
17-12-2025, 11:10 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,995
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس عشر
صـــ 2الى صـــ 11
(309)
[ ص: 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب القسمة .
( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي : إملاء القسمة من الحقوق اللازمة في المحل المحتمل لها عند طلب بعض الشركاء وجوازها بالكتاب والسنة ) أما الكتاب فقوله تعالى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } والسنة ما اشتهر من { قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بين الصحابة رضوان الله عليهم } وقسمة المواريث وغير ذلك والناس يعاملون من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وإنما تجب بعد طلب بعض الشركاء ; لأن كل واحد من الشريكين قبل القسمة منتفع بنصيب صاحبه فالطالب للقسمة يسأل القاضي أي يخصه بالانتفاع بنصيبه ويمنع الغير من الانتفاع بملكه فيجب على القاضي إجابته إلى ذلك .
وفي القسمة شيئان : المعادلة في المنفعة وتمييز نصيب أحدهما من نصيب الآخر وهي تتنوع نوعين : أحدهما تمييز محض وهو القسمة في المكيلات والموزونات ; ولهذا ينفرد بعض الشركاء حتى أن المكيل والموزون من جنس واحد إذا كان مشتركا بين اثنين وأحدهما غائب كان للحاضر أن يتناول من ذلك من مقدار نصيبه وبعد ما اقتسما نصيب كل واحد منهما عين ما كان مملوكا له قبل القسمة ; ولهذا يبيعه مرابحة على نصف الثمن ونوع هو تمييز فيه معنى المبادلة كالقسمة فيما يتفاوت من الثياب والحيوانات فإنما يتميز عند اتحاد الجنس وتقارب المنفعة ; ولهذا يجبر القاضي عليها عند طلب بعض الشركاء وفيها معنى المبادلة على معنى أن ما يصيب كل واحد منهما مما يصفه كان مملوكا له ونصفه عوض عما أخذه صاحبه من نصيبه ; ولهذا لا ينفرد به أحد الشريكين ولا يبيع أحدهما نصيبه مرابحة إذا عرفنا هذا فنقول : بدأ الكتاب بحديث يسير بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه قسم جبريل على ستة وثلاثين سهما جمع ثمانية عشر للمسلمين ، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وثمانية عشر سهما فيها أرزاق أزواج رسول الله [ ص: 3 ] صلى الله عليه وسلم ونوائبه } واعلم أن خيبر كانت ستة حصون الشق والنطاة والكيبة والسلالم والغموض والوطيحة إلا أن الأموال والمزارع كانت في ثلاثة حصون منها : النسق والنطاة والكيبة وقد افتتح بعض الحصون منها عنوة وقهرا وبعضها صلحا على ما روي أن { كنانة بن أبي الحقيق مع قومه صالح على النزول ، وذلك معروف في المغازي فما افتتح منها كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا ; فإنهم إنما خرجوا ; لما وقع في قلوبهم من الرعب } وقد خص الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالنصرة بإلقاء الرعب في قلوب أعدائه { قال : صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب مسيرة شهر } وإلى ذلك أشار الله تعالى في قوله { : وما أفاء الله على رسوله منهم } . إلى قوله { : ولكن الله يسلط رسله على من يشاء : }
{ فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحصة مع الخمس في الشطر وقسم الشطر بين الغانمين } وقد فسر ذلك محمد بن إسحاق والكلبي على ما ذكر بعد هذا عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على ثمانية عشر سهما جميعا وكانت الرجال ألفا وأربعمائة والخيل مائتي فرس ، وكان على كل مائة رجل ، فكان علي رضي الله عنه على مائة وكان عبيد السها على مائة وكان عاصم بن عدي رضي الله عنه على مائة وكان القاسم في النسق والنطاة وكانت النسق الثلاثة عشر سهما والنطاة خمسة أسهم وكانت الكتيبة فيها خمس الله وطعام أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطاياه وكان أول سهم خرج من النسق سهم عاصم رضي الله عنه وفيه سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم } . الحديث إلى آخره . فهذا الحديث يبين معنى الحديث الأول ففي الحديث الأول ذكر الشطرين وأن أصل القسمة كانت على ستة وثلاثين سهما وفي الحديث الآخر ذكر مقدار ما قسم بين الغانمين أنه قسم على ثمانية عشر سهما وفيه دليل على أن للإمام في المغانم قسمين على العرفاء وأصحاب الرايات وقسمة أخرى على الرءوس الذين هم تحت كل راية وإنما يفعل ذلك ; لأن اعتبار المعادلة بهذا الطريق أيسر ; فإنه لو قسم ابتداء على الرءوس ربما يتعذر عليه اعتبار المعادلة ، ثم { لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم نفسه سهما ولكن كان سهمه مع سهم ابن عاصم بن عدي رضي الله عنه } فقيل إنه تواضع بذلك وقيل إنما فعل ذلك ; لأنه ما كان يساوي اسمه اسم في المزاحمة عند خروج القرعة ; ولهذا خرج سهم عاصم بن عدي رضي الله عنه أولا ; لأن فيه سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أولى مما يقوله بعض مشايخنا إن العرافة مذمومة في الجملة فيتحرز من ذلك فإن في الجهاد وقسمة الغنائم العرافة غير مذمومة .
