عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 15-12-2025, 10:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 182 الى صـــ 191
(266)





قال : ( ولا بأس بأن يسلم الفلوس فيما يوزن ) لأن الفلوس عددية متقاربة فيجوز إسلامها في كل مكيل أو موزون إلا الصفر خاصة فإنه لا يجوز إسلام الفلوس فيه للجنسية فالفلوس صفر فإن قيل إذا كانت الفلوس صفرا والصفر موزون فينبغي أن لا يجوز إسلام الفلوس في الموزونات قلت الصفر موزون في العرف لا بالنص ولا عرف فيه في الفلوس الرائجة ألا ترى أنها لا تتفاوت في المالية بتفاوت الوزن وكذلك لو أسلم سيفا في شيء مما يوزن كان جائزا لأن السيف خرج من أن يكون موزونا عادة إلا في الحديد فإنه لا يجوز إسلام السيف في الحديد للمجانسة وكذلك كل إناء خرج بالصنعة من الوزن فلا بأس بأن يسلمه في الموزونات إلا في نوعه .
ولا [ ص: 183 ] بأس بأن يبيع إناء مصوغا بإناء مصوغ من نوعه يدا بيد وإن كان أكثر منه في الوزن إذا كان ذلك الإناء لا يباع وزنا لأنه عددي متفاوت كالثياب وهذا بخلاف أواني الفضة والذهب فإنه يجري فيها ربا الفضل وإن كانت لا تباع وزنا في العادة لأن صفة الوزن في الذهب والفضة منصوص عليها فلا يتغير ذلك بالصنعة ولا يخرج من أن يكون موزونا بالعادة والعادة لا تعارض النص فأما في الحديد والشبه وما أشبه ذلك صفة الوزن ثابتة في العرف فيخرج من أن يكون موزونا بالصنعة وبالعرف وبتعارف الناس بيع المصوغ منه عددا
فأما بيع فلس بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما لا يجوز لأن الفلوس الرائجة أمثال متساوية قطعا لاصطلاح الناس على سقوط قيمة الجودة فيها ليكون أحد الفلسين فضلا خاليا عن العوض مشروطا في البيع وذلك هو الربا بعينه وإن باع فلسا بعينه بفلس بغير أعيانهما لم يجز أيضا لأنه لو أجاز أمسك الفلس المعين وطالبه بفلسين آخرين أو أسلم إليه الفلس المعين ثم قبض ذلك منه بعينه مع فلس آخر لاستحقاقه فلسين في ذمته فيكون الفلس الآخر فضلا خاليا عن العوض وكذلك لو باع فلسين بأعيانهما بفلس بغير عينه لا يجوز لأنه لو جاز بقبض المشتري الفلسين ثم دفع إليه أحدهما فكان ما استوجب في ذمته فيبقى الآخر له بغير عوض

فأما إذا باع فلسا بعينه بفلسين بأعيانهما يجوز في قول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة رحمهما الله ولا يجوز في قول محمد وهذأ ينبني على أن الفلوس لا تتعين بالتعيين ما دامت رائجة عند محمد وعلى قولهما تتعين بالتعين إذا قوبلت بجنسها حتى لو هلك أحدهما قبل القبض بطل العقد عندهما ومحمد رحمه الله يقول الفلوس الرائجة ثمن والأثمان لا تتعين في العقود بالتعيين كالدراهم والدنانير ألا ترى أنها لو قوبلت بخلاف جنسها لم تتعين حتى لو اشترى بفلوس معينة شيئا فهلكت قبل التسليم لا يبطل العقد ولو اشترى بها جاز فكذلك إذا قوبلت بجنسها لأن ما يتعين بالتعيين فالجنس وغير الجنس فيه سواء كالمكيلات والموزونات وما لا تتعين فالجنس وغير الجنس فيه سواء كالذهب والفضة وهما يقولان الفلوس عددي والعددي يتعين بالتعيين فيجوز بيع الواحد منه بالمثنى كما لو باع جوزة بجوزتين بأعيانهما وتحقيقه أن صفة الثمنية في الفلوس ليست بصفة لازمة ولا هو ثابت بأصل الخلقة بل يعارض اصطلاح الناس والعاقد إن قصد تصحيح العقد ولا وجه لتصحيح العقد إلا بأن تتعين الفلوس وتخرج من أن تكون رائجة ثمنا في حقهما فيجعل كأنهما أعرضا عن ذلك الاصطلاح .

