
18-12-2025, 03:37 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر
صـــ 112الى صـــ 121
(320)
( ألا ترى ) أنه لو اشترى بالدين المظنون شيئا ، ثم تصادقا على أن لا دين بقي الشراء صحيحا ، ثم لما اتفقا على المقاصة بالأجر مع علمهما بأنه لا يجب بنفس العقد فكأنهما شرطا تعجيل الأجر ويجعل ذلك مضمرا في كلامهما لتحصيل مقصودهما كما إذا قال : اعتق عبدك عني على ألف درهم يجعل التمليك مضمرا لتحصيل مقصودهما فيصير الأجر بالثمن قصاصا بهذا الطريق ولا يكون للبائع حق حبس المبيع باستيفاء الثمن ، فإن لم يوفه العمل لعذر رجع عليه بالدراهم دون المتاع ; لأنه لما انفسخ العقد بعدما صار مستوفيا للأجر بالمقاصة وجب رد ما استوفى كما لو استوفاه حقيقة
أو لما انفسخ العقد ظهر أن الأجر غير واجب وأن المقاصة لا تقع به ولكن أصل الشراء بقي صحيحا بثمن في ذمته فيطالبه بالثمن .
وإن باعه المستأجر بالدراهم دنانير ودفعها إليه قبل استيفاء المنفعة فهو جائز في قول أبي يوسف رحمه الله الأول وهو قول محمد رحمه الله وفي قوله الآخر الصرف باطل فإذا افترقا قبل إيفاء العمل فوجه قوله الأول أنهما لما أضافا عقد الصرف إلى الأجرة فقد قصدا المقاصة بها ولا وجه لتحصيل مقصودهما إلا بتقديم اشتراط التعجيل فيقدم ذلك لتحصيل مقصودهما ، ثم المضمر كالمصرح به
ولو صرح باشتراط التعجيل ، ثم صارف به دينارا وقبضه لم يبطل العقد بالافتراق ، فكذلك إذا ثبت ذلك ضمنا في كل منهما وهو نظير الشراء ، والدليل عليه أن من كفل عن غيره عشرة دراهم بأمره ، ثم صارف به مع المكفول عنه دينارا قبل أن يؤدي جاز ذلك لوجود السبب ، وإن لم يجب دينه على المكفول عنه ما لم [ ص: 113 ] يؤد مثله
وجه قوله الآخر أن وجوب العشرة مقترن بعقد الصرف وما يجب بعقد الصرف إذا لم يقبض حتى افترقا بطل العقد كما لو تصارفا دينارا بعشرة دراهم مطلقا وبيان ذلك أن الأجر لم يجب بعقد الإجارة بالاتفاق قبل استيفاء العمل ولا سبب للوجوب بعده سوى الصرف فعرفنا أنه واجب بعقد الصرف والذي قال : من أنه يقدم اشتراط التعجيل ليس بقوي ; لأن الحاجة إلى اشتراط التعجيل للمقاصة به لا لصحة عقد الصرف فعقد الصرف صحيح بدراهم في ذمته وأوان المقاصة بعد عقد الصرف فهب أن شرط التعجيل يثبت مقدما على المقاصة فإنما يكون ذلك بعد عقد الصرف ، أو معه وبدل الصرف لا يجوز أن يكون قصاصا بدين يجب بعده فإن ( قيل : ) يجعل شرط التعجيل مقدما على عقد الصرف ; لأنه لا يمكن تحصيل مقصودهما وهو المقاصة إلا به ( قلنا ) : إنما يقدم على العقد بطريق الإجبار ما هو من شرائط العقد ، ووجوب الأجر ليس من شرائط عقد الصرف بدليل أنه لو نقد العشرة في المجلس كان العقد صحيحا ، ثم لا يشتغل بالاحتيال لبقاء العقد صحيحا ( ألا ترى ) أنه لو باعه عشرة وثوبا بعشرة وثوب وافترقا قبل القبض بطل العقد في الدراهم ولو صرفنا الجنس إلى خلاف الجنس لم يبطل ولكن قيل : يحتال للتصحيح في الابتداء ولا يحتال للبقاء على الصحة والدليل عليه أن الأجرة إذا كانت بقرة بعينها فصارف بها دينارا وافترقا قبل قبض البقرة لم يصح ولو كان اشتراط التعجيل معتبرا في إبقاء العقد صحيحا لاستوى فيه العين والدين وأما مسألة الكفيل فبالكفالة كما وجب للطالب على الكفيل وجب للكفيل على الأصيل ولكنه مؤجل إلى أدائه ، والمصارفة بالدين المؤجل صحيح وقد بينا هاهنا أن الأجر لا يجب بنفس العقد عينا كان أو دينا فيبطل عقد الصرف بالافتراق قبل قبض الدراهم
وإن مات قبل أن يوفيه العمل وقد حمله بعض الطريق أو لم يحمله فإنه يرد عليه من الدراهم بقدر ما لم يوفه من العمل وفي قوله الأول ; لأنه صار مستوفيا للأجر بطريق المقاصة فبقدر ما ينفسخ العقد فيه يلزمه رده ، وفي قوله الآخر الصرف باطل فعليه رد دينار ، وإن شرط في الأجل مدة معلومة فذلك صحيح واعتبار الأجل من حين يجب الأجر ; لأن الأجل يؤخر المطالبة ولا يتحقق ذلك قبل الوجوب ، وإن كان الأجر شيئا له حمل ومؤنة فلم يشترط له مكان الإيفاء في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله العقد فاسد وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هو جائز وهو نظير اختلافهم في المسلم فيه وقد بيناه في البيوع فإن قيل : أليس أن الأجر بمنزلة الثمن في البيع ، ولو كان الثمن [ ص: 114 ] شيئا له حمل ومؤنة لا يشترط فيه بيان مكان الإيفاء فكيف يشترط ذلك في الأجر عند أبي يوسف رحمه الله
( قلنا ) : في الثمن إن لم يكن مؤجلا فالإيفاء يجب بنفس العقد ويتعين موضع العقد لإيفائه ; لأنه مكان وجوب التسليم ، وإن كان مؤجلا ففيه روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله : إحداهما أنه لا بد من بيان مكان الإيفاء كما في السلم ; لأن وجوب التسليم الآن عند حلول الأجل ولا يدري في أي مكان يكون عند ذلك فلا يصح العقد إلا ببيان مكان الإيفاء وفي الرواية الأخرى يجوز ; لأن البيع في الأصل يوجب تسليم الثمن بنفسه وباعتبار هذا المعنى يتعين موضع العقد للتسليم ; لأن في ذلك إمكان وجوب التسليم وإنما تأخر بعارض شرط الأجل ; لأن شرط الأجل معتبر في تأخير المطالبة لا في نفي الوجوب فبقي مكان العقد متعينا للتسليم بمقتضى العقد ، فأما السلم فلا يوجب تسليم المسلم فيه عقيب العقد بحال
وإنما يوجب ذلك عند سقوط الأجل فلا يتعين مكان العقد فيه للتسليم والإجارة نظير السلم ; لأن مطلق العقد لا يوجب تسليم الأجر عليه عقيبه بحال فلا يتعين موضع العقد لإيفائه ، ولا بد من بيان مكان الإيفاء ; لأن بدون بيان المكان تتمكن فيه جهالة تفضي إلى المنازعة ، فأما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فالعقد صحيح هنا كما في السلم إلا أن هناك عندهما يتعين موضع العقد للتسليم ; لأن وجوب التسليم فيه بنفس العقد ، وهنا في إجارة الأرض والدار تعين موضع الأرض والدار للإيفاء ; لأن وجوب الأجر هنا باستيفاء المنفعة لا بنفس العقد والاستيفاء يكون عند الدار فيجب تسليم الأجر في ذلك الموضع وفي الحمولة حيثما وجب له ذلك وفي العمل بيده حيث يوفيه العمل فإن طالبه به وفي بلد آخر لم يكلف حمله إليه ولكن يستوثق له منه حتى يوفيه في موضعه ; لأنه يطالب بإيفاء ما لزمه ولم يلزمه الحمل إلى مكان آخر ولكن يستوثق منه ; مراعاة لجانب الطالب وله أن يأخذه في الدراهم والدنانير حيث شاء ; لأنه صار دينا في ذمته وليس له حمل ومؤنة فيطالبه بالإيفاء حيثما لقيه ، والله أعلم .
