شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: أُحُد جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ
عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/1011) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري.
مناسبة الحديث:
الحديث قاله النّبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا قَدِمَ من غزوة تبوك، التي كانت في شمال الجزيرة إلى المدينة، حتّى إذا اقتربُوا واطّلَعوا على المَدينة، قال - صلى الله عليه وسلم - مشيراً إلى المدينة، كما في رواية أبي حميد - رضي الله عنه -: «هذه طابة» أي: طيبة، وهي مِنْ أسْمائها التي سمّاها بها النّبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق. - محبة جبل أحد للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه:
ثمّ قال: «وهذا أُحدٌ، وهو جبلٌ يُحبّنا ونُحبّه»، وهو في الصّحيحين، وفي رواية الباب قال: «إِنَّ أُحُداً؛ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» أي: أنّ الله -سبحانه وتعالى- قد جَعلَ في جبل أحُدٍ إدْراكاً وتَمييزا، فهو يحبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابه حقيقة، كما أخبرَ - صلى الله عليه وسلم -، والجمادات لها أفعالٌ مِنَ الحبّ والبُغض وغيره، وكذلك أقوالٌ وتَسبيحٌ يليق بها، ونحن لا نَعقلها، وعدم عقلنا لها لا يَستلزم إنكارها؛ كما قال -تعالى-: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (الإسراء:44). تسبيح الكائنات والجمادات لله:
يُخبر الله -سبحانه وتعالى-: أنّه تُسَبِّح له سبحانه السّماوات السبع والأرْضون، ومَن فيهن مِن جميع المخلوقات، وكلّ شيء في هذا الوجود ينزّه الله -تعالى-، تنزيهاً مقروناً بالثّناء والحمد له سبحانه، ولكن لا تُدركون أيها الناس ذلك, وفي حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قال: إنّي لشاهدٌ عند النّبي - صلى الله عليه وسلم - في حلقةٍ وفي يده حَصَى، فسبّحنَ في يده، وفينا أبوبكرٍ وعُمر وعُثمان وعلي، فسمِعَ تَسبيحهنّ مَنْ في الحَلقة، ...». رواه ابن أبي عاصم والطبراني وغيرهما. بركة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته في الماء والطعام:
عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: «كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفاً؛ كُنَّا مع رَسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فَقَلَّ المَاءُ، فَقالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِن مَاءٍ، فَجَاؤُوا بإنَاءٍ فيه مَاءٌ قَلِيلٌ، فأدْخَلَ يَدَهُ في الإنَاءِ، ثُمَّ قالَ: «حَيَّ علَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ»؛ فَلقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِن بَيْنِ أصَابِعِ رَسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وهو يُؤْكَلُ». رواه البخاري. تأثر السماوات والجبال من الشرك بالله
قال -تعالى-: {تكادُ السّماواتُ يَتفطّرن منه وتنشقُ الأرضُ وتَخرُّ الجبال هدّاً (90) أنْ دعوا للرحمن ولداً (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} (مريم), فلا مانع أنْ يرزق الله -تعالى- ذاك الجبلَ تمييزاً يُحبُّ به ويُبْغض، فأحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحبّ أصحابه، وأحبّ المسلمين الموحدين جميعاً؛ لأن قوله: «إن أُحداً جبلٌ يحبّنا ونحبّه» وقوله: «يحبّنا» أي: نحن المسلمين، وقيل: الصحابة، والراجح: أنّ هذا اللفظ «يُحبّنا» عام، يُراد به عُمُوم المُوحّدين، وعُموم المُسلمين. ثبوت جبل أحد بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -:
ومثله: لمّا صَعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جبل أحُد، هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فارْتجفَ الجبل واهتز، قال النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «اثبُت أحُد؛ فإنّما عليك نبيٌّ وصِدّيقٌ وشهيدان»، فثبتَ أحُد، ولمْ يرتجف بعد ذلك. وهذا يدلّ أيضاً: على أنّ الله -تعالى- أعْطى الجبل تمييزاً، فائتمرَ بأمْره - صلى الله عليه وسلم -. إثبات ظاهر الحديث:
قال بعض أهل العلم: المقصود يُحبّنا أهلُ الجبل من الإنس والجن والملائكة؛ لكن هذا تأويلٌ مردود، والأصل إجراء هذا الحديث على ظَاهره، وأن الله -تعالى- يَرزق إذا شاء الجبل الأصم تمييزاً يحبُّ به ويُبغض، كما أنطق الله -عزّ وجل- الجَمادات والأحْجَار والحيوانات والطّيور للنّبي - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ قبله مِن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. من فوائد الحديث:
1- فضلُ المدينة النبوية. 2- فضلُ جبل أُحُد، ومحبّته للنبي - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والمسلمين. 3- أنّ الجَمادات لها أفْعالٌ وأقوالٌ تليق بها، لا نعقلها. 4- أنّ هذا الحديث منْ مُعْجزاته الكثيرة - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ الله ميّز بعض الجمادات وأعطاها تمييزاً في عهده، فتبكي ويعزّ عليها فِراق النّبي - صلى الله عليه وسلم -، أو تَستجيب.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي