عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 15-12-2025, 10:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 172 الى صـــ 181
(265)



وإن كان بالمسلم كفيل فاستوفى الكفيل السلم من المسلم إليه على وجه الاقتضاء ثم باعه وربح فيه فذلك حلال له إذا قضى رب السلم طعاما مثله لأن عقد الكفالة كما يوجب لرب السلم على الكفيل يوجب للكفيل على المسلم إليه إلا أن مال الكفيل على المسلم إليه مؤجل إلى وقت أدائه الطعام إلى رب السلم فإذا استوفى قبل الأجل فقد استعجل دينا له مؤجلا والمقبوض بهذا السبب يملك ملكا صحيحا فإنما تصرف وربح في ملك حلال له فلهذا طاب له الربح ولا خلاف في هذا إذا تقرر ملكه بأداء طعام السلم وإنما الخلاف فيما إذا كان السلم إليه هو الذي قضى رب السلم طعام السلم فإنه يرجع على الكفيل بطعام مثل ما دفع إليه لأنه إنما أعطاه في ذلك ليسقط دين رب السلم عنه بأدائه ولم يفعل ذلك فكان له أن يرجع عليه بما أدى ثم قال : في هذا الكتاب فما ربح يطيب للكفيل وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله كما حكاه عنهما في الجامع الصغير وذكر عن أبي حنيفة أنه قال : أحب إلي أن يرده على الذي قضاه ولا أجبره عليه في القضاء وفي كتاب الكفالة قال : له أن يتصدق بالفضل ووجه تلك الرواية أن المسلم إليه إنما رضي بقبضه ويملكه بشرط أن يؤدي عنه طعام السلم فإذا لم يفعل لم يتم رضاه وصار هذا كالمقبوض بغير إذنه فإنما حصل له الربح فيه بسبب خبيث شرعا والسبيل في الكسب الخبيث التصدق ووجه رواية الجامع الصغير أن معنى الخبث ليس في معنى السبب بل لخلل في رضا المسلم إليه فإذا رده عليه مع الربح انعدم الخبث فكان هذا أولى الوجهين ولكن لا يجوز عليه في القضاء لأن المتصرف إنما ربح على ملك نصيبه ووجه رواية هذا الكتاب أن المقبوض كان مملوكا له ملكا صحيحا وكان التصرف فيه مطلقا له شرعا فالربح الحاصل به يكون حلالا ألا ترى أنه لو أدى طعام السلم كان الربح طيبا له فإذا لم يؤد فإنما يثبت حق الرجوع للمسلم إليه على الكفيل يكن في ذمته وبان لحقه دين لا يتمكن فيه خبث فيما حصل له من الكسب كما إذا وجب عليه دين آخر بسبب آخر هذا إذا قبضه الكفيل على وجه الاقتضاء

فأما إذا قبضه على وجه الرسالة بأن يسلم إليه المسلم إليه طعام السلم ليكون رسوله في تبليغه إلى رب السلم فتصرف فيه وربح فالربح لا يطيب له في قول أبي حنيفة [ ص: 173 ] ومحمد رحمهما الله ويطيب له في قول أبي يوسف لأنه أمين فيما قبضه على وجه الرسالة كالمودع وقد بينا الخلاف في المودع إذا تصرف في الوديعة وربح في كتاب الوديعة وإن قضى الكفيل السلم من مال قبل أن يقبضه من المكفول عنه ثم صالح المكفول عنه على دراهم أو غير ذلك مما يكال أو يوزن أو على عروض أو حيوان فهو جائز ولا يكون استبدالا لأن الكفيل هنا مقرض معناه أن ما يرجع به الكفيل على المسلم إليه لا يكون مسلما فيه لأن المسلم فيه ما يجب بعقد السلم ووجوب هذا بعقد الكفالة ثم الكفالة توجب طعام السلم على الكفيل لا للكفيل فعرفنا أنه دين آخر بمنزلة سائر الديون فلم يكن استبدالا ولأنه يصير كالمقرض لما أدى من المسلم إليه وإن لم يكن قرضا على الحقيقة حتى لو أجل المكفول عنه فيه لزمه الأجل والأجل في بدل القرض لا يلزم فعرفنا أن مراده أنه دين آخر سوى السلم فيجوز الاستبدال به قبل القبض وإن أكفل رجل لرب السلم برأس ماله قبل أن يترادا فالكفالة باطلة لأن الكفالة بما هو واجب في ذمة الأصيل وقيل الإقالة الواجب في ذمة الأصيل لرب السلم المسلم فيه لا رأس المال وإنما كفل بما ليس بواجب له ولم يضف الكفالة إلى سبب الوجوب فكان باطلا بخلاف ما لو قال : إذا تقايلتما العقد فأنا كفيل برأس المال لك ولأن رأس المال قبل الإقالة حق المسلم إليه فإنما كفل عنه بما هو حقه وذلك ليس من موضوع الكفالة في شيء .
