عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 17-12-2025, 11:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,995
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر

صـــ 12الى صـــ 21
(310)




وإذا كانت الدار ميراثا وفيها وصية بالثلث وبعض الورثة غائب وبعضهم شاهد فأراد الموصى له بالثلث القسمة وأقام البينة على المواريث والوصية فإن الدار تقسم على ذلك ; لأن من حضر من الورثة ينتصب خصما عن الميت وعن سائر الورثة فتقبل بينة الموصى له بذلك عليهم وإذا قبلت بينته قسمت الدار بينهم على ذلك .
ولو أن بيتا في دار بين رجلين أراد أحدهما قسمته وامتنع الآخر وهو صغير لا ينتفع واحد منهما بنصيبه إذا قسم لم يقسمه القاضي بينهما ; لأن الطالب للقسمة بينهما متعنت فإن قبل القسمة يتمكن كل واحد منهما من الانتفاع بنصيبه وبالقسمة يفوت ذلك فالطالب [ ص: 13 ] منهما إنما يقصد التعنت والإضرار بشريكه فلا يجيبه القاضي إلى ذلك ، وكذلك لا يقسم الحائط والحمام بين رجلين ; لأن في قسمته ضررا والمقصود بالقسمة اتصال منفعة الملك إلى كل واحد من الشركاء وفي الحائط والحمام تفوت المنفعة بالقسمة ; لأن كل واحد منهما لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة كما كان ينتفع قبل القسمة فلا يقسمه القاضي بينهم ; لأنه لا يشتغل ; لما لا يفيده ولا بما فيه إضرار ولو اقتسموا بينهم بالتراضي لم يمنعهم من ذلك ; لأنهم لو أقدموا على إتلاف الملك لم يمنعهم من ذلك في الحكم ، فكذلك إذا تراضوا القسمة فيما بينهم فإن كانت دار بين رجلين ولأحدهما فيها بعض قليل لا ينتفع به إذا قسم فأراد صاحب الكثير القسمة قسمها بينهم ، وإن أبى ذلك صاحب القليل عندنا ( وقال ) ابن أبي ليلى رحمه الله لا يقسمها ، وكذلك إن كان سائر الشركاء لا ينتفعون بأنصبائهم إلا هذا الواحد الطالب للقسمة ; فإنه يقسمها بينهم ، وإن كان الطالب صاحب القليل لم يقسمها إذا كان هو لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله لا يقسمها عند إباء بعضهم إلا إذا كان كل واحد منهم ينتفع بنصيبه بعد القسمة ; لأن المقصود بالقسمة تحصيل المنفعة لا تفويتها والمعتبر في القسمة المعادلة بين الشركاء في المنفعة فإذا كان بعضهم لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة فهذه قسمة تقع على ضرر

