عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 15-12-2025, 10:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 212 الى صـــ 219
(269)





، قال : ( وإذا دفع إلى رجل عشرة دراهم ليسلمها في طعام فناول الوكيل رجلا فبايعه فإن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان العقد للآمر وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان عاقدا لنفسه ) لأن الظاهر يدل على ذلك ولأن فعله محمول على ما يحمل وفيما يعقد لنفسه لا يحل له إضافة العقد إلى دراهم غيره وإن عقد السلم بعشرة مطلقة ثم نواها للآمر فالعقد له وإن لم تحضره نية فإن دفع دراهم نفسه فالعقد له وإن دفع دراهم الآمر فهو للآمر في قول أبي يوسف وقال : محمد هو عاقد لنفسه ما لم ينو عند العقد أنه للآمر وإن تكاذبا في النية فقال : الآمر نويته لي وقال : المأمور نويته لنفسي فالطعام للذي نقد دراهمه بالاتفاق فمحمد يقول الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه إلا أن يقترن بعمله دليل يدل على أنه يعمل لغيره وذلك بإضافة العقد إلى دراهم الغير أو النية للغير فإذا انعدم ذلك كان عاملا لنفسه ولا يمكن أن يجعل نقد الدراهم دليلا على ذلك لأن نقد الدراهم لا يقترن بالعقد بل يكون بعده وبعد ما أوقع العقد له لا يتحول إلى غيره وإن دراهم الغير وبه فارق التكاذب لأن النقد موجود عند التكاذب فيمكن أن يجعل دليلا من حيث شهادة الظاهر لأحدهما لأن الظاهر أنه فيما عقد لنفسه لا ينقد دراهم الغير فإذا كان المنقود دراهم الآمر فالظاهر يشهد له فكان القول قوله يوضحه أن بقبول الوكالة من الغير لا يحيل ولايته على نفسه وقبل قبول الوكالة كان مطلق عقده لنفسه فكذلك بعد قبول الوكالة لأن تلك الولاية باقية بعد قبول الوكالة كما كانت قبله ولأن موجب العقد وقوع الملك له في الطعام للعاقد إلا أنه إذا نوى للموكل فالموكل يخلفه في ذلك الملك والمصير إلى الخلف عند فوات ما هو الأصل وعند إطلاق العقد ما هو الأصل ممكن الاعتبار فلا يضاف إلى الخلف وأبو يوسف يقول العقد والنقد كشيء واحد حكما لأن النقد وإن كان بعد العقد صورة فهو كالمقترن بالعقد إذ لو لم [ ص: 213 ] يجعل كذلك كان دينا بدين وذلك لا يجوز

والدليل على أن بعد ما نقد الدراهم لو أراد أن يستردها ليعطي غيرها لم يملك كما لو اقترن التعيين بالعقد بأن أضاف العقد إلى دراهم الآمر ثم أراد أن يدفع غيرها ويجعل العقد لنفسه لم يملك ذلك فإذا صار كشيء واحد فهو دليل ظاهر على من وقع العقد له فيجب تحكمه كما في حالة التكاذب يوضحه أنه بعد قبول الوكالة يعقد للموكل بولايته الأصلية كما يعقد لنفسه ولهذا تعلق به حقوق العقد في الوجهين فإذا استوى الجانبان يصار إلى ترجيح أحدهما بالنقد كما يصار إليه عند التكاذب وفرق أبو يوسف بين هذا وبين المأمور بالحج عن الغير إذا أطلق النية عند الإحرام فإنه يكون عاقدا لنفسه فإن الحج عبادة والعبادات لا تتأدى إلا بالنية فكان مأمورا بأن ينوي عن المحجوج عنه ولم يفعل فصار مخالفا بترك ما هو الركن وأما في المعاملات فالنية ليست بركن فلا يصير بترك النية عن الآمر مخالفا فيبقى حكم عقده موقوفا على النقد .

