في يده لأن العين متقوم في نفسه ولا تسقط قيمته إلا بالإيجاب بطريق التبرع ولم يوجد ، فأما المنفعة لا تتقوم إلا بشرط البدل ولم يثبت ذلك ، وإن قال الساكن الدار لي أو قال : هي دار فلان وكلني بالقيام عليها فالقول قول الساكن ; لأن اليد له والبينة بينة الطالب لأنه يثبت ملكه والساكن خصم له لظهورها في يده فلا تندفع الخصومة عنه بمجرد قوله هي دار فلان ولأن الطالب يدعي عليه فعلا وهو استيفاؤها منه بحكم الإجارة ، وإن قال الساكن وهبتها لي لم يصدق على الهبة ; لأنه أقر بالملك له وادعى تمليكها عليه ولا أجر عليه لأنه في حق الآخر منكر والبينة بينته إن أقامها ; لأنه يثبت سبب الملك لنفسه هنا وهو الهبة فإن أقر بأصل الكراء وادعى الهبة فدعواه باطل والكراء لازم لإقراره له بالسبب الموجب له إلا أن يقيم البينة على ما ادعى من الهبة .
رجل تكارى من رجلين منزلا بعشرة دراهم كل سنة فخرج الرجل منه وعمد أهله فأكروا من المنزل بيتا وأنزلوا إنسانا بغير أجر فانهدم المنزل الذي سكنوه فلا ضمان على الآخر ; لأن أكثر ما فيه أنه غاصب والعقار لا يضمن بالغصب ولا ضمان على المستأجر الثاني إلا أن ينهدم من عمله فحينئذ يكون متلفا وإذا انهدم من عمله وضمنه رجع به على الذي أجره ; لأنه صار مغرورا من جهته بعقد ضمان باشره .

رجل تكارى منزلا كل شهر بدرهم ، ثم طلق امرأته وذهب من المصر فلا كراء على المرأة ; لأنها لم تستأجر ولم تلتزم شيئا من الأجر والكراء على الزوج ; لتمكنه من الاستيفاء بمن أقامه مقام نفسه في السكنى في المنزل ولا تخرج من المنزل حتى يهل الهلال ; لأن العقد في الشهر الواحد لزم بهذا اللفظ فلا ينفرد أحدهما بالفسخ ، فإن تكارى على أن ينزله وحده لا ينزله غيره ، وتزوج امرأة أو امرأتين فله أن ينزلها معه وليس الشرط بشيء ; لأنه غير مفيد ، فكلما كان السكان في الدار أكثر كان ذلك أعمر لها .
وإن حفر المستأجر في الدار بئرا للماء أو الوضوء فعطب فيها إنسان أو دابة فإن حفر بإذن رب الدار فلا ضمان عليه ، وإن حفر بغير إذنه فهو ضامن ; لأن المسبب إنما يضمن إذا كان متعديا في السبب وهو في الحفر بغير إذنه متعد ، فأما في الحفر بإذنه لا يكون [ ص: 149 ] متعديا ولكن يجعل فعله كفعل رب الدار .
وإن تكارى دارا كل شهر بعشرة على أن يعمرها ويعطي أجر حارسها ونوابها فهذا فاسد ; لأن ما يعمر به الدار على رب الدار والثانية كذلك عليه فهي الجباية بمنزلة الخراج فهي مجهولة فقد شرط لنفسه شيئا مجهولا مع العشرة وضم المجهول إلى المعلوم يجعل الكل مجهولا ، فأما أجر الحارس فهو على الساكن ; لأنه هو المنتفع بعمله وإذا سكن الدار فعليه أجر مثلها بالغا ما بلغ ; لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد ورب الدار ما رضي بالمسمى حين ضم إليه شيئا آخر لنفسه ; فلهذا لزمه أجر المثل بالغا ما بلغ والإشهاد على المرتهن والمستأجر والمستعير في الحائط الواهي باطل ; لأن الإشهاد إنما يصح على من يتمكن من هدم الحائط ; فإنه يطالبه بتفريغ ما اشتغل من الهواء بالحائط المائل ، وهؤلاء لا يتمكنون من التفريغ بالهدم فلا تتوجه عليهم المطالبة .
رجل تكارى منزلا في دار وفي الدار سكان غيره فأدخل دابة في الدار وأوقفها على بابه فضربت إنسانا فمات ، أو هدمت حائطا ، أو دخل ضيف له على دابة فوطئ إنسانا من السكان فلا ضمان على الساكن ولا على الضيف ; لأنه غير متعد في إدخال الدابة وإيقافها في الدار ، فإن للساكن أن يربط دابته فيها إلا أن يكون هو على الدابة حين أوطأت إنسانا فحينئذ يضمن ; لأنه مباشر للإتلاف ، وإن تكاراها سنة وقبضها لم يكن لرب الدار أن يربط فيها دابته من غير رضى الساكن ; لأن الساكن فيما يرجع إلى الانتفاع كالمالك ، والمالك كالأجنبي فإن فعل فهو ضامن لما أصابت لكونه متعديا في التسبب ولو تكارى دارا يسكنها شهرا بخدمة عبد شهرا فإن كان العبد بغير عينه فالإجارة فاسدة لجهالة أحد العوضين ، وإن كان بعينه فالإجارة جائزة لاختلاف جنس المنفعة فإن مات العبد قبل أن يخدم وسكن الدار فعليه أجر مثل الدار ; لأن بموت العبد فات المعقود عليه من الخدمة قبل الاستيفاء فيفسد العقد في حق السكنى وبقيت السكنى مستوفاة بعقد فاسد وكان على المستوفي أجر المثل .
رجل تكارى دارا سنة بمائة درهم على أن لا يسكنها ولا ينزل فيها فالإجارة فاسدة ; لأنه نفى موجب العقد بالشرط ، ومثل هذا الشرط لا يلائم العقد فإن سكنها فعليه أجر مثلها ولا ينقص مما سمى ; لأن المستأجر التزم المسمى بدون أن يسكنها فالتزامه لها إذا سكن أظهر ، ورب الدار إنما رضي بالمسمى إذا لم يسكنها فعند السكنى لا يكون راضيا بها ; فلهذا أعطاه أجر مثلها بالغا ما بلغ فإن تكاراها على أن يسكنها فلم يسكنها ولكنه جعل فيها حيوانا وقال رب الدار ردها علي .