قال : ( وإذا أسلم الرجل في بعض الأدهان المربى بالبنفسج والزئبق والحنا وغيره يجوز ) لأنه موزون مضبوط بالوصف مقدور التسليم ، من أصحابنا رحمهم الله من قال : هذا يجوز في الدهن الصافي أما المربى بالبنفسج وغيره فلا لأن المربى يختلف باختلاف ما يرى به من الأدوية والرياحين والصحيح أنه يجوز لأنه يمكن إعلامه بإعلام قدر ما يؤدى به . قال : ( وكل شيء وقع عليه كيل الرطل فهو موزون يريد به الأدهان ونحوها ) لأن الرطل إنما يعدل بالوزن إلا أنه يشق عليهم وزن الدهن بالأمناء والسنجات في كل وقت لأنه لا يتمسك إلا في وعاء وفي وزن كل وعاء نوع حرج فاتخذ الرطل لذلك تيسيرا فعرفنا أن ما يقع عليه كيل الرطل فهو موزون فيجوز السلم فيه بذكر الوزن
وإذا أسلم النصراني إلى النصراني في خمر بكيل معلوم فهو جائز وهذا عندنا بناء على الأصل الذي بينا في كتاب الغصب أن الخمر مال متقوم في حقهم بمنزلة الخل والعصير في حقنا فيجوز السلم فيما بينهم بذكر الكيل والوزن وإن أسلم أحدهما قبل قبض خمر السلم بطل السلم ورد المسلم إليه رأس المال لأن الإسلام [ ص: 174 ] وجد الخمر مملوكة بالعقد غير مقبوضة فيجعل وجود إسلام أحدهما عند القبض كوجوده عند العقد وهذا لأن قبض المسلم فيه قبض تملك فإنه بعقد السلم ملك المسلم فيه دينا وإنما يتعين ملكه بالقبض فإن كان رب السلم هو الذي أسلم فالمسلم لا يملك الخمر بحكم عقده فإن كان المسلم إليه هو الذي أسلم فليس له أن يملك الخمر من غيره بعقد فعلمنا أنه تحقق فوات قبض المسلم فيه وذلك مبطل للعقد فإن المسلم فيه مبيع ومتى تحقق فوات قبض المبيع بطل البيع كما إذا تحقق ذلك بالهلاك في بيع العين وإن كان قبض بعضه بطل ما بقي وجاز ما قبض لأن ملكه تم في المقبوض فبإسلامه بعد ذلك لا يبطل ولكن إسلامه يمنع من قبض ما بقي فيبطل العقد فيه لفوات القبض وهذا لأن السبب الطارئ يلاقي المنتهي بالعفو عنه والقائم بالرد قال : الله تعالى { وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } فبنزول حكم الربا إنما لزمهم ترك ما لم يقبضوا لا رد ما قبضوا منه فهذا مثله ثم النصراني والمسلم في حكم السلم سواء ما خلا الخمر حتى لا يجوز السلم بينهم في المنقطع لأن فساد ذلك فيما بين المسلمين لعجز العاقد عن تسليم المعقود عليه وهو في ذلك كالمسلمين والسلم بينهم في الخنزير لا يجوز بمنزلة السلم في الشاة بين المسلمين لأن امتناع جواز السلم في الحيوان لمعنى الجهالة وهم يستوون في ذلك بالمسلمين

وإذا أسلم في طعام جيد من طعام العراق أو الشام فهو جائز بخلاف ما لو أسلم في طعام قرية أو قراح بعينه لأن ذلك يتوهم انقطاعه بآفة فأما طعام ولاية كالعراق والشام لا يتوهم انقطاعه عرفا بآفة فإنما أسلم فيما هو مقدور التسليم وقت وجوب التسليم .
