عرض مشاركة واحدة
  #286  
قديم 17-12-2025, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث عشر

صـــ 162الى صـــ 171
(286)







قال وإذا اشترى المكاتب جارية وقبضها فحاضت عنده ثم عتق حل له أن يطأها ; لأن المكاتب في حكم ملك التصرف بمنزلة الحر وبالشراء يثبت له حق الملك فتأكد ذلك بالعتق وبالحيضة التي توجد في يده بعد ذلك يتبين له فراغ رحمها من ماء الغير فيحتسب بها من استبرائه قال : ألا ترى أن مولاه إذا اشتراها منه قبل أن يعتق كان عليه أن يستبرئها بحيضة يعني أن المولى في كسب مكاتبه كالأجنبي والمعتبر ملك المكاتب فيها قبل العجز لا ملك المولى فإن عجز المكاتب لم يطأها المولى حتى يستبرئها بحيضة ; لأن المولى إنما ملكها بعد عجز المكاتب وهذا ; لأن ملك الحل بمنزلة ملك التصرف والمكاتب هو المستبد بالتصرف في ملكه قبل العجز وإنما يملك المولى التصرف بعد عجز المكاتب فيلزمه استبراء جديد ، ألا ترى أن المشتراة قبل القبض إذا حاضت ثم قبضها يلزمه استبراء جديد وإن كان هو قبل القبض مالكا رقبتها فهذا أولى فإن كانت أم المكاتب أو ابنته لم يكن على المولى أن يستبرئها ; لأنها تتكاتب عليه وكل من دخل في كتابته فهو مملوك المولى حتى ينفذ عتقه فيه كما ينفذ في المكاتبة فكما أن المكاتبة إذا عجزت لا يجب على المولى أن يستبرئها فكذلك لا يجب عليه الاستبراء متى صارت مكاتبة معه ، ولو كانت أخت المكاتب أو ذات رحم محرم منه فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنها قد تكاتبت عليه وعند أبي حنيفة لا يتكاتب ما سوى الوالدين والمولودين فيجب على المولى فيها الاستبراء بعد العجز كما في الأجنبية .

ألا ترى أن المولى لو أعتقها لم ينفذ عتقه فيها عنده ولا يمتنع عليه بيعها .

قال : ولو اشترى النصراني جارية فليس عليه أن يستبرئها ; لأن ما فيه من الشرك أعظم من ترك الاستبراء معناه أن وجوب الاستبراء لحق الشرع والكافر لا يخاطب [ ص: 163 ] بما هو أهم من الاستبراء كالعبادات ، فإن أسلم قبل أن يطأها وقبل أن تحيض حيضة ففي القياس ليس عليه أن يستبرئها ; لأن أوان وجوب الاستبراء عند القبض ولم يلزمه عند ذلك فلا يجب من بعد كما لو كانت منكوحة أو معتدة حين قبضها وفي الاستحسان عليه أن يستبرئها بحيضة ; لأن وقت الاستبراء من حين يقبضها إلى أن تحيض حيضة ، فإذا أسلم وقد بقي شيء من وقت الاستبراء يجعل ذلك لوجود الإسلام في أول الوقت كالكافر إذا أسلم في آخر وقت الصلاة يلزمه تلك الصلاة لهذا المعنى فإن وطئها قبل إسلامه ثم أسلم لم يكن عليه أن يستبرئها ; لأن وقت الاستبراء ما قبل الوطء ; لأنه يستبرئ رحمها من ماء غيره لا من ماء نفسه وبعد الوطء لو استبرأها إنما يستبرئها من ماء نفسه .
قال : وإذا اشترى جارية مجوسية فحاضت عنده حيضة ثم أسلمت حل له أن يطأها ; لأن تلك الحيضة وجدت بعد تمام الملك له فيها فيجتزئ بها من الاستبراء ، وكذلك إن كانت محرمة فحاضت في إحرامها ثم حلت .
قال : وإذا اشترى جارية هي أخت البائع من الرضاع أو كانت حراما عليه بوجه من الوجوه فعلى المشتري أن يستبرئها ; لأنه حدث له فيها ملك الحل بسبب ملك الرقبة فهو كما لو اشتراها من امرأة .

