
17-12-2025, 11:52 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,061
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر
صـــ 62الى صـــ 71
(315)
وإذا ادعى الوارث أنه كان اشترى نصيب أبيه منه في حياته بثمن مسمى ونقده الثمن وأقام البينة على ذلك فهو جائز ولا يبطل ذلك بالقسمة ; لأنه خصم في نصيبه سواء كان شراء أو ميراثا وقد تمت القسمة بحضرته ورضاه .
وإذا كانت الأرض ميراثا بين قوم فاقتسموها وتقابضوا ، ثم إن أحدهم اشترى من الآخر قسمه وقبضه ، ثم قامت البينة بدين على الأب فإن القسمة والشراء جميعا يبطلان ، وكذلك لو اشتراه غير وارث ; لأن القسمة والشراء كليهما تصرف من الوارث في التركة فلا ينفذ مع قيام الدين .
وإذا ورث ثلاثة نفر عن أبيهم دارا فاقتسموها أثلاثا وتقابضوا ، ثم إن رجلا غريبا اشترى من أحدهم قسمه وقبضه ، ثم جاء أحد الباقين فقال : أنا لم أقسم فاشترى منه الثلث من جميع الدار ، ثم جاء الثالث فقال : قد اقتسمناها وأقام البينة على ذلك وصدقه البائع الأول وكذبه الثاني ، وقال المشتري لا أدري أقسمتم أم لا فالقسمة جائزة ; لأنها تثبت بحجة أقامها من هو خصم والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ثم القسمة بعد تمامها لا تبطل بجحود بعض الشركاء ويتبين أن الأول باع نصيب نفسه خاصة فكان بيعه صحيحا وأما الثاني إنما باع ثلث الدار شائعا ثلث ذلك من قسمه وثلثا ذلك من نصيب غيره وإنما ينفذ بيعه في نصيبه خاصة ويتخير المشتري فيه إن شاء أخذ ثلث قسمه بثلث الثمن ، وإن شاء ترك لتفرق الصفقة عليه ولا يقال ينبغي أن ينصرف بيعه إلى نصيبه خاصة لتصحيح عقده ; لأنه ملكه في منزل معين وهو إنما باع ثلث الدار شائعا فلا يمكن تنفيذ ذلك البيع في منزل معين بخلاف ما قبل القسمة ; فإنه إذا باع ثلث الدار ; فإنه ينصرف بيعه إلى نصيبه ; لأن نصيبه ثلث شائع في جميع الدار كما باعه
ولو كان المشتري أقر في الشراء الأول بالقسمة وأقر في الشراء الآخر أنها لم تقسم والمسألة على حالها كان القضاء بينهم على ما وصفته ; لأن في إثبات القسمة بينهم هم الخصماء ولا قول للمشتري في ذلك ولأن المشتري في كلامه الثاني مناقض وقول المناقض غير معتبر في حق غيره ولكنه معتبر في حقه حتى إذا رد البيع الثاني ; فإنه يرد عليه من نصيب الأول [ ص: 63 ] ثلثه ; لأنه أقر به له وكأنه جحده في الكلام الأول ولكن الإقرار بعد الجحود صحيح ، وإن أمضى البيع لزمه ثلثا الثمن بثلث نصيب الأول وثلث نصيب الثاني ; لأن زعمه معتبر في حقه فبقدر ما يسلم له بزعمه يلزمه ثلثه وقد سلم له بزعمه ثلثا ما اشتراه من الثاني ويرجع بثلث الثمن حصة نصيب الثالث ; لأن ذلك لم يسلم له ويبقى في يد البائع الثاني ثلثا قسمه الذي أصابه ; لأن المشتري منه ما سلم إليه ذلك القسم إلا الثلث .
وإذا أقر الرجل أن فلانا مات وترك هذه الأرض وهذه الدار ميراثا ، ثم ادعى بعد ذلك أنه أوصى له بالثلث فإني أقبل منه البينة على ذلك ولا يخرجه قوله : هذا من وصيته ، وكذلك لو ادعى دينا قبله ; لأن محل الدين والوصية التركة وبعد الموت توصف التركة بأنها ميراث ، وإن كان فيها دين أو وصية على معنى أنه كان ملكا للميت إلى وقت موته وأنه ميراث لورثته إذا سقط الدين أو رد الموصى له فلا يكون هو في دعوى الدين والوصية مناقضا في كلامه بخلاف ما إذا ادعى شراء من الميت أو هبة أو صدقة ; فإنه لا يسمع دعواه ولا تقبل بينته على ذلك ; لأنه مناقض في كلامه فإن التركة اسم لما كان ملكا للمورث إلى وقت موته والمشتري منه في حياته لا يكون مملوكا عند موته ، وكذلك لو أقر أنها ميراث من غير أبيه فذلك غير مسموع منه للتناقض .