( قال : ) هذا يخربها فليس له ذلك حتى تنقضي المدة ; لأن ما فعل من السكنى .

( ألا ترى ) أنه لو سكنها كان له أن يجعل فيها من الحبوب مع [ ص: 150 ] نفسه ما يحتاج إليه فهذا مما صار مستحقا بعقد الإجارة فلا يمنعه رب الدار منه ولا يفسخ العقد لأجله ، وإذا أنزل المستأجر زوج ابنته معه في الدار فلما انقضت المدة طالبه بالأجر فليس له ولا لرب الدار أن يأخذ الزوج بشيء من ذلك ; لأن العقد لم يجر بينه وبين رب الدار ، والمستأجر أسكنه من غير أن يشرط عليه أجرا ولو أسكنه ملكه لم يطالبه بالأجر ، فكذلك إذا أسكنه دارا يكتريها فإن تكارى منزلا في دار فيها سكان فأمره صاحب المنزل أن يكنس البئر التي في الدار ففعل وطرح ترابها في الدار فعطب بذلك إنسان فلا ضمان عليه ; لأن فعله بأمر رب الدار كفعل رب الدار بنفسه وكذلك إن فعله بغير أمر رب الدار ; لأن هذا من توابع السكنى فإن الساكن مرتفق بالبئر ولا يتأتى له ذلك إلا بالكنس فلم يكن متعديا فيما صنع ; فلهذا لا يضمن ، إلا أن يخرج التراب إلى الطريق فحينئذ هو متعد في إلقاء التراب في الطريق فكان ضامنا .

رجل تكارى دارا سنة على أنه فيها بالخيار ثلاثة أيام فهو جائز عندنا وفي أحد قول الشافعي رحمه الله لا يجوز بناء على الأصل الذي بينا أن جواز الإجارة بطريق أن المنافع جعلت كالأعيان القائمة وإنما يكون ذلك إذا اتصل ابتداء المدة بالعقد وباشتراط الخيار ينعدم ذلك ; لأن ابتداء المدة من حين سقط الخيار ، وإن جعل ابتداء المدة من وقت العقد فشرط الخيار فيه غير ممكن أيضا ; لأن الخيار مشروط للفسخ فلا بد من أن يتلف شيء من المعقود عليه في مدة الخيار ، وذلك مانع من الفسخ ، ثم شرط الخيار في البيع ثابت بالنص بخلاف القياس والإجارة ليست في معناه فلا يجوز شرط الخيار فيها ; ولهذا لم يجز شرط الخيار في النكاح ، فكذلك في الإجارة والجامع بينهما أنه عقد معاوضة يقصد به استيفاء المنفعة وحجتنا في ذلك أن هذا عقد معاوضة مال بمال فيجوز شرط الخيار فيه كالبيع وتأثيره أنه لما كان المقصود المال وقد يقع نفيه قبل أن يروي المرء النظر فيه فهو محتاج إلى شرط الخيار فيه ; ليدفع الغبن عن نفسه والإجارة في هذا كالبيع .

