
17-12-2025, 05:41 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,798
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث عشر
صـــ 172الى صـــ 181
(287)
وإن قطع أجنبي يد العبد فالمشتري بالخيار فإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الثمن واتبع القاطع بنصف القيمة ; لأن جناية القاطع على ملكه والقيمة الواجبة عليه تقوم مقام الفائت فباعتبارها يبقى جميع الثمن على المشتري وهذا لأن وجوب ضمان القيمة على الجاني ليس بحكم العقد بل بسبب الجناية ، ألا ترى أنه يبقى عليه وإن فسخ المشتري العقد بالرد بخلاف ما إذا كان الجاني هو البائع فإنه لو لزمه ضمان القيمة إنما يلزمه بحكم العقد ألا ترى أنه لا يبقى بعد فسخ العقد بالرد فلا يجوز استحقاق القيمة في الذمة بحكم البيع ، فإذا أخذ من القاطع نصف القيمة تصدق بما زاد على نصف القيمة على نصف الثمن ; لأن هذا ربح حصل في ضمان غيره لا على ضمانه { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن } وعند الشافعي لا يلزمه التصدق بشيء .
وأصل الخلاف في القتل فإن العبد المبيع لو قتله أجنبي وقيمته ألفا درهم وقد اشتراه بألف درهم فاختار المشتري إمضاء العقد وأخذ القيمة من القاتل فعليه أن يتصدق بالفضل عندنا ; لأنه ربح حصل لا على ضمانه ولأن القبض له مشابهة بالعقد من حيث إنه يستفاد به ملك التصرف ومبادلة الألف بالألفين ربا فقبض الألفين بحكم العقد بمقابلة الألف يتمكن من شبهة الربا فيلزمه التصدق ، وعند الشافعي لا يلزمه ذلك ; لأن حكم الربا عنده إنما يثبت باعتبار الشرط في العقد ، فإذا لم يكن مشروطا في العقد لا يتمكن باعتباره الربا والمشتري إنما يعطي الثمن بمقابلة العبد لا بمقابلة القيمة وإنما استوفى في القيمة باعتبار أنه بدل ملكه فهو كما لو قتل بعد قبضه وإن اختار المشتري فسخ البيع فإن البائع يتبع الجاني بنصف القيمة أيضا ; لأن العقد انفسخ برد المشتري من الأصل فيبقى جناية القاطع على ملك البائع ورجع عليه بنصف القيمة ويتصدق أيضا بما زاد من نصف القيمة على نصف الثمن ; لأن أصل الجناية حصل لا على ملك البائع ، وإن كان باعتبار المال يجعل كالحاصل على ملكه وتأثير الملك في سلامة الربح أكثر من تأثير الضمان ، فإذا كان يلزمه التصدق بالربح الحاصل على ملكه دون ضمان فلأن يلزمه التصدق بالربح الحاصل لا على ملكه أولى .
ولو كان المشتري هو الذي قطع يد العبد صار قابضا لجميع العبد ; لأنه أتلف نصفه بقطع اليد وفي الإتلاف قبض وزيادة وغير ما بقي بفعله والمشتري بصنع معين للمعقود [ ص: 173 ] عليه يصير قابضا يوضحه أنه لو تخلى به كان قابضا له وبقطع يده يكون متخليا بما بقي منه وزيادة فإن هلك العبد في يد البائع من القطع أو من غيره قبل أن يمنعه البائع من المشتري فعلى المشتري جميع الثمن ; لأنه صار قابضا لجميع العبد وبالقبض يتحول المبيع إلى ضمانه ، فإذا هلك قبل أن يمنعه البائع كان هالكا في ضمان المشتري فيتقرر عليه جميع الثمن سواء هلك بسراية القطع أو بسبب آخر وإن كان البائع منعه ثم مات من القطع فعلى المشتري جميع الثمن أيضا ; لأن القطع إذا اتصلت به السراية فهو قتل حكما ومنع البائع إياه لا يقطع السراية عن الجناية ; لأن هذا المنع لا يتبدل المالك ، والمستحق إنما يفوت يد المشتري وإذا كان حكم الجناية يثبت بدون يده فلأن يبقى بدون يده أولى وإن مات من غير القطع فعلى المشتري نصف الثمن ; لأن البائع لما منع الباقي بالثمن فقد صار مستردا له بحق فاسخا لقبض المشتري فيه .