وإذا اقتسما القوم دارا ميراثا عن الميت والمرأة مقرة بذلك وأصابها الثمن وعزل لها على حدة ، ثم ادعت أنه أصدقها إياها وأنه اشتراها بصداقها ; فإنه لا يقبل ذلك منها ; لأنها لما ساعدتهم على القسمة فقد أقرت أنها كانت للزوج عند موته وصار ميراثا فيما بينهم فهي مناقضة في هذه الدعوى بعد ذلك ، وكذلك إذا اقتسموا فأصاب كل إنسان طائفة بجميع ميراثه عن أبيه ، ثم ادعى أحدهم في قسم الآخر بناء أو نخلا زعم أنه هو الذي بناه أو غرسه وأقام البينة بذلك لم يقبل منه ; لأنه قد سبق منه الإقرار أن جميع ذلك ميراث لهم من الأب ; لأن هذا القسم صار ميراثا لأخيه من أبيه ، وذلك يمنعه من دعوى الملك لنفسه لا من جهة أبيه .
ولو اقتسموا دارا أو أرضا فيها زرع ونخيل حامل ولم يذكروا الحمل في القسمة وإنما أشهدوا بما أصاب كل واحد منهم بميراثه من أبيه فإن الزرع والثمار لا يدخلان في هذه القسمة حتى كان لكل واحد منهم أن يطلب نصيبه منها ; لأن القسمة في هذا كالبيع وقد بينا أن الثمار والزرع لا يدخلان في البيع إن لم يشترط بكل قليل وكثير هو منه أو فيه ، فكذلك لا يدخلان في القسمة .
ولو كانت للدار والأرض غلة من إجارة كانت أو من ثمن ثمرة دين على رجل لم يدخل ذلك في القسمة ; لأنه غير متصل بما جرت القسمة بينهم فيه . [ ص: 64 ] وبقي ذلك بينهم على المواريث ولو شرطوا ذلك في قسم رجل كانت القسمة فاسدة ; لأن كل واحد منهم يصير مملكا نصيبه من ذلك الدين ممن شرط له بما يملك عليه من نصيبه من العين وتمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض لا يجوز ولو اقتسموا على إن ضمن أحدهم دينا على الميت مسمى كان هذا باطلا إذا كان في أصل القسمة ; لأن القسمة كالبيع ولو شرط على المشتري في البيع أن يضمن دينا على البائع كان باطلا ، فكذلك إذا شرط في القسمة ، وإن ضمنه بغير شرط في القسمة على أن لا يبيع الوارث الميت ولا ميراثه بشيء من ذلك وعلى أن يبرئ الغرماء الميت كان هذا جائزا إن رضي الغرماء بضمانه كما لو ضمنه أجنبي آخر بشرط براءة الميت ورضي الغرماء بذلك وهذا لأن المانع من القسمة قيام الدين على الميت وقد زال ذلك فإن أبى الغرماء أن يقبلوا ضمانه فلهم نقض القسمة لقيام دينهم على الميت وهو مانع من نفوذ القسمة ، وإن تراضوا بضمانه وأبرءوا الميت ، ثم نوى المال عليه رجعوا في مال الميت حيث كان ; لأنهم أبرءوه بشرط وهو أن يسلم لهم دينهم من جهة الضامن فإذا لم يسلم كانوا على حقهم في اتباع تركة الميت بمنزلة المحتال عليه إذا مات مفلسا فإن الدين يعود إلى ذمة المحيل والله أعلم بالصواب .