( ألا ترى ) أنه [ ص: 4 ] اختار لذلك الكبار من الصحابة كعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ، ثم بظاهر الحديث استدل أبو يوسف ومحمد في أن سهم الفرس ضعف سهم الرجل ; لأنه قال : وكانت الرجال ألفا وأربعمائة والخيل أربعمائة فرس فعرفنا أنه كان لكل مائة من الرجال سهم وعرفنا أنه كان لكل مائة من الرجال سهم ولكل مائة من الخيل سهمان ولكن أبو حنيفة يقول : المراد بالرجال الرجالة قال الله تعالى { : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } . والمراد بالخيل الفرسان يقال : غارت الخيل قال الله { : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } . أي بفرسانك ورجالتك فهذا يتبين أن الرجال كانوا ألفا وستمائة وأنه أعطى الفارس سهمين والراجل سهما .
وفيه دليل أنه لا بأس باستعمال القرعة في القسمة فقد { استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في قسمة الغنيمة مع نهيه صلوات الله عليه عن القمار } فدل أن استعماله ليس من القمار وذكر عن مسروق رحمه الله أنه لم يأخذ عن القضاء رزقا ففيه دليل أنه من ابتلي بالقضاء وكان صاحب يسار فالأولى له أن يحتسب ولا يأخذ كفايته من مال بيت المال ، وإن كان لو أخذ جاز له وبيانه بما روي عن عمر رضي الله عنه فيه قال : ما أحب أن يأخذ قاضي المسلمين أجرا ولا الذي على الغنائم ولا الذي على المقاسم ولم يرد به حقيقة الأجر فالاستئجار على القضاء لا يجوز ولا يستوجب الأجر على القضاء ، وإن شرط ولكن مراده الكفالة التي يأخذها القاضي من بيت المال فالمستحب له عند الاستغناء أن لا يأخذ ذلك قال الله تعالى { ومن كان غنيا فليستعفف } وقد بينا الكلام في هذا الفصل فيما أمليناه من شرح أدب القاضي والذي على الغنائم يحفظها والذي على المقاسم من وجد كالقاضي ; لأنه عامل للمسلمين ولكنه ليس بمنزلة القاضي في الحكم حتى يجوز استئجاره على ذلك إن لم يكن له فيه نصيب وتأويل الحديث إذا كان له نصيب في ذلك فاستئجار أحد الشركاء على العمل في المال المشترك لا يجوز كما لا يجوز استئجار القاضي على القضاء ذكر عن يحيى بن جزار أن عبد الله بن يحيى كان يقسم لعلي رضي الله عنه عنه الدور والأرضين ويأخذ على ذلك الأجر وقد بينا فوائد هذا الحديث في أدب القاضي وجواز الاستئجار لعمل القسمة بخلاف عمل القضاء
