عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-12-2025, 04:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث عشر

صـــ 22 الى صـــ 31
(272)



وإن لم يكن فيها وفاء بنقصان الولادة فعلى المشتري تمام ذلك ; لأن الانجبار بقدر المالية على ما مر قال : ولو كانت الأم هي الميتة والولدان حيان أخذ البائع الولدين وقيمة الأم يوم قبضه المشترى ، وهكذا القول في كل بيع فاسد ; لأن حق الاسترداد ثابت للبائع في الولدين فلا يسقط ذلك بهلاك الأم كالمغصوبة إذا ولدت ثم ماتت كذلك هنا ، وإن كان ضامنا قيمتها للبائع حين قبضها ; لأنها دخلت في ضمانه بالقبض وتعذر ردها فيجب ضمان قيمتها والولد تبع فلا يقوم مقام الأصل في حق الرد حتى لا يسقط برد الولدين ضمان قيمة الأم ، وإن كان في ماليتهما وفاء بذلك بخلاف نقصان الولادة فالفائت هناك وصف هو بيع ثم الخلافة هناك باتحاد السبب فإن سبب النقصان والزيادة واحدة وهذا لا يوجد هنا فإن موت الأم لم يكن بالولادة ولو كان بالولادة فالولادة من حيث إنها موت لا توجب الزيادة ولدا ولذا لا ينجبر قدر النقصان بالولدين بعد موت الأم حتى يضمن كمال قيمتها ; لأن هنا لا يحتاج إلى جبر النقصان بعد موت الأم ; لأن الملك يثبت للمشتري بعد القبض على ما ذكرنا وتقرر القيمة عليه من حين قبضها فإذا مات تبين أن ذلك النقصان حاصل في ملك المشتري فلا تقع الحاجة إلى جبر هذا النقصان بالولد بخلاف ما إذا بقيت الأم ; لأنه أمكن فسخ العقد فيها بالرد ، فإن ردها عادت إلى قديم ملك البائع فتبين أن النقصان حصل فوقعت الحاجة إلى انجبار النقصان بخلف قائم مقامه وهو الولد فلهذا افترقا
قال والبيع الفاسد ينعقد موجبا للملك إذا [ ص: 23 ] اتصل به القبض عندنا ، وعند الشافعي لا ينعقد للملك ، وفي الحقيقة هذه المسألة تنبني على مسألة من أصول الفقه وهو أن النهي عن العقود الشرعية لا يخرجها من أن تكون مشروعة عندنا فإن ذلك موجب النسخ والنهي عن النسخ وعندنا يخرجها من أن تكون مشروعة بمقتضى النهي فإن صفة القبح من ضرورة النهي كما أن صفة الجنس من ضرورة الأمر ، والمشروع ما يكون مرضيا والقبيح ما لا يكون مرضيا فينعدم أصل العقد لضرورة النهي ومقتضاه ولكنا نقول موجب النهي الانتهاء على وجه يكون المنتهى مختارا فيه كما أن موجب الأمر الائتمار على وجه يكون المؤتمر مختارا فيه ، فإن استحقاق الثواب والعقاب ينبني على ذلك لا يكون إلا بعد تقرر المشروع مشروعا باعتبار هذا الأصل ثم يخرج المقتضى عليه بحسب الإمكان أولى من إعلام المقضي بالمقتضى وهذه في أصول الفقه فأما التخريج هنا على الأصل المتفق عليه وهو أن النهي متى كان لمعنى في غير المنهى عنه فإنه لا يعدم المشروع كالنهي عن البيع وقت النداء وإن كان المنهي عنه بعدمه كالنهي عن بيع المضامين والملاقيح .