[ ص: 184 ] والدليل على أن معنى الثمنية في الفلوس بالاصطلاح أنه يصلح ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس وأنه يروج بعض الأشياء دون البعض ويروج في بعض المواضع دون البعض بخلاف الذهب والفضة فإن قيل تحت هذا الكلام فساد فإنه خرج في حقهما من أن يكون ثمنا كان هذا بيع قطعة صفر بقطعتين من صفر وذلك لا يجوز قلنا الاصطلاح في الفلوس على صفة الثمنية والعدد فيهما في هذه المبايعة إعراضا عن اعتبار صفة الثمنية فيها وما أعرض عن اعتبار صفة العدد فيها وليس من ضرورة خروجها من أن تكون ثمنا في حقهما خروجها من أن تكون عددية كالجوز والبيض فهو عددي وليس بثمن فهذا باتفاقهما يصير بهذه الصفة .
قال : ( ولا بأس بأن يشتري شقة خز بشقة خز هي أكثر منها وزنا ) لأنها لا توزن وإنما تذرع كسائر الثياب وبيع ما ليس بمكيل أو موزون بجنسه يدا بيد يجوز كيف ما كان

قال : ( ولا بأس بالتمر بالرطب مثلا بمثل وإن كان الرطب ينقص إذا جف ) وهذه مسائل ( أحدهما ) بيع الرطب بالرطب كيلا بكيل جائز عندنا وعند الشافعي رضي الله عنه لا يجوز وكذلك الباقلا وعلل في كتابه فقال : لأن بين الباقلتين فضاء ومتسعا معناه أنه لا يعتدل في الدخول في الكيل حتى لا ينضم بعضه إلى بعض بل يتجافى ويتفاوت مقدار التجافي فيه فلا يكون الكيل فيه معيارا شرعيا والمخلص عن الربا يكون بالتساوي في المعيار الشرعي وقاس بيع الحنطة المقلية بغير المقلية فإن المقلية لا تعتدل في الدخول في الكيل لانتفاخ يحدث فيها بالقلي أو صخور فإنها إذا قليت رطبة انتفخت وإذا قليت يابسة ضمرت وحجتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { التمر بالتمر كيلا بكيل } والتمر اسم للثمرة الخارجة من النخل من حين ينعقد عليها صورتها إلى أن تدرك فكان الرطب تمرا والدليل عليه قول القائل
وما العيش إلا نومة وشرق وتمر على رءوس النخيل وماء
والمراد الرطب والمعنى فيه أن الرطب أمثال متساوية بدليل ثبوت حكم الربا فيها وقد بينا أن حكم الربا لا يثبت في المال ما لم يصر أمثالا متساوية وإنما صارت أمثالا متساوية بصفة الكيل فكان الكيل فيها عيارا شرعيا والأصل أنه يراعي وجود المساواة بين المثلين على الوجه الذي صار مال الربا كما في الحنطة وغيرها وبه فارق المقلوة فإن الحنطة لا تخلق كذلك بل تكون في الأصل غير مقلوة وتصير مال الربا بتلك الصفة فتراعى تلك المماثلة وبعد القلي لا تعرف تلك المماثلة وإن تساويا في الكيل فلهذا لا يجوز بيع المقلية بغير المقلية ولا بالمقلية

