
15-12-2025, 11:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,315
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر
صـــ 162 الى صـــ 171
(264)
قال : ( ولو أسلم عبدا أو ثوبا في حنطة أو شعير ولم يسم رأس مال كل واحد منهما فهو جائز ) لما بينا أن الثوب والعبد ليس بمقدر فلا يضر ترك تسمية رأس مال كل واحد منهما ولكن ينقسم عليهما باعتبار القيمة كما لو اشترى كر حنطة وكر شعير عينا بثوب واحد أو عبد بعينه فإنه ينقسم باعتبار القيمة للتعارض بينهما وليس أحدهما في تخصيصه بشيء بأولى من الآخر قال : ( وإذا باع جارية بألف مثقال ذهب وفضة أو دراهم ودنانير كان [ ص: 163 ] له من كل واحد منهما النصف ) لأن الواو للعطف ومطلق العطف يوجب الاشتراك على وجه المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه إلا أنه إذا كان قال : ألف مثقال فعليه خمسمائة مثقال ذهب وخمسمائة مثقال فضة لأنه فسر المثاقيل بالذهب والفضة وإن قال : ألف من الدراهم والدنانير فعليه خمسمائة دينار بالمثاقيل وخمسمائة درهم وزن سبعة لأنه هو المتعارف في وزن الدراهم فينصرف إليه وكل ما يصلح أن يكون عوضا في البيع يصلح ذلك في الإجارة أيضا لأن المنافع في حكم الأموال أو بالعقد يثبت لها حكم المالية حتى لا يثبت الحيوان دينا فيه في الذمة لا حالا ولا مؤجلا كما في البيع ويثبت المكيل والموزون حالا ومؤجلا والثياب المرصوفة فيه تثبت مؤجلة لا حالة لأن استقراض الثياب لا يجوز والسلم فيها صحيح والقرض لا يكون إلا حالا والسلم لا يكون إلا مؤجلا فعرفنا أنها تثبت في الذمة مؤجلة لا حالة لأن استقراض الثياب لا يجوز عوضا عما هو مال وأما الحيوان لا يجوز استقراضه ولا السلم فيه فعرفنا أنه لا يثبت في الذمة مؤجلا ولا حالا بدلا عما هو مال .
قال : ( وإذا أسلم إليه عشرة دراهم في عشرين مختوم شعير أو عشرة مخاتيم حنطة بالشك أنه يعطيه أيهما شاء فلا خير فيه ) لأن المسلم فيه مبيع وهو مجهول حين أدخل حرف أو بين الحنطة والشعير ومثل هذه الجهالة في بيع العين يمتنع جواز العقد ففي السلم أولى وكذلك لو قال : إن أعطيتني إلى شهر فكذا أو إن أعطيتني إلى شهرين فكذا فهو فاسد لجهالة المعقود عليه عند لزوم العقد إما جنسا وإما قدرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صفقتين في صفقة وعن شرطين في بيع وتفسير ذلك هذا ونحوه
قال : ( ولا يستطيع رب السلم أن يبيع ما أسلم فيه قبل القبض ) لأن المسلم فيه مبيع وبيع المبيع قبل القبض لا يجوز لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع ما لم يقبض } ولما { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غياث بن أسد رضي الله عنه قاضيا وأميرا قال : انههم عن أربعة عن بيع ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف } ولأن العين أقبل للتصرف من الدين ثم المبيع العين إذا كان منقولا لا يجوز التصرف فيه قبل القبض لبقاء الغرر في الملك المطلق للتصرف فإذا كان دينا أولى وذلك الغرر هنا قائم فإن الدين ينوى بفوات محله يعني إذا مات المديون مفلسا ولهذا تبطل الحوالة فكما لا يبيع المسلم فيه قبل القبض لا يشرك فيه شريكا ولا يوليه أحدا لأن التولية تمليك ما يملك بمثل ما ملك به والإشراك تمليك مثل ما ملكه بمثل [ ص: 164 ] نصف ما ملك به فكما لا يجوز هذا التصرف منه في الكل لا يجوز منه في البعض