باب السمسار .
( قال رحمه الله ذكر حديث قيس بن أبي غرزة الكناني قال : { كنا نبتاع الأوساق بالمدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن من اسمنا قال : صلى الله عليه وسلم يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه [ ص: 115 ] بالصدقة } والسمسار اسم لمن يعمل للغير بالأجر بيعا وشراء ومقصوده من إيراد الحديث بيان جواز ذلك ; ولهذا بين في الباب طريق الجواز ، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم بما هو أحسن مما كانوا يسمون به أنفسهم وهو الأليق بكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن معاملته مع الناس وإنما كان اسم التجار أحسن )
; لأن ذلك يطلق في العبادات قال الله تعالى { هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } وفيه دليل على أن التاجر يندب له إلى أن يستكثر من الصدقة ; لما أشار صلوات الله عليه في قوله إن البيع يحضره اللغو والحلف معناه أنه قد يبالغ في وصف سلعته حتى يتكلم بما هو لغو وقد يجازف في الحلف لترويج سلعته فيندب إلى الصدقة ليمحو أثر ذلك كما قال الله تعالى { إن الحسنات يذهبن السيئات } وقال : صلى الله عليه وسلم { أتبع السيئة الحسنة تمحها } وإذا دفع الرجل إلى سمسار ألف درهم وقال اشتر بها زطيا لي بأجر عشرة دراهم فهذا فاسد ; لأنه استأجره لعمل مجهول فالشراء قد يتم بكلمة واحدة وقد لا يتم بعشر كلمات ، ثم استأجره على عمل لا يقدر على إقامته بنفسه فإن الشراء لا يتم ما لم يساعده البائع على البيع
وكذلك إن سمى له عدد الثياب ، أو استأجره لبيع طعام ، أو شراء طعام وجعل أجره على ذلك من النقود ، أو غيرها فهذا كله فاسد ، وكذلك لو شرط له على كل ثوب يشتريه درهما ، أو على كر من حنطة يبيعه درهما فهو فاسد ; لما بينا
وإن استأجره يوما إلى الليل بأجر معلوم ليبيع له ، أو ليشتري له فهذا جائز ; لأن العقد يتناول منافعه هنا وهو معلوم ببيان المدة والأجير قادر على إيفاء المعقود عليه .
( ألا ترى ) أنه لو سلم إليه نفسه في جميع اليوم استوجب الأجر ، وإن لم يتفق له بيع ، أو شراء بخلاف الأول فالمعقود عليه هناك البيع والشراء حتى لا يجب الأجر بتسليم النفس إذا لم يعمل به ، ثم فيما كان من ذلك فاسدا إذا اشترى وباع فله أجر مثله ، ولا يجاوز به ما سمى له ; لأنه استوفى المعقود عليه بحكم إجارة فاسدة وقال : أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : إن شاء أمره بالبيع والشراء ولم يشترط له أجرا فيكون وكيلا معينا له ، ثم يعوضه بعد الفراغ من العمل مثل الأجر وأبو حنيفة رحمه الله في هذا لا يخالفهما فإن التعويض في هبة الأعيان مندوب إليه عن الكل ، فكذلك في هبة المنافع وقد أحسن إليه بالإعانة وإنما جزاء الإحسان الإحسان .
وإن قال بع المتاع ولك الدرهم ، أو اشتر لي هذا المتاع ولك الدرهم ففعل فله أجر مثله ولا يجاوز به ما سمى ; لأنه استأجره للعمل الذي سماه بدرهم ، فإن جواب الأمر بحرف الواو كجواب الشرط بحرف الفاء
ولو قال : إن بعت هذا [ ص: 116 ] المتاع لي فلك درهم كان استئجارا ، فكذلك إذا قال : بعه ولك درهم ، ثم قد استوفى المعقود عليه بحكم إجارة فاسدة فيلزمه أجر مثله والله أعلم بالصواب .