ولو قبضه المشتري حقيقة قبل نقد الثمن فاسترده البائع وحبسه بالثمن انتقض به حكم المشتري فكذلك إذا صار قابضا لما بقي منه باعتبار الجناية وإذا انفسخ قبض المشتري فيه كان هالكا في ضمان البائع فسقط حصته من الثمن وهو النصف فأما نصف الثمن فقد تقرر على المشتري بقطع اليد ; لأن اليد من الآدمي نصفه ولا يتصور الاسترداد في الجزء الفائت .
فإن قطع البائع أولا يده ثم قطع المشتري رجله من خلاف ثم برئ منهما جميعا فالعبد لازم للمشتري بنصف الثمن ولا خيار له فيه ; لأن البائع بقطع اليد فوت نصفه فسقط نصف الثمن وثبت الخيار للمشتري بنصف الثمن فلما قطع المشتري رجله فقد صار مسقطا لخياره ; لأنه قابض لجميع ما بقي متلف لبعضه ، ومجرد قبضه بعد العلم بالعيب يسقط خياره فقبضه مع الإتلاف أولى أن يكون مسقطا لخياره .
ولو كان المشتري هو الذي قطع يده أولا ثم قطع البائع رجله من خلاف فبرئ منهما كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ العبد وأعطى ثلاثة أرباع الثمن وإن شاء تركه وعليه نصف الثمن ; لأن بقطع اليد تقرر على المشتري نصف الثمن ثم البائع بقطع الرجل بعد ذلك صار مفوتا قبض المشتري في الباقي متلفا لنصف ما بقي فيسقط عن المشتري نصف ما بقي من الثمن وهو ربع جميع الثمن ويثبت له الخيار فيما بقي من العبد ; لأنه تغير المقصود عليه في ضمان البائع بفعله ولم يوجد من المشتري بعد ذلك ما يكون دليل الرضا منه .
فإن شاء فسخ العقد فيما بقي منه وعليه نصف الثمن بقطع اليد ، وإن شاء أخذ ما بقي وعليه نصف الثمن بقطع اليد وربعه بمقابلة ما بقي من العبد .
ولو كان المشتري نقد الثمن ولم يقبض [ ص: 174 ] العبد حتى قطع المشتري يده وقطع البائع رجله من خلاف فبرئ منهما فالعبد للمشتري ولا خيار له فيه ; لأن المشتري صار قابضا لجميع العبد بإتلاف النصف بقطع اليد ثم بقطع البائع رجله لا ينتقض قبض المشتري في شيء ; لأن الثمن قد سلم للبائع وليس له بعد استيفاء الثمن حق نقض قبض المشتري فلهذا لا يجعل قطعه الرجل ناقضا قبض المشتري بخلاف ما تقدم في البائع . هناك لم يستوف الثمن وله أن ينقض قبض المشتري ما لم يصل إليه الثمن وإذا بقي حكم قبض المشتري كان البائع في قطع الرجل كأجنبي آخر فعليه نصف قيمة قطع اليد وعلى المشتري جميع الثمن لبقاء حكم قبضه في جميع العبد ولا خيار للمشتري ; لأن المعقود عليه إنما تغير لعدم تمام قبض المشتري .
قال : ولو كان البائع أولا قطع يده ثم قطع المشتري رجله فالعبد لازم للمشتري بنصف الثمن ; لأن بقطع البائع يده يسقط نصف الثمن ويتخير المشتري إلا أن خياره يسقط بقطعه رجله فكان العبد لازما له بنصف الثمن ويرجع على البائع بنصف الثمن الذي أعطاه .
قال : وإذا اشترى عبدا بألف درهم ولم ينقده الثمن حتى قطع البائع يده ثم قطع المشتري رجله من خلاف فمات من ذلك كله في يد البائع فعلى المشتري ثلاثة أثمان الثمن ; لأن البائع بقطع اليد صار متلفا نصفه ثم المشتري بقطع رجله صار متلفا نصف ما بقي وهو الربع تلف بسراية الجنايتين فنصفه يكون هالكا بسراية جناية البائع وإنما تعتبر السراية في الحكم بأصل الجناية وحكم أصل جناية البائع سقوط الثمن بحصة ما تلف به فكذلك حكم سراية جنايته وحكم أصل جناية المشتري تقرر الثمن عليه فكذلك حكم ما تلف بسراية جنايته فيحتاج إلى حساب ، تقسم ربعه نصفين وذلك ثمانية فقد تلف بأصل جناية البائع أربعة وبسراية جنايته سهم فلهذا سقط عن المشتري خمسة أثمان الثمن وتلف بجناية المشتري سهمان وبالسراية سهم فعليه ثلاثة أثمان الثمن ، فإن قيل فأين ذهب قولكم إن المشتري بجناية يصير قابضا لما أتلف ولما بقي منه قلنا هو كذلك ولكن للبائع حق الاسترداد فيما بقي ما لم يصل إليه الثمن فيكون مستردا لما تلف بسراية جنايته ; لأن تأثير سراية جنايته فوق تأثير حبسه وقد بينا أنه لو حبسه بعد جناية المشتري انتقض به قبض المشتري إلا فيما تلف بسراية جناية المشتري فلأن ينتقض حكم قبض المشتري فيما تلف بسراية جناية البائع كان أولى ، ولو كان المشتري هو الذي قطع يده أولا ثم قطع البائع رجله من خلاف فمات من ذلك فعلى المشتري خمسة أثمان الثمن وبطل عنه ثلاثة أثمان الثمن ; لأنه [ ص: 175 ] تلف بجناية المشتري النصف وهو أربعة من ثمانية وبسراية جنايته سهم فيلزمه خمسة أثمان الثمن وتلف بجناية البائع سهمان وبسراية جنايته سهم فكما انتقض قبض المشتري فيما تلف بجناية البائع فكذلك ينقض فيما تلف بسراية جنايته فلهذا سقط عنه ثلاثة أثمان الثمن وإن كان الثمن منقودا والمشتري هو البادئ بالجناية فعليه جميع الثمن ; لأنه بقطع اليد صار قابضا لجميع العبد ولم ينتقض قبضه في شيء بجناية البائع ; لأنه لا حق للبائع في نقض قبضه بعد وصول الثمن إليه .
فلهذا كان عليه جميع الثمن وعلى البائع ثلاثة أثمان قيمته صحيحا ; لأنه تلف بأصل جنايته نصف ما بقي منه وهو ربع العبد وبسراية جنايته ربع ما بقي منه وذلك ثلاثة أثمان جميع العبد فيلزمه ثلاثة أثمان قيمته صحيحا والبائع في هذه الحالة كأجنبي آخر فإن كان البائع هو البادئ بالقطع رد البائع على المشتري نصف الثمن الذي أعطاه ; لأنه بقطع اليد أتلف نصفه قبل أن يصير المشتري قابضا له فينفسخ البيع في ذلك النصف ويجب عليه رد نصف الثمن ثم المشتري بقطع الرجل صار قابضا جميع ما بقي قبضا تاما فيتقرر عليه نصف الثمن إلا أن نصف ما بقي تلف بجناية المشتري والنصف بسراية الجنايتين فما تلف بسراية جناية البائع وهو الثمن فعلى البائع حصة ذلك من قيمة العبد ; لأن التالف بسراية الجناية كالتالف بأصل الجناية ، ولو تلف بجنايته بعدما تم قبض المشتري فيه كان الواجب عليه ضمان القيمة فكذلك ما تلف بسراية جنايته فلهذا ألزمه ثمن قيمة العبد للمشتري فإن قيل قد قلتم : إن للقبض مشابهة بالعقد وإذا كان بأصل العقد بعد الجناية ينقطع حكم السراية فإن قطع يد عبد نفسه ثم باعه فكذلك بقبض المشتري بعد جناية البائع ينبغي أن ينقطع حكم السراية قلنا عيب المبيع لا يقطع حكم السراية ولكن تبدل المستحق سبب للبيع وهو القاطع للسراية ; لأن المستحق هو المالك وقد انتقل إلى ملك المشتري بالبيع وهذا المعنى لا يوجد في القبض وبه لا يتبدل المالك والمستحق فإن قيل معنى التبدل هنا يحصل حكما أيضا فإن ما تلف بأصل الجناية قبل القبض يتلف على ملك البائع وما تلف بسراية جنايته يتلف على ملك المشتري .
ويتبين ذلك بالموجب فإن باعتبار ما تلف بجناية البائع سقط الثمن عن المشتري وباعتبار ما تلف بجنايته يوجب القيمة على البائع قلنا لا كذلك بل العبد بنفس العقد صار مملوكا للمشتري فجناية البائع تصادف ملك المشتري وهو سبب لضمان المتلف للمشتري عليه إلا أن قبض المشتري يفوت فيما تلف بأصل جنايته ومن ضرورة فوات قبضه انفساخ البيع فيه فيسقط حصته من الثمن [ ص: 176 ] بذلك فأما ما تلف بسراية فلم يفت قبض المشتري فيه فلهذا كان مضمونا بالقيمة على البائع وتبين بهذا أن اختلاف الحكم لأجل فوت قبض المشتري ; لأن حكم السراية مخالف لحكم أصل العقد في حكم الضمان ، وهذا هو الجواب عن الإشكال الذي يرد على أبي حنيفة في مسألة سراية القصاص أن القطع مع السراية لا يكون قتلا من أصله إذا كان حكم أصل الفعل مخالفا لحكم السراية بدليل هذه المسألة .
ولو كان المشتري حين اشتراه نقد الثمن أو لم ينقده حتى قطع البائع يده ثم قبضه المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه فمات في يد المشتري من جناية البائع عليه بطل على المشتري نصف الثمن بقطع البائع يده ولا ضمان على البائع فيما هلك في يد المشتري بجناية البائع ; لأن المشتري بإقدامه على القبض صار راضيا بما بقي منه وذلك قاطع لحكم سراية جناية البائع بمنزلة الرد فلهذا كان على المشتري نصف الثمن ولأن القبض مشابه بالعقد .
ولو اشتراه بعد قطع البائع يده انقطع به حكم السراية ; لأن المشتري صار راضيا بقبضه بحكم الشراء فكذلك في هذا الموضع ولا يشبه قبض المشتري في هذا الوجه قبضه في الوجه الأول بالجناية عليه أو بعيب يحدثه فيه وكل شيء يحدثه من جناية البائع بعدما يحدث المشتري فيه جناية ، فإن كان الثمن غير منقود بطل عن المشتري من الثمن بحساب ما هلك منه بجناية البائع وإذا كان الثمن منقودا فعلى البائع فيه القيمة وإذا كان القبض بعد جناية البائع بأخذ المشتري إياه فلا ضمان على البائع فيما هلك من جناية في يد المشتري من القيمة ولا يبطل عنه شيء من الثمن باعتباره ; لأن القبض بالجناية حكمي فإنما يظهر أثره فيما تلف به ولا تنقطع السراية التي انعقد سببها بجناية البائع فأما القبض بالأخذ فحتى يظهر في جميع ما بقي من العبد وله مشابهة بالعقد فينقطع به حكم سراية جناية البائع وهذا لأن بالقبض حسا يجعل راضيا بما بقي من العبد بعد جناية البائع وبالجناية لا يكون راضيا بتقرر ملكه فيما بقي بل هو متلف فإنما ينقطع حكم سراية جناية البائع فيما يتلف بجناية المشتري أو بسراية جنايته ضرورة ، ألا ترى أن رجلا لو قطع يد عبده ثم غصبه منه غاصب فمات في يده من جناية المولى كان على الغاصب قيمته يوم غصبه ، ولو لم يغصبه ولكنه جنى عليه فمات العبد من الجنايتين كان على الجاني ضمان ما تلف بجنايته وسراية جنايته ، ولو لم يكن عليه ضمان ما تلف بسراية جناية المالك فيه يتضح مما سبق من الفرق بين القبض حسا وبين القبض بحكم الجناية .