والشافعي يقول : في البيوع الفاسدة النهي لمعنى في غير المنهي عنه ولهذا أفسد البيع ، ويتضح هذا في البيع بالخمر ، فالبيع مبادلة مال متقوم بمال متقوم ، والخمر ليس بمال متقوم حتى لا يملك بالعقد ، وإن قبض فلا ينعقد موجبا حكمه فعرفنا أنه غير منعقد في حق حكمه ، وهو الملك ، والدليل عليه أن البيع موجب للملك بنفسه ثم الفاسد منه لا يكون موجبا الملك بنفسه فعرفنا أنه ليس ينعقد في حكم الملك وثبوت الضمان بالقبض ليس من حكم انعقاد العقد بالمقبوض على سوم الشراء مضمون بالقيمة ولا عقد ، وإن كان منعقدا بصفة الفساد لما منعت ثبوت الملك بالبيع قبل القبض فكذلك بعده ; لأن الفساد قائم بعده ; ولأن بالقبض يزداد الفساد والحرمة ، وكل ما يمنع ثبوت الملك بالبيع قبل القبض يمنع بعد القبض كخيار الشرط وهذا في معناه ; لأن مع خيار الشرط لا يتم الرضا من البائع ومع الفساد كذلك فإنه لو صار مملوكا إنما يصير مملوكا بالقيمة ، والبائع لم يرض بهذا ولهذا ثبت خيار الفسخ لكل واحد منهما ; ولأن هذا عقد معاوضة فالفاسد منه لا ينعقد موجبا للملك كالنكاح وهذا ; لأن الملك مشروع محبوب فيستدعي سببا مرضيا شرعيا بخلاف الكتابة الفاسدة حيث انعقد العقد مع صفة الفساد ففيها معنى المعارضة واليمين ; لأنه تعليق العتق بشرط الأداء ، والحرمة لا تمنع صحة التعليق كما لو قال : إن زنيت فأنت حرة فإنما ينزل العتق هناك لمعنى التعليق دون المعاوضة [ ص: 24 ] وحجتنا في ذلك من حيث التخريج على الأصل المجمع عليه أن يقول هذا النهي لمعنى في غير المنهي عنه ; لأن البيع ينعقد بالإيجاب والقبول في محل قابل له ولا يختل شيء من ذلك بالشرط الفاسد ، وانعقاد العقد يوجب ركنه من أهله ، والنهي كان للشرط وهو وراء ما يتم العقد به .

وكذلك النهي عن الربا للفضل الخالي عن المقابلة وهو وراء ما يتم به العقد فلا ينعقد فيه أصل العقد والعقد لا ينعقد شرعا إلا موجبا حكمه ; لأن الأسباب الشرعية تطلب لأحكامها فإذا كانت خالية عن الحكم تكون لغوا ولكن الحكم متصل بها تارة ويتأخر أخرى كالهبة فإنها عقد تمليك ، ثم الملك بها يتأخر إلى القبض . قوله بأن البيع يفسد به قلنا ; لأن النهي اتصل بوصفه ; لأن الخيار والأجل لو كان جائزا كان عمله في تغيير وصف العقد لا في تغيير أصله فكذلك إذا كان فاسدا يكون عمله في تغيير وصف العقد حتى يصير العقد فاسدا ، وليس من ضرورة انعدام الأصل بل من ضرورته انعقاد الأصل ، فالصفة لا تكون بدون الموصوف ، وهكذا نقول في النكاح فإنه ينعقد مع الفساد ولهذا يتعلق به وجوب المهر والعدة والنسب عند الدخول إلا أنه يثبت الملك به ; لأن الحكم يثبت بحسب النسب فالعقد الفاسد إنما يثبت ملكا حراما وليس في النكاح إلا ملك الحل وبين الحل والحرمة منافاة فكان من ضرورة الفساد هناك انتفاء الملك .