باب الكفالة بالأجر . قال : رحمه الله ولا تجوز الكفالة والحوالة في جميع الإجارات بالأجرة في عاجلها وآجلها ; لأن الأجرة ، وإن لم تجب بنفس العقد فالسبب الموجب قد وجد والكفالة بعد وجود السبب صحيحة كالكفالة بالدرك وهذا ; لأن المقصود به التوثق وكما يحتاج إلى التوثق فيما هو واجب فكذلك فيما هو يعرض للوجوب ، ثم الكفالة بدين سيجب صحيحة كالكفالة بما يدور له على فلان والرهن بالأجر صحيح ; لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء واستيفاء الأجر قبل الوجوب صحيح فالرهن به كذلك ، وإذا ثبت جواز الرهن به ثبت جواز الكفالة بطريق الأولى ، ثم يجب على الكفيل نحو ما على المكفول عنه إن لم يشترط خلافه في تعجيل أو تأخير ; لأن الكفالة للضم فتنضم به ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل فيما هو ثابت فيه بصفقته ، ثم الكفيل يلتزم المطالبة التي هي على الأصيل ; ولهذا لا تصح الكفالة إلا بمضمون يطالب به الأصيل وليس للكفيل أن يأخذ المستأجر بالأجر حتى يؤديه ولكنه إن ألزمه به صاحبه فله أن يلزم المكفول عنه حتى يفكه ويؤديه عنه ; لأن ما استوجب الكفيل على الأصيل مؤخر إلى وقت أدائه فإنه بالكفالة أقرض ذمته من الأصيل فيجب له مثل ما التزمه في ذمة الأصيل وبالأداء يصير مقرضا ماله منه حين أسقط دين الطالب عنه فيرجع عليه بمثله
والحاصل أنه يعامل الأصيل بحسب ما يعامل إن طولب طالب ، وإن لوزم لازم ، وإن حبس حبس ، وإن أدى رجع ، وإن عجل الكفيل الأجر من عنده قبل الوقت الذي يتمكن صاحبه من مطالبة المستأجر لم يرجع به الكفيل على المستأجر حتى يجيء ذلك الوقت ; لأن الكفيل متبرع للأداء قبل حلول الأجل وتبرعه لا يسقط حق الأصيل في الأجل الذي كان ثابتا له وكما أن الطالب لا يتمكن من الرجوع على الأصيل قبل حلول الأجل ، فكذلك الكفيل ، وإن اختلفا في مقدار الأجر فالقول قول المستأجر مع يمينه ; لأنه منكر للزيادة ، فإن أقر الكفيل بفضل على ذلك لزمه من عنده ولم يرجع به عليه ; لأن إقراره حجة عليه دون الأصيل ، وإن أقاموا البينة فالبينة بينة الأجير لإثباته الزيادة وله الخيار في استيفاء ما أثبته بين أن يطالب به الكفيل ، أو [ ص: 117 ] الأصيل .
وإن استأجر دارا بثوب بعينه وكفل به رجل فهو جائز ; لأن تسليم العين مستحق على المستأجر بسبب العقد عند استيفاء العمل فإنما التزم الكفيل تسليما مستحقا على الأصيل وهو مما تجري فيه النيابة ، والكفالة بمثله صحيحة عندنا بمنزلة الكفالة بالنفس فإن استكمل السكنى وهلك الثوب عند صاحبه برئ الكفيل ; لأن الكفيل التزم تسليم الثوب وقد برئ الأصيل عن تسليم الثوب بالهلاك فيبرأ الكفيل كما لو مات المكفول بنفسه بخلاف الكفالة بالعين المغصوبة فهناك الغاصب لا يبرأ عن تسليم الثوب بالهلاك ولهذا يلزمه قيمته ، والقيمة تقوم مقام العين وهنا المستأجر برئ عن تسليم الثوب حتى لا تلزمه قيمته ولكن انفسخ العقد بهلاك الثوب قبل التسليم فيلزمه أجر مثل الدار ; لأنه استوفى المنفعة بحكم عقد فاسد والكفيل ما التزم من أجر مثل الدار شيئا ; فلهذا برئ من الكفالة .
