
17-12-2025, 10:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,995
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع عشر
صـــ 122الى صـــ 131
(302)
وإذا باع الرجل دارا وله عبد تاجر هو شفيعها ، فإن كان عليه دين فله الشفعة ، وإن لم يكن عليه دين ، فلا شفعة له ; لأن ماله لمولاه إذا لم يكن عليه دين وكما أن البائع لا يأخذ ما باع بالشفعة فكذلك عبده لا يأخذ وإذا كان عليه دين ، فالغرماء أحق بكسبه وللغرماء حق الأخذ بالشفعة في هذه الدار فكذلك للعبد أن يأخذ بالشفعة يوضحه أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء وشراء العبد من مولاه إذا لم يكن عليه دين باطل بخلاف ما إذا كان عليه دين فكذلك حكم الأخذ بالشفعة وعلى هذا لو باع العبد ومولاه شفيعها ، فإن لم يكن عليه دين ، فلا شفعة للمولى ; لأن بيع العبد وقع له ، وإن كان عليه دين فله الشفعة ; لأن بيعه كان لغرمائه ، والمولى من كسب عبده المديون كسائر الأجانب ، فإن شهد ابنا المولى على العبد أنه سلم الدار للمولى بالشفعة فشهادتهما باطلة ; لأنهما يشهدان لأبيهما بالملك ، واليد في الدار ( قال : وكذلك لو شهدا عليه بتسليم الشفعة في الوجه الأول ، والدار في يد المولى البائع ) ; لأن للعبد حق الأخذ بالشفعة من يده فهما يشهدان بما يسقط حقه عن أبيهما فكانا متهمين في ذلك .
وإذا باع المولى داره ومكاتبه شفيعها فله الشفعة ; لأنه لا حق للمكاتب في ملك مولاه ، وهو في البيع الذي باشره مولاه كأجنبي آخر ، وإن شهد ابنا المولى أن المكاتب سلم الشفعة للمشتري فشهادتهما باطلة ; لأنهما لو شهدا عليه بتسليم الشفعة حين كانت الدار في يد المولى لم تكن شهادتهما مقبولة فكذلك إذا شهدا به بعد ما سلمها إلى المشتري وقيل تأويل هذه المسألة أن الدار في يد البائع بعد فشهدا على المكاتب بأنه سلم [ ص: 123 ] الشفعة للمشتري ; ليسقط حقه به في الأخذ من أبيهما ، فأما إذا كانت الدار في يد المشتري ، فالشهادة تقبل لخلوها عن التهمة ، فقد خرج أبوهما من خصومة الشفيع بتسليمها إلى المشتري ، وإن كان البائع المكاتب ومولاه شفيعها ، والدار في يد البائع كان له الشفعة ; لأنه من كسب مكاتبه أبعد منه من كسب العبد المديون ، وقد بينا هناك أنه يستحقها بالشفعة فهنا أولى ، فإن شهد ابنا المولى أنه سلم الشفعة للمشتري جازت شهادتهما ; لأنهما يشهدان على أبيهما بإسقاط حقه ، فإن قيل الدار في يد المكاتب فهما يشهدان في المعنى لمكاتب أبيهما وشهادتهما لمكاتب أبيهما وعبد أبيهما لا تقبل قلنا نعم ، ولكن هذا إذا لم يكن المشهود عليه الأب ، فأما إذا كان المشهود عليه الأب ، فلا تتمكن التهمة في شهادتهما ، ألا ترى أن شهادتهما لمكاتب أبيهما بدين على أبيهما تقبل وعلى الأجنبي لا تقبل ، وهذا ; لأنهما يؤثران مكاتب أبيهما على الأجنبي لا على أبيهما .
وإذا باع الرجل دارا فشهد ابنا البائع أن الشفيع سلم الشفعة للمشتري فشهادتهما باطلة ; لأن أباهما خصم فيه ما دامت الدار في يده وللشفيع أن يأخذها منه ويلزمه العهدة فهما يشهدان لأبيهما ، وإن كان المشتري قد قبض الدار فخاصمه الشفيع ، ثم شهد الابنان بذلك جازت شهادتهما ; لأن الأب خرج من هذه الخصومة بتسليمها إلى المشتري فهما يشهدان للمولى على الشفيع فإن قيل أليس أن البائع لو يشهد على الشفيع بذلك بعد ما سلمها إلى المشتري لم تقبل شهادته كما قبل التسليم فكذلك ابنا البائع قلنا امتناع قبول شهادته يكون خصما فيه ، ومن كان خصما في حادثة مرة لا تقبل شهادته فيها ، وإن خرج من الخصومة ، فأما امتناع قبول شهادة الابنين لمنفعة أبيهما في المشهود به ، وذلك قبل أن يسلمها إلى المشتري ، فأما بعد التسليم ، فلا منفعة لأبيهما فقبلت شهادتهما بذلك .