باب دعوى الغلط في القسمة . ( قال : رحمه الله وإذا اقتسم القوم أرضا ميراثا بينهم أو شراء وتقابضوا ، ثم ادعى أحدهم غلطا في القسمة ; فإنه لا يشتغل بإعادة القسمة بمجرد دعواه ) ; لأن القسمة بعد تمامها عقد لازم فمدعي الغلط يدعي لنفسه حق الفسخ بعد ما ظهر سبب لزوم العقد وقوله في ذلك غير مقبول كالمشتري إذا ادعى لنفسه خيارا بسبب العيب أو الشرط ولكن إن أقام البينة على ذلك فقد أثبت دعواه بالحجة فتعاد القسمة بينهم حتى يستوفي كل ذي حق حقه ; لأن المعتبر في القسمة المعادلة وقد ثبت بالحجة أن المعادلة بينهم لم توجد كما لو ثبت المشتري العيب بالبينة ، وإن لم يكن له بينة وأراد أن يستحلفهم على الغلط فله ذلك ; لأنهم لو أقروا بذلك لزمهم فإذا أنكروا استحلفوا عليهم لرجاء النكول فمن حلف منهم لم يكن له عليه سبيل ومن نكل عن اليمين جمع نصيبه إلى نصيبه ، ثم يقسم ذلك بينهما على قدر نصيبهما ; لأن الناكل كالمقر وإقراره حجة عليه دون غيره ففيما في يده يجعل كان ما أقر به حق فيقسم بينهما على قدر نصيبهما
وكذلك [ ص: 65 ] كل ما يقسم فهو على هذا لا يعاد ذرع شيء من ذلك ولا مساحته ولا كيله ولا وزنه إلا بحجة ; لأن الظاهر أن القسمة وقعت على سبيل المعادلة وأنه وصل إلى كل ذي حق حقه والبناء على الظاهر واجب ما لم يثبت خلافه
وإذا اقتسم رجلان دارين وأخذ أحدهما دارا والآخر دارا ، ثم ادعى أحدهما غلطا وجاء بالبينة أن له كذا ذراعا في الدار التي في يد صاحبه وفصلا في قسمة ; فإنه يقضي له بذلك الذرع ولا تعاد القسمة وليس هذا كالدار الواحدة في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وأما في قول أبي حنيفة فالقسمة فاسدة والداران بينهما نصفان ; لأن الثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصمين ومن أصل أبي حنيفة رحمه الله أن هذه القسمة بمنزلة البيع حتى لا تجوز إلا بالتراضي وبيع كذا كذا ذراعا من الدار التي في يد الغير لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله وقد بيناه في البيوع ، فكذلك إذا شرط ذلك لأحدهما في دار صاحبه في القسمة كانت القسمة فاسدة وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمه الله هذا بمنزلة البيع أيضا لما بينا أن قسمة الخبر في الدار إنما تجري عندهما إذا رأى القاضي المصلحة فيه فأما بدون ذلك فهو كالبيع ولكن من أصلهما أن بيع كذا كذا ذراعا من الدار جائز ، فكذلك اشتراط ذلك في القسمة لأحدهما لا يمنع صحة القسمة وبه فارق الدار الواحدة ; لأن معنى التمييز هناك يغلب على المعاوضة في القسمة ; ولهذا لا يجبر عليه بعض الشركاء عند طلب البعض فإذا شرط لأحدهما كذا كذا ذراعا في نصيب صاحبه لا يحصل التمييز بهذه القسمة بل الشرط والشيوع يبقى بذلك القدر فلا تصح القسمة بخلاف الدارين فمعنى المعاوضة هناك يغلب على ما بينا وتتحقق المعاوضة مع شرط كذا كذا ذراعا لأحدهما في دار صاحبه .
وإذا اقتسما أقرحة فأصاب أحدهما قراحان والآخر أربعة أقرحة ، ثم ادعى صاحب القراحين أحد الأقرحة التي في يد الآخر وأقام البينة أنه له فأصابه في قسمة ; فإنه يقضي له به ; لأنه أثبت الملك لنفسه في تلك العين بالقسمة وأثبت أنه لم يقبضه واستولى عليه شريكه بغير حق فيقضي له بذلك كما لو ثبت ذلك بإقرار صاحبه ، وكذلك هذا في الأثواب فإن لم يكن للمدعي بينة كان له أن يستحلف الذي في يده الثوب ; لأن ذا اليد مستحق له باعتبار يده ظاهرا ولكن لو أقر بما ادعى حق صاحبه أمر بتسليمه إليه فإذا أنكر استحلف على ذلك .