فإن قيل [ ص: 185 ] هذا فاسد فقد جوزتم بيع الحنطة الرطبة بالحنطة الرطبة كيلا بكيل والرطوبة صفة حادثة بصنع العباد كالقلي ( قلنا ) الحنطة في الأصل تخلق رطبة ويكون مال الربا على هذه الصفة فإذا بلت بالماء عادت إلى تلك الصفة فإذا وجدت المماثلة على الوجه الذي صارت مال الربا جاز العقد وهي لا تخلق في الأصل مقلوة حتى يكون هذا إعادة إلى تلك الصفة فيها فأما بيع الرطب بالتمر كيلا بكيل يجوز في قول أبي حنيفة ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهما الله لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال : صلى الله عليه وسلم أينقص إذا جف قالوا نعم فقال : عليه الصلاة والسلام فلا إذا } وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام { نهى عن بيع الرطب بالتمر كيلا وعن بيع العنب بالزبيب كيلا } ثم في قوله عليه السلام أينقص إذا جف إشارة إلى أنه يشترط لجواز العقد المماثلة في أعدل الأحوال وهو ما بعد الجفاف ولا يعرف ذلك بالمساواة في الكيل في الحال فهذا الحديث دليل الشافعي رضي الله عنه أيضا في المسألة الأولى من هذا الوجه واعتبار المماثلة في أعدل الأحوال صحيح كما في بيع الحنطة بالدقيق فإنه لا يجوز لتفاوت بينهما بعد الطحن ولأن العقد جمع بين البدلين أحدهما على هيئة الادخار والآخر ليس على هيئة الادخار ولا يتماثلان عند التساوي في الصفة فلا يجوز بيع المقلية بغير المقلية وهذا بخلاف الجودة والرداءة فالرداءة من نوع العيب والرطوبة في الرطب ليس بعيب فإن العيب ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة فأما ما لا يخلو عن أصل الفطرة السليمة لا يكون عيبا كالصغير في الآدمي وانعدام العقل بسببه وهذا بخلاف الحديث مع العتق وكل واحد من البدلين هناك على هيئة الادخار ثم الحديث إذا عتق لا يظهر فيه التفاوت إلا شيء يسير لا يمكن التحرز عنه وذلك عفوا كالتراب في الحنطة

ودخل أبو حنيفة بغداد فسئل عن هذه المسألة وكانوا أشد يدا عليه لمخالفته الخبر فقال : الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرا أو ليس بتمر فإن كان تمرا جاز العقد عليه لقوله صلى الله عليه وسلم { التمر بالتمر } وإن لم يكن تمرا جاز لقوله صلى الله عليه وسلم { وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم } فأورد عليه حديث سعد رضي الله تعالى عنه فقال : مدار هذا الحديث على زيد بن أبي عياش وزيد بن أبي عياش لا يقبل حديثه واستحسن منه أهل الحديث هذا الطعن حتى قال : ابن المبارك كيف يقال أبو حنيفة لا يعرف الحديث وهو يقول زيد بن أبي عياش ممن لا يقبل حديثه وهذا الكلام في المناظرة يحسن لدفع شغب [ ص: 186 ] الخصم ولكن الحجة لا تتم بهذا لجواز أن يكون هنا قسما ثالثا كما في المقلية بغير المقلية ولكن الحجة لأبي حنيفة الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم { التمر بالتمر مثل بمثل يد بيد كيل بكيل } وقد بينا أن التمر اسم للثمرة الخارجة من النخيل حين تنعقد صورتها إلى أن تدرك وما يتردد عليها من الأوصاف باعتبار الأحوال لا يوجب تبدل اسم العين كالآدمي يكون صبيا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا

فإذا ثبت أن الكل تمر يراعى وجود المماثلة حالة العقد على الصفة التي دخلت في العقد لأن اعتبار المماثلة سبب المقابلة وذلك يكون عند العقد وما كان اعتبار المساواة إلا نظير الأجود فكما لا يعتبر التفاوت في ذلك فكذلك في هذا وقد تحققت المساواة بينهما في الكيل في الحال لأن الرطوبة التي في الرطب مقصودة وهي شاغلة للكيل فلا يظهر التفاوت إلا بعد ذهابها بالجفاف فلا يتبين به أن التفاوت كان موجودا وقت العقد بخلاف الحنطة بالدقيق فإن بالطحن تتفرق الأجزاء ولا يفوت جزء شاغل للكيل فتبين بالتفاوت بينهما بعد الطحن أنهما لم يكونا متساويين عند العقد وكذا المقلية بغير المقلية فإن بالقلي لا يفوت جزء شاغل للكيل إنما تنعدم اللطافة التي كانت بها الحنطة منبتة ولما ظهر التفاوت بعد القلي عرفنا أن هذا التفاوت كان موجودا عند العقد ثم صاحب الشرع أسقط اعتبار التفاوت في الجودة بقوله صلى الله عليه وسلم جيدها ورديئها سواء واعتبر التفاوت بين النقد والنسيئة حتى شرط اليد باليد ، وصفة الجودة لا تكون حادثة بصنع العباد والتقاوة بين النقد والنسيئة حادث بصنع العباد وهو اشتراط الأجل فصار هذا أصلا إن كل تفاوت ينبني على صنع العباد فذلك مفسد للعقد وفي المقلوة بغير المقلوة والحنطة بالدقيق بهذه الصفة وكل تفاوت ينبني على ما هو ثابت بأصل الخلقة من غير صنع العباد فهو ساقط الاعتبار والتفاوت بين الرطب والتمر بهذه الصفة فلا يكون معتبرا كالتفاوت بين الجيد والرديء قال : ( وبيع العنب بالزبيب كبيع الرطب بالتمر ) .

فأما بيع الحنطة المبلولة باليابسة أو الرطبة باليابسة يجوز في قول أبي حنيفة وفي قول محمد لا يجوز وذكر في نسخ أبي حفص قول أبي يوسف كقول أبي حنيفة رحمهما الله تعالى وهو قوله الآخر فأما قوله الأول كقول محمد فأبو حنيفة مر على أصله وهو اعتبار المساواة في الكيل عند العقد ومحمد مر على أصله وهو اعتبار المماثلة في أعدل الأحوال كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد رضي الله تعالى عنه وذلك لا يوجد في الحنطة الرطبة والمبلولة بعد الجفوف وأبو يوسف يقول القياس ما قاله أبو حنيفة ولكن تركت القياس في الرطب بالتمر للحديث والمخصوص [ ص: 187 ] من القياس بالأثر لا يلحق به إلا ما كان في معناه من كل وجه والحنطة الرطبة ليست في معنى الرطب من كل وجه فالرطوبة في الرطب مقصودة وفي الحنطة غير مقصودة بل هو عيب فلهذا أخذت فيه بالقياس وأبو حنيفة يقول تأويل الحديث إن صح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر نسيئة وقد نقل ذلك في بعض الروايات وفائدة قوله صلى الله عليه وسلم أينقص إذا جف أن الرطب إذا جف ينقص إلا أن يحل الأجل فلا يكون هذا التصرف مفيدا وكان السائل وصيا ليتيم فلم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك التصرف منفعة لليتيم باعتبار النقصان عند الجفوف فمنع الوصي منه على طريق الإشفاق لا على وجه بيان فساد العقد فأما الحنطة المبلولة بالمبلولة تجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لما قلنا ولا يجوز عند محمد

وكذلك الزبيب المنقع بالمنقع والتمر المنقع بالمنقع ومحمد يفرق بين هذه الفصول وبين بيع الرطب بالرطب فيقول هناك التفاوت يظهر بعد خروج البدلين عن الاسم الذي عقد به العقد فلا يكون ذلك تفاوتا في المعقود عليه وهذه الفصول تظهر التفاوت بعد الجفوف مع بقاء البدلين على الاسم الذي عقد به العقد فبهذا الحرف يتضح مذهبه في هذه الفصول ثم ذكر بيع الحنطة المقلية بغير المقلية وقد بينا الحكم فيه وأهل الأدب طعنوا عليه في هذا اللفظ فقالوا إنما يقال حنطة مقلوة فأما المقلية المبغضة يقال قلاه يقليه إذا أبغضه ولكنا نقول محمد كان فصيحا في اللغة إلا أنه رأى استعمال العوام هذا اللفظ في الحنطة ومقصوده بيان الأحكام لهم فاستعمل فيه اللغة التي هي معروفة عندهم وما كان يخفى عليه هذا الفرق