وهنا بالبيع الفاسد إنما يثبت ملك حرام ولهذا لو كانت جارية لا يحل له وطؤها ، وليس من ضرورة ثبوت الحرمة انتفاء ملك اليمين كالعصير يتخمر يبقى مملوكا وإن كان حراما ، وكشراء الرجل أخته من الرضاع فيملكها وإن كانت حراما عليه فأثبتنا الملك لهذا ولكن العقد بصفة الفساد يضعف فيتأخر الحكم إلى انضمام ما يقوم إليه وهو القبض كعقد التبرع ; ولأنه لو ثبت الملك قبل القبض يثبت بغير عوض فإن المسمى لا يجب للفساد ، والضمان لا يجب إلا بالقبض فلهذا تأخر الملك إلى ما بعد القبض ، وهكذا نقول في البيع بشرط الخيار فإنه انعقد مفيدا لحكمه ولكنه أخر ثبوت الحكم إلى سقوط الخيار على أن ذلك في معنى المعلق بالشرط ; لأنه يقول على أني بالخيار والمتعلق بالشرط مقدم قبل الشرط ألا ترى أنه تعذر إعمال التعليق في أصل السبب فيجعل عاملا في الحكم وليس من ضرورة الفساد انعدام العقد شرعا كالإحرام يفسد بالجماع ويبقى أصله ، والطلاق في حالة الحيض حرام شرعا ، ويكون مفيدا بحكمه والظهار حرام شرعا ثم ينعقد موجبا حكمه ، والدليل عليه أن المقبوض يصير مضمونا والضمان إنما يجب بطريق الجبران أو بالعقد ، وهنا وجوب الضمان ليس بطريق [ ص: 25 ] الجبر ; لأنه يقبضه بإذن المالك فعرفنا أن وجوب الضمان بالعقد ، وهكذا نقول في المقبوض على سوم البيع أنه مضمون بالعقد ولكن على وجه وهو أن يجعل الموعود من العقد كالمتحقق وليس بينهما عقد موجود هنا فعرفنا أن الضمان باعتبار العقد المتحقق ، وإذا ثبت هذا في البيع مع الشرط الفاسد فكذلك في الربا ; لأن الفساد يكون لمعنى في وصف العقد ، فإن بالفضل يصير البيع رابحا ، وكذلك في البيع بالخمر فإن ركن العقد المالية في البدلين وبتخمر العصير لا تنعدم المالية وإنما ينعدم التقوم شرعا فإن المالية تكون بكون العين منتفعا بها وقد أثبت الله - تعالى - ذلك في الخمر بقوله تعالى { ومنافع للناس } ولأنه كان مالا متقوما قبل التحريم .

وإنما ثبت بالنص حرمة التناول ونجاسة العين ، وليس من ضرورته انعدام المالية كالسرقين إلا أنه فسد تقومه شرعا لضرورة وجوب الاجتناب عنه بالنص ، ولهذا يكون مالا في حق أهل الذمة فانعقد العقد بوجود ركنه في محله بصفة الفساد ولكن الخمر لا يملك بالقبض ; لأنه غير متقوم شرعا فيملك بأدائه لانعقاد العقد موجبا الملك فيه بخلاف البيع بالميتة والدم فذلك ليس بمال في حق أحد فلانعدام ركن العقد في محله لا ينعقد العقد .

قال : ولو كان المشتري أعتق الجارية التي اشتراها بعقد فاسد بعد قبضه إياها أو باعها أو مهرها أو وهبها وسلمها أو دبرها أو كاتبها أو استولدها جاز جميع ذلك ; لأنه تصرف في ملكه وهذا التعليل نص عليه محمد في كتاب الشهادات في نظير هذا قال : لأنه مالك رقبتها وهنا قال ; لأن البائع سلطه عليها وهو إشارة إلى ما قلنا ; لأن التمليك تسليط على التصرف فصار كما لو سلطه على الإعتاق نصا بأن قال أعتقتها ألا ترى أنه ذكر في كتاب الاستحسان إذا اشترى طعاما حل له أن يتناول من ذلك الطعام ; لأن البائع سلطه على ذلك فلما كان العقد الجائز يعتبر التسليط في حق تناول الطعام فكذا في حق الفاسد ولهذا قلنا : إنه لا يحل له أن يطأها ; لأن الوطء مما لا يستباح بصريح التسليط فكذلك لا يستباح به دلالة ، ويعود التصرف باعتبار أصل الملك دون صفة الحل وقد ثبت أصل الملك فيثبت التسليط على التصرف ثم قد تعذر رد عينها فيلزمه رد قيمتها ، وإنما تعذر الرد باعتبار هذه التصرفات نحو البيع والهبة وما أشبه ذلك ; لأن المشتري شرى فاسدا لما باع من غيره وسلمه إليه تعلق بهذا العين حق المشتري الثاني وحق الله - تعالى - من حيث فسخ العقد بالرد على البائع الأول وحق الله - تعالى - مع حق العبد إذا اجتمعا تقدم حق العبد لا تهاونا بحق الله - تعالى - ولكن الله تعالى أغنى والعفو منه أرجى بخلاف المشتري من [ ص: 26 ] الغاصب ; لأنه تعلق به حق المشتري وحق المغصوب منه وكل واحد من الحقين حق العبد فترجح حق المغصوب منه ; لأنه أسبق .

