
15-12-2025, 09:56 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,080
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر
صـــ 152 الى صـــ 161
(263)
والمعنى فيه أن عند هلاك الرهن يصير مستوفيا عين حقه لا مستبدلا فإن عين الرهن لا تكون مملوكة للمرتهن ولهذا لو كان الرهن عبدا فمات كان كفنه على الراهن وإنما يصير مستوفيا دينه من ماليته والأعيان باعتبار صفة المالية جنس واحد ولهذا لو ارتهن أحد الشريكين بنصيبه من الدين فهلك الرهن يرجع شريكه عليه بنصف نصيبه من الدين وإذا ثبت أنه استيفاء لا استبدال جاز الرهن بكل دين يجب استيفاؤه وفي الحوالة والكفالة لا شك فإن المستوفي من الكفيل والمحتال عليه كالمستوفي من الأصيل في أنه عين حق الطالب لا بدله .
قال : ( وإذا أسلم في شيء من الثياب واشترط طوله وعرضه بذراع رجل معروف لم يجز كما في المكيل إذا عين المكيال ) وهذا لأن مقدار المسلم فيه بالذراع المعروف وربما يموت ذلك الرجل فيتعذر تسليم المسلم فيه إذا حل الأجل وإذا اشترط كذا وكذا ذراعا فهو جائز وله ذراع وسط لأن مطلق التسمية تنصرف إلى المتعارف كمطلق تسمية الدراهم في الشراء تنصرف إلى نقد البلد والمتعارف الذراع الوسط ويسمى المكسرة وسمي لذلك لأنه كسره من ذراع قبضة الملك وإن الذراع الوسط سبع قبضات وهي تسع مسببات ومعرفة هذا في كتاب العشر والخراج
قال : ( وإذا أسلم في الحرير وزنا ولم يشترط الطول والعرض لم يجز ) لأن المالية لا تصير معلومة إلا ببيان الطول والعرض في الثياب ولأنه لو جاز هذا لكان يأتيه بقطاع الحرير بذلك الوزن الذي سمي فيجبر على أخذه ونحن نعلم أنه لم يقصد ذلك فهذا لا يجوز ما لم يبين [ ص: 153 ] الطول والعرض ولا بد من بيان الوزن أيضا فيما تختلف ماليته بالثقل والخفة كالحرير والوذاري وما أشبه ذلك وإن اشترط الطول والعرض بقيمان غير الذراع فإن كان قيمانا معروفا من قيامين التجار فهو جائز لأن المقدار يصير معلوما بذلك وهو المقصود وكذلك القدرة على التسليم تحصل بتسمية ذلك
قال : ( وإن اشترط الرجل في سلمه ثوبا جيدا ثم جاء به المسلم إليه فقال : رب السلم ليس هذا بجيد وقال : المسلم إليه جيد فإن الحاكم يريه رجلين من أهل تلك الصناعة ) لأنه لا علم عنده فيما إذا اختلفا فيه فيرجع إلى من له فيه علم كما لو احتاج إلى معرفة قيمة المستهلك والأصل فيه قوله تعالى { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإذا اجتمعا على أنه جيد مما يقع عليه اسم الجودة وإن كان ليس نهاية في الجودة أجبر رب السلم على أخذه لأن المسلم إليه وفى بما شرط له فالمستحق بالتسمية أدنى ما يتناوله الاسم إذ لا نهاية للأعلى فإنه ما من جيد إلا وفوقه أجود منه ألا ترى أنه لو اشترط في العبد أنه كاتب أو خباز فإنه يستحق به أدنى ما يتناوله الاسم وإنما شرط المثنى لأنه يحتاج إلى فصل الخصومة بينهما ، وإنما يمكنه ذلك بحجة تامة وهو قول المثنى
قال : ( وإن كان اشترط وسطا فأتاه المسلم إليه بجيد أجبر رب السلم على قبوله ) وعلى قول زفر لا يجبر لأن الجيد غير الوسط وهو متبرع عليه بصفة الجودة ولو تبرع عليه بزيادة قدر كان له أن لا يقبل تبرعه فكذلك إذا تبرع بالجودة ولكنا نقول أوفاه حقه بكماله وأحسن في قضاء الدين قال : صلى الله عليه وسلم { خيركم أحسنكم قضاء للدين } وقال : { للوازن زن وأرجح فإنا معاشر الأنبياء هكذا نزن } .