ولا يجوز الحنطة بالسويق متساويا ولا متفاضلا إلا أن تكون الحنطة أكثر ومع السويق فضة أو ذهب فيكون ما معه بفضل الحنطة لأن الصحة مقصود المتعاقدين ومتى أمكن تحصيل مقصودهما بطريق جائز شرعا يحمل مطلق كلامهما عليه ويجعل كأنهما صرحا بذلك كما لو باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره يجوز البيع وينصرف تسمية النصف مطلقا إلى نصيبه خاصة وكذا لو قال : لرجل أوصيت لك بثلثي يجوز ويحمل على إيجاب ثلث المال لأنه عرف أنه مقصوده فهذا مثله والأصل فيه قوله تعالى { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } وقال : النبي صلى الله عليه وسلم { لا تظنن بكلمة خرجت من فم أخيك المسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا } .
ولو أسلم ثوبا فوهيا في ثوب مروي ويجعل من المسلم إليه فضل دراهم أو متاع جاز لأن ما يخص الدراهم أو المتاع من الثوب الفوهي يكون مبيعا وما [ ص: 188 ] يخص الثوب الهروي منه يكون رأس المال وإسلام الفوهي في المروي جائز وكذلك لو أعطاه ثوبا في حنطة وشعير فجعل بعضه عاجلا وبعضه إلى أجل فهو جائز لأن ما يخص العاجل منه إن كان بعينه فهو متقابضة وإن كان بغير عينه وكان موصوفا فهو ثمن وما يخص الأجل فهو بيع الثوب بثمن مؤجل وهذا لأن الثوب مبيع والمكيل إذا كان بعينه يكون مبيعا وإذا كان بغير عينه وما يقابله مبيع فهو ثمن والبيع بثمن مؤجل صحيح إذا كان معلوم الوصف ولو أعطاه ثوبا فوهيا في ثوب فوهي بنسيئة فهو مردود لأنه لا وجه لتصحيحه بيعا مقابضة فإن أحد البدلين ليس بمعين ولا وجه لتصحيحه سلما لأن البدلين من جنس واحد ولا وجه لتصحيحه قرضا فإن استقراض الثوب لا يجوز فإن زاد فيه درهما مع الثوب الذي عجل أو زاده الآخر مع ثوبه درهما عاجلا كان ذلك كله أو آجلا كان ذلك فاسدا لأن الزيادة بيع يقصد بها إخراج العين من العقد وإدخال الرخص فيه وقد تعذر تصحيح الأصل هنا فلا يمكن تصحيح البيع لأن ثبوت البيع بثبوت الأصل وإذا أثبتنا الحكم في البيع بدون الأصل لم يكن بيعا وكذا لو كانت الزيادة دنانير أو ثوبا يهوديا أو كر حنطة أو غير ذلك لأنه بيع للأصل حين أوجبه باسم الزيادة عينا كان أو دينا

وإن أسلم طعاما في شيء مما يوزن وزاد مع ذلك دراهم أو دنانير أو ثوبا عاجلا فهو جائز لأن العقد في الأصل المؤاجلة بمقابلة بعضه يكون دينا بدين وإن كانت الزيادة صحيحة هنا فيثبت حكمه في الزيادة أيضا وإن جعله مؤجلا لم يجز لأن المسلم فيه دين فالزيادة من الذي عليه السلم دراهم أو دنانير أو ثوبا أو شيئا مما يوزن عاجلا فهو جائز وإن جعله مؤجلا فهو جائز أيضا إذا كان معلوما في نفسه لأن رأس المال عين فلا يخص المسلم فيه من رأس المال يكون عقد السلم فيه صحيحا وما يخص الزيادة يكون بيعا بثمن إلى أجل معلوم وذلك جائز أيضا
فأما إذا أسلم عشرة دراهم في كر حنطة ثم إن المسلم إليه زاد كرا آخر أو نصف كر لا تجوز الزيادة لأنه لا يمكن جعل الزيادة ثمنا وجعل الدراهم مبيعا فلا بد من أن يجعل زيادة في المسلم فيه والزيادة في المسلم فيه من المسلم إليه على سبيل الالتحاق بأصل العقد لا يجوز لأن عقد السلم جوز بخلاف القياس لحاجة الناس إليه ولا حاجة له إلى الزيادة بل حاجته إلى زيادة رأس المال فلا جرم الزيادة في رأس المال على سبيل الالتحاق بأصل العقد جائزة في المجلس