قال : وليس عليه في الوطء مهر وفي كتاب السرب يقول وعليه العقر قبل تأويل المسألة إذا لم يستولدها بالوطء حتى ردها على البائع فإن بردها ينفسخ الملك من الأصل فتبين أن الوطء صادف ملك الغير فيلزمه العقر بالوطء وهنا قال استولدها وبالاستيلاد يتقرر ملكه فإنما وطئها وهي مملوكة له فلا يلزمه العقد بذلك وقيل : ما ذكر هنا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وما ذكر هناك قول محمد وأصله فيما ذكر هشام أنها لو زادت في يد المشتري في بدنها ثم أعتقها فعليه ضمان قيمتها وقت القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - وعند محمد وقت العتق فلما كان محمد ثبت حق البائع في الزيادة ويجعلها مضمونة على المشتري بالإتلاف فكذلك المستوفي بالزيادة في حكم زيادة هي ثمرة ومن أصلها أن الزيادة تكون في يد مضمونة على المشترى بالإتلاف فكذلك المستوفي بالوطء فلهذا لا مهر عليه قال : وإن رهنها فعليه قيمتها ; لأن عقد الرهن إذا اتصل به القبض يكون لازما في حق الراهن فيثبت به عجزه عن رد العين فلهذا لزمته قيمتها وإن افتكها قبل أن يضمنه القاضي قيمتها ردها عليه ; لأن المانع قد زال قبل تحول حق البائع إلى القيمة .

وكذلك إن عجزت عن الكتابة ; لأن المانع حق المكاتب ، وقد سقط قبل أن يتحول الحق إلى القيمة فإن التحول إنما يكون بقضاء القاضي فكذلك إن رجع في الهبة بقضاء أو بغير قضاء ردها على البائع ; لأنه يعود إليه قديم ملكه في الوجهين فكذلك إن رد عليه بعيب قبل أن يقضي القاضي عليه بالقيمة فإن ذلك كله يمنع قضاء القاضي بالقيمة ، فإن كان ذلك كله بعد قضاء القاضي بالقيمة فقد تم تحول الحق إلى القيمة فلا يعود في العين بعد ذلك كما لو أبق المغصوب فقضى القاضي بقيمته على الغاصب ثم عاد قال : ولو كان أجرها فله أن ينقض الإجارة ويردها ; لأن الإجارة تنفسخ بالأعذار وقيام حق الشرع في الرد لفساد السبب منه أقوى الأعذار فتنفسخ الإجارة ، ألا ترى أن المشتري لو أجر المبيع ثم وجد به عيبا كان له أن ينقض الإجارة ليرده فهذا أولى