قال ( وإن وكله بثوب يبيعه بدراهم فأسلمه في طعام إلى أجل فهو عاقد لنفسه ) لأنه خالف ما أمره به نصا وإن أمره ببيعه ولم يسم له الثمن فأسلمه في طعام جاز على الآمر في قول أبي حنيفة ولم يجز في قولهما
وهذه فصول ( أحدها ) أن الوكيل في البيع مطلقا يبيع بالنقد والنسيئة عندنا وقال الشافعي لا يبيع إلا بالنقد لأن مطلق التوكيل بالبيع معتبر بمطلق إيجاب البيع ومطلق إيجاب البيع ينصرف إلى الثمن الحال دون النسيئة فكذلك مطلق التوكيل وهذا لأن الأجل شرط زائد على ما يتم به العقد فلا يثبت الإذن فيه إلا بالتنصيص ولكنا نقول أمره ببيع مطلق فلا يجوز إثبات التقييد فيه من غير دليل والتقييد بالثمن الحال بعدم صفة الإطلاق ولا دلالة عليه في كلامه نصا ولا عرفا فالبيع بالنسيئة معتاد بين التجار كالبيع بالنقد وربما يكون البيع بالنسيئة أقرب إلى تحصيل مقصودهما وهو الربح والدليل عليه أن المضارب والأب والوصي يملكون البيع بالنسيئة وأما مطلق إيجاب البيع فإما يحمله على النقد لتعذر اعتبار الإطلاق فإن البيع يستدعي صفة معينة في الثمن ألا ترى أنه لو بعته منك بالنقد والنسيئة لا يجوز وفي التوكيل لا يوجد مثل هذا فالتوكيل صحيح بدون تعيين أحد الوصفين حتى لو قال بعته بالنقد أو بالنسيئة يجوز ثم قيل على قول أبي حنيفة يجوز بيعه بثمن مؤجل طالت المدة أو قصرت وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز بأجل متعارف ولو أجله مدة غير متعارفة في مثل تلك السلعة لا يجوز بمنزلة البيع بالغبن الفحش عندهما وعند أبي يوسف

قال ( إن أمره بالبيع على وجه التجارة فله ) [ ص: 214 ] أن يبيعه بالنسيئة أما إذا أمره بالبيع لحاجته إلى النفقة أو إلى قضاء دينه فليس له أن يبيعه بالنسيئة ولو باعه بغبن جاز عند أبي حنيفة سواء كان الغبن يسيرا أو فاحشا وعندهما لا يجوز بيعه بغبن فاحش لأن دليل العرف يفيد مطلق التوكيل حتى يتقيد التوكيل بشراء الأضحية بأيام النحر والتوكيل بشراء الفحم زمان الشتاء والجمد بزمان الصيف فإنه إذا وكله أن يشتري له جمدا في الشتاء يكون مشتريا لنفسه وإن كان التوكيل مطلقا فصح ما ذكرنا والبيع بغبن فاحش ليس بمتعارف فالظاهر إنما يستعين بغيره فيما يعجز عن مباشرته بنفسه وهو لا يعجز عن بيع ما يساوي مائة درهم بعشرة دراهم وقاسا بالوكيل بالشراء فإن شراءه بالغبن الفاحش لا ينفذ على الأمر كذلك الوكيل بالبيع لأن كل واحد منهما أمر بما هو من صنيع التجار وكذلك الأب والوصي لا يملكان بيع مال اليتيم بغبن فاحش لهذا المعنى ولأن المحاباة الفاحشة كالهبة حتى إذا حصلت من المريض تعتبر من الثلث والوكيل بالبيع لا يملك الهبة وأبو حنيفة يقول أمره بمطلق البيع وقد أتى به لأن البيع مبادلة مال بمال شرطا وقد وجد ذلك فما من جزء من المبيع إلا ويقابله جزء من الثمن ألا ترى أن المبيع لو كان دارا يجب للشفيع الشفعة في جميعه وبه يتبين أنه بيع وليس بهبة وبأن اعتبر من الثلث في حق المريض هذا لا يدل على أنه ليس ببيع وإن الوكيل لا يملكه كالبيع بغبن يسير والدليل عليه أن من حلف لا يبيع فباع بغبن فاحش يحنث ولا يحنث إلا بكمال الشرط فعرفنا أنه بيع مطلق فيصير الوكيل به ممتثلا للآمر فإنا لو قيدنا بالبيع بمثل القيمة أبطلنا حكم الإطلاق من كلامه وذلك لا يجوز من غير دليل