قال : وإذا اشترى الرجل عبدا من رجل فلم ينقده الثمن حتى قبض بغير [ ص: 177 ] إذن البائع فقطع البائع يده في يد المشتري ولم يأخذه حتى مات العبد من قطع اليد أو غير ذلك في يد المشتري فإن كان مات من قطع اليد فقد بطل البيع ولا شيء على المشتري فيه ; لأن حق البائع في الحبس لم يسقط بقبض المشتري إياه بغير إذنه ، والسراية إذا اتصلت بالجناية كانت قتلا من أصله فكأن البائع قتله في هذه الحالة في يد المشتري فيصير مستردا له ينفسخ العقد فيه فيسقط الثمن عن المشتري وإذا مات من غير قطعه فعلى المشتري نصف الثمن ; لأن البائع إنما صار مستردا لنصفه بقطع اليد فإنما انتقض قبض المشتري في ذلك النصف وبقي النصف الآخر هالكا في ضمان المشتري ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا قطع المشتري يده في يد البائع ثم هلك لا من ذلك القطع ولم يحدث البائع فيه منعا فعلى المشتري جميع الثمن ويجعل قابضا لجميع المعقود عليه بإتلاف نصفه وهنا لم يجعل البائع مستردا لجميع العبد بإتلاف نصفه ; لأن في الوجهين جميعا بقطع اليد يتمكن من قبض ما بقي منه فيجعل بمنزلة التخلي به والمشتري بالتخلية يصير قابضا فبالجناية أيضا يصير قابضا والبائع بالتخلي بالمبيع لا يصير مستردا فكذلك بالجناية لا يصير مستردا لما بقي منه .
وهذا لأن الملك للمشتري والملك ممكن له من القبض فيمكن أن يجعل قابضا للبعض بالإتلاف ولما بقي منه بالتخلي به لكونه مملوكا له فأما البائع فليس بمالك وإنما حقه في الحبس باعتبار يده ألا ترى أنه لو سلم المعقود عليه لم يكن له بعد ذلك أن يحبسه فكذلك استرداده لا يظهر إلا فيما ظهر فيه عمله بيده وذلك فيما يتلف بجنايته أو بسراية جنايته .
وإذا اشتراه ولم ينقده الثمن حتى أحدث المشتري فيه عيبا ينقصه من الثمن فهذا بمنزلة قطعه يده في أنه بصير قابضا لجميعه ويتقرر عليه جميع الثمن إن تلف بعد ذلك بآفة سماوية ، ولو باعه المشتري بعدما أحدث فيه وقبضه الذي اشتراه منه كان بيعه جائزا وبه تبين أنه صار قابضا لجميع العبد بما أحدث وهو إشارة إلى ما ذكرنا أنه مالك للعبد والملك مطلق له حق القبض والتصرف .
قال : وإذا اشترى جارية فلم يقبضها حتى زوجها رجلا كان النكاح جائزا ; لأن ولاية التزويج تثبت بملك الرقبة ، والملك حصل للمشتري بنفس العقد والتزويج من التصرفات التي لا يمتنع صحتها لأجل الغرر ألا ترى أن تزويج الآبقة والرضيعة يجوز فكان التزويج نظير العتق وإعتاق المشتري قبل القبض صحيح فكذلك تزويجه ولهذا يجوز من الراهن تزويج الجارية المرهونة كما ينفذ عتقه ثم في القياس يصير المشتري قابضا بنفس التزويج وهو رواية عن أبي يوسف حتى إذا هلكت بعد ذلك فهو من مال المشتري ; لأن التزويج عيب فيها والمشتري إذا [ ص: 178 ] عيب المعقود عليه يصير به قابضا أو يجعل التزويج كالإعتاق أو التدبير فكما يصير المشتري قابضا بذلك فكذلك بالتزويج ولكنه استحسن فقال لا يكون قابضا لها بنفس التزويج حتى إذا هلكت فهي من مال البائع ; لأنه لم يتصل من المشتري فعل بها وإنما التزويج عيب من طريق الحكم على معنى أنه تقل رغائب الناس فيها وينتقص لأجله الثمن فهو في معنى نقصان السعر أو التزويج لما كان عيبا من طريق الحكم فهو نظير الإقرار عليه بالدين .
