
17-12-2025, 09:51 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,891
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع عشر
صـــ 62الى صـــ 71
(296)
وإن وكله أن يشتري له فلوسا بدرهم فاشتراها ، وقبضها فكسدت قبل أن يسلمها إلى الآمر ، فهي للآمر ; لأنه بقبض الوكيل صار قابضا ، فإن الوكيل في القبض عامل له ، وبالقبض ينتهي حكم العقد فيه ، فالكساد بعده لا يؤثر فيه ، ولو كسدت قبل أن يقبضها الوكيل كان الوكيل بالخيار إن شاء أخذها ، وإن شاء ردها ، وقد ذكر قبل هذا أن العقد يفسد بكساد الفلوس قبل القبض - استحسانا - فقبل التفريع المذكور هنا على جواب القياس ، وقيل مراده من قوله هناك : إن العقد يفسد ، أنه : لا يجبر على قبض الفلوس الكاسدة ، فأما إذا اختار الأخذ فله ذلك كما فسره هنا فقال : الوكيل بالخيار ، فإذا أخذها فهي لازمة له دون الآمر ، إلا أن يشاء الآمر من قبل أنها ليست بفلوس حتى كسدت ، إنما هي الآن صفر ، معناه : ليست بفلوس رائجة هي ثمن ، وذلك مقصود الآمر .
وإن وكله أن يشتري له عبدا بعينه فاشتراه ، ثم وجد به عيبا قبل أن يقبضه الوكيل ، فللوكيل أن يرده ; لأن الرد بالعيب من حقوق العقد ، والوكيل فيه كالعاقد لنفسه فما دامت العين في يده فهو متمكن من ردها بدون استطلاع رأي الموكل ، فإن أخذه ورضيه ، وكان العيب غير مستهلك له فهو لازم للآمر ، وإن كان العيب فاحشا يستهلك العبد فيه ، لزم الوكيل دون الآمر استحسن ذلك إلا أن يشاء الآمر ، وذكر في السير الكبير أن على قول أبي حنيفة : رضي الله عنه العيب اليسير ، والفاحش فيه سواء ، وهو لازم للآمر إن اشتراه بمثل قيمته ; لأن أخذه مع العلم بالعيب كشرائه ابتداء مع العلم بالعيب ، ومن أصل أبي حنيفة رضي الله عنه أن العيب المستهلك لا يمنع الوكيل من الشراء للآمر بمثل قيمته ، فكذلك لا يمنعه من القبض ، والرضا به عند الأخذ ، ومن أصلهما أن ذلك يمنع شراءه للآمر ابتداء ; لأن الموكل لم يقصد ذلك ، وهو معلوم عرفا فكذلك رضاه عند الأخذ ، وهذه مسألة كتاب الوكالة ، وقد بينا هناك ، ولئن كانت المسألة في قولهم كما أطلق في الكتاب ، فوجهه : أن الرضا بالعيب اليسير [ ص: 63 ] من الوكيل بالشراء ، ملزم للآمر بخلاف العيب الفاحش ، فكذلك الرضا بالعيب اليسير يكون ملزما للآمر بخلاف الرضا بالعيب الفاحش ، إلا أن يشاء الآمر ، وإن لم يجد بالعبد عيبا ، ولكنه قتل عند البائع ، فالوكيل بالخيار إن شاء فسخ البيع ، وإن شاء أجازه ، كما لو اشتراه لنفسه ، وهذا ; لأن المبيع تحول من جنس إلى جنس ، وتأثير ذلك في إثبات الخيار فوق تأثير العيب ، فإن أجازه كانت القيمة له دون الآمر ; لأن مقصود الآمر تحصيل العبد له ، ولا يحصل ذلك بالقيمة فرضا الوكيل ، بها لا يلزم الآمر إلا أن يشاء أخذ ذلك فيكون أحق به من المشتري لأنها بدل ملكه فالملك في العبد بالشراء ، وقع له فإذا رضي أن يأخذه فهو أحق به .