وإن أقام البينة على ثوب بعينه مما في يد صاحبه أنه أصابه في قسمة وجاء الآخر ببينة أنه أصابه في قسمة فالبينة بينة الذي ليس الثوب في يده ; لأن دعواهما في الثوب دعوى الملك وبينة الخارج فيه تترجح على بينة ذي اليد ; لأنه هو المحتاج [ ص: 66 ] إلى إقامة البينة وهو المثبت على صاحبه لما يدعيه بالبينة ، وكذلك هذا الاختلاف في بيوت الدار .
وإن اقتسما مائة شاة فأصاب أحدهما خمس وخمسون شاة وأصاب الآخر خمس وأربعون شاة ، ثم ادعى صاحب الأوكس غلطا في التقويم لم تقبل بينته على ذلك وهذه المسألة في الحاصل على ثلاثة أوجه أحدها أن يدعي الغلط في التقويم ، وذلك غير مسموع منه ، وإن أقام البينة على ذلك ; لأنه شاع في نقض ما قد تم به والقيمة تعرف بالاجتهاد ، وذلك يختلف باختلاف المقومين واختلاف الأوقات والأمكنة ولأنه بهذه البينة لا يثبت شيئا في ذمة غيره إنما يثبت قيمة ما تناوله فعل القسمة وفعل القسمة لاقى العين دون القيمة ، وذلك يختلف باختلاف مقدار القيمة بخلاف الغصب فإن بينة المغصوب منه على مقدار قيمته تقبل ; لأنه يثبت ذلك دينا في ذمة الغاصب فالمغصوب مضمون بالقيمة دينا في ذمة الغاصب توضيحه أن القسمة في معنى البيع ومع بقاء عقد البيع لا تقبل البينة على قيمة المبيع من أحد المتعاقدين على صاحبه ، فكذلك في القسمة والثاني أن تكون الدعوى في عدد ما أخذ كل واحد منهما بأن قال أحدهما لصاحبه أحدث إحدى وخمسين غلطا أو أحدث أنا تسعة وأربعين ، وقال الآخر ما أحدث أنا إلا خمسين فالقول قوله مع يمينه وعلى المدعي البينة ; لأن الاختلاف بينهما في مقدار المقبوض فالقول قول المنكر للزيادة وعلى من يدعي الزيادة فيما قبض صاحبه إثباته بالبينة ولأنه يدعي شاة مما في يد صاحبه أنها ملكه أصابته في القسمة وصاحبه ينكر ذلك فالقول قوله مع يمينه والثالث إن قال : أخطأنا في العدد وأصاب كل واحد منا خمسين خمسين وهذه الخمسين خطأ كان منا ، وقال الآخر قد اقتسمنا على هذا لك خمس وأربعون ولي خمس وخمسون وليس بينهما بينة والغنم قائمة بعينها تحالفا وترادا ; لأن القسمة في معنى البيع واختلاف المتبايعين في البيع حال قيام السلعة توجب التحالف والتراد ، فكذلك في القسمة ; لأنه عقد محتمل للفسخ بعد لزومه بالتراضي فيفسخ بالتحالف أيضا ، وإن أقام كل واحد منهما بينة على ذلك ردت بالقسمة ; لأن صاحب الخمس وأربعين هو المدعي وهو المثبت ببينته فيترجح كذلك بينته ويصير كأن خصمه صدقه فيما قال : فتبطل القسمة ويستقبلانها على وجه المعادلة .
وإذا اقتسما دارا ولم يشهدا على القسمة حتى اختلفا فقال : هذا أصابني هذه الناحية وهذا البيت فيها ، وقال الذي هي في يديه أصابني هذا كله تحالفا وترادا ; لأن الاختلاف بينهما في المعقود عليه في الحاصل ، وإن كانت لهما بينة على القسمة أنفذت بينتهما على ما شهد به الشهود كما لو اتفق الخصمان عليه وهذا ; لأن ما أصاب [ ص: 67 ] كل واحد منهما معلوم بحدة وقد تحقق التمييز بينهما بهذه القسمة بخلاف ما تقدم فهناك أبتت بينة صاحب الخمس وأربعين أنه بقي من حقه خمس شائعة فيما أخذه صاحبه ; فلهذا تبطل القسمة .