وعن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه إلى اليمن فأتى بركاز منه فأخذ منه الخمس وترك أربعة أخماسه للواجد وأتاه ثلاثة يدعون غلاما كل واحد يقول : ابني فأقرع بينهم وقضى بالغلام للذي خرجت قرعته وجعل عليه الدية لصاحبيه قال الراوي فقلت لعامر : هل رفع عنه بحصته ؟ قال : لا أدري ، أما حكم الخمس في الركاز فقد بيناه [ ص: 5 ] في كتاب الزكاة وأما حكم القرعة فالشافعي رحمه الله يستدل بظاهر هذا الحديث في المصر على القرعة في دعوى النسب عند الاشتباه ولسنا نأخذ بذلك أن فعله هذا كان بعد حرمة القمار أم قبله ، وأنه عرض ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضي به أو لم يرض عليه ، ثم لعل القضاء له بحجة أقامها وكان استعماله القرعة ليطيب القلوب وإنما رجحه في القضاء لترجيح في حجته من يد أو غيره
وقوله : فقضى للذي خرجت قرعته مذكور على سبيل التعريف لا لأن الاستحقاق كان بالقرعة كما يقال قضى القاضي لصاحب الطيلسان وما ذكر في آخره من أنه جعل عليه الدية لصاحبيه مشكل لا يتضح فالحي الحر لا يتقوم بالدية ، وإن كان هذا الغلام مملوكا لهم أو من جارية مشتركة بينهم فإقرار كل واحد منهم أنه ابنه يوجب حرية نصيبه ويسقط حقه في التضمين ، وكذلك ما أشكل على السائل حيث قال : هل رفع عنه بحصته فإن الدية اسم يجمع بدل النفس وقد كان في ذلك حصة الذي قرع فلا بد من أن يرفع عنه بحصته في الموضع الذي يجب كأحد الشركاء في العبد إذا قبله إلا أن عامرا لم يحارف ألم يرد ما سمع ؟ فقال : لا أدري فكأنه لم يتكلف لذلك لعلمه إن هذا ليس بحكم مأخوذ به فبهذا يتبين ضعف هذا الحديث في استعمال القرعة في النسب وعن إسماعيل بن إبراهيم قال : خاصمت أخي إلى الشعبي في دار صغيرة أريد قسمتها ويأبى ذلك فقال الشعبي رضي الله عنه لو كانت مثل هذه فخط بيده مقدار آجرة قسمتها بينكم فقال : وخطها على أربع قطع وفيه دليل على أن القاضي يقسم المشترك عند طلب بعض الشركاء ، وإن أبى ذلك بعضهم ; لأن الذي طلب القسمة متظلم من صاحبه أنه يشفع بملكه ولا ينصفه في الانتفاع والذي يتعنت وإنما يبني القاضي قضاءه على التماس المتظلم الطالب للإنصاف دون المتعنت ; ولهذا لا تجب القسمة فيما لا يحتملها عند طلب بعض الشركاء ; لأن الطالب هنا متعنت ; فإنه قبل القسمة ينتفع بنصيبه وبالقسمة تنقطع عنه المنفعة وأما قول الشعبي في مقدار آجرة خطها على الأرض قسمتها بينكم على وجه التمثيل دون التحقيق للمبالغة في دار الذي يأتي القسمة منهما فيما يحتمل ; لأن مقدار الآجرة يحتمل القسمة وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم { : من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة } والمسجد لا يكون كمفحص القطاة وإنما قال : ذلك للمبالغة في بيان المثل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله .
أجرة القسام إذا استأجره الشركاء للقسمة بينهم على عدد الرءوس لا على مقدار الأنصباء ، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله على مقدار الأنصباء ويستوي في ذلك قاسم القاضي وغيره وهو رواية عن أبي حنيفة [ ص: 6 ] رحمه الله وجه قولهم أن هذه مؤنة تلحق الشركاء بسبب الملك فيكون بينهم على وجه النفقة على قدر الملك كالنفقة وأجرة الكيال والوزان إن استأجروه ليفعل ذلك فيما هو مشترك بينهم وهذا ; لأن المقصود هنا بالقسمة أن يتوصل كل واحد منهم إلى الانتفاع بنصيبه ومنفعة نصيب صاحب الكبير أكبر من منفعة نصيب صاحب القليل أو لأن الغرم مقابل بالغنم ، ثم الغنم بين الشركاء على قدر الملك يعني الثمار والأولاد ، فكذلك الغرم عليهم بقدر الملك ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن عمله لهم سواء وإنما يستحق الأجر بذلك فيكون الأجر عليهم بالتسوية كما إذا استوت الأنصباء وبيان الوصف أن القسام لا يستحق الأجر بالمساحة ومد الأطناب والمشي على الحدود ; فإنه لو استعان في ذلك بأرباب الملك استوجب كمال الأجر إذا قسم بنفسه فعرفنا أنه لا يستوجب الأجر بالقسمة وهي تمييز نصيب كل واحد منهم ولا تفاوت بينهم في ذلك فكما يتميز نصيب صاحب الكبير بعمله عن نصيب صاحب القليل يتميز نصيب صاحب القليل عن نصيب صاحب الكبير وربما يكون عمله في نصيب صاحب القليل أكبر والحساب لا يدق إذا استوت الأنصباء وإنما يدق عند تفاوت الأنصباء وتزداد دقته بقلة بعض الأنصباء فلعل تمييز نصيب صاحب القليل أسوأ من تمييز نصيب الكبير ولكن لا يعتبر ذلك ; لأن التمييز حصل بعمل واحد وهما في ذلك العمل سواء بخلاف الزوائد فإنها تتولد من الملك فإنما تتولد بقدر الملك وبخلاف النفقة فإنها لإبقاء الملك وحاجة الكبير إلى ذلك أكثر من حاجة صاحب القليل ولا معنى لما قال : إن منفعة صاحب الكثير هنا أكثر ; لأن ذلك لكثرة نصيبه لا للعمل الذي استوجب الأجر به فأما أجر الكيال والوزان فقد قال بعض مشايخنا هو على الخلاف فإن المكيل والموزون يقسم بذلك والكيال والوزان بمنزلة القسام
والأصح أن أبا حنيفة رضي الله عنه يفرق بينهما فنقول هنا : إنما لا يستوجب الأجر بعمله في الكيل والوزن ، ألا ترى أنه لو استعان في ذلك بالشركاء لم يستوجب الأجر وعمله في ذلك بالشركاء لم يستوجب الأجر وعمله في ذلك لصاحب الكثير أكثر فكل عاقل يعرف أن كيل مائة قفيز يكون أكثر من كيل عشرة أقفزة ; فلهذا كانت الأجرة عليهما بقدر الملك بخلاف القسام فذكر أن الأولى أن يجعل لقاسم الأرضين رزقا من بيت المال حتى لا يأخذ من الناس شيئا ، وإن لم يجعل رزقا له فقسم بالأجر فهو جائز ; لأن القسمة ليست كعمل القضاء فالقضاء فرض هو عبادة والقاضي في ذلك نائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
والقسمة [ ص: 7 ] ليست من ذلك في شيء ولكنها تتصل بالقضاء ; لأن تمام انقطاع المنازعة يكون بالقسمة فمن هذا الوجه القسام نائب عن القاضي فالأولى أن يجعل كفايته في مال بيت المال ومن حيث إن عمله ليس من القضاء في شيء يجوز له أخذ الأجر على ذلك والقسام بمنزلة الكاتب للقاضي في ذلك وقد قررنا هذا في أدب القاضي ، وكذلك ما ذكر بعده من حديث شريح رحمه الله : ومالي لا أرتزق أستوفي منهم وأوفيهم أصبر لهم نفسي في المجلس وأعدل بينهم في القضاء ، فقد بينا أن شريحا رحمه الله كان يأخذ كفايته من بيت المال على ما روي أن عمر رضي الله عنه كان يرزقه مائة درهم على القضاء فزاده علي رضي الله عنه ، وذلك لكثرة عياله حتى جعل له في كل شهر خمسمائة درهم ولعل عاتبه بعض أصدقائه على أخذ الأجر ، وقال له احتسب فقال شريح في جوابه ما قال ومراده إني فرغت نفسي عن أشغالي لعمل المسلمين فآخذ كفايتي من مال المسلمين وكأنه بهذا الكلام أشار إلى الاستدلال بما جعل الله تعالى من النصيب في الصدقات للعاملين عليها ; فإنهم لما فرغوا أنفسهم لعمل الفقراء استحقوا الكفاية في مال الفقراء وذكر عن محمد بن إسحاق والكلبي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر أقرع بين نسائه } قالت عائشة رضي الله عنها فأصابتني القرعة في السفرة التي أصابني فيها ما أصابني تريد به حديث الإفك واعلم بأن المرأة لا حق لها في القسم عند سفر الزوج فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يسافر بواحدة منهن وأن يسافر بمن شاء منهن من غير قرعة ولكنه { كان يقرع بينهن تطبيبا لقلوبهن } فاستعمال القرعة في مثل هذا الموضع جائز عند العلماء أجمع رحمهم الله .