والمشتري لو أقر عليها بدين لا يصير قابضا لها بخلاف العيب الحسي فذلك باعتبار فعل يتصل من المشتري بعينها وهو إتلاف لجزء من عينها فأما أن يصير قابضا لما بقي بالتخلي بها أو لأن المشتري لا يتمكن من قبض البعض دون البعض فمن ضرورة كونه قابضا لما أتلف أن يكون قابضا لما بقي منه وبه يفرق بين قبض المشتري واسترداد البائع فالبائع يملك استرداد البعض ليحبسه بالثمن دون القبض فلا يجعل بتفويت البعض مستردا لما بقي وهذا بخلاف الإعتاق ; لأنه إنهاء للملك وإتلاف للمالية ولهذا يثبت به الولاء فمن ضرورته أن يصير قابضا والتدبير نظير العتق في استحقاق الولاء وثبوت حق الحرية للمدبرة فإن وطئها الزوج ثم ماتت بعد ذلك ماتت من مال المشتري إن نقصها الوطء أو لم ينقصها ; لأن الزوج إنما وطئها بتسليط المشتري إياه على ذلك فيكون فعله كفعل المشتري ، ولو كان المشتري هو الذي وطئها بنفسه ثم ماتت فعليه جميع ثمنها ; لأنه بالوطء قد تخلى بها والوطء بمنزلة إتلاف جزء منها فكذلك إذا وطئها الزوج بتسليط المشتري وإن كان البائع منعها من المشتري بعد وطء المشتري أو الزوج إياها ولم ينقصها الوطء شيئا ثم ماتت فلا شيء على المشتري من الثمن ولا من العقر ; لأن البائع صار مستردا لها بحبسه إياها بالثمن ومنع المشتري منها ولم يتلف بالوطء شيئا من ماليتها ; لأن المستوفي بالوطء وإن كان في حكم جزء من عينها فذلك جزء ليس بمال والثمن بمقابلة ما هو مال فلهذا لا يتقرر على المشتري شيء من الثمن ولا عقر عليه ; لأنه وطئها في ملكه ووطء الإنسان في ملك نفسه لا يلزمه العقر .
وإن كانت بكرا أو كان الوطء نقصها لم ينظر إلى العقر ولكن ينظر إلى ما ينقصها الوطء فيكون عليه حصة من الثمن ; لأنه فات جزء من ماليتها بفعل المشتري فيتقرر عليه حصة ذلك من الثمن كما لو فقأ المشتري عينها ثم استردها البائع فهلكت ; وهذا لأن البكارة في حكم جزء من المالية ولهذا يصير مستحقا بالبيع إذا اشترط فبوطء المشتري إن [ ص: 179 ] كانت بكرا يفوت جزء من المالية وقد بينا أن الوصف الذي هو مال يقابله حصة من الثمن إذا صار مقصودا بالتناول وإذا كان البائع هو الواطئ لم ينظر إلى العقر ولكنه ينظر إلى النقصان فإن كان لم ينقصها شيئا أخذها المشتري بجميع الثمن وإن كان نقصها شيئا حط عنه حصة النقصان وأخذها بما بقي من الثمن في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا لم ينقصها الوطء يقسم الثمن على العقر والقيمة فيسقط حصة العقر من الثمن عن المشتري فإن نقصها الوطء ينظر إلى الأكثر من العقر ومن النقصان فيقسم الثمن عليه وعلى قيمتها ويبطل على المشتري حصة ذلك الثمن ويأخذها بحصة القيمة من الثمن ; لأنها بالعقر صارت مملوكة للمشتري فوطء البائع حصل في ملك الغير والوطء في ملك الغير لا ينفك عن حد أو عقر وقد سقط الحد للشبهة فيجب العقر .