وإذا وكله بطوق ذهب يبيعه فباعه ، ونقد الثمن ، وقبض الطوق ، ثم قال المشتري ، وجدته صغيرا مموها بالذهب ، فأقر به الوكيل ، لزم الوكيل ; لأن المشتري غير مقبول القول فيما يدعي من غير حجة ، فإنه قبض عين ما يتناوله العقد ، ثم ادعى بعد ذلك فساد العقد لسبب لا يعرف في مثله لا يقبل قوله إلا بحجة ، وإقرار الوكيل حجة في حقه دون الآمر ، غير أن له أن يستحلف الآمر ; لأن الآمر لو أقر بذلك لزمه ، فإذا أنكر كان له أن يحلفه عليه ، وإن أنكر الوكيل فرده عليه القاضي بالبينة لزم الآمر ; لأن البينة حجة في حق الآمر ، وكذلك إن رد عليه بإباء اليمين عندنا خلافا لزفر فإنه يجعل إباء الوكيل اليمين كإقراره بذلك ، ولكنا نقول : الوكيل مضطر في هذا ; لأنه لا يمكنه أن يحلف كاذبا ، وهذه الضرورة له يعمل بها للموكل ، وكان له أن يرجع به عليه ، فإن وكله أن يشتري له به طوق ذهب بعينه فيه مائة دينار فاشتراه بألف درهم ونقد الثمن ، ولم يقبض الطوق حتى كسره رجل قبل أن يتفرقا ، فإجبار الوكيل تضمين الكاسر قيمته مصوغا من الفضة ; جاز ذلك على الوكيل ; لأن المعقود عليه فات ، واختلف بدلا ، والوكيل في اختيار قبض البدل كالعاقد لنفسه في حقه ، ولا يجوز ذلك على الآمر ; لأن المقصود للآمر تحصيل الطوق له ، ولا يحصل ذلك بالقيمة ، وتصرف الوكيل على الآمر إنما ينفذ فيما يرجع إلى تحصيل مقصوده ، قال : ويبرأ منه بائع الطوق ; لأنه حقه تعين في ضمان القيمة في ذمة الكاسر ، فإذا أخذ الوكيل الضمان من الكاسر يصدق بالفضل إن كان فيه ; لأنه غرم في الثمن حسن ما عاد إليه ، فيظهر الربح ، وهو ربح حصل لا على ضمانه فيلزمه التصدق به .
وأكره للمسلم توكيل الذمي أو الحربي ، بأن يصرف له دراهم ، أو دنانير ، وأجيزه إن فعل ; لأن مباشرة هذا العقد منه تصح لنفسه فكذلك لغيره بأمره ، ولكنه لا يتحرز [ ص: 64 ] عن الحرام ، إما لاستحلاله ذلك ، أو لجهله به ، أو قصده إلى توكيل المسلم حراما ; فلهذا أكره له ذلك .
وإذا وكله أن يصرف له الدراهم فصرفها مع عبد الموكل ، والوكيل يعلم ، أو لا يعلم ، فلا ضمان على الوكيل سواء كان على العبد دين ، أو لم يكن ; لأنه مال الموكل ، صرف بعضه في بعض ، ولا يكون الوكيل بتصرفه مفوتا على الموكل شيئا .
وإذا وكله بألف درهم يصرفها له ، فباعها بدنانير ، وحط عنه ما لا يتغابن في مثله ، لم يجز على الآمر ; لأنه في معنى الوكيل بالشراء ، وكل واحد من المتصارفين في العوض الذي من جهة صاحبه مشتر ، ولأن تصرف الوكيل بالشراء بالمعين إنما لا ينفذ على الموكل للتهمة ، فإنه من الجائز أنه عقد لنفسه ، فلما علم بالعين أراد أن يلزم ذلك الموكل ، وهذا المعنى موجود هنا ، فإن الوكيل يملك عقد الصرف لنفسه ، وإن صرفها بسعرها عند مفاوض للوكيل ، أو شريك له في الصرف ، أو مضارب له من المضاربة لم يجز ; لكونه متهما في ذلك ، كما لو صرفها مع نفسه ، فإن من يحصل بتصرف من عامله يكون مشتركا بينهما ، وإن صرفها عند تفاوض الآمر لم يجز ، كما لو صرفها الآمر بنفسه ، وهذا ; لأنه لا فائدة في هذا العقد فما يقبض ، ويعطي يكون مشتركا بينهما ، وإن صرفها عند شريك الآمر في الصرف غير مفاوض فهو جائز ، وكذلك مضاربه ; لأن الآمر لو فعل ذلك بنفسه جاز ; لكونه مفيدا ، وهو أنه يدخل به في الشركة ، والمضاربة ما لم يكن فيه ، ويخرج به منه ما كان فيه ، فكذلك الوكيل إذا فعل ذلك .