قال : ( رجل قال : لرجل أسلمت إلي عشرة دراهم في كر حنطة ثم قال : بعد ما سكت ولكنى لم أقبض الدراهم منك وقال رب السلم بل قبضتها فالقول قول رب السلم استحسانا وفي القياس القول قول المسلم إليه ) وكذلك لو كان رأس المال ثوبا . وجه القياس أن السلم اسم للعقد وإقراره لا يكون إقرارا بالقبض كالبيع فإنه إذا قال : ابتعت منك كذا ثم قال : لم أقبض كان القول قوله في ذلك لأنه منكر للقبض والآخر يدعي عليه التسليم فجعل القول قول المنكر فكذا في السلم ألا ترى أنه لو قال : ذلك موصولا بكلامه كان القول قوله ولو صار بالإقرار بالسلم مقرا بالقبض لكان هذا رجوعا والرجوع لا يعمل موصولا كان أو مفصولا ولكنه استحسن فقال : السلم أخذ عاجل بآجل فمطلقه يقتضي الإقرار بالعقد والقبض جميعا فكان قوله لم أقبضه بيانا فيه تغيير لمقتضى مطلق كلامه والبيان المغير للفظه صحيح موصولا بكلامه لا مفصولا وهذا تخصيص للفظه العام والتخصيص ممن لا يملك الإبطال صحيح موصولا لا مفصولا بمنزلة الاستثناء قال : في الأصل وهذا مثل قوله قد أعطيتني عشرة دراهم في كر حنطة أو أسلفتني أو أقرضتني عشرة دراهم برءوسها ثم قال : لم أقبض والقياس والاستحسان في الكل ولكن من عادته الاستشهاد بالأوضح وكذلك لو قال : علي ألف درهم من ثمن جارية بعتنيها ثم قال : لم أقبضها وقال : الآخر قد قبضت فهو غير مصدق في قوله لم أقبضها وصل أم قطع في قول أبي حنيفة وكان أبو يوسف يقول أولا إن وصل يصدق وإن فصل لم يصدق ثم رجع وقال : إذا فصل يسأل المقر له عن جهة المال فإن أقر بجهة البيع وقال : قد قبضتها فالقول قول المقر إني لم أقبضها وإن قال : المال عليه من جهة أخرى فالقول قوله والمال لازم على المقر وهو قول محمد وهذا في الحقيقة ليس برجوع بل تفسير لما أبهمه في الابتداء
وجه قولهما أنهما تصادقا على البيع فالبائع يدعي تسليم المعقود عليه والمشتري منكر فالقول قول المنكر كما لو قال : ابتعت منك جارية بألف درهم ثم قال : لم أقبضها أو قال : لك علي ألف درهم ثمن هذه الجارية التي بعتها مني ولم أقبضها فالقول قوله في ذلك فإن لم يصدقه المقر له في الجهة فقد أقر بوجوب المال له عليه ثم ادعى ما يسقطه فلا يصدق إذا كان مفصولا لما بينا أن قوله لم أقبضها بيان مغير لموجب إقراره فيصح موصولا لا مفصولا كالاستثناء إذا قال : لفلان علي ألف درهم إلا مائة أو قال : إلا وزن خمسة وأبو حنيفة يقول أقر بالقبض ثم رجع والرجوع باطل موصولا كان أو [ ص: 165 ] مفصولا ومعنى هذا أنه أقر بكون المال دينا في ذمته بقوله له علي ألف درهم ثمن جارية غير معينة وثمن الجارية التي هي غير معينة لا يكون واجبا