وبهذا الحديث قلنا : إذا تزوج أربع نسوة فله أن يقرع بينهن لإبدائه بالقسم ; لأن له أن يبدأ بمن شاء منهن فيقرع بينهن تطييبا لقلوبهن ونفيا لتهمة الميل عن نفسه وإنما أورد الحديث للحكم المذكور بعده أنه لا بأس للقسام أن يستعجل القرعة في القسمة بين الشركاء قاسم القاضي وغيره في ذلك سواء وهو استحسان وفي القياس هذا لا يستقيم ; لأنه في معنى القمار ; فإنه تعليق الاستحقاق بخروج القرعة والقمار حرام ; ولهذا لم يجوز علماؤنا استعمال القرعة في دعوى النسب ودعوى الملك وتعيين العتق ، ثم هذا في معنى الاستقسام بالأزلام الذي كان بعبادة أهل الجاهلية وقد حرم الله تعالى ذلك ونص على ذلك أنه رجس وفسق ولكنا تركنا بالسنة والتعامل الظاهر فيه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر ، ثم هذا ليس في معنى القمار ففي القمار أصل الاستحقاق يتعلق بما يستعمل فيه وفي هذا [ ص: 8 ] الموضع أصل الاستحقاق بكل واحد منهم لا يتعلق بخروج القرعة ، ثم القاسم لو قال : عدلت أنا في القسمة فخذ أنت هذا الجانب وأنت هذا الجانب كان مستقيما إلا أنه ربما يتهم في ذلك فيستعمل القرعة لتطبيب قلوب الشركاء ونفي تهمة الميل عن نفسه ، وذلك جائز ، ألا ترى أن يونس عليه السلام في مثل هذا استعمل هذه القرعة مع أصحاب السفينة كما قال الله تعالى { : فساهم فكان من المدحضين } . وهذا ; لأنه علم أنه هو المقصود ولكن لو ألقى نفسه في الماء ربما ينسب إلى ما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام فاستعمل القرعة لذلك وكذلك زكريا عليه السلام استعمل القرعة مع الأحبار في ضم مريم عليها السلام إلى نفسه وقد كان علم أنه أحق بها منهم ; لأن خالتها كانت تحته ولكن استعمل القرعة تطبيبا لقلوبهم قال الله تعالى { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } .
ثم إن كان القاضي هو الذي يقسم بالقرعة أو نائبه فليس لبعض الشركاء أن يأتي ذلك بعد خروج بعض السهام كما لا يلتفت إلى إباء بعض الشركاء قبل خروج القرعة ، وإن كان القاسم يقسم بينهم بالتراضي فرجع بعضهم بعد خروج بعض السهام كان له ذلك إلا إذا خرجت السهام كلها إلا واحدا ; لأن التمييز هنا يعتمد التراضي بينهم فلكل واحد منهم أن يرجع قبل أن يتم وبخروج بعض السهام لا يتم فكان هذا كالرجوع عن الإيجاب قبل قول المشتري فأما إذا خرج جميع السهام إلا واحدا فقد تمت القسمة ; لأن نصيب ذلك الواحد تعين خرج أو لم يخرج فلا يملك بعضهم الرجوع بعد تمام القسمة .