وإذا وكله بألف درهم يصرفها له ، وهما في الكوفة ، ولم يسم له مكانا ، ففي أي ناحية من الكوفة صرفها ، فهو جائز ; لأن نواحي المصر في حكم مكان واحد ، ومقصوده أن التوكيل لا يتقيد بالسوق ; لأن المقصود سعر الكوفة ، لا سوق الكوفة ، وكذلك لو خرج بها إلى الحيرة أو إلى البصرة ، أو إلى الشام فصرفها هناك جاز ، ولا ضمان عليه ; لأن الآمر مطلق ، ولا يتقيد بمكان إلا بدليل يفيده به ، وفيما لا حمل له ، ولا مؤنة ، ولا يوجد دليل المقيد ; لأن ماليته لا تختلف باختلاف الأمكنة ، ففي أي مكان صرفها له كان ممتثلا أمره .
ولو وكله ببيع عبد له ، أو عرض له حمل ومؤنة فاستأجر ، وخرج بها من الكوفة إلى مكة ، فباعها هناك ; أجزت البيع ; لأن الآمر بالبيع مطلق ، ففي أي موضع باعه فهو ممتثل ، ولا ألزم الآمر من الآخر شيئا ; لأنه لم يأمر بالاستئجار ، فهو متبرع فيما التزم من ذلك ، وقال في رواية أبي حفص : أجزت البيع إذا باعه بمثل ثمنه في الموضع الذي أمره ببيعه فيه ، وهذا مستقيم على أصل أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - ; لأن عندهما التوكيل بالبيع مطلقا ، يتقيد بالبيع بمثل القيمة ، لو باعه في ذلك الموضع ، فكذلك في موضع [ ص: 65 ] آخر ، وعند أبي حنيفة لا يتقيد بذلك إذا باعه في ذلك الموضع ، فكذلك في موضع آخر ، وأعاد هذه المسألة في كتاب الوكالة ، وقال في جوابها : لم أجز البيع ; لأنه لم يأمره بالخروج به ، اتفق على ذلك رواية أبي سليمان ، ورواية أبي حفص وهو الأصح ; لأنه لو اعتبر مطلق الأمر حتى يجوز بيعه في مكان آخر ; لكانت مؤنة النقل إلى ذلك المكان على الموكل ، كما لو أمره بالبيع في ذلك المكان ; وهذا لأن إحضار السلعة على البائع ; ليستوفي الثمن ، ويسلم المبيع ، ولا يمكن إيجاب هذه المؤنة عليه ، وربما يبلغ ذلك ثمن السلعة ، أو يزيد عليه ، فهذا دليل مقيد لمطلق الأمر بالمصر الذي يباع فيه المتاع ; فلهذا لا يجوز بيعه في مكان آخر ، بخلاف ما لا حمل له ، ولا مؤنة ، وبمثل هذا قال في الكتابين : لو ضاع ، أو سرق قبل أن يبيعه فهو ضامن له ، وبهذا تبين أنه : لا يكون مأذونا من جهته في الإخراج إلى ذلك الموضع ، وكذلك لو خرج به ، ولم يتفق له بيعه ، كانت مؤنة الرد عليه دون الآمر ، فعرفنا أنه كالغاصب في غير ذلك الموضع .
وإن دفع إليه دراهم يشتري بها ثوبا سماه ، ولم يسم له المكان فاشتراه بغير الكوفة ; كان جائزا ; إذا لم يكن له حمل ، ولا مؤنة ; لأن الأمر بالشراء وجد طلقا .