ولا بأس بالسلم في الصوف وزنا لأنه موزون معلوم في نفسه وإن اشترى كذا جزة بغير وزن لم يجز للجهالة لأن مقدار الصوف في كل جزة غير معلوم وذلك يتفاوت على وجه يفضي إلى المنازعة بينهما وإن أسلم في صوف غنم بعينها لم يجز لأن ذلك يتوهم انقطاعه بالهلاك ولأن تعين محل المسلم فيه كتعين المسلم فيه ولأنه لو باع الصوف الذي على ظهر الشاة بعينه لا يجوز فكذلك إذا أسلم فيه وكذلك ألبانها وسمونها لما بينا ولأن هذه الأعيان ما دامت متصلة بالحيوان فهي وصف للحيوان ولا تثبت فيها المالية مقصودا إلا بعد الانفصال فلا تكون قابلة للعقد مقصودا وكذلك إن أسلم في سمن حديث أو زيت حديث في غير حينه وجعل أجله في حينه فلا خير فيه لأنه منقطع في الحال من أيدي الناس وكذلك لا خير في السلم في الحنطة الحديثة لأنها اليوم منقطعة عن أيدي الناس ولا يدرى أيكون في تلك السنة أم [ ص: 175 ] لا فلا يكون مقدور التسليم له وبدون قدرة التسليم لا يجوز العقد

قال : ( وإذا أسلم في حنطة من حنطة هراة خاصة وهي تنقطع من أيدي الناس فلا خير فيه ) كما لو أسلم في طعام قراح بعينه قيل لم يرد بهذا هراة خراسان وإنما مراده قرية من العراق تسمى هراة وتلك القرية يتوهم أن يصيبها آفة فأما هراة خراسان لا يتوهم انقطاع طعامها فهو والسلم في طعام العراق سواء .
ثم قال : ( وإن أسلم في ثوب هروي فلا بأس به ) من أصحابنا رحمهم الله من يقول لأن الثوب الهروي لا يتوهم انقطاعه بخلاف الطعام فالمراد قد يستأصل طعام هراة ولا يستأصل حركة هراة وهذا ضعيف قالوا قد يستأصل حركة هراة أيضا ولكن المعنى الصحيح في الفرق أن نسبة الثوب إلى هراة لبيان جنس المسلم فيه لا لتعين المكان فإن الثوب الهروي ما ينسج على صفة معلومة فسواء نسج على تلك الصفة بهراة أو بغير هراة يسمى هرويا بمنزلة الزنديجي والوذاري وإلى هذا أشار في الكتاب فقال : الثوب الهروي من الثياب بمنزلة الحنطة من الحبوب يعني بهذا بيان الجنس بخلاف الحنطة فإن حنطة هراة ما تنبت بأرض هراة حتى أن النابت في موضع آخر لا ينسب إلى هراة وإن كان بتلك الصفة فكان هذا تعيينا منه للمكان ولذلك يتوهم انقطاعه وقال : مشايخنا رحمهم الله إن نسب الطعام إلى موضع يعلم أن مراده بذلك بيان الصفة فذلك لا يفسد السلم كالحمراني سحاري فإنه يذكر ذلك لبيان صفة جودة الحنطة فلا يختص به ما يثبت في تلك القرية فكأنه قال : في حنطة جيدة ووقع في الأصل والثوب الهروي لا يصنع بغير تلك البلاد وهو غلط بل الصحيح أن الثوب الهروي يصنع في غير تلك البلاد وعلى ما بينا أنه اسم للمنسوج بصفة فيسمى به وإن نسج في غير هراة
قال : ( ولا بأس بالسلم في البوادي والحصير إذا وصف الطول والعرض والصفة ) لأنه مذروع معلوم كالثياب فالحصير ما يتخذ من البردي والحشيش والبوريا ما يتخذ من القصب ولا بأس بالسلم في نصل السيف إذا كان معلوم الطول والعرض والصفة لأن ذلك لا يتفاوت في المالية بعد بيان نوع الحديد الأشياء يسيرا وذلك غير معتبر كما في الثياب والجيد من الطعام
ولا خير في السلم في الطلع وهو اسم لأول ما يبدو من النخيل قيل هو شيء أحمر مثل لسان البقر يبدو من النخل ثم يخرج التمر منه وقد يقطع ذلك فيؤكل كما هو أو يطبخ منه المرقة لحموضة فيه وهو عددي متفاوت يختلف فيه الصغير والكبير وتتفاوت آحاده في المالية فلا يجوز السلم فيه كذلك