إلا بالقبض لأن التي هي غير معينة في حكم المستهلكة وثمن الجارية المستهلكة لا يكون واجبا إلا بعد القبض فعرفنا أنه أقر بالقبض ثم رجع بخلاف قوله ابتعت فهنالك ما أقر بأن المال واجب في ذمته إنما أقر بالابتياع وذلك لا يكون إقرارا بالقبض وبخلاف قوله ثمن هذه الجارية لأنه إنما أقر بوجوب المال عليه بمقابلة جارية معينة وثمن الجارية المعينة يكون واجبا قبل القبض يوضحه أنه أقر بالمال وادعى لنفسه أجلا غير متناه فإن المشتري لا يلزمه تسليم الثمن إلا بعد إحضار البائع المبيع وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول المبيعة غيرها ولو ادعى لنفسه أجلا معلوما كشهر أو سنة لم يقبل قوله في ذلك وصل أو فصل فهنا أولى بخلاف الجارية المعينة فإن هناك ما ادعى لنفسه أجلا لأنها حاضرة وإنما أقر على نفسه بالمال بشرط أن يسلم له تلك الجارية ألا ترى أن المقر له لو قال : الجارية جاريتك ما بعتها ولي عليك ألف درهم يلزمه المال ولو قال : الجارية جاريتي ولي عليك المال لم يلزمه شيء لأنه لم يسلم له شرطه
قال : ( وإذا أسلم الرجل إلى رجل في كر حنطة فأعطاه كرا بغير كيل فليس له أن يبيعه ولا يأكله حتى يكتاله ) لأن المسلم فيه مبيع وإنما اشتراه رب السلم بذكر الكر فلا يتصرف فيه حتى يكتاله والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري } يعني إذا اشتراه بشرط الكيل فليس له أن يكتفي بكيل البائع ولا يتصرف فيه بعد القبض حتى يكيله وهذا لأنه إنما يملك المعقود عليه والمعقود عليه القدر المسمى ولا يعلم ذلك إلا بالكيل ألا ترى أنه لو كاله فوجده أزيد يلزمه رد الزيادة وتصرفه من حيث الأكل والبيع بحكم الملك فما لم يتعين ملكه بمعرفة المقدار لم يكن له أن يتصرف فيه وإن هلك عنده وهو مقر بأنه كر واف فهو مستوف لأنه قبضه على وجه التملك بعقد السلم فيصير مضمونا عليه بالقبض وقد هلك عنده فيلزمه مثله وقد أقر أنه كان كرا فيصير مستوفيا بطريق المقاصة لأن ما في المقاصة آخر الدينين قضاء عن أولهما وآخره دين المسلم إليه فيصير رب السلم مقتضيا طعام السلم به ولأن القبض تلاقي العين واستيفاء الدين لا يكون إلا من العين فإذا أقر أنه كان كرا فقد علمنا أنه بقبضه صار مستوفيا لحقه وهذا الحكم في كل مكيل وموزون فأما في المذروعات له أن يتصرف قبل الذرع لأن الذرع [ ص: 166 ] صفة حتى لو وجدوه أزيد يسلم له الزيادة
ولو وجده أنقص لا يحط شيئا من الثمن فعرفنا أن الملك بالعقد إنما يثبت له في العين وقد تم قبضه في العين وفي العدديات المتقاربة أظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنه لا يتصرف قبل العد في العدديات مقدار كالكيل والوزن حتى لو وجده زائدا لا يسلم له الزيادة ولو وجده أنقص يحط حصة النقصان من الثمن وقد روي عنه أنه جوز التصرف فيه قبل العد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لأن بصفة العدد لا يصير مال الربا فهو بمنزلة الذرع في المذروعات والزيادة والنقصان لا يتحققان فيه إلا بغلط في