وإن اختلفا في الحد فيما بينهما فقال أحدهما هذا الحد لي قد دخل في نصيب صاحبه ، وقال الآخر هذا الحد لي قد دخل في نصيب صاحبه فإن قامت لهما بينة أحدث بينة هذا وبينة هذا ; لأن كل واحد منهما ثبت الملك لنفسه في جزء مما في يد صاحبه بعينه واجتمع ذلك الجزء بينة الخارج وبينة ذي اليد فيترجح بينة الخارج ، وإن لم يقم لهما بينة استحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه وجعل لكل واحد منهما يدعي لنفسه جزءا معينا في يد صاحبه ، وإن أراد أحدهما أن يرد القسمة ردها بعد ما يتحالفان ; لما بينا أن الاختلاف بينهما في المعقود عليه وفي مقدار ما حصل لكل واحد منهما بالقسمة ، وذلك موجب للتحالف وبعد التحالف ترد القسمة إذا طلب ذلك أحدهما كما في البيع .
رجل مات وترك دارا وابنين فاقتسما الدار وأخذ كل واحد منهما النصف وأشهد على القسمة والقبض والوفاء ، ثم ادعى أحدهما بيتا في يد صاحبه لم يصدق على ذلك إلا أن يقر به صاحبه من قبل أن قد أشهد على الوفاء يعني أنه أقر باستيفاء كمال حقه فبعد ذلك هو مناقض فيما يدعيه في يد صاحبه فلا تقبل بينته على ذلك ولكن إن أقر به صاحبه فإقراره ملزم إياه والمناقض إذا صدقه خصمه فيما يدعي ثبت الاستحقاق له ولو لم يكن له أشهد بالوفاء ولم يسمع منه إقرار بالقسمة حتى قال : اقتسمنا فأصابني في هذه الناحية وهذا البيت والناحية في يده والبيت في يد صاحبه ، وقال شريكه بل أصابني البيت وما في يدي كله فإني أسأل المدعي عن البيت أكان في يد صاحبه قبل القسمة فلم يدفعه إليه أو غصب منه بعد القسمة فإن قال : كان في يدي بعد القسمة فغصبناه وأعرته أو أجرته لم أنقض القسمة لتصادقهما على شريكه بقبض كل واحد منهما جميع نصيبه وبقي دعواه أن البيت وصل إلى يد صاحبه من يده وصاحبه جاحد لذلك فالقول قوله مع يمينه ، وإن كان قال : في يد صاحبي قبل القسمة فلم يسلمه إلي تحالفا ويراد أن الاختلاف بينهما في مقدار ما أصاب كل واحد منهما بالقسمة وقد بينا أن الاختلاف في المعقود عليه يوجب التحالف في القسمة ، فكذلك الاختلاف في الحد وعلى هذه القسمة في جميع أجناس الأموال يكون الجواب على التقسيم الذي قلنا .
إذا ادعى أحدهما شيئا في يد صاحبه ولو ادعى غلطا في الذرع فقال : أصابني ألف وأصابك ألف فصار في يدك ألف ومائة وفي يدي تسعمائة ، وقال الآخر أصابك ألف وأصابني ألف فقبضتها [ ص: 68 ] ولم أزد فالقول قول الذي يدعي قبله الغلط مع يمينه ; لأن صاحبه يدعي عليه أنه قبض زيادة على حقه وهو منكر لذلك ، وإن قال أصابني ألف ومائة وأصابك ألف ومائة ، وقال الآخر أصابني ألف وأصابك ألف فقبضت أنت ألفا ومائة وقبضت تسعمائة تحالفا وتراضيا ; لأنهما تصادقا على أن المدعى عليه قبض ألفا ومائة وإنما الاختلاف بينهما في مقدار نصيبه بالقسمة فالمدعي يقول : نصيبك ألف والمدعى عليه يقول : نصيبي ألف ومائة والاختلاف في المعقود عليه يوجب التحالف بينهما ولأن المدعي لم يقر بقبض المائة هنا والمدعى عليه يدعي ذلك فلا بد من استحلافه وقد توجهت اليمين على المدعى عليه لما بينا ; فلهذا تحالفا وترادا ولو قال : كنت قبضتها فقبضتها لم أنقض القسمة وأحلف المدعي قبله الفضل ; لأنهما تصادقا على انتهاء القسمة بقبض كل واحد منهما تمام نصيبه ، ثم ادعى أحدهما الغصب على صاحبه وهذا هو الحرف الذي تدور عليه هذه الفصول أن القسمة حيازة وتمامها بالقبض فإذا تصادقا على قبض كل واحد منهما تمام نصيبه بالقسمة لم يكن الاختلاف بينهما بعد ذلك اختلافا في المعقود عليه وإذا اختلفا في مقدار ما قبضه كل واحد منهما كان ذلك اختلافا في المعقود عليه فيثبت حكم التحالف بينهما .