وكذلك العبد ، والمكاتب إذا باعا دارا وقبضها المشتري ، ثم شهد ابنا المولى على الشفيع بالتسليم ، فهو جائز ; لأن الأب لو كان هو البائع كانت شهادتهما مقبولة ، فإذا كان العبد ، والمكاتب هو البائع أولى أن تقبل الشهادة ، وبهذه المسألة يتضح ما بينا من التأويل في المسألة الأولى .
وإذا شهد رجلان للبائع ، والمشتري على الشفيع أنه قد سلم الشفعة وشهد رجلان للشفيع أن البائع ، والمشتري سلما الدار قضيت بها للذي هي في يده وهذا بمنزلة رجلين اختصما في دار كل واحد منهما يدعي أنه اشتراها من صاحبه بألف درهم ونقد الثمن فإني أقضي بها للذي هي في يده وهذه مسألة التهاتر ، وقد بينا في كتاب الدعوى أن عند أبي حنيفة وأبي يوسف تتهاتر البينتان وعند محمد يقضي بالبينتين بحسب الإمكان ، فمن أصحابنا من يقول : مسألة الشفعة [ ص: 124 ] على الخلاف أيضا ، وإن لم ينص عليه ; لأن كل واحد منهما يثبت بينة الملك لنفسه على صاحبه بسبب يصرح به شهوده
قال الشيخ الإمام : والأصح عندي أن جواب مسألة الشفعة قولهم جميعا ، وأن هذا ليس نظير مسألة التهاتر ، فإن هناك محمدا يقضي بالبينتين بتاريخ بينة بين الشراءين ، واليد دليل ذلك التاريخ ، ولا يتأتى مثل ذلك هنا وأبو حنيفة وأبو يوسف يقولان بالتهاتر ; لأن كل واحد منهما يثبت إقرار صاحبه بالملك له وكل بائع مقر بوقوع الملك للمشتري ، وذلك لا يوجد هنا ، فالشفيع بتسليم الشفعة لا يصير مقرا بالملك للبائع ، ولا للمشتري ، ولكن وجه هذه المسألة أن تسليم المشتري الدار بالشفعة للشفيع يحتمل الفسخ وتسليم الشفيع الشفعة لا يحتمل الفسخ بحال ، فإنه بعد ما سلم الشفعة لا يعود حقه ، وإن اتفقا عليه ، والبينتان متى تعارضتا وإحداهما تحتمل الفسخ ، والأخرى لا تحتمل الفسخ فما لا يحتمل الفسخ يترجح كما لو أقام البينة على أنه اشترى هذا العبد من مولاه وأقام العبد البينة أن مولاه أعتقه يوضحه إنما يجعل كأن الأمرين كانا ، فإن كان الشفيع سلم الشفعة أولا ، ثم سلمها المشتري له فما لم يخرجه من يده لا يتم التسليم وبعد الإخراج يكون هذا بمنزلة البيع المبتدإ فيقضى بها للشفيع إذا كانت في يديه ، وإن كان المشتري سلمها إلى الشفيع أولا وقبضها الشفيع ، ثم سلم شفعته فتسليمه باطل ; لأن استيفاء حقه قد تم ; فلهذا قضي بالدار لذي اليد ، وإن كان المشتري قد قبض الدار فشهد ابنا البائع أن المشتري قد سلمها للشفيع ، وهي في يدي المشتري وشهدا أجنبيان أن الشفيع قد سلمها للمشتري فإني أسلمها للمشتري واختيار شهادة الشهود على تسليم الشفعة لوجهين أحدهما ما بينا أن تسليم الشفعة لا يحتمل الفسخ بخلاف تسليم الدار إلى الشفيع ، والثاني أن بني البائع يتهمان في شهادتهما بتبعيد الخصومة ، والعهدة عن أبيهما ; لأن المشتري يخاصم أباهما في عيب يجده بالدار قبل أن يسلمها إلى الشفيع ، ولا يخاصمه في ذلك بعد ما سلمها بالشفعة إلى الشفيع ; فلهذا لا تقبل شهادة ابني البائع هنا .