والقاضي لا يجبر الشركاء على مثله كما لو كان الطالب من لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة ولنا أن الطالب للقسمة يطلب الإنصاف من القاضي ولا يتعنت ; لأنه يطلب منه أن يخصه بالانتفاع بملكه ويمنع غيره من الانتفاع بملكه وهذا منه طلب للإنصاف فعلى القاضي أن يجيبه إلى ذلك بخلاف ما إذا كان الطالب للقسمة من لا ينتفع بنصيبه ; لأنه متعنت في طلب القسمة والقاضي يجيب المتعنت بالرد يوضحه أن بعد القسمة ، وإن تعذر على صاحب القليل الانتفاع بنصيبه فذلك لقلة نصيبه لا لمعنى من جهة صاحب الأكبر ، وذلك لا يعتبر في حق صاحب الكبير فيصير هذا في حقه وما إذا كان كل واحد منهما ينتفع بنصيبه بعد القسمة سواء والحاكم في المختصر ( قال : ) إذا كان الضرر على أحدهما دون الآخر قسمتها أيهما طلب القسمة وهذا غير صحيح والصحيح أنه إنما يقسم إذا طلب ذلك صاحب الكبير خاصة ومنهم من صحح ما ذكره الحاكم رحمه الله ، وقال صاحب القليل رضي بالضرر حين طلب القسمة وصاحب الكبير منتفع بالقسمة فيقسمه القاضي بينهم لهذا ولكن الأول أصح ; لأن رضاه بالتزام الضرر لا يلزم القاضي شيئا وإنما الملزم طلبه الإنصاف من القاضي واتصاله إلى منفعة ملكه ، وذلك لا يوجد عند طلب صاحب القليل [ ص: 14 ] ألا ترى أن كل واحد منهما إذا كان بحيث لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة وطلبا جميعا القسمة من القاضي لم يقسمها القاضي بينهما ، فكذلك إذا كان الطالب من لا ينتفع بنصيبه بعد القسمة والرجال والنساء والحر والمملوك وأهل الإسلام وأهل الذمة في القسمة سواء ; لأنها من حقوق الملك والمقصود التوصل بها إلى منفعة الملك وهم في ذلك سواء .
وإذا اقتسم الرجلان دارا ورفعا بينهما طريقا فهو جائز ; لأنهما قسما بعض المشترك وبقيا شركتهما في البعض وهو موضع الطريق فيجوز ذلك اعتبارا للبعض بالكل ولأن المقصود بالقسمة أن ينتفع كل واحد منهما بنصيبه وإنما يتم ذلك إذا رفعا طريقا بينهما وما يرجع إلى تتميم المقصود بالقسمة لا يكون مانعا صحتها ، وإن كان نصيب أحدهما أكثر من نصيب الآخر ينبغي أن يبين ذلك في كتاب القسمة ويذكر كيف الطريق بينهما ; لأنه بقي في موضع الطريق ما كان لهما من الشركة في جميع الدار وقد كانت شركتهما فيها على التفاوت فإنما يحصل التوثق أن يبين ذلك في كتاب القسمة ; لأنهما إذا لم يبينا فربما يدعي صاحب الأقل المساواة بينهما في رقبة الطريق ويحتج على ذلك بأنه مساو في استعماله بالتطرق فيه وإنما يكتب الكتاب بينهما للتوثق فينبغي أن يكتب على وجه يحصل به معنى التوثق لهما .
وإذا كانت الدار بين رجلين وفيها صفة فيها بيت وباب البيت في الصفة ومسيل ماء ظهر البيت على ظهر الصفة فاقتسما فأصاب الصفة أحدهما وقطعه من الساحة ولم يذكر طريقا ولا مسيل ماء وصاحب البيت يقدر أن يفتح بابه فيما أصابه من الساحة ويسيل ماءه في ذلك فأراد أن يمر في الصفة على حاله ويسيل ماءه على ما كان فليس له ذلك سواء اشترط كل واحد منهما أن له ما أصابه بكل حق له أو لم يشترط ذلك والقسمة في هذا بخلاف البيع ; فإنه لو باع البيت وذكر في البيع الحقوق والمرافق دخل الطريق ومسيل الماء وإن لم يذكر الحقوق والفرق أن المقصود بالبيع إيجاب الملك وقصد المشتري أن يتمكن من الانتفاع ، وذلك يتم بالطريق والمسيل لا أن ذلك خارج من المحدود فلا يدخل في البيع بمطلق التسمية للبيت إلا بذكر الحقوق والمرافق فالمقصود بالقسمة تمييز أحد الملكين من الآخر وأن يختص كل واحد منهما بالانتفاع بنصيبه على وجه لا يشاركه الآخر فيه وإنما يتم هذا المقصود إذا لم يدخل الطريق والمسيل لتمييز نصيب أحدهما عن الآخر من كل وجه ; فلهذا لا يدخل مع ذكر الحقوق والمرافق توضيح الفرق أن المقصود بالبيع الاسترباح ، وذلك باعتبار المالية والمالية تختلف بدخول الطريق والمسيل في البيع [ ص: 15 ] فعند ذكر الحقوق والمرافق عرفنا أنهما قصدا ذلك فأما في القسمة المقصود التميز دون الاسترباح فبذكر الحقوق والمرافق لا يتبين أنهما لم يقصدا التمييز في أن لا يبقى لأحدهما في نصيب الآخر طريق مسيل ماء ولو لم يكن له مفتتح للطريق ولا مسيل ماء ; فإذا ذكر في كتاب القسمة أن لكل واحد منهما ما أصابه بكل حق له جازت القسمة وكان طريقه في الصفة ومسيل مائه على طريق سطحه كما كان قبل القسمة ، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق فالقسمة فاسدة بخلاف البيع ; فإنه يكون صحيحا ، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق ; لأن المقصود بالبيع ملك العين وهذا المقصود يتم للمشتري