العدد بخلاف الكيل والوزن والزيادة والنقصان هناك يظهران باجتهاد من الكيال والوزان من غير أن يتيقن بالخطأ فيه وهنا الزيادة والنقصان لا يظهران إلا بغلط في العد فكان العقد متناولا للعين فيجوز التصرف فيه قبل العد كما في المذروعات وجه قول أبي حنيفة أن المقصود عليه في العدديات العدد لأنه مقدار كالكيل والوزن ألا ترى أنه لو وجده أزيد لا يسلم له الزيادة ولو وجده أنقص يحط بحصة النقصان من الثمن فصار المعقود عليه القدر والقدر لا يصير معلوما إلا بالعد إلا أنه لا يجري فيه الربا لأنه صار عدديا باصطلاح الناس لا بجعل الشرع أمثالا متساوية فإذا باع جوزة بجوزتين فقد أعرضا عن ذلك الاصطلاح وما ثبت باصطلاح الناس يبطل باصطلاحهم أيضا بخلاف المكيل والموزون
قال : ( وإن اشترى المسلم إليه من رجل كرا ثم قال : لرب السلم اقبضه قبل أن يكتاله من المشتري فليس ينبغي لرب السلم أن يقبضه حتى يكتاله المشتري ) لأن في هذا القبض وكيل المسلم إليه فكما أن المسلم إليه لو قبض بنفسه كان عليه أن يكيله فكذلك إذا قبضه وكيله كان عليه أن يكتاله للمسلم إليه بحكم الشراء ثم يكيله ثانيا للقبض بنفسه بحكم السلم وليس له أن يأخذ بكيله ذلك لأنه في ذلك نائب عن المسلم إليه فكأن المسلم إليه فعله بنفسه ثم سلمه إليه فعليه أن يكتاله لنفسه بحكم السلم وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم حتى يجري فيه الصاعان أي إذا تلقاه البائع من غيره بشرط الكيل ولقاه غيره بشرط الكيل واختلف مشايخنا رحمهم الله في فصل وهو ما إذا اشترى طعاما مكايلة فكاله البائع بمحضر من المشتري ثم سلمه إليه فمنهم من يقول ليس للمشتري أن يكتفي بذلك الكيل ولكنه يكيله مرة أخرى استدلالا بهذه المسألة وكيل البائع بحضرته لا يكون أقوى من كيله بنفسه والأصح له أن يكتفي بذلك الكيل لأن استحقاق الكيل بحكم عقده ففعل [ ص: 167 ] البائع بحضرته كفعله بنفسه وفي مسألة السلم استحقاق الأول بالكيل كان بالشراء فلا ينوب ذلك عن الكيل المستحق بالسلم فلهذا يلزمه الكيل مرة أخرى فإن دفع المسلم إليه إلى رب السلم دراهم فقال : اشتر لي بها طعاما فاقبضه لي بكيل ثم كله لنفسك بكيل مستقبل كان جائزا لأنه وكيل المسلم إليه في الشراء له وفعل الوكيل كفعل الموكل فكأنه اشتراه بنفسه ثم أمر رب السلم بقبضه وهي المسألة الأولى
ولو قال رب السلم للمسلم إليه : كل ما لي عليك من الطعام فاعزله في بيتك أو في غرائرك ففعل ذلك لم يكن رب السلم قابضا بمنزلة قوله اقبضه لي بيسارك من يمينك وهذا لأن المسلم فيه دين على المسلم إليه والمديون لا يصلح أن يكون نائبا عن صاحب الدين في قبض الدين من نفسه ولو وكل رب السلم بقبض ذلك غلام المسلم إليه أو ابنه فهو جائز لأنه يصلح نائبا عن رب السلم في قبض حقه وهو في ذلك كأجنبي آخر والإنسان يصير قابضا حقه بيد نائبه كما يصير قابضا بيد نفسه ، قال : ( ولو دفع إليه غرائره فقال : كل مالي عليك اجعله في غرائري ففعل ذلك ورب السلم ليس بحاضر لم يكن ذلك قبضا ) وفرق