وإذا سلم الشفيع الشفعة ، ثم وجد المشتري بالدار عيبا بعد ما قبضها فردها بغير قضاء قاض ، أو قال : البائع البيع في الدار بغير عيب كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة قبل القبض وبعده عندنا ( وقال ) زفر ليس له أن يأخذها ; لأنه سلمها ولم يتجدد حقه بما أخذنا من السبب ; لأن وجوب الشفعة يختص بمعارضة مال بمال ابتداء ، والرد بالعيب ، والإقالة فسخ للعقد ، وليس بمعاوضة مبتدأة ، ولا يجوز أن يقال يجعل ذلك كبيع مبتدإ ; لأن التصرف إنما يصح على قصد المتصرف وهما قصدا الفسخ لا العقد ، ولكنا نقول الإقالة ، والرد بالعيب بغير قضاء القاضي [ ص: 125 ] بمنزلة البيع المبتدإ في حق غيرهما ; لأنه تم بتراضيهما في محلين كل واحد منهما مال متقوم ، ولا صورة للمعارضة ، إلا هذا غير أنهما سمياه فسخا ولهما الولاية على أنفسهما فكان فسخا في حقهما ، ولا ولاية لهما على غيرهما فكان بمنزلة ابتداء المعارضة في حق غيرهما فيتجدد به حق الشفيع ، وإن كان ردها بالعيب بقضاء قاض لم يكن للشفيع فيها شفعة ; لأن قضاء القاضي بالرد فسخ ، وليس بعقد ، فإن للقاضي ولاية فسخ العقد الذي جرى بينهما لا إنشاء العقد ، وكذلك إن لم يكن قبضها المشتري حتى ردها بالعيب بقضاء ، أو بغير قضاء ، فلا شفعة فيها ; لأن الرد قبل القبض فسخ من كل وجه ، ألا ترى أن الراد ينفرد به من غير أن يحتاج إلى رضاء ، أو قضاء القاضي ، فهو نظير الرد بخيار الرؤية ، أو خيار الشرط ، والحرف الذي تدور عليه هذه المسائل أنه متى عاد بالرد إلى قديم ملك البائع لا يتجدد للشفيع الشفعة ; لأن حقه لم يكن ثابتا في قديم ملكه وإذا لم يعد إلى قديم ملكه كان هذا في معنى ملك حدث له بسبب مبتدإ فيتجدد به حق الشفيع ، والرد بعد القبض بالعيب أو بالإقالة بهذه الصفة حتى لو كان موهوبا لا يرجع فيه الواهب ولو كان مشترى شراء فاسدا لا يسترده البائع بخلاف الرد بخيار الشرط ، والرؤية قبل القبض ، أو بعده بقضاء القاضي .
وإذا كان لرجل على رجل دين يقر به أو يجحده فصالحه من ذلك على دار ، أو اشترى منه دارا وقبضها فللشفيع فيها الشفعة أما في الشراء فلأنه صار مقرا بالدين حين أقدم على الشراء به وفي الصلح المذهب عندنا أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعى في حقه وفي زعمه أنه ملك الدار بعوض هو مال فللشفيع أن يأخذها بالشفعة بناء على زعم المدعي فإن اختلف هو ، والشفيع في مبلغ ذلك الدين وحبسه ، فهو بمنزلة اختلاف المشتري ، والشفيع في الثمن ، وقد بينا ذلك ، ولا يلتفت إلى قول الذي كان عليه الحق ; لأنه صار قابضا ; لما عليه بدينه ، وقد بينا أن البائع بعد ما قبض الثمن لا قول له في بيان المقدار .