وإن كان يتعذر عليه الانتفاع لعدم الطريق والمسيل له كمن اشترى مهرا صغيرا أو أرضا سبخة فإنه يجوز ، وإن كان لا ينتفع بالمشترى وهذا ; لأنه ترك النظر لنفسه حين لم يذكر الحقوق والمرافق ليدخل الطريق والمسيل فلا يشتغل بالنظر له فأما في القسمة المقصودة اتصال كل واحد منهما إلى الانتفاع بنصيبه فإذا لم يكن له مفتتحا إلى الطريق ولا مسيل ماء فهذه قسمة وقعت على ضرر فلا يجوز إلا أن يذكر الحقوق والمرافق فيستدل بذلك على أنهما قصدا إدخال الطريق والمسيل لتصحيح القسمة لعلمها أن القسمة لا تصح بدونهما في هذا الموضع بخلاف ما سبق توضيحه أن المعتبر في القسمة المعادلة في المنفعة .

وإذا لم يكن له طريق ولا مسيل ماء لا يحصل معنى المعادلة في المنفعة فلا تصح القسمة كما لو استأجر مهرا صغيرا أو أرضا سبخة للزراعة لم يجز لفوات ما هو المقصود وهو المنفعة فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن يدخل الطريق والمسيل ، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق لتصحيح القسمة كما إذا استأجر أرضا دخل الشرب والطريق ، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق لتحصيل المنفعة قلنا هناك موضع الشرب والطريق ليس مما تتناوله الإجارة ولكن يتوصل به إلى الانتفاع بالمستأجر والأجير إنما يستوجب الأجرة إذا تمكن المستأجر من الانتفاع ففي إدخال الشرب توفير المنفعة عليهما وأما هنا موضع الطريق والمسيل داخل في القسمة وموجب القسمة اختصاص كل واحد منهما بما هو نصيبه فلو أثبتنا لأحدهما حقا في نصيب الآخر تضرر به الآخر ولا يجوز إلحاق الضرر به بدون رضاه وإنما دليل الرضا اشتراطه الحقوق والمرافق ; فلهذا لا يدخل الطريق والمسيل بدون ذكره الحقوق والمرافق ولو رفعا طريقا بينهما وكان على الطريق ظلة وكان طريق أحدهما على تلك الظلة وهو يستطيع أن يتخذ طريقا آخر فأراد صاحبه أن يمنعه من المرور على ظهر الظلة لم يكن له ذلك ; لأن أصل الطريق [ ص: 16 ] مشترك بينهما وكما أن أسفله ممر لهما ، فكذلك أعلاه فهو لا يريد بهذا أن يحدث لنفسه حقا في نصيب شريكه وإنما يريد أن يستوفي حقه فلا يمنع من ذلك بخلاف ما تقدم فهناك إنما يريد اتخاذ طريق ومسيل لنفسه في ملك خص به صاحبه وليس له ذلك وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول في العلو الذي لا سفل له وفي السفل الذي لا علو له يحسب في القسمة ذراع من السفل بذراعين من العلو