قال : ( وإن أسلم طعاما في ثياب مختلفة أو في أشياء من الوزنيات مختلفة ولم يسم رأس مال كل صنف منها فهو فاسد ) في قول أبي حنيفة رحمه الله بناء على أصله في اشتراط إعلام قدر رأس المال فيما [ ص: 189 ] يتعلق العقد على قدره وقد سبق بيانه .
ولا بأس بأن يشتري الرجل الشاة الحية بالشاة المذبوحة يدا بيد لأنه بيع عددي فوري فالشاة الحية لا توزن ولا خير فيه نسيئة لأن النسيئة إن كانت في الشاة الحية فهو سلم في الحيوان وإن كانت في البدل الآخر فهو سلم في اللحم ولو كانتا شاتين مذبوحتين قد سلختا اشتراهما رجل بشاة مذبوحة لم تسلخ كان ذلك جائزا أيضا لأن المثل من لحم الشاة بمقابلة من الشاتين والباقي من لحم الشاتين بإزاء الجلد والسقط فيجوز ذلك ويحمل مطلق كلامهما عليه لتحصيل مقصودهما ولو كانت الشاة ليس معها جلد كان ذلك فاسدا لأن العقد اشتمل على اللحم فقط من الجانبين واللحم موزون فإذا وجدت الجنسية والوزن حرم التفاضل
قال : ( ولا بأس بكر حنطة وكر شعير بثلاثة أكرار حنطة وكر شعير يدا بيد ) فتكون حنطة هذا بشعير هذا وشعير هذا بحنطة هذا عندنا استحسانا والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله وكذلك لو باع مد عجوة وزبيب بمدي عجوة وزبيب أو باع دينارا ودرهم بدرهمين ودينارين فأما إذا باع درهما جيدا ودرهما زيفا بدرهمين جيدين يجوز عند أصحابنا رحمهم الله وعند الشافعي لا يجوز وكذلك لو باع دينارا نيسابوريا أو دينارا هرويا بدينارين نيسابوريين أو هرويين وهذا بناء على الأصل الذي تقدم فإن عند الشافعي رحمه الله للجودة قيمة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها فإنما ينقسم الدرهمان الجيدان على الجيد والزيف باعتبار القيمة فيصيب الجيد أكثر من وزنه والزيف أقل من وزنه وذلك ربا وعندنا لا قيمة للجودة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها فالمقابلة باعتبار الأجزاء ويجوز العقد لوجود المساواة في الوزن عملا بقوله صلى الله عليه وسلم { الذهب بالذهب مثل بمثل والفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد } وبقوله صلى الله عليه وسلم { جيدها ورديئها سواء }
وأما الكلام في الفصل الثاني فوجه القياس فيه أن العقد متى اشتمل على أعواض من أجناس مختلفة ينقسم البعض على البعض باعتبار القيمة كما لو باع عبدا أو ثوبا بجارية وحمار وهذا لأن الانقسام يكون على وجه يعتدل فيه النظر من الجانبين حال بقاء العقد وحال انفساخه في البعض يعارض وإنما يكون ذلك في الانقسام باعتبار القيمة وأما في صرف الجنس إلى خلاف الجنس يتضرر أحدهما عند انفساخ العقد في البعض بعارض والدليل عليه أنه باع قفيز تمر بقفيزي تمر لا يجوز ولا يجعل التمر من كل جانب بمقابلة النوى من الجانب الآخر ولو باع منا من لحم بنوى لحم لا يجوز ولا يجعل اللحم من كل جانب بمقابلة العظم من الجانب الآخر حتى يجوز ولو اشترى عبدا بألف [ ص: 190 ] درهم نسيئة ثم باعه من البائع مع آخر بألف وخمسمائة لا يجوز العقد فيما اشتراه لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع وتصحيح العقد هنا يمكن بأن يجعل بمقابلة العبد الأول من الثمن الثاني مثل الثمن الأول والباقي بإزاء الآخر ومع ذلك اعتبر الانقسام بالقيمة فهذا مثله يدل عليه أن في الأموال الربوية يصرف الجنس إلى الجنس لا إلى خلاف الجنس فإنه إذا باع ثوبا وعشرة بثوب وعشرة بشرط قبض الدراهم في المجلس لأنه يجعل صرفا في حق الدراهم