قال : وإن اشترى جارية فلم يقبضها حتى ردها بخيار أو عيب فليس على البائع أن يستبرئها ; لأنها لم تخرج من ضمان ملكه حين عادت إليه والله أعلم
باب آخر من الخيار قال وإذا رأى رجل عند رجل جارية فساومه عليها ولم يشترها ثم رآها بعد ذلك متنقبة فاشتراها بثمن مسمى ولم يعلم أنها تلك الجارية ولم يقع بينهما منطق يستدل به أنه قد عرفها فهو بالخيار إذا كشفت نقابها وهذا بمنزلة من اشترى شيئا لم يره لأن الرؤية السابقة لم تفد له العلم بأوصاف المعقود عليه لما لم يعلم أنها تلك الجارية وثبوت خيار الرؤية للجهل بأوصاف المعقود عليه فإنما ليسقط خياره برؤية تفيده العلم بأوصاف المعقود عليه فما لم يفده بأوصاف المعقود عليه فوجوده كعدمه أرأيت لو رآها عنده ثم رآها متنقبة عند آخر ولا يعلم أنها تلك الجارية فاشتراها أما كان له الخيار إذا كشفت نقابها فكذلك إذا اشتراها من الأول .

قال : ولو نظر إلى جراب هروي فقلبه ثم إن صاحب الجراب قطع منه ثوبا ثم أخبره أنه قطع منه ثوبا ولم يره إياه ثانية حتى اشتراه فهو بالخيار إذا رآه ; لأن الثياب عدد متفاوت ولذا لا يجوز [ ص: 164 ] شراء ثوب من الجراب بغير عينه ، فإذا لم يكن ما قطع منه معلوما عند المشتري لم يكن ما يتناوله العقد أيضا معلوم الوصف عنده فثبت له الخيار عند الرؤية ، ألا ترى أنه لو اشترى الجراب إلا ثوبا منها بغير عينه لم يجز الشراء فكذلك إذا كان لا يعلم ما قطع البائع منها بعد رؤيته فلعله قطع أجودها والمشتري يظن أنه قطع أردأها فلهذا كان له الخيار إذا رآه .
قال : ولو عرض رجل على رجل ثوبين فلم يشترهما ثم لف أحدهما في منديل ثم اشتراه منه ولم يره ولم يعلم أيهما هو فهو بالخيار إذا رآه ; لأن الرؤية المتقدمة لا تفيده العلم بأوصاف المعقود عليه فلعل المشتري يظن أنه أجودهما وهو أردؤهما ، ولو أتاه بالثوبين جميعا وقد لف كل واحد منهما في منديل فقال : هذان الثوبان اللذان قد عرضت عليك أمس فقال : أخذت هذا لأحدهما بعشرين درهما وهذا بعشرة في صفقتين أو صفقة ولم يرهما في هذه المدة فأوجبهما له فهو بالخيار ; لأنه لما خالف بينهما في الثمن فما هو المقصود لا يحصل له ما لم يعلم بأوصاف كل واحد منهما بعينه لجواز أن يظن أن الذي اشتراه بعشرين درهما أجودهما والذي اشتراه بعشرة أردؤهما والحال بخلاف ذلك فربما يهلك أحدهما أو يجد به عيبا يحتاج إلى رده فلا يندفع الغبن عنه ما لم يعرف كل واحد منهما بعينه ، ولو قال قد أخذت كل واحد منهما بعشرة أو عشرين جاز ذلك ولا خيار له ; لأنه أخذهما صفقة واحدة ولم يفصل أحدهما في الثمن وقد كانا معلومي الوصف عنده بالرؤية المتقدمة فلأجله لا يثبت له خيار الرؤية فيهما .
قال رجل اشترى ثوبا ولم يره حتى رهنه أو أجره يوما أو باعه والمشتري بالخيار فهذا اختيار منه له وليس له أن يرده ; لأنه أوجب للغير فيه حقا لازما وذلك بعجزه عن الرد فإن البيع بشرط الخيار للمشتري لازم في جانب البائع واكتسابه ما يعجزه عن الرد مسقط لخياره حكما كما لو كان المبيع عبدا فدبره أو باعه والبائع بالخيار فنقض البيع كان له أن يرده لأن خيار البائع يمنع زوال ملكه والبيع بهذه الصفة لا يعجزه عن الرد فلا يكون مسقطا لخياره وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يسقط خياره بهذا البيع وقيل تلك الرواية أصح ; لأن البيع بشرط الخيار للبائع أقوى في إسقاط الخيار من العرض على المبيع ، ولو عرضه على المبيع سقط خياره ، فإذا باعه بشرط الخيار أولى ووجه ظاهر الرواية أن البيع تصرف من جهة القول ، فإذا كان بحيث لا يعجزه عن الرد ولا يكون إسقاطا لخياره حكما ولكنه بمنزلة إسقاط خيار الرؤية بالقول قصدا وذلك لا يصح قبل الرؤية فكذلك إيجاب البيع بشرط الخيار له .
قال : ولو اشترى عبدا لم يره [ ص: 165 ] فكاتبه ثم عجز فرآه لم يكن له أن يرده بالخيار ، وكذلك خيار الشرط في ذلك ; لأن عقد الاكتساب لازم في جانب المولى وهو يعجزه عن الرد بحكم الخيار فمباشرته تتضمن سقوط خياره حكما فخيار الشرط والرؤية في ذلك سواء ، ولو حم العبد ثم ذهبت الحمى عنه كان له أن يرده بخيار الرؤية والشرط ; لأن الحمى عنده بمنزلة عيب حادث وذلك غير مسقط لخياره وإنما يمنعه عن الرد بغير رضى البائع لدفع الضرر عن البائع ، فإذا أقلعت الحمى عنه فقد زال معنى الضرر فكان هو على خياره في الرد بخلاف ما تقدم فإن عجزه عن الرد هناك لإيجابه حقا لازما للغير فيه وذلك مسقط لخياره حكما ، ولو أشهد على نقض البيع في الثلاثة بحضرة البائع والعبد محموم وله خيار الشرط ثم ذهبت الحمى قبل مضي الثلاثة ولم يحدث ردا حتى مضت الثلاثة الأيام كان له أن يرده بذلك الرد ; لأن نقضه البيع بحضرة البائع صحيح في حقه وإنما امتنع ثبوت حكمه في حق البائع لدفع الضرر عنه ، فإذا ذهبت الحمى قبل مضي الثلاثة فقد انعدم معنى الضرر فتم البيع في حق البائع أيضا فلهذا كان له أن يرده بعد مضي الأيام الثلاثة ; وهذا لأن الحمى حين ذهبت مع بقاء مدة الخيار تجعل المشتري كالمجدد للفسخ في هذه الحالة ; لأنه مصر على الفسخ الذي كان منه كأنه جدده بعد زوال المانع .

ولو تمادت به الحمى عشرة أيام ليس له بذلك الرد ولا بغيره ; لأن مدة الخيار ذهبت والمانع قائم فبطل حكم الرد لاستغراق المانع في جميع المدة ولأنه حين أقلعت الحمى عنه يصير كالمجدد للفسخ وهو لا يملك الرد به بعد مضي مدة الخيار وإنما يملك ذلك في مدة الخيار ، ولو خاصمه في الثلاثة إلى القاضي فرده المشتري وأبى البائع أن يقبله وهو محموم فإن القاضي يجيز البيع ويبطل الرد ; لأنه يرده بعيب حادث عنده وإنما كان تمكنه من الرد بحكم الخيار له لدفع الضرر عن نفسه لا لإلحاق الضرر بالبائع ، فإذا أدى ذلك إلى الإضرار بالبائع أبطل القاضي رده ولزمه البيع بقضاء القاضي فإن صح العقد في الثلاث لم يكن له أن يرده ; لأن إلزام القاضي إياه أقوى من التزامه إسقاط الخيار ، ولو أسقط خياره لم يكن له أن يرده بعد ذلك ، فإذا ألزمه القاضي كان أولى ، وكذلك هذا في خيار الرؤية ; لأن قضاء القاضي ببطلان رده مسقط لخياره حكما وذلك حاصل قبل الرؤية وهذا بخلاف الرجوع في الهبة فإن الموهوبة له إذا بنى في الدار الموهوبة ثم رجع الواهب فأبطل القاضي رجوعه ثم رفع الموهوب له بناءه كان للواهب أن يرجع فيها ; لأن حق الواهب في الرجوع لا يحتمل الإسقاط حتى لو أسقطه بنفسه كان إسقاطه باطلا [ ص: 166 ] فالقاضي إنما يمنع رجوعه بقضائه لأجل البناء لا أن يسقط حقه في الرجوع .