قال : ( ولا يجوز للشريكين قسمة السلم وغيره من الديون قبل القبض ) لأن القسمة للحيازة وذلك [ ص: 176 ] بأن يجعل كل واحد منهما نصيبه في حيزه وفي الدين لا يتحقق ذلك ثم القسمة لتوفير المنفعة على كل واحد منهما في نصيبه وقطع الانتفاع عن نصيبه وذلك لا يتحقق في الدين قبل القبض فإذا كان الشرط في عقد السلم أن يوفيه في مكان كذا فقال : المسلم إليه خذه في مكان آخر وخذ مني الكر إلى ذلك المكان فقبضه كان قبضه جائزا لأنه أخذ حقه ولا يجوز أخذ الكرا إلا أنه يملك المقبوض بقبضه وإنما يحمل ملك نفسه والإنسان في حمل ملك نفسه لا يستوجب الأجر على الغير وإنما يستوجب الأجر على الغير بعمل يعمل للغير لا لنفسه فعليه رد ما أخذ من الكرا وهو بالخيار إن شاء رضي بقبضه وإن شاء يرده حتى يوفيه في المكان الذي شرط لأنه إنما رضي بقبضه في غير ذلك المكان بشرط أن يسلم له الكرا فإذا لم يسلم لا يكون راضيا به وبدون رضاه لا يسقط ما كان مستحقا له وهو المطالبة بالإيفاء في المكان المشروط فإن هلك المقبوض في يده فلا شيء له لأنه تم قبضه للمسلم فيه وإنما كان الباقي له مجرد خيار وقد سقط ذلك بهلاك المقبوض في يده والخيار ليس بمال فلا يستوجب حق الرجوع بشيء عند سقوط خياره
قال : ( ولا خير في أن يسلم العروض في تراب المعدن ولا في تراب الصواغين ) لأن عين التراب غير مقصود بل ما فيه من الذهب والفضة وقد بينا أن السلم في الذهب والفضة لا يجوز ولأن بذكر وزن التراب لا يصير ما هو المقصود معلوما وقد يخلو بعض التراب منه وقد يقل فيه وقد يكثر فعرفنا أنما هو المقصود مجهول جهالة لا تقبل الإعلام فكان العقد باطلا لذلك .

ولا بأس بأن يسلم الحنطة وما أشبهها فيما يوزن أو يكال بالرطل لما بينا أن ما يكال بالرطل فهو موزون واسلام المكيل في موزون هو مبيع جائز لأنه لا يجتمع في البدلين أحد الوصفين وهو الجنسية والقدر الواحد وإذا اختلف النوعان مما يكال فلا بأس به اثنان بواحد يدا بيد ولا خير فيه نسيئة وكذلك الموزونات وقد بينا هذه الفصول في أول الكتاب
ولا بأس بالبنفسج بالحنا والزئبق والورد رطلين برطل فإن الأدهان أجناس مختلفة عندنا وعند الشافعي ما اتحد أصله منها جنس واحد وفيما اختلف أصله له قولان لأن الاسم والهيئة واحد وإنما اختلف فيها الرائجة وباختلاف الرائجة لا يختلف الجنس كالمنتن من اللحم مع غير المنتن ولكنا نقول بما حل بكل واحد منهما من الصفة اختلف الأصل والمقصود ومنع عود كل واحد منهما إلى مثل حال صاحبه فيختلف الجنس كالثياب والوذاري مع الزنديجي جنسان مع اتحاد الأصل لاختلاف المقصود وعلى [ ص: 177 ] هذا الزبد مع السمن وكذلك الزيت المطبوخ مع غير المطبوخ والدهن المربى بالبنفسج مع غير المربى يجوز بيع رطل من المطبوخ والمربى برطلين من غير المطبوخ وغير المربى لأن تلك الرائجة بمنزلة زيادة في عينها فكأنه باع رطلا من زيت وبقله برطلين من زيت فيكون المثل بالمثل والباقي بإزاء الزيادة وعن أبي يوسف رحمه الله قال : هذا إذا كان المطبوخ ينتقص إذا ذهبت تلك الرائجة منه فإن كان لا ينتقص فقد عرفنا أنه ليس بزيادة في العين فلا يجوز بيعه بغير المطبوخ إلا رطلا برطل بخلاف المربى بالبنفسج مع المربى بالياسمين فهناك كل واحد منهما لا يصير مثل صاحبه بحال وهنا غير المطبوخ من الزيت يطبخ فيكون مثل المطبوخ فتعتبر المماثلة باعتبار المال
على هذا الألبان فإنها أجناس عندنا وعند الشافعي الكل جنس واحد لبن الإبل والبقر والغنم لاتفاق الاسم والهيئة وتقارب المقصود ولكنا نقول أصولها أجناس واللبن يتولد من العين كالولد فكان اختلاف جنس الأصل دليلا على اختلاف أجناسها ولا تقارب في المقصود أيضا فإن مقصود المسلى يحصل بلبن البقر دون لبن الإبل حتى إن ما يكون أصله جنسا واحدا كالبقر مع الجواميس والعراب مع البخاتي والمعز مع الضأن فلبنهما جنس واحد ودليل اتحاد جنس الأصل تكميل نصاب البعض بالبعض في باب الزكاة وكذلك اللحوم أجناس مختلفة عندنا