قال وإن اشترى الرجل شيئا إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء أو إلى جذاذ النخل أو رجوع الحاج فهذا كله باطل بلغنا نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في البيع إلى العطاء فإن عائشة كانت تجيز البيع إلى العطاء ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يفسد ذلك وابن أبي ليلى [ ص: 27 ] رحمه الله أخذ بقول عائشة وقال : البيع جائز والمال حال ; لأن العقد لما لم يكن صالحا للأجل الذي ذكره لغا ذكره فأما عائشة كانت تقول : وقت خروج العطاء معلوم بالعرف لا يتأخر الخروج عنه إلا نادرا فكان هذا بيعا بأجل معلوم ، ولكنا أخذنا بقول ابن عباس رضي الله عنه ; لأن العطاء فعل العباد قد يتقدم وقد يتأخر بحسب ما يبدو لهم والآجال بالأوقات دون الأفعال قال الله - تعالى - { قل هي مواقيت للناس والحج } ثم الشرط في البيوع ببدل مؤجل إعلام الأجل كما قال صلى الله عليه وسلم في السلم إلى أجل معلوم وإعلام الأجل يكون بما لا يتقدم ولا يتأخر من الأيام والشهور فأما ما يتقدم ويتأخر من أفعال العباد يكون مجهولا وكذلك الحصاد فإنه من أفعالنا ، وقد يتقدم أو أنه قد يتعجل الحر وقد يتأخر إذ إبطاء البرد والدياس وجذاذ النخل وكذلك الحصاد ورجوع الحاج فعله قد يتقدم وقد يتأخر
قال : فإن أبطل المشتري الأجل الفاسد ونقد الثمن في المجلس أو بعد الافتراق عن المجلس جاز البيع عندنا استحسانا وقال زفر والشافعي - رحمهما الله تعالى - لا يجوز البيع ; لأنه انعقد فاسدا وتصحيح العقد الفاسد في استقباله كالنكاح بغير شهود لا ينقلب صحيحا بالإشهاد والنكاح إلى أجل لا ينقلب صحيحا بإسقاط الأجل ، ودليل فساد العقد أن المبيع مضمون على المشتري بالقيمة لو هلك في يده وأن كل واحد منهما يتمكن من فسخ العقد بغير رضاء صاحبه ، وأن للبائع أن يسترده بزوائده المتصلة والمنفصلة ولكنا نقول المانع من صحة البيع زال قبل تقرره فيصح البيع كما لو باع فصا في خاتم أو جذعا في سقف ثم نزعه وسلمه إلى المشتري البيع كان صحيحا وتحقيق هذا الكلام أن نفس الأجل غير مفسد للبيع ، وإنما المفسد جهالة وقت الحصاد ، وذلك غير موجود في الحال فالشتاء ليس زمان الحصاد بيقين ، ولكنه وصل ذلك الزمان بما قبله في الذكر ولأجله فسد العقد وهذا اتصال يعرض للفصل فإذا أسقطه مجيء أوان الحصاد فقد تحقق الانفصال فبقي العقد صحيحا كما في الجذع فإنه عين مال متقوم ولكن لاتصاله بالسقف وللضرر في نزعه كان لا يصح البيع فإذا نزعه زال ذلك المعنى كذا هذا حتى لو جاءه زمان الحصاد وتحقق الاتصال على وجه لا يمكن فصله بتقرر الفساد ، وهذا بخلاف النكاح بغير شهود ; لأن المفسد هناك انعدام شرط الجواز ولا يزول ذلك بالإشهاد بعد العقد ، والنكاح إلى أجل متعة والمتعة عقد آخر سوى النكاح وهذا بخلاف البيع إلى هبوب الريح وإمطار السماء ; لأن ذلك ليس بأجل فالأجل ما يكون منتظر الوجود ، وهبوب الريح وإمطار السماء قد يتصل بكلامه [ ص: 28 ] فعرفنا أنه ليس بأجل بل هو شرط فاسد ولأجله فسد العقد وهذا بخلاف ما إذا باع بألف وبرطل من خمر فإن ذلك العقد ينقلب صحيحا عندنا إذا اتفقا على إسقاط الخمر نص عليه في آخر الصرف إلا أن هناك لا ينفرد به البائع ; لأنه تصرف في البدل فلا يتم إلا بهما وهنا ينفرد به من له الأجل ; لأنه خالص حقه فيسقط بإسقاطه .
قال : وإن اشترى إلى النيروز أو إلى المهرجان فهو فاسد أيضا ; لأنه ليس من آجال المسلمين ولأنهم لا يعرفون وقت ذلك عادة وإن كان معلوما عند المتعاقدين فهو جائز بمنزلة الأهلة ; لأن الشرط إعلام المتعاقدين الأجل بينهما وكذلك إلى الميلاد قيل : المراد وقت نتاج البهائم .

وذلك قد يتقدم وقد يتأخر بمنزلة الحصاد وقبل ولادة امرأة بعينها هي حبلى ، وقد يتقدم وقد يتأخر وقبل وقت ولادة عيسى عليه السلام وذلك غير معلوم عند المسلمين وكذا إلى صوم النصارى ; لأن المسلمين لا يعرفون وقت ذلك ، وقد يتقدم وقد يتأخر وكذا إلى فطر النصارى قبل أن يشرعوا في صومهم ; لأن ذلك قد يتقدم وقد يتأخر بحسب شروعهم في الصوم إلا أن يكون ذلك معلوما عند المتعاقدين على وجه لا يتقدم ولا يتأخر وإن اشتراه إلى فطر النصارى بعدما شرعوا في الصوم جاز ; لأن مدة صومهم معلومة بالأيام فإذا شرعوا في الصوم صار وقت فطرهم معلوما

قال : وإذا اشترى شيئا إلى أجلين وتفرقا عن ذلك لم يجز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرطين في بيع وإن ساومه على ذلك ثم قاطعه على أحدهما وأمضى البيع عليه جاز
ولا بأس بطيلسان كردي بطيلسانين حواريين إلى أجل لأنهما جنسان باختلاف الصنعة والمقصود ، وكذا لا بأس بمسح موصلي بمسحين ساريين إلى أجل ، وكذلك لا بأس بقطيفة يمانية بقطيفتين كرديتين إلى أجل .