ووجه الاستحسان الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم { فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد } وقد اشتمل العقد هنا على نوعين مختلفين فينبغي أن يجوز العقد كيف شاء المتعاقدان والمعنى فيه ما بينا أن تحصيل مقصود المتعاقدين ممكن بطريق شرعي وهو صرف الجنس إلى خلاف الجنس فيجب المصير إليه ويجعل ذلك كالمصرح به وهذا لأن الانقسام في سائر المعاوضات باعتبار القيمة ليس بمقتضى العقد بل للمعاوضة والمساواة إذ ليس صرف البعض أولى من البعض فيصير الانقسام والتوزيع باعتبار القيمة للمعاوضة وذلك غير موجود هنا لأنه لو صرف الجنس إلى الجنس فسد العقد ولو صرف الجنس إلى خلاف الجنس صح العقد ولا معاوضة بين الجائز والفاسد الجائز مشروع بأصله ووصفه والفاسد مشروع بأصله حرام بوصفه فإذا لم تتحقق المعاوضة على وجه المساواة لا يصار إلى الانقسام باعتبار القيمة ولكن يترجح ما هو مشروع من كل وجه على ما هو مشروع من وجه دون وجه بخلاف النوى مع التمر فالتمر والنوى كله مكيل من جنس واحد ولو صرح بصرف التمر إلى النوى لم يجز العقد وكذلك العظم مع اللحم لأنه مركب فيه خلقه كالنوى في التمر فإذا كان عند التصحيح لا يصح العقد فعند الإطلاق لا يحمل عليه أيضا فأما مسألة العبدين

( قلنا ) فصل المعاوضة يتحقق هناك لأن جهات الجواز تكثر فإنه إن جعل بمقابلته مثل الثمن الأول يجوز وكذلك إن جعل بمقابلته أكثر من الثمن الأول فلكثرة جهات الجواز يتحقق معنى المعاوضة ويجب المصير إلى الانقسام باعتبار القيمة وهنا لا وجه للجواز إلا واحد وهو صرف الجنس إلى خلاف الجنس يوضحه أن شرط الجواز هناك أن لا يكون الثمن الثاني أقل من الثمن الأول فكأنهما ولو صرحا بهذا لم يصر مقدار الثمن معلوما فلا يجوز العقد فإن قيل المعاوضة هنا تتحقق أيضا فإنه إذا جعل الدراهم بمقابلة الدينارين يجوز وإن جعل نصف درهم والنصف الباقي بمقابلة الدينار ونصف دينار بمقابلة نصف الدينار والباقي بمقابلة درهم ونصف يجوز أيضا ( قلنا ) نعم [ ص: 191 ] ولكن هذا بطريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس ونحن ادعينا أنه لا وجه للجواز هنا إلا هذا الطريق فكيف ما يشتغل به لا يخرج به الطريق من أن يكون عينا وإذا اشترى ثوبا وعشرة بثوب وعشرة ( قلنا ) هناك العقد صحيح من غير أن يصرف الجنس إلى خلاف الجنس فإن القبض في مجلس شرط بقاء العقد صحيحا لا شرط الانعقاد صحيحا ونحن إنما صححنا هذا التصحيح العقد لا للبقاء صحيحا فلا يلزم