وقال أبو يوسف رحمه الله يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف ، ثم ينظر كم جملة ذرع كل واحد منهما فيطرح من ذلك النصف ، وقال محمد رحمه الله يقسم ذلك على القيمة قيمة العلو أو قيمة السفل وقيل أن أبا حنيفة رحمه الله أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو وأبو يوسف رحمه الله أجاب بناء على ما شاهده من عادة أهل بغداد في التسوية بين العلو والسفل في منفعة السكنى ومحمد شاهد اختلاف العادات في البلدان فقال : إنما يقسم على القيمة وقيل بل هو بناء على أصل آخر وهو أن عند محمد رحمه الله وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لصاحب السفل منفعتان منفعة السكنى ومنفعة البناء ; فإنه لو أراد أن يحفر في سفله سردابا لم يكن لصاحب العلو منعه من ذلك فلصاحب العلو منفعة واحدة وهي منفعة السكنى ; فإنه لو أراد أن يبني على علوه علوا آخر كان لصاحب السفل منعه من ذلك والمعتبر في القسمة المعادلة في المنفعة ; فلهذا جعل بمقابلة ذراع من السفل ذراعين من العلو وأبو يوسف رحمه الله يقول : لصاحب العلو أن يبني على علوه إذا كان ذلك لا يضر بالسفل كما أن لصاحب السفل أن يحفر سردابا في السفل إذا كان لا يضر بصاحب العلو فاستويا في المنفعة فيحصل ذراع من السفل بذراع من العلو وحجته لإثبات هذا الأصل أن صاحب العلو يبني على ملكه كما أن صاحب السفل يتصرف في ملكه واتصال العلو بالسفل كاتصال بيتين متجاورين فلكل واحد منهما أن يتصرف في ملكه على وجه لا يلتحق الضرر لصاحبه

وأبو حنيفة رحمه الله يقول : صاحب السفل بحفر السرداب يتصرف في الأرض وهي خالص ملكه وصاحب العلو يحمل ما يبني على حائط السفل أيضا وهو مملوك لصاحب السفل وزيادة البناء تصير بحائط صاحب السفل لا محالة ويتبين ذلك في الثاني إن كان لا يتبين في الحال ولا يكون له أن يفعل ذلك بدون رضاء صاحب السفل ومحمد في هذا الفصل وافق أبا يوسف ولكن في القسمة يقول : تعتبر القيمة ; لأن العلو والسفل بناء والمعادلة في قسمة البناء تتيسر ولأن في بعض البلدان تكون قيمة العلو أكثر من قيمة السفل وهو كذلك [ ص: 17 ] بمكة وبمصر وفي بعض البلدان قيمة السفل أكثر من قيمة العلو كما هو بالكوفة قيل في كل موضع تكثر النداوة في الأرض يختار العلو عن السفل وفي كل موضع يشتد البرد ويكثر الريح يختار السفل على العلو وربما يختلف ذلك أيضا باختلاف الأوقات فلا يمكن اعتبار المعادلة إلا بالقيمة فاستحسن القسمة في العلو والسفل باعتبار القيمة ، ثم تفسير المسألة في فصلين أحدهما أن يكون بينهما سفل علوه لغيرهما وعلو سفله لغيرهما فأراد القسمة فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يجعل بمقابلة كل ذراع ذراع والثاني أن يكون المشترك بين الشركاء بيتا لسفله علو وسفل لا علو له بأن كان العلو لغيرهم وعلو لا سفل له فعند أبي حنيفة رحمه الله يجعل بإزاء مائة ذراع من العلو الذي لا سفل له ثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا من البيت الكامل وبإزاء مائة ذراع من السفل الذي لا علو له ستة وستين ذراعا وثلثي ذراع من البيت الكامل ; لأن العلو عنده مثل نصف السفل كما في الفصل الأول وعند أبي يوسف رحمه الله يجعل بإزاء خمسين ذراعا من البيت الكامل مائة ذراع من السفل الذي لا علو له ومائة ذراع من العلو الذي لا سفل له ; لأن السفل والعلو عنده سواء فخمسون ذراعا من البيت الكامل بمنزلة مائة ذراع خمسون منها سفل وخمسون منها علو ومحمد رحمه الله في ذلك كله يعتبر المعادلة بالقيمة وعليه الفتوى .