ولو اقتسما مائة شاة فصار في يد أحدهما ستون وفي يد الآخر أربعون فقال الذي في يده الأربعون : أصاب كل واحد منا خمسون وتقابضنا ، ثم غصبني عشرا بأعيانها وخلطتهما بغنمك فهي لا تعرف وجحد ذلك الآخر الغصب ، وقال : بل أصابني ستون وأنت أربعون فالقول قوله مع يمينه لتصادقهما على أن كل واحد منهما قبض كمال حقه بالقسمة ، ثم ادعى أحدهما الغصب على صاحبه وأنكر صاحبه ذلك فالقول قوله مع يمينه فلو قال الأول أصابني خمسون فدفعت إلي أربعين وبقي في يدك عشرة لم تدفعها إلي ، وقال الآخر أصابني ستون وأصابك أربعون تحالفا وترادا ; لأن الاختلاف بينهما في مقدار ما أصاب كل واحد منهما ولو كان أشهد عليه بالوفاء قبل هذه المقالة كان القول قول الذي في يده ستون لإقرار صاحبه باستيفاء كمال حقه ولا يمين عليه ; لأن صاحبه مناقض في الدعوى بعد ذلك الإقرار وبالدعوى مع التناقض لا يستحق اليمين على الخصم
فإن ادعى الغصب بعد القبض حلف المنكر عليه ; لأن دعوى الغصب منه دعوى صحيحة ولا تناقض فيها فيستوجب فيها اليمين على المنكر ، وإن لم يشهد بالوفاء فقال الذي في يده الأربعون كانت غنم والدي مائة شاة فأصابني خمسون وأصابك خمسون وتقابضنا ، ثم غصبني عشرا وهي هذه ، وقال الذي في يده الستون بل كانت [ ص: 69 ] غنم والدي مائة وعشرين فأصابني ستون وأنت ستون ولم أغصبك وقد تقابضنا فإن هذا قد أقر بفصل عشر من الغنم ليس فيها قسمة ; لأن الآخر إنما أقر بقسمة المائة وهو منكر للقسمة فما زاد على المائة وقد أقر ذو اليد أن هذه العشرة زيادة على المائة وادعى القسمة فيها ووصول مثلها إلى صاحبه وصاحبه منكر فالقول قوله مع يمينه وإذا حلف بقيت هذه العشرة في يده غير مقسومة فيردها ليقسم بينهما فإن لم يقر بفصل على مائة ، وقال : كانت مائة فأصابني ستون وأنت أربعون فالقول قوله مع يمينه على الغصب الذي ادعاه صاحبه قبله من قبل أن شريكه قد أبرأه من حصة المائة ولم يبرأ من حصته من الفضل عليها فإن كانت قائمة بعينها اقتسماها نصفين وإلا أفسدت القسمة لجهالة العشرة التي لم تتناولها القسمة فالغنم تتفاوت وبجهالة ما لم تتناوله القسمة يصير ما تناولته القسمة مجهولا فالسبيل أن ترد الستون والأربعون وتستقبل القسمة فيما بينهما لفساد القسمة الأولى والله أعلم .