بين هذا وبين ما إذا اشترى منه طعاما بعينه على أنه كر ثم دفع إليه غرائره وأمره أن يكيله فيها ففعل فإنه يصير قابضا والفرق بينهما إن القبض في باب السلم موجب بملك العين وغرائره لا تصلح نائبة عنه في تملك العين وفي باب الشراء قد ملك العين بالعقد وإنما القبض للإحراز والغرائر تصلح نائبة عنه في الإحراز والثاني أن أمره بالكيل في غرائره غير معتبر بنفسه في السلم لأن المسلم إليه إنما يكيل ملك نفسه وله في ملك نفسه ولاية الكيل من غير إذنه فأما في الشراء إذنه معتبر في الكيل لأنه إنما يكيل ملك المشتري وله في ملك نفسه إذن معتبر فكان كيله في غرائره ككيل المشتري بنفسه ألا ترى أنه لو أمر المسلم إليه بأن يطحن ما عليه من طعام السلم ففعل ذلك كان الدقيق له ولا يكون لرب السلم أن يقبضه لأنه يصير به مستبدلا وفي الشراء لو أمره أن يطحنه ففعل جاز وكان الدقيق للمشتري وكذلك في الشراء لو أمره أن يلقيه في البحر ففعل جاز وكان الثمن مقررا عليه
ولو أمره بذلك في السلم لم يجز ثم . قال ( في الشراء وله أن يبيعه إذا كان له البائع في غرائر المشتري بأمره قبل هذا غلط ) لأن الغرائر نائبة عنه في الأحراز لا في معرفة القدر فكأنه قبضه بنفسه فلا يتصرف فيه حتى يكيله ولكن ما ذكره في الكتاب أصح لما بينا أن أمره إياه بالكيل معتبر لمصادفته ملكه فكان البائع في الكيل كالنائب عنه والغرائر في القبض [ ص: 168 ] والإحراز تنوب عنه وفعل نائبه كفعله بنفسه وفي السلم إن كان في الغرائر طعام لرب السلم فكاله فيه بأمره فقد قيل لا يصير قابضا لما ذكرنا أن أمره غير معتبر في ملك الغير قال : رضي الله عنه والأصح عندي أنه يصير قابضا هنا لأنه أمره بخلط طعام السلم بطعامه على وجه لا يمكن التميز معتبر فيصير بهذا الخلط قابضا وهو مثل ما ذكر في كتاب الصرف لو دفع إلى صائغ نصف درهم فضة وقال : زد من عندك نصف درهم وصغ لي منهما خاتما ففعل ذلك جاز وصار بالخلط قابضا له .
قال : ( وإذا أسلم الرجل في كر حنطة ثم أسلم المسلم إليه إلى رب السلم في كر حنطة وأجلهما واحد وصفتهما واحدة أو مختلفة لم يكن أحدهما قصاصا بالآخر إذا حلا وإن تقاصا ) لأن المسلم فيه مبيع فيستحق قبضه بحكم العقد ولا يجوز أن يقضى به دين آخر لأن المستحق بعقد السلم قبض بكيل بعد عقد السلم ولا يحصل ذلك بقضاء دين آخر به فإذا تقاصا منا فلا بد من أن يكون أحدهما قابضا المسلم فيه ويكون دينا عليه وذلك غير جائز ، قال : ( فإن كان أولهما مسلما والآخر قضاء لا يصير أحدهما قصاصا في الحال من قبل أن القصاص عبارة عن المساواة ولا مساواة بينهما ) لأن أحدهما معجل والآخر مؤجل والمعجل خير من المؤجل إلا إذا حل الأجل في السلم فحينئذ يكون أحدهما قصاصا بالآخر ولا بأس بأن يكون قصاصا إذا كان سواء تقاصا أو لم يتقاصا لوجود القبض بكيل بعد عقد السلم وهو قبض المستقرض ألا ترى أن رب السلم لو غصب من المسلم إليه كرا بعد ما حل طعام السلم كان مستوفيا حقه بطريق المقاصة فكذلك إذا استقرض وهذا لأن في باب