وإذا أقر الرجل أنه اشترى دارا بألف درهم فأخذها الشفيع بذلك ، ثم ادعى البائع أن الثمن ألفان وأقام البينة ، فإنه يؤخذ ببينته ; لأنه يثبت بها حقه ويرجع الشفيع على المشتري بألف أخرى ; لأن الشفيع إنما يأخذها بالألف الذي سلمت به للمشتري ، وقد تبين أنها سلمت له بألفين ، ولا معتبر بإقرار المشتري أن الثمن كان ألف درهم ; لأنه صار مكذبا في إقراره بقضاء القاضي فيسقط اعتبار إقراره كمن أقر بعين لإنسان واشتراه منه ، ثم استحق من يده ما أثبته يرجع على البائع بالثمن ، وكذلك لو ادعى البائع أنه باعها إياه بمائتي دينار ، أو عرض بعينه قيمته أكثر من ألف درهم وأقام البينة ، فإنه يقضي له بذلك [ ص: 126 ] على المشتري ويسلم الدار للشفيع بذلك فيحسب له المشتري بقدر ما قبض منه ويرجع بالفضل عليه وإن كان قيمته أقل من ألف رجع الشفيع على المشتري بالفضل على قيمة العرض ; لأن الواجب للمشتري على الشفيع قيمة العرض الذي وقع الشراء به ، وقد تبين أنه أخذ منه أكثر من ذلك فيلزمه رد الفضل
وإذا اختلف البائع ، والمشتري في ثمن الدار تحالفا ويبدأ باليمين على المشتري ، وقد بينا هذا في البيوع فأيهما نكل عن اليمين وجب البيع بذلك الثمن ويأخذها الشفيع به ، وإن اختلفا تراد البيع وأخذها الشفيع بما قال البائع إن شاء ; لأنهما اتفقا على صحة البيع بينهما وثبوت حق الأخذ للشفيع ، فلا يبطل ذلك بفسخ البيع بينهما بالتحالف ، ألا ترى أن المشتري بعد التحالف لو صدق البائع كان أحق بالدار بما ادعاه البائع من الثمن فكذلك الشفيع إذا صدق البائع ، وإن أقاما جميعا البينة كانت البينة بينة البائع ويأخذها الشفيع به ، وقد بينا فرق أبي حنيفة ومحمد بين هذا وبين ما إذا كان الاختلاف بين المشتري ، والشفيع ، وكذلك لو ما ادعى البائع أن الثمن كانت هذه الدار ، فقال المشتري : بل اشتريتها بهذا العرض وأقاما البينة فبينة البائع أولى بالقبول ; لأنه يثبت به حق نفسه فإن كان الشفيع شفيعا للدارين جميعا أخذ كل واحدة منهما بقيمة الأخرى ; لأن المعارضة في الدارين تثبت بقضاء القاضي ، فهو كالثابت بالمعاينة ولو كان لكل واحد منهما شفع أخذها بقيمة الأخرى فكذلك إذا اتخذ شفيعهما .
وإن كان للدار شفيعان فشهد شاهدان أن إحداهما قد سلم الشفعة ، ولا يدريان أيهما هو فشهادتهما باطلة ; لأن المشهود عليه مجهول ، ولا يتمكن القاضي من القضاء على المجهول ; ولأنهما ضيعا شهادتهما ، فإنهما عند التحمل إنما تحملا الشهادة على معلوم ، فإذا لم يعرفاه كان ذلك منهما تضييعا للشهادة ، وإن كان أحد الشفيعين غائبا كان للحاضر أن يأخذ جميع الدار ; لأن حق كل واحد منهما ثابت في جميع الدار ; ولأن حق الحاضر قد تأكد بالطلب ، ولا ندري أن الغائب يطلب حقه ، أو لا يطلب ، فلا يجوز أن يتأخر حق الحاضر بغيبة الآخر ، ولا يتمكن من أخذ البعض ; لما فيه من الإضرار بالمشتري من حيث تبعيض الملك عليه فقلنا بأنه يأخذ ، أو يدع وإذا أراد أن يأخذ النصف ورضي المشتري بذلك فله ذلك ; لأن المانع حق المشتري ، وإن قال المشتري لا أعطيك ، إلا النصف كان له أن يأخذ الكل ; لما بينا أن حقه ثابت في جميع الدار وأكثر ما في الباب أن الغائب قد سلم له شفعته فللحاضر أن يأخذ الكل .
وإذا كفل للمشتري كفيل بالدرك فأخذ الشفيع الدار منه بالشفعة ونوى الثمن عليه لم يكن للمشتري على كفيل الدرك سبيل ; لأن [ ص: 127 ] المشتري ما لحقه فيها درك ، فالدرك هو الاستحقاق بحق متقدم على البيع ، وذلك لا يوجد عند أخذ الشفيع بالشفعة وإن لحق الشفيع درك لم يكن له على الذي كفل للمشتري بالدرك سبيل ; لأنه ضمن للمشتري الدرك ، والشفيع غير المشتري ، والضامن لإنسان شيئا لا يكون ضامنا لغيره ، والدليل على أن الأخذ بالشفعة ليس بدرك أن المشتري لو كان بنى فيها فنقض الشفيع بناءه لم يكن له أن يرجع على البائع بقيمة البناء بخلاف ما إذا استحقها مستحق .