ولكن لا يمكن استيفاء العقر من البائع ; لأنها في ضمانه بالثمن فيعتبر العقر لإسقاط حصته من الثمن وهذا ; لأن الوطء في ملك الغير بمنزلة الجناية فكما أن جناية البائع عليها قبل التسليم تعتبر في إسقاط حصة من الثمن لا في إيجاب الضمان فكذلك وطؤه إياها إلا أنها إذا كانت بكرا فالممكن هنا اعتبار معنى نقصان البكارة والعقر بسبب الوطء ولكن يتعذر الجمع بينهما بسبب فعل واحد فيدخل الأقل في الأكثر ويعتبر الانقسام على القيمة وعلى الأكثر منهما وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الجارية قبل التسليم في ضمان البائع وقد جعل ذلك في حكم ضمان الفعل بمنزلة حقيقة الملك ، ألا ترى أنه لا يلزمه بالجناية أرش ولا بالوطء عقر يستوفى منه فكما أن وطأه إياها لو حصل في حال قيام ملكه فيها لم يكن موجبا للعقر أصلا فكذلك إذا حصل في ضمان ملكه ; وهذا لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين كما قال ولكنه جزء ليس بمال ، فإذا لم يمكن نقصانا في ماليتها ، والثمن بمقابلة المالية لا يمكن إسقاط شيء من الثمن باعتباره وبه فارق الجناية فإنه يمكنه نقصانا في المالية نقول : إنه يسقط بحصة ذلك النقصان من الثمن يوضحه أن الجارية في حكم الوطء إنما تصير مملوكة للمشتري بالقبض وقبل القبض هي كالمملوكة للبائع في حكم ضمان الوطء ولهذا لا يحتسب بالحيضة التي توجد في يد البائع من استبراء المشتري وأن المشتري لو زوجها ثم قبضها لم يكن عليه أن يستبرئها إذا طلقها الزوج فوطء البائع إياها قبل التسليم من هذا الوجه بمنزلة وطئه إياها قبل البيع وبهذا الطريق .
قال أبو حنيفة لا خيار للمشتري أيضا بمنزلة ما لو وطئها البائع قبل [ ص: 180 ] القبض ولم ينقصها الوطء ثم علم المشتري بذلك لم يكن له فيها خيار وإن كانت بكرا فنقصها الوطء ثبت الخيار للمشتري لفوات جزء من المالية بمنزلة ما لو ذهبت البكارة من غير صنع أحد يوضحه أن المستوفي بالوطء في حكم جزء هو ثمرة ; لأنه من حيث الصورة استيفاء منفعة والمنفعة تحدث شيئا فشيئا فإتلاف البائع جزءا مما هو ثمرة لا يثبت الخيار للمشتري عند أبي حنيفة إذا لم يتمكن نقصان في مالية العين كإتلاف ولد الشاة وثمرة الأشجار ، فإذا لم يمكن نقصانا في العين ثبت الخيار للمشتري لأجله كما لو ولدت الجارية فأتلف البائع ولدها وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله فيما إذا كانت بكرا تخريجا هو ألطف من هذا فقال ينظر إلى نقصان البكارة من الثمن أولا على نقصان البكارة وعلى قيمتها فيسقط نقصان البكارة من الثمن ثم يقسم ما بقي من الثمن على قيمتها وعلى ما بقي من العقر فسقط حصة العقر من الثمن وبيانه إذا اشتراها بمائة وقيمتها مائة ونقصان البكارة عشرون والعقر أربعون فإنه يسقط أولا باعتبار نقصان البكارة عشرين درهما ثم يقسم ما بقي من الثمن وذلك ثمانون درهما على قيمتها وهي ثمانون وعلى ما بقي من العقر وهو عشرون فيقسم أخماسا بأن يجعل كل عشرين سهما فيسقط عنه خمس ما بقي وذلك ستة عشر درهما وإنما يأخذها بما بقي وذلك أربعة وستون درهما .