فأما العرف الذي قال قلنا هذا مشترك فالإنسان قد يبيع الشيء تبريا منه ولا يبالي عند ذلك بقلة الثمن وكثرته وقد يبيعه لطلب الربح فعند ذلك لا يبيعه بالغبن عادة وبالمشترك لا يبطل حكم الإطلاق ثم البيع بالغبن متعارف فالمقصود من البيع الربح وذلك لا يحصل إلا وأن يصير أحدهما مغبونا والإنسان يرغب في شراء ما يساوي عشرة بدرهم ولكن لا يجد ذلك فإما أن لا يكون متعارفا فلائم العرف لا يعارض النص والإطلاق ثابت بالنص فلا يبطل بالعرف كما في اليمين فإن العرف كما يعتبر في الوكالة يعتبر في اليمين وما ذكر من مسألة الأضحية وغيرها فهي مروية عن أبي يوسف

فأما عند أبي حنيفة يعتبر الإطلاق في جميع ذلك ودليل التقييد التهمة في الموضع الذي يثبت التقييد فيه ولهذا قال أبو حنيفة الوكيل بالبيع لا يبيع من أبيه وابنه للتهمة ولا تهمة [ ص: 215 ] في بيعه من الأجنبي بقليل القيمة لأن ما يستوفى من الثمن يسلمه إلى الآمر قل أو كثر وبه فارق الوكيل بالشراء فهناك التهمة متمكنة اشتراه لنفسه فلما علم بالغبن أراد أن يلزمه الآمر ولأن الوكيل بالشراء كما يستوجب الثمن في ذمة نفسه يوجب لنفسه مثله في ذمة الآمر والإنسان متهم في حق نفسه فلا يملك أن يلزم ذمة الآمر الثمن ما لم يدخل في ملكه بإزائه ما يعدله ولهذا لو قال اشتريت وقبضت الثمن وهلك في يدي فهات الثمن فإنه لا يقبل قوله بخلاف الوكيل بالبيع فإنه لو قال بعت وقبضت الثمن وهلك عندي كان القول قوله ولأن أمره بالشراء يلاقي ملك الغير وليس للإنسان ولاية مطلقة في ملك الغير فلا يعتبر إطلاق أمره فيه بخلاف البيع فإن أمره يلاقي ملك نفسه وله في ملك نفسه ولاية مطلقة ولأن اعتبار العموم والإطلاق في الوكيل بالشراء غير ممكن لأنه لو اعتبر ذلك اشترى ذلك المتاع بجميع ما يملكه الموكل وبما لا يملكه من المال ونحن نعلم أنه لم يقصد ذلك فحملناه على أخص الخصوص وهو الشراء بالنقد بالغبن اليسير وفي جانب البيع اعتبار العموم والإطلاق ممكن لأنه لا يتسلط به على شيء من ماله سوى المبيع الذي رضي بزوال ملكه وهذا بخلاف الأب والوصي لأن ولايتهما مقيدة بالأنظر والأصلح ولا يوجد في البيع بالغبن الفاحش
وعلى هذا الخلاف لو باعه الوكيل بعرض يجوز عند أبي حنيفة لإطلاق الأمر ولا يجوز عندهما لأن البيع بعرض شراء من وجه فكل واحد منهما في بدل صاحبه مشتر وإنما أمره بالبيع فلا يملك به ما هو متردد بين البيع والشراء وأبو حنيفة يقول فعله فيما يتناوله الآمر بيع من كل وجه لأنه يزيله عن ملكه بعرض هو مال والبيع ليس إلا هذا ثم جانب البيع يترجح علي جانب الشراء في البيع ألا ترى أن أحد المضاربين إذا اشترى بغير إذن صاحبه كان مشتريا لنفسه ولو باع بغير إذن صاحبه شيئا من مال المضاربة يتوقف على إجازة صاحبه فإن باعه بعرض يتوقف أيضا فإن أجاز صاحبه كان تصرفه على المضاربة فعرفنا أن جانب البيع يترجح فيه وعلى هذا لو باعه الوكيل بمكيل أو موزون فعند أبي حنيفة يجوز على الآمر وعندهما لا يجوز إلا أن يبيعه بالنقد إذا عرفنا هذا فنقول إذا أسلم الثوب في طعام إلى أجل فقد أزال الثوب عن ملكه بالطعام وذلك جائز على الأمر عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز لأنه لم يبعه بالنقد والتوكيل انصرف إليه خاصة
قال ( وإذا وكله بالسلم فأدخل الوكيل في العقد شرطا أفسده لم يضمنه الوكيل لأنه لم يخالف وإنما يضمن الوكيل بالخلاف لا بالإفساد ) [ ص: 216 ] وهذا لأنا لو ضمناه بإفساد العقد تحرز الناس عن قبول الوكالات فكل أحد لا يكون كأبي حنيفة في العلم بالأحكام والأسباب المقيدة للعقد .
قال ( وأكره توكيل الذمي يعقد له السلم وإن فعله يجوز لأن الذمي لا يتحرز عن الربا وعن مباشرة العقد الفاسد إما لجهله بذلك أو لاعتقاده أو قصده أن يوكل المسلم الحرام فلهذا يكره له أن يأتمنه على ذلك ويجوز له إن فعله ) لأن عقد السلم من المعاملات وهم في ذلك يستوون بالمسلمين
قال ( وليس للوكيل بالسلم أن يوكل غيره به ) لأن هذا عقد يحتاج فيه إلى الرأي والتدبير والموكل رضي برأيه دون رأي غيره بخلاف المضارب يوكل بالسلم فيجوز لأن رب المال قد رضي برأيه وبتوكيله حين فوض إليه الاسترباح عاما وذلك بتجارة حاضرة وغائبة وإذا اشتغل بأحدهما بنفسه فلا يجد بدا من أن يستعين فيه بالآخر بخلاف الوكيل إلا أن يكون الآمر قال له ما صنعت فيه من شيء فهو جائز فيجوز حينئذ لأنه أجاز صنيعه عاما والتوكيل من صنعه فيدخل في عموم إجازته