( ألا ترى ) أنه في الرد بالعيب يجعل كالبيع ، فكذلك في الرد بخيار الشرط وأنه يحتمل الفسخ بالإقالة كالبيع ويعتمد لزومه تمام الرضا بخلاف النكاح ، ثم إن كان ابتداء المدة من وقت العقد فالمنفعة لا تدخل في ضمان المستأجر إلا بالاستيفاء وما يتلف قبل ذلك يتلف على ضمانه فلا يمنعه من الفسخ ، وإن اشتغل بالاستيفاء سقط خياره عندنا والحقيقة أن ابتداء المدة من حين يتم رضاه بالعقد ، وذلك عند اشتغاله باستيفاء المنفعة أو عند مضي مدة الخيار ، فإن سكنها في المدة فقد تم رضاه باشتغاله بالتصرف فيسقط خياره والله أعلم ، وإن كان شرط لنفسه الخيار [ ص: 151 ] ثلاثة أيام فإن رضيها أخذها بمائة درهم وإن لم يرضها أخذها بخمسين فالإجارة فاسدة ; لجهالة الأجرة ، وإن سكنها فعليه أجر مثلها ولا ضمان عليه فيما انهدم منها اعتبارا للعقد الفاسد بالجائز وإذا أجر الوصي دار اليتيم مدة طويلة جازت الإجارة ; لأنه قائم مقامه لو كان بالغا في كل عقد نظرا له إلا أن ينتقص من أجر مثلها ما لا يتغابن الناس فيه فلا يجوز اعتبارا للإجارة بالبيع وهذا ; لأنه مأمور بقربان ماله بالأحسن وبما يكون أصلح له قال الله تعالى { : قل إصلاح لهم خير } ويجوز لوكيل الكبير أن يؤاجرها بما قل وكثر في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمه الله إلا بما يتغابن الناس في مثله وهو نظير البيع في ذلك . .

رجل تزوج امرأة وهي في منزل بكراء فمكث معها سنة فيه ، ثم طلب صاحب المنزل الكراء ، وقد أخبرت المرأة الزوج أن المنزل معها بكراء أو لم تخبره فالإجارة على المرأة دون الرجل ; لأنها هي التي باشرت سبب وجوب الأجر وهو العقد فإن كان قال لها لك علي مع نفقتك أجر المنزل كذا ، وكذا وضمنه لرب المنزل فهو عليه ; لأنه يضمن دينا واجبا لرب المنزل ، وإن أشهد لها به ولم يضمنه لرب المنزل ، ثم لم يعطها فله ذلك ; لأن الأجر عليها لا لها فلا يكون هو ضامنا لها ذلك بل هذا بمنزلة الهبة منه فإن شاء أعطى ، وإن شاء لم يعط .
، وإذا تكارى دارا لم يرها فله الخيار إذا رآها ; لأن الإجارة كالبيع يعتمد تمام الرضا فكما لا يتم الرضا في البيع قبل الرؤية ، فكذلك في الإجارة ، ورؤية المعقود عليه وهو المنفعة لا تتأتى ولكن يصير ذلك معلوما برؤية الدار فإن منفعة السكنى تختلف باختلاف الدار في الضيق والسعة ; ولهذا لو كان رآها قبل ذلك فلا خيار له فيها إلا أن يكون انهدم منها شيء يضر بالسكنى فحينئذ يتخير للتغير وإذا استأجر دارا سنة كل شهر بمائة درهم لم يكن لواحد منهما أن يفسخ الإجارة قبل كمال السنة ; لأن الصفقة واحدة باتحاد العاقدين فبالتفصيل في ذكر البدل لا تتفرق الصفقة ولكن هذا التفصيل وجوده كعدمه فيكون العقد لازما في جميع السنة لا يفسخه أحدهما إلا بعذر ، وإن قال المستأجر استأجرتها شهرا فالقول قوله ; لأنه ينكر الإجارة فيما زاد على الشهر ولو أنكر أصل العقد كان القول قوله مع يمينه فكذلك إذا أنكر الزيادة والبينة بينة المؤاجر ; لأنها تثبت الزيادة ، وإن استأجرها شهرا بدرهم فسكنها شهرين فعليه كراء الشهر الأول ولا كراء عليه في الشهر الثاني ; لأنه غاصب في السكنى ، والمنافع لا تتقوم إلا بالعقد وعند ابن أبي ليلى رحمه الله عليه أجر مثلها في الشهر الثاني وقد بينا نظيره في العارية فإن انهدمت من سكناه فقال : إنما انهدمت في [ ص: 152 ] الشهر الأول فالقول قوله لإنكاره وجوب الضمان والبينة بينة رب الدار ; لأنه يثبت السبب الموجب للضمان عليه ، وكذلك إن زاد على الشهر يوما أو يومين ; لأنه غاصب فيما زاد فيستوي فيه قليل المدة وكثيرها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.90 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.59%)]