فإن وكله بألف درهم يصرفها له ، ثم إن الموكل صرف تلك الألف فجاء الوكيل إلى بيت الموكل ، فأخذ ألفا غيرها فصرفها ، فهو جائز ; لأن التوكيل إنما حصل بالصرف بدراهم في الذمة ; إذ النقود لا تتعين في العقود ، ألا ترى أنه لو صرف تلك الدراهم كان للموكل أن يمنعها ، ويعطي غيرها ، فصرف الموكل تلك الألف بنفسه ، لا يكون تصرفا منه ، فيما تتناوله الوكالة ، فلا يوجب عزل الوكيل ، وكذلك لو كانت الأولى باقية ، وأخذ الوكيل غيرها فصرفها ; لأن الصرف انعقد بدراهم في ذمته سواء أضافه إلى تلك الألف ، أو غيرها فيكون ممتثلا أمره في ذلك ، وكذلك الدنانير ، والفلوس ، فإن قيل : أليس أن تلك الألف لو هلكت بعد التسليم إلى الوكيل ، قبل أن يصرفها بطلت الوكالة ؟ ولو لم تتعلق الوكالة بها لما بطلت الوكالة بهلاكها ، قلنا : الوكالة لا تتعلق بعينها حتى لو صرفها ، ثم هلكت قبل التسليم ، كان له أن يطالب الموكل بألف أخرى ، فأما إذا هلكت قبل أن يصرفها ، إنما بطلت الوكالة لمعنى دفع الضرر عن الموكل فربما يشق عليه أداء ألف أخرى بعد هلاك تلك الألف ، ولا ضرر على الوكيل في إبطال الوكالة ; إذا هلكت قبل أن يصرفها ، وهذا لا يوجد إذا كانت قائمة في يد الموكل ، أو صارف بها ; لأنه لا ضرر عليه في إبقاء الوكالة على الوجه الذي انعقدت في الابتداء ، وهو الصرف بدراهم في الذمة ، ولو أمره ببيع فضة بعينها ، أو ذهب بعينه ، أو عرض من عروض ، فباع غيره ، لم يجز له ; لأن [ ص: 66 ] الوكالة تعلقت بتلك العين ، فإنها أضيفت إليه بعينه ، وهو مما يتعين بالتعيين في العقد .
وإذا وكله بألف درهم يصرفها له بدنانير فصرفها الوكيل بدنانير كوفية ، فهو جائز في قول أبي حنيفة ; لأن وزن الكوفية كوفية ، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - : أما اليوم فإن صرفها بكوفية مقطعة لم يجز ; لأن وزن الكوفية اليوم على الشامية الثقال ، وإنما جاز قبل اليوم ، فإن صرفها بكوفية مقطعة لم يجز ; لأن وزن الكوفية كان على الكوفية المقطعة النقص ، وهذا اختلاف عصرنا ، فأبو حنيفة أفتى بما كانت عليه المعاملة في عصره ، وهما كذلك ، والحاصل أنه : يعتبر في كل مكان وزمان ما هو المتعارف ; لأنه يعلم أن مقصود الموكل ذلك بغالب الرأي .
ولو قال اشتر لي بهذه الدنانير غلة ، ولم يسم له غلة الكوفة ، أو بغداد فاشترى له غلة الكوفة جاز ، وإن اشترى له غير ذلك من غلة البصرة ، أو بغداد أو دراهم غير الغلة ، لا يجوز إلا أن يكون مثل غلة الكوفة ; لأن الوكيل إنما يصير ممتثلا إذا حصل مقصود الموكل ، ومقصوده غلة الكوفة ، فإن كان ما اشترى مثل غلة الكوفة فقد حصل مقصوده .
وإن قال له : بع هذه الألف درهم بدنانير شامية فباعها بالكوفية ، فإن كانت الكوفية غير مقطعة ، وكان وزنها شامية فهو جائز على الآمر ; لحصول مقصوده قال : وليس الدنانير في هذا كالدراهم فإن مقصوده من شراء الغلة الإنفاق في حوائجه ، وإنما يحصل ذلك بغلة الكوفة ، أو مثلها ، ومقصوده من الدنانير الربح ، وذلك يختلف باختلاف الوزن فإن كان وزن الكوفية مثل وزن الشامية ; فقد حصل مقصوده ، ولو قال : بعها بدنانير عتق فباعها بالشامية ، لا يجوز على الآمر ; لأن المقصود لا يحصل بهذا لما للعتق من الصرف على الشامية ، والله تعالى أعلم .