واذا كانت الدور بين قوم فأراد أحدهم أن يجمع نصيبه منها في دار واحدة وأبي ذلك بعضهم قسم القاضي كل دار بينهم على حدة ولم يضم بعض أنصبائهم إلى بعض إلا أن يصطلحوا على ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الرأي في ذلك إلى القاضي وينبغي أن ينظر في ذلك فإن كانت أنصباء أحدهم إذا جمعت في دار كان أعدل للقسمة جمع ذلك ; لأن المعتبر في القسمة المعادلة في المنفعة والمالية والمقصود دفع الضرر وإذا قسم كل دار على حدة ربما يتضرر كل واحد منهم لتفرق نصيبه وإذا قسم الكل قسمة واحدة يجتمع نصيب كل واحد منهم في دار وينتفع بذلك والقاضي نصب ناظرا فيمضي قضاؤه على وجه يرى النظر فيه كما يمضي قضاؤه في المجتهدات على ما يؤدي إليه اجتهاده ولأن الدور في حكم جنس واحد لاتحاد المقصود بها وهو السكنى والجنس الواحد يقسم بين الشركاء قسمة واحدة كالغنم والثياب الهروية إلا أنها تتفاوت منفعة السكنى باختلاف البلدان وباختلاف المحال فمن هذا الوجه نسبة البلدان والأجناس المختلفة فعند تعارض الأدلة الرأي للقاضي فيرجح بعضها بطريق النظر وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الدور أجناس مختلفة بدليل أنها لا تثبت صداقا بمطلق التسمية حتى إذا تزوج امرأة على دار فهو [ ص: 18 ] بمنزلة ما لو تزوجها على ثوب

( وكذلك ) لو وكل وكيلا بشراء دار لم يصح التوكيل وبعد إعلام الجنس جهالة الوصف لا تمنع صحة الوكالة فعرفنا أنها أجناس مختلفة والأجناس المختلفة لا تقسم قسمة واحدة إلا باصطلاح الشركاء على ذلك ; وهذا لأن في الأجناس المختلفة معنى المعاوضة يغلب على معنى التمييز والمعاوضة تعتمد التراضي وفي الجنس الواحد معنى التمييز يغلب ، وذلك داخل تحت ولاية القاضي ففي الدور معنى المعاوضة يغلب ; لأن قبل القسمة يتيقن بأن نصيب كل واحد منهم في أمكنة متفرقة فإذا جمعها في مكان واحد يكون ذلك بطريق المعاوضة وإذا قسم كل ذراع على حدة فمعنى التمييز فيه يغلب ; لأن نصيب كل واحد منهم يكون في أمكنة متفرقة بعد القسمة كما كان قبلها ، ثم المقصود بالقسمة تمكين كل واحد منهم من الانتفاع بملكه فلا بد من اعتبار المعادلة في المنفعة والتفاوت في المنفعة في الدور تفاوت عظيم فإنما يختلف باختلاف البلدان وباختلاف المحال وباختلاف الجيران وبالقرب من الماء وبالبعد عنه وبالقرب من الربط والبعد عنه والظاهر أنه يتعذر عليه اعتبار المعادلة في المنفعة إذا قسمها قسمة واحدة وأن قسمة كل دار على حدة أعدل ، ثم هي ثلاثة فصول عنده الدور والبيوت والمنازل فالدور سواء كانت متفرقة أو متلازقة لا يقسم عنده قسمة واحدة إلا برضاء الشركاء والبيوت تقسم قسمة واحدة سواء كانت متفرقة أو مجتمعة في مكان واحد ; لأنها تتفاوت في منفعة السكنى فالبيت اسم لمسقف واحد له دهليز فلا يتفاوت في المنفعة عادة .