قال : وإذا اشترى عبدا بألف فلم يقبضه ولم ينقد الثمن حتى قطع البائع يده ثم قطع المشتري وأجنبي رجله من خلاف فعلى المشتري ثلاثة أثمان الثمن وثلث ثمن الثمن حصة جنايته وجناية الأجنبي ويبطل عنه جناية البائع أربعة أثمان الثمن وثلث الثمن ; لأن البائع بقطع اليد أتلف نصفه والمشتري مع الأجنبي بقطع الرجل أتلف نصف ما بقي ثم ما بقي وهو الربع تلف بجناية ثلثه فيكون ثلث ذلك الربع هالكا بجناية كل واحد منهم وأصل السهام من ثمانية ثم انكسر بالأثلاث فيضرب ثمانية في ثلاثة فيكون أربعة وعشرون ثم انكسر بالأنصاف ; لأن ما تلف بجناية المشتري والأجنبي يكون نصفين بينهما فتضعف أربعة وعشرون للكسر بالأنصاف فيكون ثمانية وأربعين التالف بجناية البائع أربعة وعشرون وبسراية جنايته أربعة فذلك ثمانية وعشرون وذلك أربعة أثمان العبد وثلثا ثمنه ; لأن سهام العبد ثمانية وأربعون كل ثمن ستة فأربعة وعشرون أربعة أثمان وأربعة ثلثا الثمن وجنايته موجبة سقوط الثمن فلهذا سقط أربعة أثمان الثمن وثلثا الثمن ويتقرر على المشتري ثلاثة أثمان الثمن وثلث الثمن حصة ما تلف بجنايته وحصة [ ص: 181 ] ما تلف بجناية الأجنبي ; لأن الأجنبي ضامن للقيمة فيبقى البيع فيما تلف بجناية الأجنبي تبعا لبدله والتالف بجنايتهما وسراية جنايتهما في الحاصل عشرون وذلك ثلاثة أثمان العبد وثلث ثمنه ويرجع المشتري على الأجنبي بثمن القيمة وثلثي ثمنها ; لأن التالف بجناية الأجنبي نصف العشرون وهو عشرة وذلك ثمن العبد وثلثا ثمنه فيرجع المشتري عليه بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة ولا يتصدق بشيء منه وإن كان فيه فضل على حصة من الثمن ; لأن المشتري بجنايته يصير قابضا وجناية الأجنبي اقترنت بجناية المشتري ووجوب القيمة عليه بعد الجناية فعرفنا أن الوجوب على الأجنبي بعد قبض المشتري فكان ذلك ربحا على ملكه وضمانه .
ولو كان البائع والأجنبي هما اللذان قطعا اليد أولا ثم قطع المشتري رجله من خلاف فمات من ذلك كله فهو على ما ذكرنا من التخريج يرتفع سهام العبد إلى ثمانية وأربعين والفائت بجناية البائع والأجنبي أربعة وعشرون وبسراية جنايتهما ثمانية وذلك اثنان وثلاثون بينهما نصفان فيكون الفائت بفعل كل واحد منهما ستة عشر وبجناية المشتري اثني عشر وبسراية جنايته أربعة فذلك ستة عشر فأما ما تلف بفعل البائع فيسقط ثمنه عن المشتري وذلك ثمنا الثمن وثلثا ثمنه كل ثمن ستة وما سوى ذلك قيمته واجبة على المشتري أما حصة ما تلف بجنايته فغير مشكل ، وكذلك حصة ما تلف بجناية الأجنبي ; لأنه قد وجب عليه بدله وهو القيمة فعرفنا أنه يقرر على المشتري خمسة أثمان الثمن وثلث ثمن الثمن ويرجع المشتري على الأجنبي بثمن القيمة وثلثي ثمن القيمة فيكون ذلك على عاقلته في ثلاث سنين ; لأن الجناية على طرف المملوك إذا اتصلت بالنفس تتحملها العاقلة وكما أن بدل النفس كله يكون مؤجلا في ثلاث سنين فكذلك كل جزء من بدل النفس فعرفنا أنها على الأجنبي وذلك ثمنا القيمة وثلثا ثمنها يؤخذ من عاقلته في ثلاث سنين في كل سنة ثلث ذلك ، فإذا قبض المشتري ذلك فإنه يقابل مقدار ربع القيمة بربع الثمن فإن كان فيه فضل تصدق بالفضل ; لأن مقدار الربع وجب بأصل جناية الأجنبي وقد كان ذلك قبل قبض المشتري فهذا ربح حصل لا في ضمانه فيتصدق به بالفضل وأما ثلثا ثمن القيمة فهو سالم للمشتري لا يتصدق بشيء منه ; لأن وجوب ذلك على المشتري بسراية جنايته وقد كان ذلك بعد ما صار المشتري قابضا له بالجناية فهو ربح حصل في ضمانه ، ألا ترى أن رجلا لو اشترى عبدا فلم يقبضه حتى قطع أجنبي يده ثم قبضه على ذلك ورضيه فمات في يده من جناية الأجنبي عليه فعلى عاقلة الأجنبي قيمة [ ص: 182 ] العبد في ثلاث سنين ، فإذا قبضها وفيها فضل تصدق بنصف الفضل ; لأن ذلك ربح ما لم يضمن واليد قطعت قبل دخول العبد في ضمانه ولا يتصدق بنصف الفضل ; لأن السراية كانت بعد دخول العبد في ضمان المشتري بالقبض .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|