ولا يجوز للمسلم عقد بيع ولا يسلم لنفسه على الخمر ولا للكافر لأن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم وهو العاقد عليها سواء عقده ذلك لنفسه أو لكافر بخلاف المسلم يتوكل عن المجوسي في أن يزوجه مجوسية فيجوز ذلك لأن الوكيل في النكاح معبر لا يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل فيعتبر جانب الموكل وفي البيع والسلم هو عاقد لنفسه عن الإضافة في العقد إلى غيره فيعتبر جانبه
قال ( وإن وكل المسلم الذمي بأن يشتري له خمرا أو يسلم له فيها ففعل ذلك مع ذمي جاز على الآمر في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هو مشتر لنفسه ) لأن المسلم لا يملك هذا العقد لنفسه بنفسه فلا يصح توكيل غيره به كما لو وكل المسلم مجوسيا بأن يزوجه مجوسية وهذا لأنه لو نفد عقده على الآمر ملك المسلم الخمر بالعقد ولا يجوز أن يملك المسلم الخمر بعقد التجارة وهذا منهما نوع استحسان فكأنهما يقولان في البيع والشراء طرفان طرف العقد وطرف الملك فكما أن الكافر إذا وكل به المسلم لا يجوز لاعتبار طرف العقد فكذلك المسلم إذا وكل الكافر به لا يجوز لاعتبار طرف الملك بل أولى لأن العقد سبب الملك والثابت به الملك في المحل وهو المقصود فإذا وجبت مراعاة جانب العقد فلأن تجب مراعاة جانب الملك أولى وأبو حنيفة يقول الذي ولى الصفقة هو الوكيل والخمر مال متقوم في حقه يملك أن يشتريها لنفسه فيملك أن يشتريها لغيره وهذا لأن الممتنع ههنا بسبب الإسلام هو العقد على الخمر فالمسلم من أهل أن يملك الخمر ألا ترى [ ص: 217 ] أنه إذا تخمر عصير المسلم يبقى مملوكا له وإذا مات قريبه عن خمر يملكها بالإرث وهنا إن اعتبرنا جانب العقد فالعاقد من أهله وهو في حقوق العقد كالعاقد لنفسه وإن اعتبرنا جانب الملك فللمسلم من أهل ملك الخمر فيصح التوكيل ألا ترى أن في جانب العقد إفساد التوكيل إذا كان الوكيل مسلما يعتبر جانب العقد دون الملك فكذلك في جانب تصح الوكالة وبه فارق النكاح فالوكيل في باب النكاح سفير ومعبر فكان العاقد هو الموكل وقوله بأن الموكل يملك الخمر بالعقد فليس كذلك بل العقد يوجب الملك للعاقد ثم الموكل يخلفه في ذلك على ما قررنا والمسلم من أهل أن يملك الخمر بهذا الطريق كما إذا أذن لعبده الكافر في التجارة فاشترى العبد خمرا فإن المولى يملكها على سبيل الخلافة عنه