( ألا ترى ) أنها تؤجر بأجر واحد في كل محلة فتقسم قسمة واحدة

والمنازل إن كانت مجتمعة في دار واحدة متلازقة بعضها ببعض تقسم قسمة واحدة ، وإن كانت متفرقة تقسم كل منزلة على حدة سواء كانت في محال أو في دار واحدة بعضها في أقصاها وبعضها في أدناها ; لأن المنزل فوق البيت ودون الدار فالمنازل تتفاوت في منفعة معنى السكنى ولكن التفاوت فيها دون التفاوت في الدور فهي تشبه البيوت من وجه والدور من وجه فلشبهها بالبيوت قلنا : إذا كانت متلازقة تقسم قسمة واحدة ; لأن التفاوت فيها يقل في مكان واحد ولشبهها بالدور قلنا : إذا كانت في أمكنة متفرقة لا تقسم قسمة وهما في الفصول كلها يقولان ينظر القاضي إلى أعدل الوجوه فتمضي القسمة على ذلك ولو اختلفوا في قيمة البناء فقال بعضهم يجعل البناء بذرع من الأرض ، وقال بعضهم يجعلها على الدراهم والصحيح أن القاضي يجعلها على الذرع إذا تيسر عليه ذلك ; لأن الدراهم ليست من الميراث والثابت لقاضي ولاية قسمة الميراث بينهم فإذا جعل على ذلك الذرع كان ذلك تصرفا في [ ص: 19 ] محل ولايته وإذا جعل ذلك على الدراهم كان ذلك تصرفا منه وراء محل ولايته وربما لا يقدر كل أحد على تحصيل الدراهم وأدائها فليس للقاضي أن يكلفه ذلك توضيحه أنه إذا جعل ذلك على الدراهم فالذي وقع البناء في نصيبه الدرهم دين عليه وربما ينوي ذلك عليه ، وإن كان يخرج فنفس القسمة يتعجل نصيب من وقع البناء في نصيبه ويتأخر نصيب الآخر إلى خروج الدين منه فتنعدم المعادلة بذلك وإذا جعل ذلك على الذرع يتعجل وصول نصيب كل واحد منهم إليه ويتم القسمة ولا حق لبعضهم على بعض فهذا أولى الوجهين وإذا تعذر عليه اعتبار المعادلة على الذرع فله أن يقسم على الدراهم عندنا

( وقال ) مالك رحمه الله ليس له ذلك إلا أن يصطلحوا عليه أو تكون الدراهم يسيرة ; لأن في القسمة على الدراهم محض المعاوضة وهو بيع نصيب أحدهما من البناء بما يوجب له من الدراهم على صاحبه وليس للقاضي ولاية المعاوضة إلا عند تراضي الخصمين عليه إلا أن اليسير من الدراهم ربما يتحقق فيه الحاجة والضرورة فيتعدى إليه حكم ولايته للحاجة وأصحابنا رحمهم الله يقولون هذه الحاجة تتحقق في الكثير كما تتحقق في القليل ; لأن قيمة نصيب أحدهما من البناء ربما يكون أضعاف جميع قيمة الأرض فتتعذر عليه القسمة بطريق مقابلة قيمة البناء بالذرع من الأرض أو يقع جميع الساحة لأحدهما فلا يتمكن صاحب البيت من الانتفاع بالبناء بدون الأرض وإذا كلف نقل البناء تنقطع المنفعة عنه ; فلهذا قلنا عند الضرورة يجوز له أن يجعل القسمة في البناء على الدراهم وهذا لأن ولاية القسمة تثبت له فلا يتعدى فيتعدى ولايته إلى ما لا يتأتى له القسمة إلا به كالجد مع موصى الأب يصح منه تسمية الصداق في النكاح ، وإن كان التصرف في المال إلى الوصي دون الجد ، وكذلك الأخ ليس له ولاية التصرف في المال ، ثم له ولاية التسمية في الصداق باعتبار ثبوت الولاية في التزويج .
لو اختلفوا في الطريق فقال بعضهم يرفع طريقا بيننا ، وقال بعضهم لا يرفع نظر فيه الحاكم فإن كان يستقيم لكل واحد منهم طريقا يفتحه في نصيبه قسمه بينهم بغير طريق يرفع كما بين عنهم ، وإن كان لا يستقيم ذلك رفع طريقا بينهم ; لأن المقصود بالقسمة توفير المنفعة على كل واحد منهم ، ثم موضع الطريق مشترك بينهم كغيره فإذا كان يستقيم لكل واحد منهم طريق يفتحه في نصيبه فالذي يقول : لا يرفع طريقا بطلب القسمة في جميع المشترك ، وذلك ممكن مع اعتبار المعادلة في المنفعة فيجيبه القاضي إلى ما التمس وإذا كان لا يستقيم ذلك ففي قسمة موضع الطريق قطع المنفعة عنهم ، وذلك ضد ما هو المقصود بالقسمة [ ص: 20 ] والقائل لا يرفع طريقا في هذا الموضع متعنت توضيحه أنه لو كان المشترك بينهم موضع الطريق فقط فطلب بعضهم قسمته وفيه ضرر على كل واحد منهم لم يجبه القاضي إلى ذلك ، وإن كان فيه منفعة للطالب أجابه القاضي إلى ذلك ، فكذلك إذا كان المشترك موضع الطريق وغيره .