وإذا كفل رجلان للمشتري بالدرك ، ثم شهدا عليه بتسليم الدار إلى الشفيع بالشفعة فشهادتهما باطلة ; لأن الكفيل بالدرك بمنزلة البائع ، وقد بينا أن شهادة البائع بذلك غير مقبولة ، ولا شهادة ابنيه فكذلك شهادة الكفيلين بالدرك وشهادة ابنيهما ، وهذا ; لأنهما ينقلان العهدة عن أنفسهما بهذه الشهادة ، وكذلك إن شهدا أن الشفيع سلم الشفعة فهما بمنزلة البائعين في ذلك لا تقبل شهادتهما ; لأن صحة الشراء وتمام الملك للمشتري كان بقبولهما ضمان الدرك فهما بهذه الشهادة يقران ما يصح بهما وإذا أشهد الشفيع شهودا أنه يأخذها بالشفعة ولم يجئ إلى المشتري ، ولا البائع ، ولا إلى الدار ولم يطلبها ، فلا شفعة له ; لأنه ترك الطلب المقرر لحقه بعد ما تمكن منه ولو ترك طلب المواثبة بعد ما تمكن منه سقط حقه فهنا أولى
فإن شهد على الطلب قبلهما ولم يسم له الثمن ، فهو بالخيار إذا علم للثمن ; ليكشف الحال له عند ذلك ; ولأن بمجرد الطلب لا يتم الأخذ ، وهو على خياره ما لم يتم أخذه بالشفعة وإذا شهد البائعان على المشتري أن الشفيع قد طلب الشفعة حين علم بالشراء ، والشفيع مقر أنه علم به منذ أيام وقال المشتري : ما طلب الشفعة ، فشهادة البائعين باطلة ، وكذلك شهادة أولادهما كما لو شهدا على المشتري بتسليم الدار إلى الشفيع ، وهذا ; لأنهما يقرران حق الشفيع في الأخذ ، وفيه تنفيذ العهدة ، والخصومة عنهما ، وإن قال الشفيع لم أعلم بالشراء ، إلا الساعة ، فالقول قوله مع يمينه ; لأن علمه بالشراء حادث فعلى من ادعى تاريخا سابقا فيه أن يثبته بالبينة وهو منكر للتاريخ ، فالقول قوله مع يمينه ، فإن شهد البائعان أنه علم منذ أيام فشهادتهما باطلة إن كانت الدار في أيديهما ، أو في يد المشتري ; لأن هذا في المعنى شهادة على الشفيع بتسليم الشفعة ، وقد بينا أن البائع لا يكون شاهدا في هذا إما ; لأنه خصم فيه ، أو ; لأنه كان خصما فيه في وقت وإذا كان الشفعاء ثلاثة فشهد اثنان منهم على أحدهم أنه قد سلم الشفعة ، فإن قال قد سلمناها معه فشهادتهما جائزة لخلوها عن التهمة فيها ، وإن قال : نحن نطلب فشهادتهما باطلة ; لأنهما متهمان فيها ، وإنما يدفعان بشهادتهما مزاحمة الثالث معهما [ ص: 128 ] وإن قالا : قد سلمناها معه ولابن أحدهما شفعة ، أو لابنه ، أو لمكاتبه أو لزوجته فشهادتهما باطلة ; لأنه متهم في حق هؤلاء كما في حق نفسه وكما لا تقبل شهادته إذا أزال بها المزاحمة عن نفسه فكذلك لا تقبل إذا أزال المزاحمة عن مكاتبه ، أو ابنه ; لأنه يجر إليهما بشهادته منفعة . والله أعلم .