وكذلك المكاتب إذا كان كافرا واشترى خمرا ثم عجز فمولاه المسلم يملكها بطريق الخلافة عنه وفرقهما أن العبد والمكاتب يتصرفان لأنفسهما ولهذا لا يرجعان على المولى بعهدة تصرفهما فلهذا اعتبرنا حالهما فأما الوكيل فيتصرف للموكل حتى يرجع عليه بما يلحقه من العهدة ويكون الموكل في قرار العهدة عليه كأنه باشر التصرف بنفسه فكذلك في عقد الوكيل له على الخمر فإذا تعذر تنفيذ العقد على الآمر نفذ العقد على الوكيل

قال ( وإذا وكل الرجل الرجل بدراهم يسلمها له في طعام فصرفها الوكيل بدراهم غيرها فقد خالف العقد فكان مباشرا العقد لنفسه ضامنا لما صرفه من دراهم الآمر بعد ذلك ) وكذلك لو كان المدفوع دينارا فصرفه بدراهم ثم أسلمها في طعام فهو للوكيل لأنه خالف في العقد والبدل ثم أسلم بدراهم نفسه في الطعام فكان الطعام له وهو ضامن للدنانير
قال ( وإذا وكله رجلان أن يسلم لهما في طعام واحد ولكن من غير خلط جاز لأنه حصل مقصود كل واحد منهما بكماله ) فلا فرق بين أن يفعل ذلك في عقدة أو عقدتين وإذا خلط الدراهم ثم أسلمها كان مخالفا ضامنا لأن دراهم كل واحد منهما في يده أمانة فيصير بالخلط ضامنا متملكا كما هو أصل أبي حنيفة ثم أضاف عقد السلم إلى دراهم نفسه فكان الطعام له بخلاف الأول فلم يوجد هناك خلط موجب للضمان وإنما حصل الاختلاط في المسلم فيه حكما لاتحاد العقد حكما وبمثله لا يصير الأمين ضامنا وإن أسلم دراهم كل واحد منهما عن حدة إلى رجل واحد ثم اقتضى شيئا فادعى كل واحد منهما أي الآمرين أنه من حقه فالقول قول المسلم إليه لأنه هو الملك لما يوفي من الطعام فرجع في بيان ما يتملك إليه فإن كان هو غائبا فالقول قول الوكيل لأنه أحد المتعاقدين ولأن [ ص: 218 ] كل واحد منهما إنما يتملك بعقد باشره الوكيل فعند الاشتباه يرجع في البيان إليه فإذا قدم المسلم إليه وكذب الوكيل فالقول قول المسلم إليه لأنه هو الأصل في هذا البيان وسقط اعتبار الخلف عند ظهور الأصل