وإن استأجر الدار بخدمة عبد شهرا وكفل رجل بالخدمة لم يجز ; لأنه التزم ما لا يقدر على إيفائه فخدمة عبد بعينه لا يمكن إيفاؤها من محل آخر ، وإن كفل بنفس العبد ; فإنه يؤخذ به ; لأن تسليم نفس العبد بالعقد يستحق على المؤاجر ، وهو مما تجري فيه النيابة فتصح الكفالة به ويطالب الكفيل بتسليمه فإذا مضى الشهر وأقر المكفول له أنه كان حقه قبل خدمة الشهر الماضي برئ الكفيل من ذلك ; لأن المطالبة بتسليم العبد تسقط عن الأصيل بمضي الشهر وفوات المعقود عليه فبرئ الكفيل وله أجر مثل الدار على المستأجر ; لأن منفعة الدار بقيت مستوفاة وقد انفسخ العقد بفوات ما يقابلها قبل الاستيفاء فيجب رد المستوفى ورد المنفعة برد أجر المثل ولا شيء على الكفيل من ذلك .
وإذا استأجر محملا أو زاملة إلى مكة ، وكفل بها رجل بالحمولة فهو جائز ; لأنه كفل بما هو مضمون في ذمة الأصيل وتجري النيابة في إيفائه ; لأن الحمولة إذا لم تكن معينة فالكفيل يقدر على إيفائه كما يقدر الأصيل ; فلهذا يؤخذ الكفيل بالحمولة كما يؤخذ المؤاجر ، فكذلك إذا استأجر منه إبلا بغير أعيانها يحمل عليها متاعا مسمى إلى بلد معلوم وكفل له رجل بالحمولة جاز للمعنى الذي ذكرنا ولو استأجر إبلا بعيانها وكفل رجل بالحمولة لم تجز الكفالة ; لأن الكفيل لا يقدر على إيفاء المكفول به من مال نفسه فإن غير ما عين لا يقوم مقام المعين في الإيفاء فهو بمنزلة ما لو كفل بمال بشرط أن يؤدي ذلك من مال نفسه الأصيل ، وذلك باطل ولو استأجر دارا ليسكنها ، أو أرضا ليزرعها ، أو رجلا ليخدمه وكفل له رجل بالوفاء بذلك كله فهو باطل ; لأن الكفيل عاجز عن إيفاء ما التزم بماله ونفسه بنفس الكفالة [ ص: 118 ] لا تثبت له الولاية على مال الأصيل ليوفي ما التزم منه وكل شيء أبطلنا فيه الكفالة من هذا فالإجارة جائزة نافذة إذا لم تكن الكفالة شرطا في الإجارة ; لأنهما عقدان مختلفان ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر ، وإن كانت الكفالة شرطا في الإجارة فعقد الإجارة نظير البيع في أنه يبطل بالشرط الفاسد ، وإن عجل له الأجر وكفل له الكفيل فالأجر إن لم يوفه الخدمة والسكنى والزراعة فهذا جائز ; لأنه كفل بدين مضاف إلى سبب وجوبه .
وإن أسلم ثوبا إلى خياط ليخيطه له بأجر مسمى وأخذ منه كفيلا بالخياطة فهو جائز ; لأنه كفل بمضمون تجري فيه النيابة فإن المستحق على الخياط العمل في ذمته إن شاء إن شاء أقامه بنفسه وإن شاء أقامه بنائبه فتمكن الكفيل من إيفاء هذا العمل أيضا فلهذا كان لصاحب الثوب أن يطالب أيهما شاء فإن خاطه الكفيل رجع على المكفول عنه بأجر مثل ذلك العمل بالغا ما بلغ ; لأنه أوفى عنه ما التزم بأمره فيرجع عليه بمثله وبمثل الخياطة أجر المثل ، وإن كان صاحب الثوب اشترط على الخياط أن يخيطه بيده فهذا شرط مفيد معتبر لتفاوت الناس في عمل الخياط ، وإذا ثبت أن المستحق عليه إقامة العمل بيده لم تصح الكفالة له به ; لأن الكفيل عاجز عن إيفائه بنفسه وبالكفالة لا تثبت له الولاية على يد الأصيل ليوفي ما التزمه بيده ; فلهذا يطلب الكفالة ، وكذلك سائر الأعمال ، والله أعلم .