وللشافعي قولان في أحد القولين يقول كذلك لاختلاف الهيئة هنا ألا ترى أنه يمكن تمييز البعض عن البعض برؤية الأعيان بخلاف الأدهان والألبان وفي القول الآخر يقول الكل جنس واحد لاتفاق اسم العين وهو اللحم وتقارب المقصود منها فإن كلها يصلح لما هو المقصود وهو اتخاذ المرقة منها وعندنا هي أجناس لأن أصولها أجناس حتى لا يضم البعض إلى البعض في حكم الزكاة وكذلك الأسامي مختلفة لاختلاف الإضافة كدقيق الحنطة مع دقيق الشعير والثوب الهروي مع المروي وكذا لحم البقر والغنم والمقصود أيضا فبعض الناس يرغب في بعض اللحوم دون البعض فربما ينفعه البعض ويضره البعض ولا تفاوت في المقصود أبلغ من هذا ولكن مع اختلاف الجنس هي موزونة كلها فكذلك لا يجوز بيع البعض بالبعض نسيئة ويجوز متفاضلا يدا بيد لانعدام أحد الوصفين .

قال : ( ولا خير في الحنطة بالدقيق متساويا ولا متفاضلا ) لأن من الحنطة والدقيق شبهة المجانسة فإن عمل الطحن في الصورة هو تفريق الأجزاء وإن كان في الحكم الدقيق غير الحنطة ويجعل الدقيق حاصلا بالطحن ولهذا كان للغاصب إذا [ ص: 178 ] طحن الحنطة إلا أن الربا مبني على الاحتياط فالشبهة فيه تعمل على الحقيقة وعند وجود حقيقة المجانسة لا يجوز بيع البعض بالبعض إلا متساويا فكذلك إذا وجبت شبهة المجانسة ولا يعرف التساوي في الكيل بين الدقيق والحنطة فالدقيق لا يصير حنطة قط ولكن الحنطة تطحن ولا يدرى أن بعد الطحن يتساويان في المكيال أم لا فإذا كان بالتساوي في المعيار في الحال لا يعلم التساوي بينهما بعد الطحن لا يجوز بيع أحدهما بآخر وكذلك بيع الحنطة بالنخالة والنخالة أجزاء الحنطة كالدقيق إلا أنه جزء خشن والدقيق جزء لين
فأما بيع الدقيق بالدقيق عندنا كيلا بكيل يجوز وعند الشافعي لا يجوز لأن الدقيق لا يعتدل في الدخول في الكيل فإنه ينكبس بالكبس والكيل عنده لا يكون معيارا شرعا إلا فيما يعتدل في الكيل ولهذا قال : ولا يجوز بيع الباقلاء والرطب بالرطب والمطعوم بالمطعوم إذا قوبل بجنسه فشرط جواز البيع عنده التساوي في المعيار الشرعي وذلك لا يوجد فيما لا يعتدل بالكيل ولكنا نقول الكيل فيما هو مكيل معيار شرعي والدقيق مكيل ومعرفة كونه مكيلا بالرجوع إلى عرف الناس وهم يكيلون الدقيق كالحنطة
ويجوز السلم في الدقيق كيلا كما يجوز في الحنطة فكان الكيل فيه معيارا شرعيا وما يتوهم فيه من التفاوت عند التكلف في كيل الدقيق يتوهم في الحنطة أيضا ثم يسقط اعتباره ووجب بناء الحكم على الوسط من ذلك فكذلك الدقيق

ولا يجوز بيع السويق بالدقيق في قول أبي حنيفة متساويا ولا متفاضلا وقال : أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يجوز البيع تساويا أو تفاضلا بعد أن يكون يدا بيد لأنهما جنسان مختلفان فإن الاسم مختلف والمقصود مختلف لأنه يقصد بالدقيق اتحاد الخبز والعصايد والأطولة منه ولا يحصل شيء من ذلك بالسويق إنما يلت بالسمن والعسل فيؤكل كذلك أو يضرب بالماء فيشرب فكان التفاوت بينهما في المقصود أظهر من التفاوت في الهروي والمروي من الثياب وكذلك كل واحد منهما لا يصير مثل صاحبه بحال فالسويق لا يصير دقيقا والدقيق لا يصير سويقا بحال واختلاف الجنس يعرف بهذا ثم اتحاد الأصل لا