باب قسمة الوصي على أهل الوصية والورثة
( قال : رحمه الله وإذا كان في الميراث دين على الناس فأدخلوه في القسمة لم يجز ; لما بينا أن من وقع الدين في نصيبه يكون متملكا على أصحابه نصيبهم من الدين بعوض وتمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض لا يجوز ) وكذلك لو اقتسموا الدين فأخذ كل واحد منهم من حقه فيها دينا على رجل خاصة لم يجز ; لأن كل واحد منهم مملك نصيبه مما في ذمة زيد من صاحبه لم يتملك عليه من نصيبه مما في ذمة عمر وإذا كان تمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز بعوض عين فلان لا يجوز بعوض دين أولى ، وكذلك إن كان الدين كله على رجل واحد فقسمتهم فيه قبل القبض باطلة ; لأن القسمة حيازة ولا يتحقق ذلك فيما في الذمة ولا تجوز قسمة وصي الأب بين الصغير ; لأن القسمة في معنى المعاوضة وليس للوصي ولاية بيع مال أحد القسمين من صاحبه ; لأنه لا ينفرد بالتصرف إلا عند منفعة ظاهرة لليتيم وفي هذا التصرف أن تقع أحدهما أضر بالآخر ، وإن كان معهم ورثة كبار فإن قسم نصيب الصغيرين معا جاز ذلك ; لأن المعاوضة في مال الصغيرين مع الوارث الكبير جائزة ، فكذلك قسمة نصيب الصغيرين معا مع الوارث الكبير ( قال ) في الأصل ، وكذلك الأب ومراده هذا الفصل لا ما قبله فقسمة الأب مع ابنيه الصغيرين جائزة ; لأنه يملك بيع مال أحدهما من صاحبه بخلاف الوصي فيفرده [ ص: 70 ] بالتصرف ولا يتقيد بشرط منفعة ظاهرة للصبي
ولا تجوز قسمة وصي الميت على الكبار وهم كارهون ; لأنه لا ولاية له عليهم في المعاوضة والتصرف في مالهم إذا كانوا حضورا فإن كان فيهم غائب فقاسم الوصي عليه لم يجز في العقار وجاز في غيره ; لأن القسمة في العروض من الحفظ وللوصي ولاية الحفظ في نصيب الكبير الغائب فكان له في نصيبه من القسمة ما يرجع إلى الحفظ فأما العقار فحصته بنفسها وليس في قسمتها معنى الحفظ بل هو مطلق التصرف ولا ولاية له في نصيب الكبير الغائب في مطلق التصرف ، وإن كان فيهم صغير وكبير غائب وكبير حاضر فعزل الوصي نصيب الكبير الغائب مع نصيب الصغير وقاسم الكبار الحضور فهو جائز في العقار وغيرها في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على الكبير الغائب في العقار وهذه تنبني على ما بيناه في كتاب الشفعة أن عند أبي حنيفة بثبوت ولايته في نصيب الصغير يملك بيع جميع التركة من العقار وغيره وعندهما لا يملك البيع إلا في نصيب الصغير ، فكذلك القسمة ; لأن فيها معنى البيع ، وكذلك الحكم في وصي الذمي ; لأنه في ملك التصرف كوصي المسلم فإن كان الوصي ذميا والميت ورثته مسلمون ; فإنه يخرج من الوصية ; لأن في الوصية نوع ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم ، وإن قاسم على الصغير قبل أن يخرج جازت قسمته مثل قسمة الوصي المسلم ; لأن القسمة تصرف كسائر التصرفات والإنابة في التصرف بعد الموت كالإنابة في الحياة بالوكالة ولو وكل المسلم ذميا بالتصرف نفذ تصرفه عليه ، فكذلك إذا جعله وصيا في التصرف بعد موته قلنا ينفذ تصرفه بطريق النيابة ما لم يخرج من الوصاية لاعتبار معنى الولاية ، وكذلك لو كان الوصي عبدا لغير الميت فهو وصي نافذ التصرف بطريق النيابة بمنزلة ما لو وكله في حياته حتى يخرجه القاضي من الولاية فالرقيق ليس من أهل أن تثبت له الولاية على غيره ; لأنه لا ولاية له على نفسه وإنما يتعدى إلى الغير عند وجود شرط التعدي ما كان للمرء من الولاية على نفسه .
ولا تجوز قسمة الكافر والمملوك على الولد الصغير الحر المسلم كما لا تجرى عليه سائر تصرفاته ; لأنه لا ولاية له عليه وهو ليس بنائب عن الصغير في التصرف لينفذ بطريق النيابة ويجعل كتصرف المنوب عنه .