باب إجارة الظئر . قال : رحمه الله الاستئجار للظئورة جائز لقوله تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } والمراد بعد الطلاق وقال الله تعالى { ، وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } يعني بأجر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملونه فأقرهم عليه وكانوا عليه في الجاهلية وقد استؤجر لإرضاع رسول الله صلى الله عليه وسلم حليمة وبالناس إليه حاجة ; لأن الصغار لا يتربون إلا بلبن الآدمية والأم قد تعجز عن الإرضاع لمرض ، أو موت ، أو تأبى الإرضاع فلا طريق إلى تحصيل المقصود سوى استئجار الظئر جوز ذلك للحاجة ، وزعم بعض المتأخرين رحمهم الله أن المعقود عليه المنفعة ، وهو القيام بخدمة الصبي وما يحتاج إليه وأما اللبن فتبع فيه ; لأن اللبن عين والعين لا تستحق بعقد الإجارة كلبن الأنعام ، والأصح أن العقد يرد على اللبن ; لأنه هو المقصود وما سوى ذلك من القيام بمصالحه تبع والمعقود عليه هو منفعة الثدي [ ص: 119 ] فمنفعة كل عضو على حسب ما يليق به وهكذا ذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله ; فإنه قال : استحقاق لبن الآدمية بعقد الإجارة دليل على أنه لا يجوز بيعه وجواز بيع لبن الأنعام دليل على أنه لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة
وقد ذكر في كتاب أنها ، لو ربت الصغير بلبن الأنعام ، لا تستحق الأجر وقد قامت بمصالحه فلو كان اللبن تبعا ولم يكن الأجر بمقابلته لاستوجبت الأجر ، ثم بدأ الباب بحديث زيد بن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا ترضع لكم الحمقاء فإن اللبن يفسد } وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن اللبن في حكم جزء من عينها ; لأنه يتولد منها فتؤثر فيه حماقتها ويظهر أثر في ذلك الرضيع لما للغذاء من الأثر ، ونظيره ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا ترضع لكم سيئة الخلق } .
وإذا استأجر ظئرا ترضع صبيا له سنتين حتى تفطمه بأجر معلوم فهو جائز ; لأنه استأجرها بعمل معلوم ببدل معلوم وطعامها وكسوتها على نفسها ; لأنها شرطت عليهم الأجر المسمى بمقابلة عملها ففيما سوى ذلك حالها بعد العقد كما قبل العقد ، وترضعه في بيتها إن شاءت وليس عليها أن ترضعه في بيت أبيه ; لأنها بالعقد التزمت فعل الإرضاع وما التزمت المقام في بيتهم وهي تقدر على إيفاء ما التزمت في بيت نفسها فإن اشترطت كسوتها كل سنة ثلاثة أثواب زطية واشترطت عند الفطام دراهم مسماة ، وقطيفة ، ومسحا ، وفراشا فذلك جائز استحسانا عند أبي حنيفة رحمه الله في هذا الموضع خاصة دون سائر الإجارات ، وفي قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله لا يجوز وهو القياس ، وكذلك إن اشترطت عليهم طعاما فهو على هذا الخلاف
وجه القياس أن هذا عقد إجارة فلا يصح إلا بإعلام الأجرة كما في سائر الإجارات ، والطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة ، والكسوة كذلك هنا ، وهذه الجهالة تمنع صحة التسمية كما في سائر الإجارات ; لأنها تفضي إلى المنازعة فكذلك هنا ، وهذا قياس يشده الأثر وهو قوله : صلى الله عليه وسلم { من استأجر أجيرا فليعلمه أجره } فإن أقامت العمل فلها أجر مثلها ; لأنها وفت المعقود عليه بحكم عقد فاسد ، إلا أن يسموا لها ثيابا معلومة الجنس والطول والعرض والرقعة ويضربوا لذلك أجلا ويسموا لها كل يوم كيلا من الدقيق معلوما فحينئذ يجوز كما في سائر الإجارات والبيوع وأبو حنيفة رحمه الله استدل بقوله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } يعني أجرا على الإرضاع بعد الطلاق .