دار بين ورثة اقتسموها وفضلوا بعضا على بعض بفضل قيمة البناء وعلى بعض بفضل قيمة البناء والموضع فهو جائز ; لأنه يعتبر في القسمة المعادلة في المالية والمنفعة ولا يتأتى ذلك في المساواة في الزرع والبناء يكون في جانب دون جانب وبعض العرصة تكون أفضل قيمة من البعض وأكثر منفعة فإن مقدم الدار يرغب فيه ما لا يرغب في مؤخره وفي اعتبار هذه المعادلة لا بد من تفضيل البعض على البعض في المساحة ، وإن اقتسموا الأرض مساحة والبناء والقيمة قيمة بقيمة عدل فهو جائز عند التراضي لا يشكل ، وكذلك إذا قضى القاضي به ; لأن المعادلة في الأرض باعتبار المساحة تتسر وقد يتعذر ذلك في البناء ; لما بين الأبنية من التفاوت العظيم في القيمة فقسمة البناء بالتقويم تكون أعدل وإذا جاز قسمة الكل باعتبار القيمة فقسمة البعض كذلك ، وإن كان البناء حين اقتسموا الأرض غير معروف القسمة فهذا في القياس لا يكون ; لأن البناء والأرض تتناولهما قسمة واحدة وإذا لم تعرف قيمة البناء فقد تعذر تصحيح القسمة في البناء للجهالة فلا تصح القسمة في الأرض أيضا كما هو الأصل في العقد [ ص: 9 ] الواحد إذا فسد في بعض المعقود عليه فسد في الكل ولكنا استحسنا وجوزنا هذا لمعنيين ( أحدهما ) أنهم ميزوا البناء عن الأرض في هذه القسمة حين خالفوا بينهما في طريق القسمة فاعتبروا في الأرض المعادلة في المساحة وفي البناء المعادلة في القيمة فصار بمنزلة أرضين يقسم كل واحدة منهما قسمة على حدة وفي ذلك تصح القسمة في أحديهما قبل ظهور المساحة في الأخرى ، فكذلك هنا تجوز القسمة في الأرض قبل أن يظهر قيمة البناء ( والثاني ) أن حكم القسمة في الأرض لا يتم بالمساحة ولكن يتوقف تمام القسمة فيها على معرفة قيمة البناء وقسمتها بالقيمة لا تتم القسمة إلا بعد ظهور المعادلة في الكل ومعرفة كل واحد من الشركاء نصيبه وإنما يعتبر حال تمام العقد وإذا كان يتم في المعلوم لم تضرهم الجهالة في الابتداء كما لو اشترى أحد الثياب الثلاثة على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء ويسمي لكل واحد ثمنا .
وإذا كانت الدار ميراثا بين قوم حضور كبار تصادقوا عند القاضي عليها وأرادوا القسمة بها فإن فعلوا ذلك عن تراض منهم لم يمنعهم القاضي من ذلك ; لأن هذا تصرف منهم فيما بقي في أيديهم بطريق مشروع ولو تصرفوا في ذلك ببيع أو هبة لم يمنعوا منه ، فكذلك بالقسمة ، وإن سألوا القاضي أن يقسمها بينهم فإن أبا حنيفة قال القاضي لا يقسم العقار بينهم بإقرارهم حتى تقوم البينة على أصل الميراث ، وقال أبو يوسف ومحمد يقسمها بينهم ويشهد أنه قسمها بإقرارهم وقضى بذلك عليهم دون غيرهم ; لأن اليد فيها لهم ومن في يده شيء فقوله : مقبول فيه ما لم يحضر خصم ينازعه في ذلك وليس هنا خصم ينازعهم فلا حاجة لهم إلى إقامة البينة لإثبات ملكهم فيها وإذا كان الملك ثابتا لهم بقولهم إنما سألوا القاضي أن يقسم بينهم ملكهم فعليه أن يجيبهم إلى ذلك كما لو زعموا أن الدار مملوكة لهم ولم يذكروا ميراثا ولا غيره وسألوه أن يقسمها بينهم قسمهم القاضي بطلبهم وأشهدوا أنه قضى بذلك عليهم دون غيرهم نظرا منه لغائب عسى يحضر فيدعي لنفسه فيها حقا ، فكذلك هنا والدليل عليه أنه لو كانت في أيديهم عروض أو منقول سوى العقار فأقروا أنها ميراث بينهم وطلبوا قسمتها قسمها القاضي بإقرارهم وأشهد على أنه قسمها بإقرارهم لاعتبار يدهم ، فكذلك في العقار ; لأن اليد تثبت على العقار كما تثبت على المنقول .