باب الشفعة بالعروض قال : رحمه الله ( وإذا اشترى دارا بعبد بعينه فللشفيع أن يأخذها بالشفعة بقيمة العبد عندنا . وقال أهل المدينة : يأخذها بقيمة الدار ) ; لأن المبيع مضمون بنفسه أو بما يقابله من المسمى ، وقد تعذر هنا إيجاب المسمى في حق الشفيع ; لأنه لا مثل له من جنسه فوجب المصير إلى الضمان الأصلي ، وهو قيمة نفسه ; ولأن دفع الضرر من الجانبين واجب ، وإنما يندفع الضرر عن المشتري بوصول قيمة ملكه إليه . وملكه عند الأخذ رقبة الدار وحجتنا في ذلك أن الشفيع يتملك بمثل ما يملك به المشتري ، والمثل إما أن يكون من حيث الصورة ، أو في معنى المالية ، فإذا كان الثمن مما له مثل من جنسه يأخذه بمثله صورة وإن كان مما لا مثل له من جنسه يأخذه بمثله في صفة المالية ، وهو القيمة ، كالغاصب عند تعذر رد العين برد المثل فيما له مثل ، والقيمة فيما لا مثل له توضيحه أنه إن أخذها من المشتري ، فقد صار متقدما عليه في تملكها بهذا السبب وفي معنى التلف على المشتري ما غرم ، فإن ما يأخذها بما غرم من الثمن ، وإن أخذها من البائع ، فقد صار متلفا حقه فيما استوجب قبل المشتري من الثمن ولو أتلف ذلك حقيقة ضمن المثل فيما له مثل ، والقيمة فيما لا مثل له فكذلك هنا ، فإن مات العبد قبل أن يقبضه البائع انتقض الشراء لفوات القبض المستحق بالعقد ، فإن العبد معقود عليه ، وقد هلك قبل التسليم وللشفيع أن يأخذها بقيمة العبد عندنا
و ( قال ) : زفر ليس له أن يأخذها بالشفعة ; لأن العقد انتقض من الأصل بهلاك العبد قبل التسليم ، فيكون بمنزلة ما لو انتقض من استحقاقه وهذا ; لأنه لو كان العقد فاسدا في الابتداء لم يجب فيها للشفيع فكذلك إذا فسد بهلاك المعقود عليه قبل التسليم ; ولأن المقصود بالأخذ دفع ضرر الجار الحادث ، وقد اندفع ضرره حين بطل البيع وحجتنا في ذلك أن بدل الدار في حق الشفيع قيمة العبد ، وهو قادر على أخذها به بعد هلاك العبد كما قبله ، وليس في هلاك العبد ، إلا انفساخ البيع بين البائع ، والمشتري ، وذلك لا يمنع بقاء حق الشفيع على ما بينا أنه يتمكن من أخذها من البائع وأن يضمن ذلك فسخ البيع بينه وبين المشتري وهذا ; لأن البيع مثبت [ ص: 129 ] حق الشفيع وبقاؤه ليس بشرط لبقاء حق الشفيع ، ألا ترى أنهما لو تقابلا لا يبطل به حق الشفيع ، وهذا بخلاف الاستحقاق ، فإنه يتبين به أن أصل البيع لم يكن صحيحا ، وأن حقه لم يثبت ، وكذلك إذا تبين فساد البيع من أصله
فأما هاهنا بهلاك العبد لا يتبين أن حق الشفيع لم يكن ثابتا ، ولا يتعذر عليه الأخذ بما هو البدل في حقه ، وكذلك إن أبطل البائع البيع بعيب وجده بالعبد وإن لم يكن شيء من ذلك وأخذ الشفيع الدار من البائع أخذها بقيمة العبد ، والعبد لصاحبه لا سبيل للبائع عليه ; لأن العقد قد انفسخ بين البائع ، والمشتري بأخذ الشفيع من يد البائع فيبقى العبد على ملكه ; لأن خروجه عن ملكه كان بحكم البيع ; ولأن بدل الدار وهو قيمة العبد قد سلم للبائع من جهة الشفيع ، فلا يبطل حقه في بدل آخر ، فإنه لا يستوجب بدلين عن ملك واحد ، وإن أخذها من المشتري بقيمة العبد بقضاء ، أو بغير قضاء ، ثم مات العبد قبل القبض أو دخله عيب ، فإن القيمة للبائع وعلى قول زفر إن كان أخذها بقضاء القاضي ، فالدار ترد على البائع وقيمة العبد على الشفيع ، وإن كان أخذها بغير قضاء فعلى المشتري قيمة الدار للبائع ; لأن بموت العبد قبل القبض انفسخ العقد بين البائع ، والمشتري فبقيت الدار في يد المشتري بحكم عقد فاسد ، وقد تعذر عليه رد عينها حين أخرجها من ملكه باختياره فيلزمه قيمتها ، كالمشتراة شراء فاسدا ، ولكنا نقول لما مات العبد قبل القبض وجب على المشتري رد الدار على البائع ، وقد تعذر ردها فيجب رد مثلها ، ومثلها بحكم العقد قيمة العبد يوضحه : أن حق البائع بالعقد كان في العبد ، أو في قيمته بدليل أن الشفيع يأخذها من البائع بقيمته ، وقد قدر المشتري على تسليم القيمة التي هي حقه عند أخذ الشفيع ، فلا يلزمه شيء آخر وهذا ; لأن دفع الضرر عن المشتري واجب وربما تكون الدار قيمتها عشرة آلاف وقيمة العبد ألف ، فإن ما سلم للمشتري مقدار الألف درهم ، فإذا لزمه للبائع عشرة آلاف كان عليه في ذلك من الضرر ما لا يخفى وتسليمها بالشفعة إلى الشفيع لا يكون بمنزلة البيع منه