باب العيب في الصرف قال - رحمه الله - : وإذا اشترى سيفا محلى بدراهم أكثر مما فيه ، وتقابضا ، وتفرقا ، ثم وجد بالسيف عيبا في نصله ، أو جفنه ، أو حمائله ، أو حليته ، فله أن يرده لفوات وصف السلامة المستحقة له بمطلق العقد ، فإن رده ، وقبله منه صاحبه بغير قضاء قاض ، فلا ينبغي له أن يفارقه حتى يقبض الثمن ; لأن الرد بعد القبض بغير قضاء قاض كالإقالة ، من حيث إنه يعتمد التراضي ، والإقالة في الصرف بمنزلة البيع الجديد ، في وجوب التقابض به في المجلس ; لأن الإقالة : فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في غيرهما ، فكان بمنزلة البيع الجديد في حق الشرع ، واستحقاق [ ص: 67 ] القبض في الصرف من حق الشرع ، فإذا فارقه قبل التقابض انتقض الرد في حصة الحلية ; لأنه صرف ، وفيما وراء ذلك ; لأن في تمييز البعض من البعض ضررا ، وله أن يرده عليه بالعيب ، كما له ذلك قبل الرد ; لأن ما كان منه ليس بدليل الرضا بالعيب ، ولو رده بقضاء قاض ، لم يضره أن يفارقه قبل قبض الثمن ; لأن الرد بالقضاء فسخ من الأصل ، فإن للقاضي ولاية الفسخ بسبب العيب ، وليس له ولاية العقد المبتدأ ، فهو بمنزلة الرد بخيار الرؤية ، ولا يضره أن يفارقه قبل قبض الثمن ، ألا ترى : أن البائع لو كان اشتراه من غيره ; كان له أن يرده على بائعه في هذا الفصل دون الأول ، قال : وله أن يؤاجره بالثمن ; لأنه دين له في ذمته بسبب القبض ، فإن عقد الصرف قد انفسخ ، والتأجيل صحيح في مثله كبدل الغصب ، والمستهلك بخلاف بدل القرض ، فإنه في حكم العين ، فإن كان حلي ذهب فيه جوهر مفضض فوجد بالجوهر عيبا ، فإن أراد أن يرده دون الحلي ، لم يكن له ذلك إلا أن يرده كله ، أو يأخذه كله ; لأن الكل كشيء واحد لما في تمييز البعض من البعض من الضرر ; ولأن الانتفاع بالبعض متصل بالبعض ، فهو نظير ما لو اشترى زوج خف فوجد بإحداهما عيبا ، ، وهناك ليس له إلا أن يردهما ، أو يمسكهما ، وكذلك لو اشترى خاتم فضة ، فيه فص ياقوت فوجد بالفص ، أو الفضة عيبا .
ولو اشترى إبريق فضة فيه ألف درهم بألف درهم ، أو بمائة دينار ، وتقابضا ، وتفرقا ، ثم وجدت الدراهم رصاصا ، أو ستوقة . فردها عليه ، كان له أن يفارقه قبل قبض الثمن ، وقبل استرداد الإبريق ; لأن العقد قد انتقض من الأصل ، حين تبين افتراقهما قبل قبض أحد البدلين ، فإن الستوقة ، والرصاص ليسا من جنس الدراهم ، وكذلك الزيوف في قول أبي حنيفة ; لأن عنده إذا رد الكبير بعيب الزيافة ينتقض القبض فيه من الأصل ، ، وقد بينا ذلك في السلم ، وعندهما في الزيوف يستبدله قبل أن يتفرقا من مجلس الرد .
وذكر عن المسور بن مخرمة قال : وجدت في المغنم يوم القادسية طشتا لا أدري أشبة هي ، أو ذهب فابتعتها بألف درهم ، فأعطاني بها تجار الحيرة ألفي درهم ، فدعاني سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال : لا تلمني ، ورد الطشت ، فقلت : لو كان سهاما قبلتها مني ، فقال : إني أخاف أن يسمع عمر رضي الله عنه أني بعتك طشتا بألف درهم فأعطيت بها ألفي درهم فيرى أني قد صانعتك فيها ، قال : فأخذها مني فأتيت عمر رضي الله عنه فذكرت له فرفع يديه ، وقال : الحمد لله الذي جعل رعيتي تخافني في آفاق الأرض ، وما زادني على هذا ، وفيه دليل أن : لصاحب الجيش ولاية بيع المغانم ، وأنه ليس له أن يبيع بغبن فاحش ، وأن تصرفه فيه [ ص: 68 ] كتصرف الأب ، والوصي في مال الصغير ، ولهذا استرده سعد رضي الله عنه لما ظهر أنه باع بغبن فاحش ، وفيه دليل على ، أن الإمام إذا بلغه عن عامله ما رضي به من عدل ، أو هيبة فعله ، فإنه ينبغي له أن يشكر الله - تعالى - على ذلك ، فإن ذلك نعمة له من الله - تعالى - وكان عمر رضي الله عنه بهذه الصفة : تهابه عماله في آفاق الأرض ، وذلك لحسن سريرته على ما جاء في الحديث ، { من خاف الله خاف منه كل شيء } .