( ألا ترى ) أنه قال : { وعلى الوارث مثل ذلك } ، وذلك أجر الرضاع لا نفقة النكاح ولأن الناس تعارفوا بهذا العقد بهذه الصفة وليس [ ص: 120 ] في عينه نص يبطله وفي النزوع عن هذه العادة حرج ; لأنهم لا يعدون الظئر من أهل بيتهم فالظاهر أنهم يستنكفون عن تقدير طعامها وكسوتها كما يستنكفون عن تقدير طعام الزوجات وكسوتهن ، ثم إنما لم يجوز هذا في سائر الإجارات لتمكن المنازعة في الثاني ، وذلك لا يوجد هنا ; لأنهم لا يمنعون الظئر كفايتها من الطعام ; لأن منفعة ذلك ترجع إلى ولدهم وربما يكلفونها أن تأكل فوق الشبع ليكثر لبنها ، وكذلك لا يمنعونها كفايتها من الكسوة لكون ولدهم في حجرها ، ثم أحد العوضين في هذا العقد يتوسع فيه ما لا يتوسع في سائر العقود حتى أن اللبن الذي هو عين حقيقة يستحق بهذه الإجارة دون غيرها ، فكذلك يتوسع في العوض الآخر في هذا العقد ما لا يتوسع في غيره
وإذا جاز العقد عنده كان لها الوسط من المتاع والثياب المسماة ; لأنها لا تستحق ذلك بمطلق التسمية في عقد المعاوضة فينصرف إلى الوسط كما في الصداق إذا سمى لها عبدا ، أو ثوبا هرويا وهذا ; لأن في تعيين الوسط نظر من الجانبين ولو اشترطوا عليها أن ترضع الصبي في منزلهم فهو جائز كما في سائر الإجارات إذا اشترط المستأجر على الأجير إقامة العمل في بيته وهذا ; لأنهم ينتفعون بهذا الشرط فإنها تتعاهد الصبي في بيتهم ما لا تتعاهده في بيت نفسها ، وربما لا يتحمل قلبهما غيبة الولد عنهما
والشرط المفيد في العقد معتبر ، فإن كان لها زوج فأجرت نفسها للظئرة بغير إذنه فللزوج أن يبطل عقد الإجارة قيل : هذا إذا كان الزوج مما يشينه أن تكون زوجته ظئرا فلدفع الضرر عن نفسه يكون له أن يفسخ العقد ، فأما إذا كان ممن لا يشينه ذلك لا يكون له أن يفسخ والأصح أن له ذلك في الوجهين ; لأنها إن كانت ترضعه في بيت أبويه فللزوج أن يمنعها من الخروج من منزله ، وإن كانت ترضعه في بيت نفسها فللزوج أن يمنعها من إدخال صبي الغير منزله ; ولأنها في الإرضاع والسهر بالليل تتعب نفسها ، وذلك ينقص من جمالها ، وجمالها حق الزوج فكان له أن يمنعها من الإضرار به في حقه كما يمنعها من التطوعات ، وهذا إذا كان زوجها معروفا ، فإن كان مجهولا لا تعرف أنها امرأته إلا بقولها فليس له أن ينقض الإجارة لأن العقد قد لزمها ، وقولها غير مقبول في حق من استأجرها ولأنه تتمكن تهمة المراضعة مع هذا الرجل بأن يقر له بالنكاح ليفسخ الإجارة ، وهو نظير المنكوحة إذا كانت مجهولة الحال فأقرت بالرق على نفسها فإنها لا تصدق في إبطال النكاح فإن هلك الصبي بعد سنة فلها أجر ما مضى ولها مما اشترطت من الكسوة والدراهم عند الفطام بحساب ذلك ; لأنها أوفت المعقود عليه في المدة الماضية فتقرر حقها فيما [ ص: 121 ] يقابل ذلك من البدل ، ثم يتحقق فوات المقصود فيما بقي فلا يجب ما يخصه من البدل
ولو ضاع الصبي من يدها ، أو وقع فمات ، أو سرق من حلي الصبي ، أو من ثيابه شيء لم تضمن الظئر شيئا ; لأنها بمنزلة الأجير الخاص فإن العقد ورد على منافعها في المدة .