ألا ترى أنه فعل بدون القاضي غير ما يأمر به القاضي لو رفع الأمر إليه فكما لا يجعل بيعا مبتدأ إذا أخذ ما كان واجبا له من الشفعة بقضاء القاضي فكذلك إذا أخذ بغير قضاء ولو استحق العبد بطلت الشفعة ; لأن بالاستحقاق يتبين بطلان البيع من الأصل ويأخذ البائع الدار من الشفيع إن كان المشتري دفعها إليه بقضاء قاض ، وإن كان دفعها بغير قضاء فقضاء قاض بقيمة العبد وسماها وقبضها الشفيع ، فهذا بمنزلة البيع فيما بينهما ، وهي جائزة للشفيع بتلك القيمة ; لأن بدل المستحق يملك بالقبض ، وتصرف المشتري [ ص: 130 ] فيه باعتبار ملكه نافذ ، وقد بينا أن في الموضع الذي لا تكون الشفعة واجبة يجعل التسليم بغير قضاء بمنزلة المبيع المبتدإ بخلاف ما تقدم ، فقد كانت الشفعة هناك واجبة حين أخذها الشفيع ; فلهذا جعلنا القضاء وغير القضاء هناك سواء وفرقنا بينهما هنا ، ثم على المشتري للبائع قيمة الدار ; لأنه لما استحق العبد وجب عليه رد ما قبض من الدار ، وقد تعذر ردها بإخراجه إياها عن ملكه باختياره فيلزمه قيمتها ، وكذلك لو كان المشتري باع الدار ووهبها وقبضها الموهوب له أو تزوج عليها ، ثم استحق العبد ضمن قيمة الدار ; لأنه كان مالكا للدار حين التصرف فنفذ تصرفه ، ثم لزمه رد عينها حين استحق العبد ، وقد تعذر عليه ذلك فيلزمه رد قيمتها .
وإذا اشترى دارا بعرض بعينه وتقابضا فاختلف الشفيع ، والمشتري في قيمة العرض ، فإن كان قائما بعينه يقوم في الحال فيتبين بقيمته في الحال قيمته عند العقد وإن كان هالكا ، فالقول فيها قول المشتري ; لأنهما اختلفا في مقدار ما يلزم الشفيع من الثمن ، وإن أقاما البينة فعلى طريقة أبي يوسف عن أبي حنيفة البينة بينة الشفيع ; لأنها ملزمة وبينة المشتري غير ملزمة وعلى قياس طريقة محمد عن أبي حنيفة البينة بينة المشتري في هذه المسألة ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ; لأن ما صدر من المشتري ههنا إقراران ، وهذا نظير ما إذا اختلفا في قيمة البناء الذي أحرقه المشتري ، وإن اشتراها بشيء مما يكال أو يوزن أخذها الشفيع بمثله من جنسه ; لأن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الأول ، وللمكيل ، والموزون مثل من جنسه كما في ضمان الإتلاف .
إن اشترى دارا بعبد ، ثم وجد بالعبد عيبا فرده أخذها الشفيع بقيمة العبد صحيحا ; لأن العبد دخل في العقد بصفة السلامة ، وإنما يقوم في حق الشفيع على الوجه الذي صار مستحقا بالعقد ولو اشترى عبدا بدار فهذا وشراء الدار بالعبد سواء ; لأن كل واحد منهما معقود عليه ، فلا فرق بين أن يضيف العقد إلى العبد ، أو إلى الدار .
وإذا اشترى بناء دار على أن يعلقه ، فلا شفعة فيه من قبل أنه لم يشتر معه الأرض ، والبناء بدون الأرض منقولا ، ولا يستحق المنقول بالشفعة وهذا ; لأن حق الشفيع يثبت لدفع الضرر البادي بسوء المجاورة على الدوام ، وذلك لا يتحقق في شراء البناء بدون الأرض ، فإن اتصال أحد الملكين بالآخر لا يكون اتصال تأييد وقرار ، والدليل عليه أنه إنما يستحق بالشفعة ما يستحق به الشفعة وبملك البناء بدون الأرض لا يستحق بالشفعة ، فأما من له بناء على أرض موقوفة إذا بيعت دار بحبسه لا يستحق الشفعة فكذلك لا يستحق البناء بالشفعة ، إلا تبعا للأرض ، وكذلك لو اشترى نصيب البائع من البناء ، وهو النصف ، فلا شفعة في هذا [ ص: 131 ] والبيع فيه فاسد ; لأنه يريد أن ينقضه ، والشريك يتضرر به ، فإن قسمته لا تتأتى ما لم ينقض الكل ، وفيه من الضرر على الشريك ما لا يخفى ، وكذلك لو كان البناء كله لإنسان فباع نصفه ; لأنه لا يقدر على التسليم ، إلا بضرر يلحقه فيما ليس بمبيع ، وذلك مفسد للبيع كما لو باع جذعا في سقف .