يمنع اختلاف الجنس باعتبار هذه المعاني كالأدهان وعن أبي يوسف أنه يجوز البيع متساويا لا متفاضلا لأن الدقيق قد يصير سويقا بأن يرش عليه الماء ثم يقلى فيصير سويقا وببغداد يتخذ السويق بهذه الصفة فتعتبر المساواة بينهما لجواز العقد باعتبار المال ولأبي حنيفة طريقان ( أحدهما ) أن السويق أجزاء الحنطة المقلية والدقيق أجزاء حنطة غير مقلية وبيع الحنطة المقلية بغير المقلية لا يجوز بحال فكذلك [ ص: 179 ] بيع السويق بالدقيق وتحقيق هذا أنهما إنما جعلا جنسا واحدا بل الطحن فعرفنا أنهما جنس واحد بعد الطحن فيهما عمل بصفة واحدة فلا يوجب اختلاف الجنس وإذا كان جنسا واحدا تعتبر المماثلة على الوجه الذي صار مال الربا وهو قبل القلي والطحن وبتساويهما كيلا في الحال لا تظهر تلك المماثلة فلا يجوز العقد

والطريق الآخر أن بيع الحنطة بالسويق لا يجوز بالاتفاق وربا الفضل لا يثبت إلا باعتبار المجانسة ولا مجانسة بين الحنطة والسويق صورة فعرفنا أن المجانسة باعتبار ما في الضمن والذي في ضمن الحنطة دقيق فتثبت المجانسة بين السويق والدقيق بعد الطحن كما تثبت المجانسة بين السويق والحنطة باعتبار ما في الضمن قبل الطحن يوضحه أن بيع الحنطة بالدقيق ربا وبيع الحنطة بالسويق ربا ومن ضرورة كون كل واحد منهما جنسا للحنطة أن يكون أحدهما جنسا للآخر وإنما اختلف الاسم للصنعة لا اسم العين فكل واحد منهما أجزاء متفرقة فيما كان له لت الحنطة قبل التفريق وليس فيه أكثر من أنه فات بعض المقاصد في السويق وبه لا يختلف الجنس كالحنطة المقلوة بغير المقلوة والعلكة مع الرخوة والتي أكلها السوس فإنها لا تصلح للزراعة واتخاذ الهريسة والكشك منها ولا يوجب ذلك اختلاف الجنس فكذلك الدقيق مع السويق
ولا خير في الزيت بالزيتون إلا أن يعلم أن ما في الزيتون أقل فحينئذ يجوز والأصل في جنس هذه المسائل أن المجانسة بين الشيئين تكون باعتبار العين تارة وباعتبار ما في الضمن أخرى ففيما وجدت المجانسة عينا لا تعتبر في الضمن حتى يجوز بيع قفيز حنطة علكة بقفيز حنطة أكلها السوس ولا يعتبر ما في الضمن وفي الحنطة بالدقيق تعتبر المجانسة بما في الضمن حقيقة وإن كان ذلك شيئا آخر حكما ثم لا مجانسة بين الزيت والزيتون صورة فإنما تعتبر المجانسة بما في الضمن وهو الزيت الذي في الزيتون وبيع أحدهما بالآخر على أربعة أوجه إن علم أن ما في الزيتون من الزيت أكثر من المنفصل فقد يتحقق الفضل الخالي عن العوض فلا يجوز البيع وكذلك إن علم أنه ميله لأن تفل الزيتون يكون فضلا خاليا عن العوض وإن كان لا يعلم كيف هو لا يجوز العقد عندنا وقال : زفر يجوز لأن الأصل في مقابلة مال بمال متقوم جواز العقد وإنما الفساد بوجود الفضل الخالي عن العوض فما لم يعلم به لا يفسد البيع وعندنا الفضل الذي هو يتوهم الوجود كالمتحقق في باب الربا احتياطا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن الربا والريبة } والريبة شبهة الربا وقال : ابن مسعود كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة [ ص: 180 ] الحرام فإذا لم تعلم المساواة جعل ذلك لتحقق الفضل احتياطا فيفسد العقد وإن علم أن ما في الزيتون من الزيت أقل من المنفصل فالبيع جائز لأن المثل يصير بإزاء المثل والباقي من الزيت بإزاء التفل فلا يظهر الفضل الخالي عن المقابلة بهذا الطريق

وكذلك دهن السمسم بالسمسم والعصير بالعنب واللبن بالسمن والرطب بالدبس ولا خير في شيء من ذلك نسيئة لوجود الجنسية بينهما باعتبار ما في الضمن .