وإذا اشترى الرجل طشتا أو إناء لا يدري ما هو ، ولم يشترط له صاحبه شيئا ; فهو جائز ; لأن العقد تناول العين ، والمشار إليه : معلوم العين مقدور التسليم ، فيجوز بيعه ، ودل على صحة هذا حديث المسور بن مخرمة
وإذا اشترى إناء فضة فإذا هو غير فضة ، فلا بيع بينهما ; لأن المشار إليه ليس من جنس المسمى ، والعقد إنما يتعلق بالمسمى ; لأن انعقاده بالتسمية ، والمسمى معدوم ، فلا بيع بينهم ، ولو كانت فضة سوداء ، أو حمراء فيها رصاص ، أو صفر ، وهو الذي أفسدها فهو بالخيار ، إن شاء أخذها ، وإن شاء ردها ; لأن المشار إليه ليس من جنس المسمى ، فإن مثله يسمى إناء فضة في الناس ، إلا أنه معيب لما فيه من الغش ، فيجوز العقد على المشار إليه بالتسمية ، ويتخير المشتري للعيب ، وإن كانت رديئة من غير غش فيها ; لم يكن له أن يردها ; لأن الرداءة ليست بعيب ، فالعيب ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ، وصفة الرداءة بأصل الخلقة ، ألا ترى أن بالرداءة تنعدم صفة الجودة ، وبمطلق العقد لا يستحق صفة الجودة ، وإنما تستحق السلامة .
ولو اشترى سيفا محلى على أن فيه مائة درهم بمائة درهم وتقابضا ، وتفرقا ، فإذا في السيف مائتا درهم ، فإنه يرد السيف ; لفساد العقد بالفضل الخالي عن المقابلة ، وهو الجفن والحمائل .
وإن اشترى إبريق فضة بألف درهم على أن فيه ألف درهم وتقابضا ، وتفرقا ، فإذا فيه ألفا درهم كان الخيار للمشتري ، إن شاء قبض نصفه بألف درهم ; لأنه إنما يكون مشتريا مقدار ما سمي منه ، وقد تبين أن ذلك نصف الإبريق ، ولا يمكن أن يجعل مشتريا للكل بألف درهم ; لأنه ربا ، ولا بألفين ; لأنه ما التزم إلا ألف درهم ، فجعلناه مشتريا نصفه بالألف ، وأثبتنا له الخيار ; لتبعيض الملك عليه فيما يضره التبعيض ، بخلاف السيف ، فهناك لا يمكن تصحيح العقد في نصف الحلية مع السيف ; لأنه لو صرح بذلك لم يجز العقد ; لأن الحلية صفة ، لا يجوز بيع بعضها دون البعض بخلاف الإبريق ، ولو كان اشترى الإبريق بمائة دينار كان جائزا له كله بالدنانير ; لأن الربا ينعدم عند اختلاف الجنس ، والإبريق مما يضره التبعيض فيكون الوزن فيه صفة فإنما يتعلق العقد بعينه ; إذا أمكن دون الوزن المذكور .
وإن اشترى [ ص: 69 ] نقرة فضة بمائة درهم على أن فيها مائة درهم ، وتقابضا ، فإذا فيها مائتا درهم ، كان للمشتري نصفها ، لا خيار له فيها ، وكذلك لو اشتراها بعشرة دنانير ; لأن النقرة لا يضرها التبعيض ، فالوزن فيها يكون قدرا لا صفة ، فإنما ينعقد العقد على القدر المسمى من وزنها بخلاف الإبريق ، فإنه يضر التبعيض فالوزن يكون صفة فيه ، ألا ترى أن باختلاف الوزن تختلف صفته فيكون أثقل تارة ، وأخف تارة ، ولا يتبدل اسم العين ، وهو الإبريق ، فكان ذلك كالذرع في الثوب ، يكون صفة ، والبيع يتعلق بالعين دون الذرعان المذكورة ، ، وعن أبي رافع قال : خرجت بخلخال فضة لامرأتي أبيعه فلقيني أبو بكر رضي الله عنه ، فاشتراه مني فوضعته في كفة الميزان ، ووضع أبو بكر رضي الله عنه دراهمه في كفة الميزان ، وكان الخلخال أثقل منها قليلا ، فدعا بمقراض ليقطعه ، فقلت : يا خليفة رسول الله هو لك ، فقال : يا أبا رافع ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الذهب بالذهب ، وزنا بوزن ، والزائد ، والمستزيد في النار ، } ، وفيه دليل تحريم الفضل عند اتحاد الجنس ، وأن القليل من الفضل والكثير فيما يضره التبعيض ، أو لا يضره سواء ، ، وفيه دليل أن مبادلة الفضة بالفضة الكفة بالكفة تجوز ، وإن لم يعلم مقدارهما ; لوجود المساواة في الوزن ، وإذا اشترى الرجل عشرة دراهم فضة بعشرة دراهم ، فزادت عليها دانقا فوهبه له هبة ، ولم يدخله في البيع ، فهو جائز ; لأن المحرم الفضل الخالي عن المقابلة ; إذا كان مستحقا بالبيع ، وهذا مستحق بعقد التبرع ، وهو غير مشروط في البيع ، ولا يؤثر في البيع ، فإن قيل : فلماذا لم يقبله أبو بكر رضي الله عنه ؟ قلنا : كأنه احتاط في ذلك أو علم أن أبا رافع رضي الله عنه كان وكيلا في بيع الخلخال ، والوكيل بالبيع لا يملك الهبة .