( ألا ترى ) أنه ليس لها أن تشغل نفسها في المدة عن رضاع الصبي ، ولا تؤاجر نفسها من غيرهم لمثل ذلك العمل والأجير الخاص أمين فيما في يده بخلاف الأجير المشترك على قول من يضمنه وليس عليها من عمل أبوي الصبي شيء إن كلفوها عجنا ، أو طبخا ، أو خبزا ; لأنها التزمت بالعقد الظئورة ، وهذه الأعمال لا تتصل بالظئورة فلا يلزمها إلا أن تتطوع به ، فأما عمل الصبي وغسل ثيابه وما يصلحه مما يعالج به الصبيان من الدهن والريحان فهو على الظئر ; لأن هذا من عمل الظئورة ، وإن كان الصبي يأكل الطعام فليس على الظئر أن تشتري له الطعام ; لأنها التزمت تربيته بلبنها دون الطعام ولكن ذلك كله على أهله وعليها أن تهيئه له ; لأن ذلك من عمل الظئورة فقد جعل الدهن والريحان عليها ، بخلاف الطعام وهذا بناء على عادة أهل الكوفة والمرجع في ذلك إلى العرف في كل موضع وهو أصل كبير في الإجارة فإن ما يكون من التوابع غير مشروط في العقد يعتبر فيه العرف في كل بلدة حتى قيل : في استئجار اللبان : إن الزنبيل والملبن على صاحب اللبن بناء على عرفهم ، والسلك والإبرة على الخياط باعتبار العرف والدقيق على صاحب الثوب دون الحائك فإن كان عرف أهل البلدة بخلاف ذلك فهو على ما يتعارفون ، وحثي التراب على الحفار في القبر باعتبار العرف ، وإخراج الخبز من التنور على الخباز وغرف المرقة في القصاع على الطباخ إذا استؤجر لطبخ عرس
وإن استؤجر لطبخ قدر خاص فليس ذلك عليه لانعدام العرف فيه ، وإدخال الجمل المنزل على الحمال إذا حمله على ظهره وليس عليه أن يصعد به على السطح ، أو الغرفة للعرف ، وإذا استأجر دابة ليحمل عليها حملا إلى منزله فإنزال الحمل عن ظهر الدابة على المكاري وفي إدخاله المنزل يعتبر العرف ، والإكاف على صاحب الدابة وفي الجواليف والحبل يعتبر العرف وكذلك في السرج واللجام يعتبر العرف فهو الأصل ، أما التوابع التي لا تشترط عند العقد يعتبر العرف فيها وبه يفصل عند المنازعة وإذا أراد أهل الصبي أن يخرجوا الظئر قبل الأجل فليس لهم ذلك إلا من عذر ; لأن العقد لازم من الجانبين إلا أن الإجارة تنفسخ بالعذر عندنا على ما نبينه في بابه ، ثم العذر لهم في ذلك أن لا يأخذ الصبي من لبنها فيفوت به ما هو المقصود ولا عذر أبين من ذلك ، وكذلك إذا تقايأ لبنها ; لأن ذلك يضر بالصبي عادة [ ص: 122 ] فالحاجة إلى دفع الضرر عنه عذر في فسخ الإجارة ، وكذلك إذا حبلت ; لأن لبنها يفسد بذلك ويضر بالصبي فإذا خافوا على الصبي من ذلك كان لهم عذر وكذلك إن كانت سارقة ; فإنهم يخافون على متاعهم إن كانت في بيتهم وعلى متاع الصبي وحليته إذا كان معها ، وكذلك إن كانت فاجرة بينة فجورها فيخافون على أنفسهم فهذا عذر ; لأنها تشتغل بالفجور وبسببه ينقص من قيامها بمصالح الصبي وربما تحمل من الفجور فيفسد ذلك لبنها وهذا بخلاف ما إذا كانت كافرة ; لأن كفرها في اعتقادها ولا يضر ذلك بالصبي ، ولا يبعد أن يقال : عيب الفجور في هذا فوق عيب الكفر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|