وإن أسلم الوكيل إلى نفسه فهو باطل لأن الواحد في عقد التجارة لا يصلح أن يكون مباشرا للعقد من الجانبين لما فيه من تضاد الأحكام فإنه يكون مملكا متملكا مسلما متسلما مخاصما متخاصما وذلك لا يجوز ولأنه متهم في حق نفسه وقد بينا أن التهمة تخصص الآمر المطلق وكذلك لو أسلم إلى شريك له مفاوض لأنهما بعقد المفاوضة صارا كشخص واحد في عقود التجارة فكل واحد منهما مطالب بما يجب على صاحبه فهو وما لو أسلم إلى نفسه سواء وكذلك إن أسلم إلى عبده لأن كسب العبد لمولاه فهو متهم في ذلك ، وكذلك ، إلى مكاتبه لأن له حق الملك في كسب المكاتب وينقلب ذلك صحيحا حقيقة ملك يعجزه
فإن أسلم إلى شريك له عنان جاز إذا لم يكن من تجارتهما لأن كل واحد منهما من صاحبه كسائر الأجانب فيما ليس من تجارتهما حتى تجوز شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما ليس من تجارتهما

فإن أسلمها إلى ابنه أو إلى أحد أبويه أو زوجته ممن لا تقبل شهادته له لم يجز عند أبي حنيفة وهو جائز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لأنه ليس لواحد منهما في مال صاحبه ملك ولا حق ملك فكان بمنزلة ما لو أسلم إلى أخيه فإنه يجوز وهذا بخلاف الشهادة لأن ذلك خبر ممثل بين الصدق والكذب فلا يترجح جانب الصدق فيها مع تمكن تهمة الميل وأبو حنيفة يقول مطلق الوكالة تتقيد بالتهمة وكل واحد منهما متهم في حق صاحبه بدليل أنه لا تقبل شهادته له فكان إسلامه إلى عبده ومكاتبه وهذا لأن تصرف الوكيل إنما يكون في حق الغير والظاهر من حال المرء إيثار ولده وزوجته على الأجنبي وسوى هذا في المسألة كلام وخلاف في معاملة الوكيل مع هؤلاء بمثل القيمة أو بالغبن اليسير وقد أملينا تمام ذلك في كتاب الوكالة
اذا وكل الوكيل بالسلم رجلا بقبض المسلم فيه ممن عليه فقبضه برئ المسلم إليه منه لأن الوكيل في حق القبض كالعاقد لنفسه حتى يختص بالمطالبة به ولو كان عاقدا لنفسه كان قبض وكيله في براءة المسلم كقبضه بنفسه فإن كان الوكيل الثاني عبدا للوكيل الأول أو ابنه في عياله أو أجير له فهو جائز على الآمر حتى لو هلك في يده هلك من مال الآمر والمراد الأجير الخاص الذي استأجره مشاهرة أو مسانهة لأن يد هؤلاء في الحفظ كيده ألا ترى أنه لو قبض بنفسه ثم سلم إلى [ ص: 219 ] واحد من هؤلاء ثم هلك لا يجب الضمان على واحد وإن كان الوكيل الثاني أجنبيا فالوكيل الأول ضامن للطعام إن ضاع في يد وكيله لأن قبض وكيله كقبضه بنفسه ولو قبضه بنفسه ثم دفعه إلى أجنبي كان ضامنا فكذلك هنا وإن لم يذكر أن الوكيل الثاني هل يكون ضامنا في حق رب السلم فعلى قول أبي حنيفة لا يكون ضامنا بمنزلة مودع المودع وقد بينا الخلاف فيه في الوديعة وإن وصل إلى الوكيل الأول برئ هو ووكيله عن ضمانه كما لو قبض الوكيل الأول بنفسه إذ لا فرق بين أن يصل إلى يده من يد المسلم إليه أو من يد وكيله فلهذا لا ضمان فيه على أحد

فإذا أسلم الوكيل الدراهم إلى امرأة جاز ، كذلك ، لو كان الموكل أو الوكيل امرأة يجوز لأن هذا من باب المعاملات فيستوي فيه الرجال والنساء والله تعالى أعلم .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]