وإن كان السيف المحلى بين رجلين ، فباع أحدهما نصيبه ، وهو النصف بدينار من شريكه ، أو غيره ، وتقابضا فهو جائز ; لأن عقد البيع على خالص ملكه ، وإن كان باعه من شريكه ، ونقده الدينار ، والسيف في البيت ثم افترقا قبل أن يقبض السيف انتقض البيع ; لأن البيع في حصة الحلية صرف وقد افترقا قبل التقابض ; لأن حصة البائع ما كان في يد المشتري ، فلا يصير قابضا له بالشراء ما لم يسلمها إليه .
ولا بأس ببيع الفضة جزافا بالذهب ، أو بالفلوس ، أو بالعروض ; لانعدام الربا بسبب اختلاف الجنس .
وإذا اشترى سيفا محلى فضته خمسون درهما بمائة درهم ، وقبض السيف ونقده من الثمن خمسين درهما ثم افترقا ، فالبيع جائز ; لأن المنقود ثمن الفضة خاصة ، فإن قبض حصة الحلية في المجلس مستحق ، وقبض حصة الجفن غير مستحق ، والمعاوضة لا تقع بين المستحق وغير المستحق ، بل يجعل النقود ثمن المستحق خاصة ، فالافتراق [ ص: 70 ] وجد بعد التقابض في المجلس في حصة الصرف ، وكذلك لو أجله في الخمسين الباقية إلى شهر ; لأنه ثمن مبيع لو أبرأه عنه جاز ، فكذلك إذا أجله فيه ، وكذلك لو كان الثمن عشرة دنانير ، فنقد منها حصة الحلية ، وصالحه من الباقي على دراهم ، أو على ثوب وتقابضا ، فهو جائز ; لأن الباقي ثمن المبيع ، والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز ، والله أعلم .
باب الصلح في الصرف قال - رحمه الله - : رجل اشترى عبدا بمائة دينار ، وتقابضا ، وتفرقا ، ثم وجد بالعبد عيبا فأقر البائع به ، أو أنكره ، ثم صالحه على دينار ، وتفرقا قبل القبض ، فالصلح جائز ; لأن ما وقع عليه الصلح حصة الجزء الفائت بالعيب ، وإنما استرده ; لفساد العقد فيه بفوات ما يقابله ، والقبض في المجلس ليس بشرط في مثله ، وإن كان الدينار أكثر من قيمة العيب ، أو أقل فهو فاسد ; لأنهما قدرا حصة العيب به ، وإليهما ذلك التقدير ، كما كان التقدير في أصل بدل العبد إليهما ; ولأنه لما صالحه على دينار فكان بائع العبد حط من ثمن العبد الدينار ، فإن الفائت بالعيب وصف والثمن لا يقابل الوصف ، والحط تارة يكون بسبب العيب ، وتارة يكون لا بسبب العيب يثبت على سبيل الالتحاق بأصل العقد ، ويلزمه رد قدر المحطوط دينا في ذمته ، ولا يضرهما ترك القبض فيه في المجلس ، ويصح التأجيل فيه إن أجله ، ولو صالحه على دراهم مسماة ، وقبضها قبل أن يتفرقا جاز وإن افترقا قبل القبض ، انتقض الصلح ، أما على الطريق الأول فما وقع عليه الصلح من الدراهم ، يكون بدلا عن حصة العيب ، وذلك من الدنانير ومبادلة الدراهم بالدنانير يكون صرفا ، وعلى الطريق الثاني إنما يصح بطريق الحط ، والحط من الثمن ، وهو الدنانير ، فالدراهم بدل عنه ، ثم ما وقع عنه الصلح كان دينا ، فإذا لم يقبض بدله حتى افترقا ، كان دينا بدين ، فإذا بطل الصلح استقبل الخصومة في العيب ، كما كان عليه قبل الصلح ; لأن الصلح مع الإنكار لا يتضمن الإقرار بالعيب ، وكذلك إن ضرب للدراهم أجلا ، ثم فارقه قبل أن يقبضها ، أو اشترطا في الصلح خيارا ، ثم افترقا قبل أن يبطل صاحب الخيار خياره .