وهذا مبني على الأصل الذي بينا أن اختلاف الصنعة والمقصود تختلف باختلاف الجنس وإن كان الأصل واحدا وحرمة النساء لا تثبت إلا باعتبار أحد الوصفين والله أعلم
باب الاختلاف في البيوع قال - رحمه الله - : إذا اشترى سمنا أو غيره في زق فوزنه ثم جاء بالزق ليرده فقال البائع : ليس هذا بزقي وقال المشتري : بل هو زقك فالقول قول المشتري مع يمينه ; لأن الزق أمانة في يد المشتري والقول في تعيين الأمانة قول الأمين ، وإن كان مضمونا في يده كان القول في تعيينه أيضا قوله كالمغصوب ولأن حقيقة الاختلاف بينهما في مقدار ما قبض من المعقود [ ص: 29 ] عليه فإن ذلك يختلف باختلاف وزن الزق فالبائع يدعي الزيادة فعليه البينة والمشتري منكر للزيادة فالقول قوله مع يمينه

قال وإن اشترى عبدين فقبض أحدهما ومات عنه ومات الآخر عند البائع ثم اختلفا في قيمة المقبوض وفي قيمة الآخر فالقول قول المشتري مع يمينه ; لأن حاصل اختلافهما في مقدار ما قبضه المشتري فالبائع يقول قبضت ثلثي المعقود عليه فإن قيمة المقبوض ألف وقيمة الآخر خمسمائة والمشتري ينكر ذلك ويقول ما قبضت إلا ثلث المعقود عليه فإن قيمة المقبوض خمسمائة وقيمة الآخر ألف فالقول قول المشتري مع يمينه لإنكاره القبض فيما زاد على الثلث ، ألا ترى أنه لو اشترى كر حنطة فقبض بعضه وهلك الباقي عند البائع فقال المشتري : قبضت منك ثلثه ، وقال البائع نصفه كان القول قول المشتري مع يمينه .

ولو كان المشتري قبض العبدين فمات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بالعيب فاختلفا في قيمة الميت كان القول قول البائع مع يمينه ; لأن المشتري هنا قبض جميع المعقود عليه ثم وقع الاختلاف بينهما في مقدار ما رده بالعيب فالمشتري يدعي الزيادة فيه والبائع ينكره فكان القول قول المنكر مع يمينه يوضح الفرق ، نحن نعلم أن الثمن كله لم يتقرر على المشتري وإنما الاختلاف بينهما في مقدار ما تقرر من الثمن على المشتري فالبائع يدعي في ذلك زيادة والمشتري منكر ردهما اتفقا أن جميع الثمن متقرر على المشتري بالقبض ثم الاختلاف بينهما في مقدار ما سقط عنه بالرد فالمشتري يدعي زيادة في ذلك والبائع منكر فكان القول قوله مع يمينه ويقسم الثمن على قيمة الذي يريد رده غير معيب وعلى قيمة الميت كما أقر به البائع ; لأن الانقسام على قيمة المبيع كما دخل في العقد ، وقد دخل في العقد غير معيب ، ولو أقاما جميعا البينة على قيمة الميت أخذت بينة البائع أيضا ; لأنها مثبتة الزيادة في المشهود به وهو قيمة الميت والمثبت للزيادة من البينتين يترجح

قال : وإذا اختلف البائع والمشتري في الثمن والسلعة قائمة في يد البائع أو المشتري فإنهما يتحالفان ويترادان استحسانا ، وفي القياس القول قول المشتري ; لأنهما اتفقا على أصل البيع وادعى البائع زيادة في حقه وهو الثمن والمشتري منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم { واليمين على من أنكر } ولكن تركنا القياس بالسنة ، والمروي في الباب حديثان أحدهما حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا اختلفا المتبايعان والسلعة قائمة بعينها فالقول ما يقوله البائع ويترادان } ، والثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا } [ ص: 30 ] فالحديث صحيح مشهور فيترك كل قياس بمقابلته وكان أبو حازم القاضي يقول : إن كانت السلعة في يد البائع فالتحالف بطريق القياس ; لأن كل واحد منهما يدعي حقا لنفسه على صاحبه فإن البائع يدعي زيادة الثمن والمشتري يدعي وجوب تسليم السلعة إليه عند أداء ما أقر به من الثمن فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه قياسا وإن كانت في يد المشتري فالتحالف بخلاف القياس ; لأن المشتري لا يدعي لنفسه على البائع شيئا فإن المبيع مسلم إليه باتفاقهما ، وكان أبو يوسف يقول : أولا يبدأ بيمين البائع وهو قول زفر وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ; لأن الشرع جعل القول قول البائع وهو يقتضي الاكتفاء بيمينه .