ولا بأس بخل الخمر بخل السكر متفاضلا يدا بيد لأنهما جنسان فإن أصلهما جنسان لأن السكر ماء التمر والخمر بالعنب وكما أن العنب مع التمر جنسان فكذلك الخل المتخذ منهما فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ولا خير في ذلك نسيئة لأنه جميعها قدر واحد وهو الكيل والوزن
وإن اشترى شاة بصوف وعلى ظهرها صوف أو شاة في ضرعها لبن بلبن فإن ذلك لا يجوز إلا بطريق الاعتبار وهو أن يعلم أن اللبن المنفصل أكثر مما في الضرع وأن الصوف المجزوز أكثر مما على ظهر الشاة وذكر الطحاوي أن هذا على الخلاف وجعله نظير بيع لحم الشاة بالشاة فإن عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يجوز بيع لحم الشاة بالشاة الحية على كل حال وعند محمد لا يجوز إلا بطريق الاعتبار وهو أن يعلم أن اللحم المنفصل أكثر من اللحم الذي في الشاة فيكون المثل بالمثل والباقي بإزاء المسقط وهو القياس لأن المجانسة بين الشاة واللحم ثابتة باعتبار ما في الضمن فلا يجوز البيع إلا بطريق الاعتبار كما في الفصول المتقدمة وبيان ذلك أن اللحم موجود في الشاة وهو المقصود وبه تختلف المالية ألا ترى أن الشاة في الغنيمة من جملة الطعام يباح لكل واحد من الغانمين تناوله وذلك باعتبار ما فيه من اللحم بل وجود اللحم في الشاة أبين وأظهر من وجود الدهن في السمسم فإن ذلك حادث بالعصير حكما ولهذا كان ملكا للغاصب واللحم لا يحدث بالذبح ولهذا لو غصب شاة فذبحها لم يكن اللحم له والذبح نقصان محض بمنزلة القطع في الثوب فلا يحدث به اللحم وهو إزهاق الحياة فيفوت به معنى النسل بمنزلة القلي في الحنطة يفوت ما كانت الحنطة باعتباره مثبتة وإذا ثبت أن اللحم موجود قبل الذبح لا يجوز البيع إلا بطريق الاعتبار وجه قولهما أنه باع عدديا متفاوتا بوزني فيجوز كيف ما كان كما لو باع الثوب بالقطن وبيانه الوصف أن الحيوان عددي متفاوت ولهذا لا يجوز السلم فيها
ويجوز بيع الشاة بالشاتين وتأثيره أن المجانسة باعتبار ما في الضمن إنما تطلب إذا كان كل واحد من البدلين مقدرا فأما إذا لم يكن أحدهما مقدرا لا يشتغل بطلب المجانسة [ ص: 181 ] بينهما وبهذا يقع الفرق بين هذا وبين ما تقدم من الفصول ولكن بهذا التقرير يتضح الفرق في جميع الفصول فإن بيع دهن الجوز بالجوز لا يجوز إلا بطريق الاعتبار والجوز ليس بمقدر ولهذا يجوز بيع جوزة بجوزتين ولكن نقول اللحم في شراء الحيوان غير مقصود وإنما المقصود منه الدر والنسل والإسامة ليزداد عينها بالسمن فأما اللحم آخر المقاصد من الحيوان وإنما تعتبر المجانسة بما في الضمن إذا كان مقصودا والدليل عليه أن المالية في الحيوان لا تختلف باختلاف اللحم فقد نرى فرسين أو نجيبين يتساويان في اللحم ويتفاوتان في القيمة تفاوتا فاحشا والبيع مبادلة مال بمال فإذا كانت مالية الحيوان لا تعرف بمقدار اللحم لا يعتبر ذلك في البيع قبل الذبح بخلاف جميع ما تقدم فالمالية هنا تختلف باختلاف مقدار الدقيق في الحنطة والدهن في السمسم والجوز ونحو ذلك نوضحه أن اللحم في الحيوان وإن كان موجودا حقيقة فهو كالمعدوم حكما حتى لو أخذ بضعة من لحم الحيوان لا يباح تناولها عرفنا أن مقصود اللحم حاصل بالذبح حكما فلا يعتبر قبله وعلى هذا الحرف نقول في مسألة الصوف واللبن الجواب قولهم جميعا فإنه مال موجود قبل الفصل ألا ترى أنه مفصل من الحيوان فيجوز الانتفاع به وهذا لأنه لا حياة في الصوف واللبن فكان الحال فيهما قبل الذبح وبعد الذبح سواء وعلى الطريق الأول هو على الخلاف كما ذكره الطحاوي لأن مالية الشاة لا تعرف بما على ظهرها من الصوف ولا بما في ضرعها من اللبن كما لا تعرف مالية الحيوان بمقدار اللحم