وكذلك لو كان في أيديهم دار فأقروا أنها دارهم اشتروها من فلان الغائب وسألوا القاضي قسمتها أجابهم القاضي إلى ذلك بهذا الطريق ، فكذلك في الميراث إذ لا فرق بينهما ; لأنهم في الموضعين أقروا بأصل الملك لغيرهم ، ثم أخبروا بانتقال الملك إليهم بسبب محتمل مشروع فإذا جاز له أن يعتمد القسمة [ ص: 10 ] على قولهم ، فكذلك في الشراء ، وكذلك في الميراث ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان أحدهما على قولهم في أن قضاء القاضي هنا يتناول الميت ويصير هو مقضيا عليه بقسمة القاضي وقولهم ليس بحجة عليه فلا بد لهم من إقامة البينة ليثبت بها حجة القضاء على الميت وبيانه من وجهين ( أحدهما ) أن التركة قبل القسمة مبقاة على ملك الميت بدليل أن حقه يثبت في الزوائد التي تحدث حتى يقضي منه ديونه وينفذ وصاياه وبالقسمة ينقطع حق الميت عن التركة حتى لا يثبت حقه فيما يحدث بعد ذلك من الزوائد فكان فيه قضاء على الميت يقطع حقه
( والثاني ) أن القاضي يثبت له الولاية على الميت في تركته فيما يرجع إلى النظر وينفذ تصرفه إليه إذا كان فيه نظر للميت فبم يخبرون القاضي بثبوت ولايته على الميت ليلزم الميت قضاؤه فيما يرجع إلى النظر ، وذلك أمر وراء ما في أيديهم فلا يكون قولهم في ذلك حجة فيكلفهم إقامة البينة على ذلك وتقبل هذه البينة من غير خصم ; لأنها تقوم لإثبات ولاية النظر للقاضي في حق من هو عاجز عن النظر لنفسه وهذا بخلاف ما إذا اقتسموا بأنفسهم ; لأن فعلهم لا يلزم الميت شيئا وبخلاف العروض ; لأن معنى النظر للميت هناك في القسمة من وجهين ( أحدهما ) أن العروض يخشى عليها النوى والتلف وفي القسمة تحصين وحفظا لها فأما العقار محصنة بنفسها لا يخشى عليها التلف ففي القسمة قضاء على الميت يقطع حقه عنها
( والثاني ) أن في العروض ما يأخذه كل واحد منهم بعد القسمة يصير مضمونا عليه بالقبض في حق غيرهم ففي ذلك مضمونا عليهم معنى النظر للميت ، وذلك لا يوجد في العقار فإنها لا تصير مضمونة على من أثبت يده فيها عند أبي حنيفة رحمه الله وهذا بخلاف ما زعموا أنها مملوكة لهم ; لأن القضاء بالقسمة هناك لا يقتصر عليهم ولا يتعدى إلى غيرهم إذ لم يثبت فيها أصل الملك لغيرهم فأما في الشراء فقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله في غير الأصول أن القاضي لا يقسمها بينهم وسوى ; بين الشراء والميراث ولكن على هذا الطريق نسلم كما هو ظاهر الرواية فنقول قضاؤه بالقسمة في المشترى لا يتضمن قطع حق البائع ; لأن بعد البيع والتسليم لا يبقى المبيع على حكم ملك البائع بخلاف الميراث ولأنه لا يثبت للقاضي الولاية على الغائب بالتصرف في أمواله فهم ما أخبروا القاضي بثبوت ولايته على البائع الغائب بخلاف الميراث على ما قررنا والطريق الآخر لأبي حنيفة أنه لا يتمكن من القضاء بالقسمة حتى يقضي بموت المورث ويتعلق بموته أحكام غير مقصودة على ما في أيديهم من وقوع التفريق بينه وبين زوجته وعتق أمهات أولاده ومدبراته وحلول آجاله .
وقولهم ليس بحجة في شيء [ ص: 11 ] من ذلك فلا يشتغل القاضي بالقسمة حتى تقوم البينة عنده على الموت وأصل الميراث بخلاف العروض فالقسمة فيها للتحصين لا لتحصيل الملك .