وإن كان لا يكتفي بيمينه فلا أقل من أن يبدأ بيمينه ، ولأن المقصود من الاستحلاف النكول وبنكوله تنقطع المنازعة بنفسه ، وبنكول المشتري لا تنقطع المنازعة ولكن يجبر على أداء ما ادعى من الثمن ، واليمين تقطع المنازعة فيبدأ بيمين من يكون نكوله أقرب إلى قطع المنازعة ثم رجع فقال يبدأ بيمين المشتري وهو قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ; لأنه أظهرهما إنكارا ، واليمين على المنكر ولأن أول التسليمين على المشتري وهو تسليم الثمن فأول اليمينين عليه ولهذا قلنا في بيع المقابضة : القاضي يبدأ بيمين أيهما شاء ; لأنه لا يجب على أحدهما التسليم قبل صاحبه وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه ; لأن نكوله بدل ، أو هو قائم مقام الإقرار ، وإن حلفا جميعا معا ، ذكر في كتاب الدعوى أن في القياس يكون البيع بينهما بألف درهم ; لأن الزيادة التي ادعاها البائع انتفت بيمين المشتري وقد تصادقا على صحة البيع بينهما فيقضي بالبيع بما وقع عليه الاتفاق من الثمن ، ولكنا تركنا القياس وقلنا : يفسخ البيع بينهما بالسنة وهو قوله صلى الله عليه وسلم ويترادان والمراد رد العقد لا رد المقبوض ; لأن ما يكون على ميزان التفاعل يقتضي وجوده من الجانبين ، وأحد البدلين غير مقبوض ، وقد بينا في السلم أنه إنما يفسخ العقد إذا طلب ذلك أحدهما وأيهما أقام البينة أوجب قبول بينته ، أما البائع فلأنه مدعي حقيقة ، وقد أثبت الزيادة بالبينة ، وأما المشتري فلأنه مدعي صورة ; لأنه يدعي العقد بألف درهم والدعوى صورة تكفي لقبول البينة كالمودع إذا ادعى رد الوديعة وأقام البينة .

وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة البائع لما فيها من إثبات الزيادة

قال : وإن كانت السلعة قد هلكت في يد المشتري ثم اختلفا في الثمن فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - القول قول المشتري مع يمينه ، وعند محمد والشافعي - رحمهما الله تعالى - يتحالفان ويترادان العقد لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم إذا اختلفا [ ص: 31 ] المتبايعان ترادا ولا يمنعا من الاستدلال لظاهر هذا الحديث الآخر من ظاهر قوله والسلعة قائمة بعينها ; لأن ذلك مذكور على سبيل التثنية أي تحالفا ، وإن كانت السلعة قائمة ; لأن عند ذلك يتأتى تميز الصادق من الكاذب بتحكيم قيمة السلعة في الحال ولا يتأتى ذلك بعد هلاك السلعة فإذا كان تحري التحالف مع إمكان تميز الصادق من الكاذب فعند عدم الإمكان أولى ولأن التحالف عند قيام السلعة إنما يصار إليه ; لأن كل واحد منهما يدعي عقدا ينكره صاحبه فالبيع بألف غير البيع بألفين ألا ترى أن شاهدي البيع إذا اختلفا في مقدار الثمن لا تقبل الشهادة ، والدليل عليه أنه لو انفرد كل واحد منهما بإقامة البينة وجب قبول بينته فعرفنا أن كل واحد منهما يدعي عقدا ينكره صاحبه فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه .

وهذا المعنى عند هلاك السلعة متحقق فصار كما لو ادعى أحدهما البيع والآخر الهبة ، أو كان البيع مقابضة وهلك أحد البدلين ثم اختلفا أو قبل المبيع قبل القبض ثم اختلفا في الثمن فإنهما يتحالفان ، ثم إذا حلفا فقد انتفى كل واحد من الثمنين بيمين المنكر منهما فيبقى البيع بلا ثمن والبيع بغير ثمن يكون فاسدا والمقبوض بحكم عقد فاسد يجب رد عينه في حال قيامه ورد قيمته بعد هلاكه ، وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - استدلا بقوله صلى الله عليه وسلم { البينة على من ادعى واليمين على من أنكر } والبائع هو المدعي والمشتري منكر فكان القول قوله مع اليمين فأما المشتري لا يدعي لنفسه شيئا على البائع ; لأن المبيع مملوك له مسلم إليه باتفاقهما وهذا هو القياس حال قيام السلعة أيضا ولكنا تركناه بالنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا } وقوله : والسلعة قائمة مذكورة على وجه الشرط لا على وجه البينة ; لأن قوله : إذا اختلفا المتبايعان شرط وقوله : والسلعة قائمة بعينها معطوف على الشرط فكان شرطا ; لأن موجب الاشتراط والمخصوص من القياس بالسنة لا يلحق به إلا ما كان في معناه وحال هلاك السلعة ليس في معنى حال قيام السلعة ; لأن عند قيام السلعة يندفع الضرر عن كل واحد منهما بالتحالف فإنه ينفسخ العقد فيعود إلى كل واحد منهما رأس ماله بعينه وبعد هلاك السلعة لا يحصل ذلك فالعقد بعد هلاك السلعة لا يحتمل الفسخ ألا ترى أنه لا ينفسخ بالإقالة والرد بالعيب فكذلك بالتحالف وهذا ; لأن الفسخ لا يراد إلا على ما ورد عليه العقد .

والمعقود عليه فات لا إلى بدل فإن القيمة قبل الفسخ لا تكون واجبة على المشتري والفسخ على غير محله لا يتأتى بخلاف بيع المقابضة فإن أحد العوضين هناك قائم وهو معقود عليه ولهذا جاز [ ص: 32 ] الفسخ بالإقالة والرد بالعيب ، فكذلك بالتحالف ، وكذلك إذا قبل المبيع قبل القبض فالقيمة هناك واجبة على القاتل وهي قائمة مقام العين في إمكان فسخ العقد عليها ; لأن القيمة الواجبة قبل القبض لما ورد عليها القبض المستحق بالعقد كانت في حكم المعقود عليه ولا معنى لقوله : أن كل واحد منهما يدعي عقدا آخر فإن العقد لا يختلف باختلاف الثمن ألا ترى أن الوكيل بالبيع بألف يبيع بألفين وأن البيع بألف قد يصير بألفين بالزيادة في الثمن ، والبيع بألفين يصير بألف عند حط بعض الثمن واختلاف الشاهدين في مقدار الثمن إنما يمنع قبول الشهادة لا لاختلاف العقد بل ; لأن المدعي يكذب أحدهما وقبوله بينة المشتري عند الانفراد ; لأنه مدعي صورة لا معنى وذلك يكفي لقبول بينته ، ولكن لا يتوجه به اليمين على خصمه كالمدعي يدعي رد الوديعة فلا يتوجه اليمين على خصمه وإن كانت بينته تقبل عليه ، والدليل عليه أن المشتري لو كان جارية حل للمشتري وطؤها ، ولو كان الاختلاف في الثمن موجبا اختلاف العقد لما حل له وطؤها كما لو ادعى أحدهما البيع والآخر الهبة ولهذا تبطل دعوى الفساد وهو قوله : إنهما إذا حلفا يبقى العقد بلا ثمن ; لأنه لو كان هكذا لما حل له وطؤها ولأن القاضي إنما يفسخ البيع عند طلب أحدهما وما لم يفسخ حل للمشتري وطؤها ولو فسد البيع بالتحالف لما حل له وطؤها ولما تأخر حكم الفسخ إلى طلب أحدهما والحديث المطلق فيه ما يدل على قيام السلعة وهو لفظ التراد ; لأنه إن كان المراد رد المأخوذ حسا وحقيقة فذلك يتأتى عند قيام السلعة وإن كان المراد العقد فقد بينا أن الفسخ إنما يتأتى عند قيام السلعة مع أن المطلق والمقيد في حادثة واحدة في حكم واحد إذا ورد فالمطلق محمول على المقيد


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.05 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]