وإذا ادعى على رجل مائة درهم فأنكره ، أو أقر به ، ثم صالحه منها على عشرة دراهم حالة ، أو إلى أجل أو بشرط خيار ، ثم افترقا ، فالصلح جائز ; لأن صحة هذا العقد بطريق الإبراء دون المبادلة ، فيكون في الإبراء محسنا من وجهين بترك ما زاد على العشرة ، وبالتأجيل في العشرة ، وإن صالحه على خمسة دنانير ، ثم افترقا قبل أن [ ص: 71 ] يقبضها انتقض الصلح ; لأن صحة هذا الصلح باعتبار المبادلة ; لأن ما وقع عليه الصلح ليس من جنس الدين ، ومبادلة الدراهم بالدنانير صحيحة بشرط القبض في المجلس ، فيبطل بالافتراق قبل القبض ، وكذلك إن كانت إلى أجل ، أو فيها شرط خيار ، وافترقا على ذلك فهو فاسد ; لأن العقد صرف أما عند إقرار المدعى عليه ، فلا إشكال ، وكذلك عند جحوده ; لأن صحة الصلح مع الإنكار بناء على زعم المدعي .
وإذا ماتت المرأة ، وتركت ميراثا من رقيق ، وعروض ، وحلي ، وذهب ، وتركت أباها ، وزوجها ، وميراثها عند أبيها ، فصالح زوجها من ذلك على مائة دينار ، ولا يعلم مقدار نصيبه من الذهب ; فالصلح باطل ; لجواز أن يكون نصيبه من الذهب هذا المقدار ، أو أكثر فيبقى نصيبه من سائر الأشياء خاليا عن المقابلة ، وكذلك لو صالح على خمسمائة درهم ، ولا يعلم أن نصيبه من الفضة أكثر منها ، أو أقل ، وإن صالحه على خمسمائة درهم ، وخمسين دينارا ، وتقابضا قبل أن يفترقا جاز ; لأنه وإن كان نصيبه في كل واحد من النقدين فوق هذا المقدار فتصحيح العقد ممكن ، بأن يجعل ما أخذ من الذهب بالفضة ، وحصته من العروض ، وما أخذ من الفضة بالذهب ، وحصته من العروض ، وإن تفرقا قبل أن يقبض شيئا انتفض الصلح لوجود الافتراق ، والميراث قبل القبض في عقد الصرف ، فإن قبض الزوج الدراهم ، والدنانير ، ثم افترقا ، والميراث في منزل الأب ، انتقض من الصلح حصة الذهب ; لأن الأب بيده السابقة لا يصير قابضا ما كان حصة الزوج من الذهب ، والفضة ; لأن يده كانت يد أمانة ، والعقد فيها صرف ، فيبطل بالافتراق قبل القبض ، وفيما سوى ذلك العقد بيع ، فلا يبطل بترك قبض المعقود عليه في المجلس بقدر المجلس ، وإن قبض الأب ذلك ، وقبض الزوج بعض الدراهم ، والدنانير ، فإن كان ما قبض بقدر حصة الذهب ، والفضة فالصلح ماض لما بينا ، أن المقبوض مما كان قبضه مستحقا في المجلس ، وهو حصة الذهب ، والفضة ، وإن كان النقد أقل من ذلك بطل من الذهب ، والفضة حصة ما لم ينقد ، وجاز في حصة ما انتقض اعتبارا للبعض بالكل ، وجاز ما سوى ذلك من غير الحلي ; لأن العقد فيه بيع لا صرف .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|