ولو اختلفوا في سعة الطريق وضيقه جعل الطريق بينهم على عرض باب الدار وطوله على أدنى ما يكفيهم ; لأن باب الدار متفق عليه والمختلف فيه يرد إلى المتفق عليه ، ثم لا فائدة في جعل الطريق أعرض من باب الدار ; لأنه ما لم يدخل الحمل من باب الدار لا يحمله في ذلك الطريق وإذا جعل الطريق أضيق من باب الدار يتضرر به الشركاء ومقصود كل واحد منهم أن يحمل إلى مسكنه في ذلك الطريق ما يدخله في باب الدار ; فلهذا يجعل الطريق بينهم على عرض الدار وطوله .
وإذا وقع الحائط لأحد القسمين وعليه جذوع للآخر ووقعت القسمة على أن يكون هكذا أو لم يذكرا ذلك في القسمة ; فإنه يترك على حاله ; لأنه وجد كذلك عند تمام القسمة ويجوز أن يكون ملك الحائط لأحدهما وللآخر عليه حق وضع الجذوع فيترك على حاله إلا أن يشترط قلع الجذوع عنه فحينئذ يجب الوفاء به للحديث : { الشرط أملك } ، وكذلك لو كان أزج وقع على حائط على هذه الصفة أو درجة ، وكذلك أسطوانة وقع عليها جذوع ، وكذلك روشن وقع على صاحب العلو مشرف على نصيب الآخر فأراد صاحب السفل أن يقطع الروشن ليس له ذلك إلا أن يشترط قطعه ; لأن حق قرار هذه الأشياء تجوز أن تكون مستحقا لإنسان في حائط غيره فإذا تمت القسمة بينهما على هذه الصفة يجب تركها كذلك .

( ألا ترى ) أنه لو أصاب أحدهما ثبت علو والآخر السفل لم يكن لصاحب السفل أن يهدم العلو فأما إذا وقعت الساحة لأحدهما وللآخر أطراف جذوع شاخصة فيها فأراد صاحب الساحة قطع تلك الجذوع فإن كانت أطراف الجذوع بحيث يمكن البناء عليها فليس له أن يقطع ذلك ; لأن هذا لجواز أن يكون قراره مستحقا لإنسان في ساحة غيره ، وإن كان بحيث لا يمكن البناء عليها فلصاحب الساحة أن يجبره على قطع ذلك أو تفريغ هواء الساحة عنه بما يقدر عليه ; لأن ذلك لا يجوز أن يكون حقا مستحقا له في ملك الغير إذ هو لا ينتفع به من حيث البناء عليه .