فإذا زال المانع كان له أن يرجع وهنا القاضي مسقط لخياره ; لأن خياره محتمل للسقوط فبعدما سقط خياره بقضاء القاضي لا يمكن من الرد بحكمه قال ، ولو أشهد على رده في الثلاثة بحضرة البائع وهو صحيح ثم حم قبل أن يقبضه البائع ثم أقلعت عنه الحمى وعاد إلى الصحة في الثلاثة أو بعدها فهو لازم للبائع ولا خيار له فيه ; لأن المشتري فسخ البيع وهو صحيح فعاد فسخه إلى ذلك البائع ثم بحدوث العيب في ضمان المشتري يثبت للبائع الخيار ، فإذا أقلعت الحمى فقد زال ذلك العيب وسقط ما كان من الخيار للبائع كما لو حدث بالمبيع عيب في يد البائع ثم زال العيب قبل أن يقبضه المشتري كان لازما للمشتري ولا خيار له فيه فهذا مثله ، وكذلك خيار الرؤية ، ولو خاصمه والحمى به فأبطل القاضي الرد وألزمه المشتري العبد فليس له أن يرده بعد ذلك ; لأن ذلك الفسخ بطل بقضاء القاضي بمنزلة البيع إذا أبطله القاضي للعيب الحادث عند البائع ثم زال العيب .

قال : ولو جرح العبد عند المشتري جرحا له أرش أو جرحه هو أو كانت أمة فوطئها هو أو غيره لم يكن له أن يردها بخيار الرؤية ولا بخيار الشرط أما إذا جرحها هو فلأن إقدامه على ذلك الفعل اكتساب منه للسبب المسقط لخياره ; لأنه يعجزه عن ردها كما قبضها وإن جرحها غيره فلما حدث من الزيادة المنفصلة وهو الأرش ، وكذلك إن وطئها غيره فإن وطئها هو فإقدامه على الوطء يكون رضا منه بتقرر ملكه فيها وذلك مسقط لخياره ، وكذلك إذا ولدت فمات ولدها أو لم يمت لم يكن له أن يردها بخيار الرؤية ولا بخيار الشرط أما إذا بقي الولد فللزيادة المنفصلة وأما إذا مات الولد فللنقصان الحادث في يده بالولادة ، ولو كانت دابة أو شاة فولدت لم يكن له أن يردها لا بخيار الشرط ولا بخيار الرؤية للزيادة المنفصلة ، وكذلك لو قتل ولدها هو أو غيره ; لأنه بالقتل حابس للزيادة فكأنها قائمة في يده وإذا كان القاتل غيره فقد وجب على القاتل قيمة الولد وبقاء قيمته في يده كبقاء عينه ، ولو مات موتا كان له أن يردها ; لأن الزيادة لما هلكت بغير صنع أحد صارت كأن لم تكن والولادة لا تكون عيبا فيها فإن الولادة في البهائم لا تكون نقصانا فلهذا كان له أن يردها .
قال : ولو أن البائع جرحها عند المشتري أو قتلها وجب البيع على المشتري وعلى البائع القيمة في خيار الشرط والرؤية أما في القتل فلأن المشتري عجز عن ردها بعدما قتلت وقد صار البائع منها كأجنبي آخر فكما أنه لو قتلها أجنبي آخر يسقط خيار المشتري ويكون له على القاتل قيمتها [ ص: 167 ] فكذلك إذا قتلها البائع وأما إذا جرحها البائع عند المشتري فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف الأول وهو القياس وفي قول أبي يوسف الآخر للمشتري أن يردها بخياره ذكر قوله في كتاب الشرب وذكر محمد بن سماعة في نوادره في خيار الشرط والرؤية وخيار العيب جميعا وجه قوله إن الخيار مستحق للمشتري على البائع ومن عليه الحق لا يملك اكتساب سبب إسقاط الحق المستحق عليه إلا بطريق الإبقاء يوضحه أن حدوث العيب في يد المشتري إنما يمنع الرد لدفع الضرر عن البائع ولا يتحقق ذلك في جناية البائع عليه ; لأنه راض بفعله ولأنه يجعل مستردا لذلك الجزء لجنايته ولما بقي برد المشتري عليه فيعود إليه حكما كما خرج من يده بخلاف ما إذا كان الجاني غيره .