المقاصة آخر الدينين قضاء من أولهما ولا يكون أول الدينين قضاء عن آخرهما لأن القضاء يتلو الوجوب ولا يسبقه ولهذا في الدين المشترك لو وجب للمدين على أحد الشريكين دين بقدر حصة وصار قصاصا كان للشريك الآخر أن يرجع عليه بنصفه لأنه صار مستوفيا حصته ولو كان دين المديون عليه سابقا على دينهما فصار قصاصا لم يكن لشريكه أن يرجع عليه بشيء لأنه صار بنصيبه قابضا دينا عليه لا مقتضيا إذا ثبت هذا فنقول إذا كان آخر الدينين قرضا فالمسلم إليه بما أوجب له من القرض يصير قاضيا طعام السلم ورب السلم يكون مستوفيا
وإذا كان القرض أولا لم يكن قصاصا وإن تقاضيا به لأن رب السلم يصير قاضيا بطعام السلم ما عليه من القرض ودين السلم يجب قبضه ولا يجوز قضاء دين آخر به فإن كان للمسلم إليه كر حنطة دينا على رجل أو استقرض من [ ص: 169 ] رجل كرا فقال : لصاحب السلم كله فاكتاله رب السلم كيلا واحدا جاز ويصير قابضا لأن القرض لا يشترط فيه الكيل ألا ترى أن المقرض لو استرد ما أقرض ولم يكله كان له أن يتصرف فيه والمستقرض لو قبض ولم يكل كان له أن يتصرف فيه ورب السلم في القبض من المقرض أو المستقرض نائب عن المسلم إليه فكما قبضه تم فيه ملك المسلم إليه قبل أن يكيله ثم إنما يكيله بعد ذلك لنفسه بحكم السلم فلهذا يكفيه كيل واحد بخلاف ما سبق من الشراء فإن المسلم إليه لما اشتراه بشرط الكيل لا يتعين ملكه إلا بالكيل فكان الكيل الأول من رب السلم كتعيين ملك المسلم إليه فلا بد من أن يكيله لنفسه بعد ذلك كيلا مستقبلا
قال : ( وإن تتاركا السلم ورأس المال ثوب فهلك عند المسلم إليه فعليه قيمته ) وكذلك لو تتاركا بعد هلاكه وهذه أربعة فصول ( أحدهما ) أن يشتري عينا بدراهم فتقابضا ثم تقايلا ثم هلك المبيع قبل الرد بطلت الإقالة سواء كان الثمن قائما أو هالكا لأن الإقالة رفع العقد وإنما يرفع الشيء من المحل الوارد عليه ومحل العقد المعقود عليه والمعقود عليه المبيع دون الثمن فإن الثمن معقود به ولهذا شرط قيام الملك في المبيع عند العقد دون الثمن فإن كان المبيع هالكا عند الإقالة فالإقالة باطلة لفوات محلها وكذلك إذا هلك بعد الإقالة قبل الرد لأن العارض من هلاك المحل بعد الإقالة قبل الرد كالمقترن بالإقالة ألا ترى أن هلاك المعقود عليه بعد العقد قبل القبض يبطل العقد ويجعل كالمقترن بالعقد ( والثاني ) لو تبايعا عبدا بجارية وتقابضا ثم تقايلا ثم هلك أحدهما بقيت الإقالة لأن ابتداء الإقالة بعد هلاك أحد العوضين صحيح فإن كل واحد منهما معقود عليه بدليل أنه يشترط قيام الملك في العوضين جميعا للمتعاقدين بخلاف الثمن ألا ترى أن بعد هلاك أحدهما يمكن فسخ العقد برد الآخر بالعيب فكذلك بالإقالة وإذا جاز ابتداء الإقالة بعد هلاك أحدهما فكذلك تبقى الإقالة في القائم وعليه رد قيمة الهالك لأنه تعذر رد العين مع بقاء السبب الموجب للرد فترد القيمة إذ القيمة سميت قيمة لقيامها مقام العين ولو هلكا جميعا بعد الإقالة قبل التراد بطلت الإقالة لأن ابتداء الإقالة بعد هلاكهما باطل إذا لم يبق شيء من المحل الذي تناوله العقد فكذلك لا تبقى الإقالة بعد هلاكهما