فإن باع لحم شاة بالبقر والإبل جاز عندنا وعلى قول زفر والشافعي رحمهما الله لا يجوز بيع اللحم بالحيوان أصلا لحديث سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع اللحم بالحيوان } وروي أن جزورا نحر على عهد أبي بكر فجاء رجل بعناق وقال : أعطوني بهذا العناق قطعة من هذا اللحم فقال : أبو بكر هذا لا يصلح ولكنا نقول هما جنسان مختلفان فيجوز بيع أحدهما بالآخر كيف ما كان يدا بيد كما يجوز بيع الشاة بالبقر والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم { وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد } والمراد بالنهي عن بيع الحيوان إذا كان أحدهما نسيئة فقد ذكر ذلك في بعض الروايات وبه نقول فإن السلم في كل واحد منهما لا يجوز عند أبي حنيفة وتأويل حديث أبي بكر رضي الله عنه أن ذلك البعير كان من إبل الصدقة فكره أبو بكر بيع لحمه لأنه إنما نحر ليتصدق به على الفقراء فلهذا قال : [ ص: 182 ] لا يصلح
وإذا أسلم الرجل حنطة في شعير وزيت كان باطلا في قول أبي حنيفة وقال : أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يجوز في حصة الزيت لأن الفساد بوجود العلة المفسدة وذلك في الشعير خاصة فإن صحة الكيل لما جمع البدلين حرم النساء وفي حصة الزيت لم يوجد ذلك فإن إسلام المكيل في الموزون صحيح وثبوت الحكم بحسب العلة وليس من ضرورة فساد العقد في أحدهما فساد العقد في الآخر كما لو باع عبدا ومدبرا وكما لو باع عبدين فهلك أحدهما قبل القبض لا يفسد العقد في الآخر وأبو حنيفة يقول العلة المفسدة للعقد وجدت في الكل أما في حصة الشعير فظاهر وفي حصة الزيت فقد جعل قبول العقد في الشعير شرطا في قبول العقد في الزيت لأن من جمع بين الشيئين في العقد الواحد فإنه يكون شارطا عليه قبول العقد في كل واحد منهما ولهذا لو قبل العقد في أحدهما دون الآخر لا يجوز وهذا شرط فاسد والسلم يفسد بالشرط الفاسد يوضحه أن فساد العقد في الشعير لاشتراط الأجل واشتراط الأجل في العقد والعقد واحد فإذا تمكن فيه الشرط الفاسد فسد العقد كله بخلاف بيع القن والمدبر فالعقد في المدبر ليس بفاسد ولهذا لو أجاز القاضي بيعه جاز ولكنه غير نافذ لحق المدبر وذلك لمعنى فيه لا في العقد فلهذا لا يتعدى إلى الآخر وكذلك لو هلك أحد العبدين فالمفسد فوت القبض وذلك لمعنى في الهالك لا في العقد ونظائر هذه المسألة تذكر في باب البيوع الفاسدة إن شاء الله تعالى وكذلك إن أسلم فوهية في فوهية ومروية لأن الجنس يحرم النساء كالكيل وبهذا يتبين أن الطريق ما قلنا دون ما يقوله بعض مشايخنا رحمهم الله لأبي حنيفة إذا كان الفساد قويا مجمعا عليه ويمكن في البعض تعدي إلى ما بقي فإن فساد العقد بسبب الجنسية غير مجمع عليه وقد سوى بين الفصلين فعرفنا أن الطريق ما قلنا

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]