وجه قولهما : إن البيع لازم في جانب البائع وهو بعد التسليم فيها كأجنبي آخر بدليل مسألة القتل ، ولو كان الجاني أجنبيا آخر فوجد الأرش لم يتمكن المشتري بعد ذلك من ردها فكذلك إذا كان هو البائع ولا يملك إسقاط خيار المشتري فالأجنبي لا يملك إسقاط خياره والبائع إنما رضي بالنقصان الحادث بجنايته في ملك المشتري فلا يكون راضيا في ملك نفسه ، ولو جعل جنايته استردادا في ذلك الجزء لكان قتله استردادا في الكل وهذا ; لأن البيع لازم من جهته فلا يتمكن هو من الاسترداد ، ولو استودعها المشتري البائع بعدما قبضها فماتت عند البائع قبل أن يرضى المشتري ففي خيار الرؤية هي من مال المشتري وعليه الثمن ; لأنها مملوكة للمشتري أمانة في يد البائع فهلاكها في يد الأمين كهلاكها في يد المشتري وفي خيار الشرط كذلك الجواب عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأن خيار الشرط عندهما لا يمنع ملك المشتري وعند أبي حنيفة في القياس كذلك ; لأن البيع لازم في جانب البائع والمبيع خارج من ملكه فإيداع المشتري إياه كإيداعه أجنبيا آخر ، فإذا هلك في يده هلك من مال المشتري وفي الاستحسان يهلك من مال البائع ; لأن خيار المشتري يمنع ملكه عند أبي حنيفة فتسليمه إياها إلى البائع لا يكون إيداعا فيه ملك نفسه ولكنه فسخ للقبض فكأنها هلكت في يد البائع قبل أن يقبضها المشتري فيهلك من مال البائع

باب بيع النخل وفيه ثمر أو لم يكن فيه ثمر قال وإذا اشترى الرجل أرضا ونخلا بألف درهم والأرض تساوي ألفا والنخل يساوي [ ص: 168 ] ألفا فأثمر النخيل بعد ذلك في يد البائع مرة أو مرتين كل مرة تساوي الثمرة ألفا فأكله البائع كله ثم جاء المشتري يطلب بيعه فالأصل في تخريج هذه المسألة أن الثمار الحادثة زيادة في الأرض والنخل في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول رحمهم الله وفي قوله الآخر هو زيادة في النخل خاصة ; وجه قوله الآخر أن الثمار يخرجه النخيل دون الأرض فيكون زيادة فيهما يقسم الثمن على قيمة الأرض والنخل أولا ثم حصة النخيل تقسم على قيمتها وقيمة الثمار بمنزلة ما لو اشترى جاريتين فولدت إحداهما قبل القبض ثم قبضها فإنه يقسم الثمن على قيمة الجاريتين أولا ثم ما أصاب التي ولدت يقسم على قيمتها وقيمة ولدها يوم يقبض المشتري الولد لهذا المعنى أن الولد انفصل عنها فتكون زيادة فيها خاصة ; وجه قولهما أن النخيل في هذا البيع بيع بدليل أنها تدخل في البيع من غير ذكر والبيع لا يقع له فتكون الثمار الحادثة زيادة في الأصل بمنزلة ما لو اشترى جارية فولدت ابنة قبل القبض ثم كبرت الابنة وولدت ولدا فيجعل الولد الثاني زيادة في الجارية حتى يقسم الثمن على قيمتها وقيمة الولدين ; لأن الابنة تابعة في العقد فلا يكون ولدها تبعا لها فهذا مثله والثمار في الصورة يخرجها النخيل وفي المعنى زيادة في الأرض ; لأن النخيل تتشرب بعروقها من الأرض ، ألا ترى أن بقوة الأرض تزداد الثمار جودة فعرفنا أن من حيث المعنى الأصل هو الأرض للثمار وللنخيل جميعا فلهذا يقسم الثمن على قيمة الكل قسمة واحدة ثم يعتبر في القسمة قيمة الثمار حين أكلها البائع ; لأنها عند ذلك صارت مقصودة فالزيادة الحادثة إنما تصير لها خاصة من الثمن إذا صارت مقصودة بالتناول .