( والثالث ) السلم إذا تقايلا ورأس المال عين فهلكت بعد الإقالة لم تبطل الإقالة لأن ابتداء الإقالة بعد هلاك رأس المال صحيح فإن السلم بمنزلة بيع المقابضة لأن المسلم فيه مبيع معقود عليه فجازت الإقالة بعد هلاك ما يقابله وإذا بقيت الإقالة فعليه رد قيمة [ ص: 170 ] رأس المال لتعذر رد العين مع بقاء السبب الموجب له والقول قول المطلوب في مقدار القيمة إذا اختلفا لأن الطالب يدعي عليه زيادة وهو منكر لتلك الزيادة ( والرابع ) الصرف فإنهما لو تصارفا دينارا بعشرة دراهم وتقابضا وهلك البدلان جميعا ثم تقايلا ثم هلك البدلان قبل التراد جازت الإقالة لأن المعقود عليه ما استوجب كل واحد منهما في ذمة صاحبه ألا ترى أن بعد الإقالة لا يلزمه رد المقبوض بعينه ولكن إن شاء رده وإن شاء رد مثله فلا يكون هلاك المقبوض مانعا من الإقالة هذا هو الصحيح في تخريج هذه المسائل وقع في الأصل تشويش وتقديم وتأخير وألفاظ وذلك كله غلط من الكاتب وقد تكلف لتصحيحه بعض مشايخنا رحمهم الله فإنه قال : بعد مسألة القرض ألا ترى أنه لو اشتريا جارية بعبد وتقابضا فمات أحدهما في يديه ثم تناقضا أنه جائز ومعنى هذا الاستشهاد أن القرض وإن كان في معنى البيع من حيث إنه تمليك الطعام بمثله فليس ببيع حقيقة فلا يشترط فيه من الكيل ما يشترط في المبيع كما أن الإقالة في حكم البيع ولكن ليس ببيع على الحقيقة فيجوز بعد هلاك أحد العوضين وإن كان لا يجوز ابتداء البيع فإنه لو اشترى عبدا بقيمة جارية هالكة لا يجوز وإليه أشار بقوله وليس هذا بمنزلة شراء الحي قبل أن يموت يعني شراء الحي بقيمة الميت أو شراء الحي بالحي إذا مات أحدهما قبل القبض ولكن هذا تكلف
ولا يليق هذا اللفظ بفصاحة محمد رحمه الله فإن شراء الحي يعلم أنه يكون قبل أن يموت فعرفنا أنه غلط من الكاتب ثم قال : وكذلك السلم لأن السلم بيع يعني أن الإقالة بعد هلاك رأس المال يجوز كما يجوز في بيع المقابضة الإقالة بعد هلاك أحدهما ثم قال ولا يشبه هذا الأثمان الدنانير بالدراهم ، يعني أن في عقد الصرف تجوز الإقالة بعد هلاكهما بخلاف بيع المقابضة وفي بعض النسخ قال : الدنانير والدراهم يعني إذا اشتريا عينا بنقد ثم تقايلا فهلك المعقود عليه بطلت الإقالة فإن كان الثمن قائما وقد قررنا هذا الفرق
قال : ( وإذا أسلم الرجل إلى رجل دراهم في كر حنطة فوجد فيها دراهم ستوقة فجاء يردها فقال : المسلم إليه هذا من نصف رأس المال وقد بطل نصف السلم وقال : رب السلم بل هو ثلث رأس المال فالقول قول المسلم إليه ) لأن الستوقة ليست من جنس الدراهم فقد علمنا أن المسلم لم يتم في جميع الكر وحاصل الاختلاف بينهما في قبض المسلم إليه مقدار حقه من رأس المال فرب السلم يدعي عليه أنه قبض ثلثي حقه والمسلم إليه ينكر القبض فيما زاد على النصف فكان القول قول المنكر مع يمينه وعلى المدعي أن يثبت ما يدعيه [ ص: 171 ] بالبينة وإذا أسلم عشرة دراهم في كر حنطة فأقام رب السلم البينة أنهما تفرقا قبل قبض المسلم إليه رأس المال وأقام المسلم إليه البينة أنه قبض رأس المال قبل أن يفترقا فالسلم جائز ويؤخذ بينة المسلم إليه لأنها تثبت القبض في المجلس وبينة رب السلم تنفي ذلك والبينات تترجح بالإثبات ولم يذكر في الكتاب أنه لو لم يكن لهما بينة فالقول قول من يكون ؟ وأورد هذا في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله وقال : على قول زفر القول قول من يدعي القبض منهما لأن العقد لا يتم إلا بقبض رأس المال فكان اتفاقهما على العقد اتفاقا منهما على قبض رأس المال والذي ينكر القبض في حكم الراجع عن الإقرار وقد قررنا هذا المعنى في الأجل فكذلك في قبض رأس المال وعند أبي يوسف رحمه الله القول قول الذي في يده رأس المال لأن الآخر يدعي تملك ما في يده عليه وهو منكر والقول قول المنكر فإن كان رأس المال في يد رب السلم فظاهر لأن المسلم إليه يدعي أنه يملك ما في يده بالقبض وأنه غصبه منه بعد ذلك وإن كان في يد المسلم إليه فرب السلم يدعي أنه غصبه منه والمسلم إليه منكر لذلك فكان القول قول المنكر لذلك فلو كانت الدراهم في يد رب السلم بأعيانها فقال : المسلم إليه أودعتها إياه أو غصبها بعد قبضي لها وقد قامت البينة بالقبض فكان القول قوله ويقضى له بالدراهم لأنه لما أثبت قبضه بالبينة فقد تم ملكه فيها ثم ظهرت في يد غيره بعد ذلك فيؤمر بردها عليه سواء زعم أن وصولها إلى يده الوديعة أو بالغصب
ولو أسلم فلوسا في طعام يجوز لأن هذا عددي متقارب يصلح أن يكون ثمنا في باب البيع فيصلح أن يكون رأس المال في باب السلم ولا يجوز في الصفر رجل باع عبدا أو ثوبا بشيء مما يكال أو يوزن ثم تفرقا قبل أن يقبض المشتري ما اشترى فالبيع جائز لأنهما تفرقا عن عين بدين وذلك جائز في البيع كما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل وقبض المشتري وتفرقا أو تفرقا قبل قبض المشتري وقد بينا أن القياس في السلم هكذا ولكنا تركنا القياس هناك لمقتضى اسم السلم وإليه أشار في الفرق فقال : لو باعه ثوبا بحنطة وسمى الكيل ولم يجعل له أجلا كان جائزا ولو أسلم هذا الثوب في كر حنطة موصوفة ولم يجعل له أجلا كان فاسدا ومعنى هذا الاستشهاد أن التأجيل في السلم في المسلم فيه جعل شرطا لتحقق معنى الاسم فكذلك التعجيل في رأس المال مقتضى الاسم بخلاف البيع وقد بينا أن جواز أخذ الرهن بالمسلم فيه وإن بهلاك الرهن يصير المرتهن مستوفيا حقه من مالية الراهن إذا كان فيه وفاء بحقه فسقط حق رب السلم عن المطالبة [ ص: 172 ] بعد هلاك الرهن في يده وقد بينا أيضا جواز التوكيل بدفع رأس المال وأن القبض من الوكيل في مجلس العقد بمنزلة القبض من الموكل ويستوي إن كان الوكيل شريكا لرب السلم أو أجنبيا لأن أداءه قام مقام أداء الموكل بحكم الوكالة إذا قبض المسلم إليه حتى لو تبرع أجنبي بأداء رأس المال وقبضه المسلم إليه قبل أن يفارق رب السلم كان جائزا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|