ولو وقعت شجرة في نصيب أحدهما وأغصانها متدلية إلى نصيب الآخر فقد ذكرني رستم عن محمد رحمه الله أن له أن يجبره على قطع تلك الأغصان وهذا مما لا يستحق إقراره في ملك الغير بسبب من الأسباب وذكرني سماعة عن محمد رحمه الله أنه يترك كذلك ; لأنه بالقسمة استحق [ ص: 21 ] الشجرة بأغصانها فترك الأغصان على ما كانت عليه عند تمام القسمة بمنزلة الأزج والدرجة .
وإذا أصاب رجلا مقصورة من الدار وأصاب الآخر منزل طريق علو هذا المنزل في هذه المقصورة ولم يذكروا ذلك عند القسمة فلا طريق له في المقصورة ; لأنه يقدر على أن يجعل طريقه في حقه من غير ضرر والقسمة لتمييز نصيب أحدهما من نصيب الآخر وتمام التمييز إذا لم يبق لأحدهما حق في نصيب الآخر فإذا أمكن ذلك من غير ضرر يجب إمضاء القسمة عليه .
وإذا أصاب أحدهما قسمة ساحة في القسمة فأراد أن يبني فيها ويرفع بناء وأراد الآخر منعه ، وقال : إنك تسد علي الريح والشمس فله أن يرفع بناء ما بدا له ; لأن الساحة ملكه والساحة حق خالص له وللإنسان أن يتصرف في ملك نفسه بما يبدو له وليس للجار أن يمنعه عن ذلك وله أن يتخذ فيها حماما أو تنورا أو مخرجا ; لأنه يتصرف في خالص ملكه أرأيت لو أراد أن يجعل فيها رحى أو حدادا أو قصارا كان للآخر أن يمنعه من ذلك

والحاصل أن من تصرف في خالص ملكه لم يمنع منه في الحكم ، وإن كان يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير .

( ألا ترى ) أن من اتجر في حانوته نوع تجارة لم يمنع من ذلك ، وإن كانت تكسد بسببه تجارة وأن أصحاب الحوانيت يتأذون بغبار سنابك الدواب المارة وأن يتأذى المارة بدخان نيرانهم التي يوقدونها في حوانيتهم ، ثم ليس للبعض منع البعض من ذلك وللإنسان أن يسقي أرضه وليس لجاره أن يمنعه من ذلك مخافة أن يقل ماء بئره فعرفنا أن المالك مطلق التصرف فيما هو خالص حقه ، وإن كف عما يؤذي جاره كان أحسن له { قال : صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل عليه السلام يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه } والتحرز عن سوء المجاورة مستحق دينا ولكنه لا يجبر على ذلك في الحكم

والحيلة للجار أن يتصرف في ملك على وجه يدفع به ضررا عن نفسه ويحول بينه وبين مقصوده على ما حكي أن رجلا جاء إلى أبي حنيفة رضي الله عنه فقال : إن جاري اتخذ مجمدة بجنب حائطي فقال : اتخذ أنت أتونا بجنب الحائط ليذيب هو ما يجمع من الجمد وعلى هذا قال في الكتاب لو فتح صاحب البناء في علو بنائه بابا أو كوة فتأذى بذلك صاحب الساحة فليس له أن يمنعه من ذلك ; لأن اتخاذ الباب والكوة يرفع نقص الحائط ولو رفع جميع البناء لم يكن للآخر أن يمنعه منه ; فلهذا أولى ولكنه يبني في ملكه ما يستره إن شاء وليس لصاحب الكوة أن يمنعه عن ذلك ، وكذلك هذا الحكم في الدارين والجارين ولو اتخذ رجل بئرا في ملكه كرياسا أو بالوعة أو بئر ماء فنز منها حائط جاره وطلب [ ص: 22 ] تحويل ذلك لم يجبر على تحويله ; لأن تصرفه في خالص ملكه ، وإن سقط الحائط من ذلك لم يلزمه ضمانه ; لأنه غير متعد في هذا السبب والمسبب إذا كان غير متعد في تسببه فهو غير ضامن ; لما تلف به كما لو سقط إنسان في بئره هذا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.11 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]