ألا ترى أن المشتري إذا قبضها يعتبر في الانقسام قيمتها وقت القبض فكذلك إذا أكلها البائع فإن كانت أثمرت مرة واحدة فأكلها البائع وقيمتها ألف درهم انقسم الثمن أثلاثا : ثلثه بإزاء الأرض وثلثه بإزاء النخيل وثلثه بإزاء الثمار ويسقط عن المشتري حصة الثمار من الثمن ويأخذ الأرض والنخيل بثلثي الثمن وفي قول أبي يوسف الآخر يقسم الثمن أولا على قيمة الأرض والنخيل نصفين ثم حصة النخيل تقسم على قيمتها وقيمة الثمار نصفين فيسقط عن المشتري ربع الثمن ويأخذ الأرض والنخيل بثلاثة أرباع الثمن وإن كانت أثمرت النخيل مرتين أخذ المشتري الأرض والنخيل بنصف الثمن ; لأن القيم لما استوت فحصة ما تناول البائع من الثمار نصف الثمن الأول وقال أبو يوسف يأخذ بثلثي الثمن ; لأن نصف الثمن بمقابلة الأرض والنصف الذي يقابله النخيل يقسم [ ص: 169 ] أثلاثا ثلثه يسقط عن المشتري بتناول البائع الثمار مرتين وثلث النصف حصة النخيل يتقرر على المشتري مع حصة الأرض فيأخذها بثلثي الثمن وإن كانت أثمرت مرات أخذ الأرض والنخيل بخمسي الثمن وسقط عنه ثلاثة أخماس الثمن حصة لثمن ثلاث مرات وعند أبي يوسف يأخذ الأرض والنخيل بخمسة أثمان الثمن نصف الثمن حصة الأرض وربع النصف الآخر حصة النخيل ويسقط عن المشتري ثلاثة أثمان الثمن وإن أثمرت أربع مرات فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يأخذ الأرض والنخيل بثلث الثمن ; لأن الثمن ينقسم على ستة أسهم : حصة الأرض والنخل سهمان وهو الثلث وعند أبي يوسف يأخذهما بثلاثة أخماس الثمن نصف الثمن حصة الأرض وخمس النصف الآخر حصة النخل فذلك ستة أجزاء من عشرة من جميع الثمن .

وإن أثمرت خمس مرات أخذ الأرض والنخل عندهما سبع الثمن ; لأن القسمة على الأسباع عندهما فيسقط حصة الثمار خمسة أسباع الثمن ويأخذ الأرض والنخل بسبعة أجزاء من اثني عشر جزءا من الثمن حصة الأرض نصف الثمن وحصة النخل سدس النصف الباقي وفي جميع ذلك الخيار للمشتري إن شاء أخذ الأرض والنخل وإن شاء فسخ البيع فيهما وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فأما عند أبي حنيفة فلا خيار للمشتري في ذلك وإنما نص على الاختلاف في الباب الذي بعد هذا في الولد الحادث قبل القبض إذا أتلفه البائع ولا فرق بين الولد في الشاة وبين الثمار ; وجه قولهما أن الزيادة الحادثة قبل القبض لما صارت مقصودة تتناول البائع ثبت وكان لها حصة من الثمن فالتحقت بالموجود عند العقد .