( ألا ترى ) أن القسمة في العروض تجرى بين المودعين للحفظ فلا يتضمن القضاء بموته فأما في العقار القسمة لتحصيل الملك ولا يكون ذلك إلا بعد القضاء بموته وعلى هذا الطريق يأخذ في مسألة الشراء برواية النوادر ; لأنه لا يتمكن من القضاء بالقسمة حتى يقضي بالبيع وزوال ملك البائع وقولهم ليس بحجة عليه ولئن سلمنا فنقول الحكم المتعلق بالبيع هناك مقصود على ما في أيديهم فيستقيم أن يجعل ذلك نائبا في حقهم بإقرارهم بخلاف الميراث وإذا كان في الورثة صغير أو كبير غائب والدار في أيدي الكبار الحضور ، فكذلك الجواب عند أبي حنيفة رحمه الله لا يقسمها القاضي بينهم حتى تقوم البينة على أصول المواريث ; لأنها لما لم يقسم في الفصل الأول مع أن الورثة كلهم كبار حضور ففي هذا الفصل أولى أن لا يقسم ; لأن في قسمته قضاء على الغائب والصغير بقولهم وعلى قول أبي يوسف ومحمد يقسمها بينهم ويعزل حق الغائب والصغير ويشهد أنه قسمها بإقرار الحضور الكبار وأن الغائب والصغير على حجتهما كما في الفصل الأول ; لأن الدار كلها في يد الكبار الحضور وليس في هذه القسمة قضاء على الصغير والغائب بإخراج شيء من يدهما بل فيها نظر لهما بظهور نصيبهما مما في يد الغير ; فإنه بالقسمة يعزل نصيب الغائب والصغير وكان هذا محض نظر في حق الغائب والصغير وللقاضي هذه الولاية ، وإن كان شيء من العقار في يد الصغير أو الغائب لم أقسمها بإقرار الحضور حتى تقوم البينة على أصل الميراث ; لأن في هذه القسمة قضاء على الغائب والصغير بإخراج شيء مما كان في يده عن يده
وكذلك إن كان الكبير أودع ما كان في يده منها رجلا حين غاب ; لأن المودع أمين فلا يكون خصما في ذلك ولا يجوز للقاضي أن يقضي على الغائب بحضور أمينه ; فلهذا لا يقسم حتى تقوم البينة فإذا قامت البينة قبلها القاضي ; لأنها تقوم لإثبات ولاية القاضي في تركة الميت ولأن الورثة يخلفون الميت في الميراث فينتصبون خصما عنه وينصب بعضهم خصما عن بعض فقل ما تخلو تركة عن هذا فإن الورثة يكثرون وقل ما يحضرون فلو لم يقبل القاضي البينة ولم يقسمها لمكان غائب أو صغير أدى إلى الضرر ، والضرر مدفوع ، وكذلك إذا حضر القاضي اثنان من الورثة والعقار في أيديهما وأقاما البينة على أصل الميراث فإن القاضي يقسمها بينهم ويوكل بنصيب الغائب والصغير من يحفظه ; لأنه يجعل أحد الحاضرين خصما عن الميت وعن الصغير والغائب والآخر خصما عن نفسه [ ص: 12 ] فيتمكن من قبول هذه البينة والعمل بها بحضور مدع ومدعى عليه وإذا كان الحاضر واحدا لم يقسمها القاضي ولم يقبل منه البينة ; لأنه ليس معه خصم فإن الحاضر لو كان خصما عن نفسه فليس هنا خصما عن الميت وعن الغائب ، وإن كان هذا الحاضر خصما عنهما فليس هنا من يخاصم عن نفسه ليقيم البينة عليه بذلك بخلاف ما إذا كان الحاضر اثنين من الورثة والثاني أن الحاضر إذا كان واحدا فهو غير متظلم في طلب القسمة ولا طالب للإنصاف إذ ليس معه من ينتفع بملكه حتى يقول للقاضي أقسمها بيننا لكي لا ينتفع بملكي غيري فإذا حضر اثنان فكل واحد منهما يطلب القسمة ليسأل القاضي أن يمنع صاحبه من الانتفاع بنصيبه ، وذلك مستقيم ، وإن كان فيهم خصم صغير جعل له القاضي وصيا ; لأن للقاضي ولاية النظر للصبي في نصيب الوصي

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|