
17-12-2025, 10:35 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,903
الدولة :
|
|
رد: الغزو الفكري...كيف نواجهه؟
الغزو الفكري...كيف نواجهه؟ (2)
يحيى سليمان العقيلي
معاشر المؤمنين، تحدَّثنا في خطبة سابقة عن الغزو الفكري الذي تواجهه أمَّتنا وشعوبنا في هذا العصر، وبيَّنَّا أهداف ذلك الغزو ووسائله، وحذَّرنا من خطورته على عقيدة الأمة وأمنها، ومستقبل أجيالها؛ مما يحتِّم على المسؤولين والعلماء والمصلحين، وأرباب التعليم والإعلام والتوجيه - أن يقوموا بمسؤولياتهم تُجاه وقاية الشعوب مِن مداخل هذا الغزو وأبوابه، ويُحذروا من رموزه وقنواته ومنابره، ويكفي في تصوير أثر ذلك الغزو في أمة الإسلام ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لوْ تَعلَمون ما أعلَمُ، لَبَكيْتُم كَثيرًا ولَضَحِكتُم قليلًا؛ يَظهَرُ النِّفاقُ، وتُرفَعُ الأمانةُ، وتُقبَضُ الرَّحمةُ، ويُتَّهَمُ الأمينُ، ويُؤتَمنُ غيرُ الأمينِ، أناخَ بكم الشُّرفُ والجُونُ، قالوا: وما الشُّرفُ والجُونُ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: الفِتنُ كأمثالِ اللَّيلِ المظْلِمِ"؛ (الحاكم في المستدرك).
ولكي تتم مواجهة هذا الغزو فإنه يجب بيانُ خطرِ هذا الغزو على الأمة، والتحذيرُ دومًا من مخططاته الخبيثة وكشفها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55]، فكشفُ تلك المخططات، والتحذيرُ منها واجبٌ؛ لتبقى الأمةُ على حذرٍ وتوقٍّ يؤمِّنها من الغفلة.
كما يجبُ عباد الله الأخذُ على يد دعاة الإلحاد والانحراف الفكري والأخلاقي، فليس ذلك مما يزعمونه من حرية الفكر وحوار الحضارات؛ لأنهم ما تجرَّؤوا على نشر باطلهم إلا في غياب تلك الرقابةِ الحازمةِ ضد مَن يَمس عقيدةَ الأمة وثوابتها؛ كان هارونُ الرشيد في مجلسه يستمع لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم من المحدِّث أبي معاوية الضرير، فذكر حديثَ أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ موسى لَقِيَ آدم، فقال: أنت آدمُ الذي أخرجتنا من الجنة، وذكر الحديث، فقال أحد الجلساء: أين لقي آدمُ موسى؟ فغضب الرشيد، وقال: النِّطع والسيف أي: نادَى بالجلاد ليؤدِّب هذا الرجل، ثم قال: زنديقٌ، واللهِ، يَطعن في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الراوي: فما زال أبو معاوية يسكِّنه ويقول: كانت منه بادرة، ولم يَفهَم يا أمير المؤمنين، حتى أسكَنه".
هكذا كانت غيرتُهم على الدين، وغضبُهم تجاه المشككين والملحدين، ونحن هنا لا ندعو لقطع الرقاب، لكنَّ الحزمَ مع مَن يُشكك الأمةَ في دينها وعقيدتها، مَطلوب، وحسنٌ ما فعلته الجهاتُ المعنية في بلادنا حين دُعي داعيةٌ للإلحاد لأحد الأنشطة الثقافية في غفلة من المسؤولين قبل أسابيع، وعندما نبَّه الغيورون المصلحون رعاةَ ذلك النشاط ألغوا استضافته، ومنَعوه دخول البلاد، والحمد لله.
معاشر المؤمنين، كما يجب لمواجهة ذلك الغزو الفكري، تكثيفُ جهودِ الدعاة والمصلحين والعلماء من كافة التخصصات، لتعزيز تمسُّكِ الأمةِ بدينها، وتشبُّثها بعقيدتها، والاعتزازِ بحضارتها وقِيمها، فنحن أمةٌ لا عزةَ لنا ولا رفعةَ بين الأمم إلا بديننا وعقيدتنا؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة في غيره، أذلَّنا الله".
كما أن تربيةَ الأمةِ وشبابِها على كتاب الله تعالى، هو صمامُ الأمان لوقايتهم من شرورِ ذلك الغزو؛ قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الحج: 54]، وقال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].
وأخيرًا: على المرأة والفتاة المسلمة أن تَحذَر من مكائد أعداء الأمة، وأن تَعتزَّ بدينها وشريعتها، والانتماءِ لأمَّتها، وتَحذرَ ممن لا يريدون لها خيرًا في دينها ودنياها.
وقانا الله شرَّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، وهدانا بهدي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية معاشر المؤمنين، الأسرةُ هي الحصنُ الأول، والحضن الدافئ لأبنائنا وبناتنا، فعلى الوالدين مسؤوليةٌ كبيرةٌ في تنشئة الأبناء، وتربيتهم على طاعة الله تعالى، وحبِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وغرس حبِّ الدين في قلوبهم، وفَهْم تعاليمه وفرائضه، وتشرُّب عقيدته ومبادئه؛ بحفظ كتاب الله تعالى، والنظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهدْيه وسنته، واختيار الصحبة الصالحة لهم، وتوجيههم عند استخدام الأجهزة الحديثة؛ لكيلا يقعوا فريسةً لتلك المواقع الخبيثة، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنها أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا، والخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، قالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأَحْسِبُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: والرَّجُلُ في مَالِ أبِيهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|