قال : ( وإن اشترى قفيز حنطة بنصف قفيز هو أجود منه فلا خير فيه ) لأنه لا قيمة للجودة فنصف القفيز بمقابلة نصف قفيز والنصف الآخر خال عن العوض وبهذه المسألة يتبين أن أدنى ما يكون مال الربا من الحنطة نصف قفيز لما بينا إنها إنما تصير مال الربا لكونها مكيلا والمكيل ما يعرف مقداره بالكيل وذلك يوجد في نصف قفيز ولا يوجد فيما دونه
ولا بأس بأن يشتري الكفرى بما يناسب من التمر يدا بيد لأن الكفرى ليس بتمر ولا يكال أيضا ولا خير فيه إذا كان الكفرى نسيئة لأنه مجهول فيه الصغير والكبير وهو عددي متفاوت فإن آحاده تتفاوت في المالية ، قال : ( ولا خير في التمر بالبسر اثنان بواحد وإن كان البسر لم يحمر ولم يصفر ) لأن البسر تمر على ما بينا أن التمر اسم لثمرة خارجة من النخل من حين تنعقد صورتها إلى أن تدرك فأما في الكفرى قبل انعقاد صورة التمر فلا يكون تمرا وكذلك في كل صنف من صنوف التمر فلا خير في بعضه ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا خير في أن يبتاع حنطة مجازفة بحنطة مجازفة وكذلك كل مكيل أو موزون لأن المساواة في القدر شرط لجواز العقد إذا صارت الأموال أمثالا متساوية وعند البيع مجازفة لا تظهر المساواة في القدر فلا يجوز العقد
قال : ( فإن تبايع صبرة بصبرة مجازفة ثم كلنا بعد ذلك فكانتا متساويين لم يجز العقد عندنا ) وقال : زفر يجوز لأن ما هو شرط الجواز وهي المماثلة قد تبين أنه كان موجودا وإن لم يكن معلوما للمتعاقدين فجاز العقد كما لو زوجت امرأة نفسها من رجل وهناك شاهدان يسمعان كلامهما والمتعاقدان لا يعلمان ذلك كان النكاح جائزا وحجتنا في ذلك أن المعتبر لجواز العقد العلم بالمساواة عند العقد لأنه إذا لم يعلم ذلك كان الفضل معدوما موهوما وما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقق فيما بنى أمره على الاحتياط كما في العقوبات التي تندرئ بالشبهات ولأن باب الربا مبني على الاحتياط فالفضل الموهوم فيه كالمتحقق وكذلك لو باع الحنطة بالحنطة وزنا بوزن لا يجوز لأن الحنطة مكيلة فشرط الجواز فيها المماثلة في الكيل وبالمساواة في الوزن لا تعلم المماثلة في الكيل وهذا بخلاف ما لو أسلم في الحنطة وزنا فإنه يجوز على ما ذكره الطحاوي [ ص: 192 ] لأن في المسلم فيه لا تعتبر المماثلة وإنما يعتبر الإعلام على وجه لا يبقى بينهما منازعة في التسليم وذلك يحصل بذكر الوزن كما يحصل بذكر الكيل وبهذه المسألة يتبين الجواب عن الإشكال الذي ذكرنا في مسألة علة الربا على من علل في مسألة بيع الحفنة بالحفنتين أنه إنما جاز لأن للجودة من الحفنة فيما عند مقابلتها بجنسها لأن سقوط قيمة الجودة باعتبار كون المال من ذوات الأمثال

والمماثلة بالمعيار ولا معيار للحفنة بخلاف القفيز فزد على هذا الكلام مسألة الغصب وهو أن يقال لا قيمة للجودة من الحفنة أيضا حتى إذا غصب حفنة من حنطة وذهبت جودتها عنده فاستردها صاحبها لم يكن له أن يضمن الغاصب النقصان لأنا نقول لا قيمة للجودة منها لأنها موزونة لا لأنها مكيلة وكما أن اعتبار الكيل يسقط قيمة الجودة فكذلك باعتبار الوزن إلا أن الشرع أسقط اعتبار الوزن في الحنطة في حكم الربا حيث نص على المماثلة فيه كيلا بقوله صلى الله عليه وسلم { الحنطة بالحنطة كيل بكيل } فلذا جوزنا بيع الحفنة بالحفنتين ولم يجعل للجودة من الحفنة قيمة في الغصب كما جوزنا السلم في الحنطة بذكر الوزن

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.41 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]