ولو كانت موجودة فأتلفها البائع ثبت الخيار للمشتري فيما بقي لتفرق الصفقة عليه قبل الثمار فكذلك هنا وأبو حنيفة يقول المشتري عند القبض رضي بأخذ الأرض والنخيل بجميع الثمن فهو بأخذهما ببعض الثمن أرضى ، وثبوت الخيار لتمكن الخلل في رضى المشتري ، فإذا علمنا تمام الرضا هنا فلا معنى لإثبات الخيار له يوضحه أن هذه الزيادة لو هلكت من غير صنع البائع أخذ المشتري الأرض والنخل بجميع الثمن ولا خيار له ولأن يلزم الأرض والنخل ببعض الثمن عند إتلاف البائع كان أولى بخلاف الموجود عند العقد فإنه لو هلك من غير صنع البائع يخير المشتري فكذلك بصنع البائع وبهذا يتبين أن تفريق الصفقة إنما يحصل بهلاك الموجود عند العقد لا بهلاك الحادث بعد القبض .

فإن كان في النخل ثمرة تساوي ألفا يوم اشترى الأرض والنخل وقد اشتراهما معا فإن الثمار لا تدخل [ ص: 170 ] في البيع إلا بالذكر ; لأنه يعرض الفضل فهو والموضوعة في الأرض سواء بخلاف النخيل فإنها تابعة للأرض كالبناء فيدخل في البيع من غير ذكر ، فإذا أكلها البائع ثم أثمرت بعد ذلك مرارا فأكله البائع فالأصل في تخريج هذه المسألة أن ثلث الثمن يسقط من المشتري بأكل البائع الثمار الموجودة ; لأن الثمار الحادثة بعد ذلك ليست بزيادة في الثمار الموجودة وهي مقصودة لا تدخل في العقد إلا بالذكر فيقسم الثمن أولا على قيمة الأرض وعلى قيمة النخل وقيمة الثمار الموجودة وقت العقد .

وقد استوت القيم فتقسم أثلاثا ويسقط عن المشتري ثلث الثمن حصة الثمار الموجودة وأما ثلثا الثمن حصة الأرض والنخيل في هذه المسألة فبمنزلة جميع الثمن في المسألة الأولى في حكم الانقسام على قيمتها وقيمة ما أكل البائع من الثمار الحادثة على نحو ما خرجنا في المسألة الأولى قال : فإن كانت الثمرة التي حدثت بعد البيع لم يأكلها البائع ولكن أصابتها آفة من السماء فذهبت لها ونقصت تلك النخل فالمشتري بالخيار إن شاء أخذهما بجميع الثمن وإن شاء تركها ; لأن الثمار الحادثة لما فاتت من غير صنع أحد لم يكن لها حصة من الثمن وصارت كأن لم تكن فنفى النقصان المتمكن فيتخير المشتري لأجل ذلك وإن لم ينقص النخل لم يكن للمشتري في البيع خيار وهو لازم له بجميع الثمن ; لأن الثمار الحادثة لما هلكت بغير صنع أحد صارت كأن لم تكن وأما الثمار الموجودة عند العقد فسواء هلكت بغير صنع أحد أو تناولها البائع سقط عن المشتري حصتها من الثمن ; لأنها كانت مقصودة بالعقد وقد فات القبض المستحق بهلاكها فينفسخ البيع فيها ويسقط عن المشتري حصتها من الثمن وله الخيار في أخذ الأرض والنخل سواء هلكت من صنع أحد أو تناولها البائع لتفرق الصفقة عليه قبل التمام بمنزلة ما لو اشترى جاريتين فهلكت إحداهما قبل القبض والله أعلم .