وإذا أراد أن يشتري دارا بخادم فخاف عليها الشفيع وقيمة الخادم ألف درهم فباع الخادم بألفين من رب الدار ، ثم اشترى الدار بالألفين لم يأخذها الشفيع ، إلا بالألفين ; لأن المشتري يملك الدار بألفين فبذلك يأخذها الشفيع إن شاء ( وهذا نوع حيلة ) لتقليل رغبة الشفيع في الأخذ لسبب كثرة الثمن ، ومن ذلك أن يشتري الدار بألفين ، ثم يعطيه بها خمسين دينارا ، أو يعطيه ألف درهم وثوبا لا يساوي الألف ، فلا يتمكن الشفيع من أخذها ، إلا بألفين وقل ما يرغب في ذلك إذا كان ثمنها ألف درهم . ومن هذا النوع يحتال لتقليل رغبة الجار بأن يباع عشر الدار أولا بتسعة أعشار الثمن ، ثم تسعة أعشارها بعشر الثمن ، فلا يرغب الجار في أخذ العشر لكثرة الثمن ، ولا حق له فيما بقي ; لأن المشتري صار شريكا ، والشريك مقدم على الجار ، ومن الحيلة لإبطال حقه أن يتصدق البائع بقطعة من الدار صغيرة وطريقها إلى باب الدار عليه فيسلمها إليه ، ثم يشتري منه بقية الدار ، فلا شفعة للجار ; لأن المشتري شريك في الطريق وهو مقدم على الجار ، أو يهب منه قدر ذراع من الجانب الذي هو متصل بملك الجار ، ثم يبيع ما بقي منه ، فلا يجب للجار شفعة ; لأن ملكه لا يلازق المبيع ، أو يوكل الشفيع ببيعها ، فإذا باعها لم يكن له فيها شفعة ، أو يبيعها بشرط الخيار ثلاثة أيام للشفيع ، فلا شفعة له قبل إسقاط الخيار وإذا سقط الخيار بطلت شفعته ، أو يبيعها بشرط أن يضمن الشفيع الدرك ، فإذا ضمن بطلت شفعته ، أو يقول : المشتري للشفيع أنا أبيعها منك بأقل من هذا الثمن ، فإذا رضي بذلك وساومه بطلت شفعته ، والاشتغال بهذه الحيل لإبطال حق الشفيع لا بأس به أما قبل وجوب الشفعة ، فلا إشكال فيه ، وكذلك بعد الوجوب إذا لم يكن قصد المشتري الإضرار به ، وإنما كان قصده الدفع عن ملك نفسه وقيل هذا قول أبي يوسف ، فأما عند محمد يكره ذلك على قياس اختلافهم في الاحتيال لإسقاط الإبراء وللمنع من وجوب الزكاة ، وقد بينا ذلك في البيوع ، والزكاة .
وإن اشترى دارا بعبد فاستحقه مستحق وأجاز الشراء كان للشفيع الشفعة ; لأن الإجازة في الانتهاء ، كالإذن في الابتداء ، ولو وجد العبد حرا ، فلا شفعة فيها ; لأن البيع كان باطلا ، والحر ليس بمال متقوم ، والبيع بمبادلة مال بمال فانعدام المالية في أحد البدلين يمنع .
[ ص: 132 ] انعقاد العقد .
وإذا اشترى دارا بدار ولكل واحدة منهما شفيع فلكل شفيع أن يأخذ الدار بقيمة الأخرى ; لأنه لا مثل للدار من جنسها ، فيكون الواجب على كل شفيع بمقابلة ما يأخذ قيمة الدار الأخرى ، فإن كان أحد الرجلين شفيعا أيضا ، يعني : أحد المشتريين أخذ الشفيع نصف الدار بنصف القيمة ; لأن إقدامه على الشراء لا يسقط شفعته ، بل ذلك منه بمنزلة الأخذ بالشفعة ، فلا يكون للشفيع الآخر أن يأخذ منه ، إلا مقدار حصته .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|