ولا يجوز قسمة الحربي المستأمن على ابن صغير له ذمي ; لأن الذمي من أهل دارنا ولا ولاية للحربي على من هو من أهل دارنا ويجوز على ابن له مثله لثبوت ولايته عليه قال الله تعالى { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } الآية .
ولا تجوز قسمة المرتد إذا قتل على ردته على ولد له صغير مثله مرتد [ ص: 71 ] لأنه لا ولاية له عليه ولأنه لا ولاية له على التصرف في ماله إذا قتل على ردته حتى تبطل قسمته لنفسه وسائر تصرفاته إذا قتل على الردة في قول أبي حنيفة رحمه الله ففي حق ولده الصغير أولى والمعتوه المغلوب بمنزلة الصغير في جميع ما وصفنا ; لأنه لا ولاية له على نفسه وهو محتاج إلى تصرف الولي له كالصغير وأما المبرسم والمغمى عليه والذي يجن ويفيق فلا تجوز عليه القسمة إلا برضاه أو وكالته في حال إفاقته ; لأن بهذه العوارض لا تزول ولايته عن نفسه فلا يصير موليا عليه وإذا كان يجوز تنفيذ التصرف له وعليه برأيه في حال إفاقته بطريق التوكيل فلا حاجة إلى إقامة رأي الولي مقام رأيه بخلاف الصغير والمعتوه ; فإنه لا يمكن تنفيذ التصرف له وعليه باعتبار رأيه في ذلك فأقمنا رأي الولي مقام رأيه لتحقق الحاجة وأهل الذمة في القسمة بمنزلة أهل الإسلام إلا في الخمر والخنزير يكون بينهم فأراد بعضهم قسمتها وأبى بعضهم فإني أجبرهم على القسمة كما أجبرهم على قسمة غيرها ; لأن الخمر والخنزير مال متقوم في حقهم كالخل والغنم في حق المسلمين ، وإن اقتسموا فيما بينهم خمرا وفضل بعضهم بعضا في كيلها لم يجز الفضل في ذلك فيما بينهم ; لأنه مال الربا ; فإنه مكيل أو موزون وفي حكم الربا هم يستوون بالمسلمين فهو مستثنى من عقد الذمة
وإذا كان وصي الذمي مسلما كرهت له مقاسمة الخمر والخنزير ولكنه يوكل من يثق به من أهل الذمة فيقاسم الصغير ويبيع ذلك بعد القسمة ; لأن المسلم ممنوع من التصرف في الخمر والخنزير والقسمة نوع تصرف فينبغي أن يفوض ذلك إلى ذمي ولا يشكل جواز ذلك على أصل أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه يجوز للمسلم أن يوكل الذمي بالتصرف له في الخمر والخنزير ، وكذلك على قولهما هنا ; لأن الوكيل نائب عن الصغير وحكم تصرفه يثبت للصغير .
( ألا ترى ) أنه يرجع بما يلحقه من العهدة في مال الصغير والوصي فيما يأمر من ذلك كالقاضي وأمر القاضي الذمي بالبيع والقسمة في خمور يتامى أهل الذمة صحيح ، فكذلك أمر الوصي به ، وإن وكل الذمي المسلم بقسمة ميراث فيه خمر وخنزير لم يجز ذلك من المسلم كما لا يجوز بيعه وشراؤه في الخمر والخنزير ; لأنه إنما يتصرف للغير بوكالته في مال يجوز له أن يتصرف فيه لنفسه لو كان مملوكا له وليس للمسلم الوكيل أن يوكل بقسمة ذلك غيره ; لأن الموكل لم يرض برأي غيره فيه فإن فوض ذلك إليه فوكل ذميا به جاز .
وإذا أسلم أحد الورثة فوكل ذميا بمقاسمة الخمر والخنزير مع سائر الورثة جاز في قول أبي حنيفة رحمه الله ولم يجز في قولهما ; لأن في القسمة معنى البيع فهو كالمسلم يوكل الذمي ببيع الخمر والخنزير ولو أخذ نصيبه من الخمر فجعله خلا كان المسلم ضامنا [ ص: 72 ] لحصة شركائه من الخمر التي خللها ; لأن القسمة لم تصح عندهما كما لو باشر بنفسه فإنما قبض نصيب شركائه من الخمر بحكم عقد فاسد وقد خللها فيكون ضامنا لنصيبهم من القيمة ويكون الخل له .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|