باب جناية البائع والمشتري على المبيع قبل القبض قال رجل اشترى من رجل عبدا بألف درهم فلم يقبضه حتى قطع البائع يده فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ العبد بنصف الثمن وإن شاء تركه ; لأن المبيع تغير في ضمان البائع وتعيب بصنعه فتفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام بفوات النصف فإن اليد من الآدمي نصفه وذلك مثبت الخيار له فإن اختار فسخ العقد سقط عنه جميع الثمن وإن اختار أخذ الأقطع فعليه [ ص: 171 ] نصف الثمن عندنا وقال الشافعي عليه جميع الثمن ويضمن البائع نصف القيمة ، وكذلك لو قتله البائع قبل القبض سقط الثمن عن المشتري عندنا وعند الشافعي يغرم البائع القيمة إذا اختار المشتري إمضاء العقد ; لأن المبيع صار مملوكا للمشتري بالعقد قبل القبض والقاطع في الجناية عليه كأجنبي آخر وباعتبار أن اليد للبائع يثبت له حق الفسخ وبهذا لا يخرج من أن يكون مضمونا عليه بالقيمة إذا جنى عليه كالمرهون إذا جنى عليه المرتهن ، وحجتنا في ذلك أن المبيع مضمون بالثمن على البائع وضمان الثمن مع ضمان القيمة لا يلتقيان وهذا لأنه لو وجب بالجناية ضمان القيمة على البائع لزمه تسليمها بحكم العقد ولا يجوز أن يجب على البائع القيمة في ذمته على وجه يلزمه تسليمها بحكم العقد ولأن المبيع في ضمان ملك البائع حتى لو هلك كان هلاكه على ملكه فينزل ذلك منزلة المملوك له حقيقة في المبيع من وجوب ضمان القيمة عليه بالجناية كما لو كانا في مجلس العقد أو كان البائع شرط الخيار لنفسه .

فإذا لم يلزمه ضمان القيمة سقط عنه من الثمن حصة ما أتلفه بجنايته ; لأن ذلك صار مقصودا بالتناول فيقابله حصة من الثمن وقد فات القبض المستحق فيه باستهلاك البائع فينفسخ العقد فيه في ذلك القدر ، وإن كانت يد العبد شلت من غير فعل أحد كان المشتري بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء تركه لتغير المعقود عليه في ضمان البائع ، فإن اختار الأخذ فعليه جميع الثمن هنا بخلاف الأول والشافعي يسوي بينهما فيقول في الموضعين جميعا على البائع ضمان نصف القيمة ; لأن المبيع في ضمانه قبل التسليم فلا فرق بين أن يفوت جزء منه بفعل الضامن أو بغير فعله كالمغصوب وقاس بما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض بفعل البائع أو بغير فعله كان الجواب في ذلك سواء فهذا مثله ولكنا نقول الطرف من العبيد وصف ، ألا ترى أنه يدخل في البيع تبعا من غير ذكر ولا يجوز استثناؤه من العقد واسم العبد لا يتغير بفواته وبقائه والبيع يلاقي العين والثمن يكون بمقابلة الأصل دون الوصف ، فإذا كان الفائت وصفا قلنا إن فات بغير صنع أحد فقد فات تبعا لا مقصودا فلا يقابله شيء من الثمن وإن فات بجناية البائع فقد صار مقصودا بالجنس وفسخ العقد فيه فيقابله بعض الثمن لا محالة بخلاف العبدين وكل واحد منهما هناك يدخل في العقد مقصودا يوضحه أن الوصف لا يفرد بالعقد فلا يفرد بضمان العقد أيضا .

والثابت ببقاء يد البائع ضمان العقد فلا يظهر ذلك في الوصف إذا فات من غير صنعه بخلاف المغصوب فهو مضمون بالتناول ، والوصف يفرد بالتناول [ ص: 172 ] فيفرد أيضا بضمان التناول ، وكذلك إن كان البائع هو الذي جنى عليه فسقوط حصته من الثمن هنا باعتبار تناول البائع إياه وحبسه إياه والوصف يفرد بذلك ، وكذلك إن قطع العبد يد نفسه فهو كما لو شلت يده بغير فعل أحد ; لأن فعله بنفسه هدر


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.66%)]