قال : ( فإن أتاه بالثوب الجيد والمشروط عليه ثوب وسط وقال : خذ هذا وزدني درهما فلا بأس بذلك إن فعل ) وهذه في الحاصل ثمانية فصول أربعة في الثياب وأربعة في المقدرات أما في الثياب إن أتاه بأزيد وصفا أو بدون وصفا أو بأزيد قدرا أو بأنقص قدرا أما في الثياب إن أتاه بأزيد وصفا أو ذراعا بأن أتاه بأحد عشر ذراعا وقد كان المسلم فيه عشرة أذرع فقال : خذ هذا وزدني درهما يجوز وتكون تلك الزيادة بمقابلة صفة الجودة أو الذراع الزائد وذلك مستقيم ألا ترى أنه لو باعه ثوبا جيدا بثوب وسط ودرهم يجوز ولو باعه أحد عشر ذراعا بعشرة أذرع ودرهم يجوز فكذلك القبض بحكم السلم ولو أتاه بأنقص وصفا بأن أتاه بثوب رديء فقال : خذ هذا وأرد عليك درهما لا يجوز لأن هذا منهما إقالة للعقد في الصفة وحصة الصفة من رأس المال غير معلومة فلا تجوز الإقالة فيه وكذلك لو أتاه بتسعة أذرع فقال : خذ هذا [ ص: 154 ] وأرد عليك درهما لأن الذراع في الثوب صفة ولأن رأس المال لا ينقسم على ذرعان الثوب باعتبار الأجزاء فلم تكن حصة الذراع معلومة من رأس المال فلا تجوز الإقالة فيه أما في المقدرات لو أسلم عشرة دراهم في عشرة أقفزة حنطة وسط فأتاه بطعام جيد وقال : خذ هذا وزدني درهما فإنه لا يجوز لأن الدرهم الزائد بمقابلة الجودة ولا قيمة للجودة في الأموال الربوية ألا ترى أنه لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز وسط ودرهم لا يجوز وهذا في معنى ذلك فإنه يأخذ هذا القفيز الجيد عوضا عن الوسط الذي له في ذمته وعن الدرهم الزائد
ولو أتاه بأحد عشر قفيزا وقال : خذ هذا وزدني درهما جاز لأن الدرهم الزائد بمقابلة القفيز الزائد وهو جائز ولو أتاه بعشرة أقفزة رديئة فقال : خذ هذا وأرد عليك درهما لا يجوز لأنه لا قيمة للصفة فكيف تستقيم الإقالة على القيمة فيه ولو أتاه بتسعة أقفزة وقال : خذ هذا وأرد عليك درهما يجوز بخلاف الثوب لأن رأس المال ينقسم على القفيزين باعتبار الأجزاء فحصة القفيز من رأس المال معلومة بخلاف ذرعان الثوب وعن أبي يوسف أنه يجوز في الفصول كلها ذكر قوله في كتاب الصلح لأن رب السلم يزيد في رأس المال فتلحق الزيادة بأصل العقد أو المسلم إليه يحط شيئا من رأس المال والحط أيضا يلتحق بأصل العقد لا أن يكون بمقابلة الصفة أو يكون فيه إقالة العقد في شيء ثم المسلم إليه أجنبي في قضاء الدين إذا أتى بالأجود ورب السلم أحسن إليه حين تجوز بالرديء فإذا أمكن تحصيل مقصودهما بهذا الطريق وجب حمل تصرفهما عليه عملا بقوله تعالى { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ولكنا نقول هذا إذا لم ينصا على النص والمقابلة أما إذا نصا على ذلك لا يمكن حمل فعلهما على التبرع كما لو باع درهما بدرهمين لا يجوز ولا يجعل أحد الدرهمين هبة وذكر أبو سليمان عن أبي يوسف رحمهما الله أن أبا حنيفة جوز ذلك في الثياب ولم يجوزه في الطعام وهذه الرواية تخالف رواية محمد في الثوب إذا أتاه بأردأ مما شرط أو بأنقص مما شرط والاعتماد على رواية محمد .
قال : ( وإذا اختلفا في السلم فقال : الطالب شرطت لي جيدا وقال : المطلوب شرطت لك وسطا أو قال : الطالب أسلمت إليك في حنطة وقال : المطلوب أسلمت إلي في شعير تحالفا وترادا ) وحكم التحالف ثابت بالسنة بخلاف القياس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا } وفي حديث آخر قال : { إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها فالقول ما يقوله البائع أو يترادان } وسنقرر هذا في باب التحالف إن شاء الله تعالى فنقول الآن إذا اختلفا [ ص: 155 ] في جنس المعقود عليه فتعلق العقد بالمعقود عليه أكثر من تعلقه بالثمن ثم لو اختلفا في جنس الثمن تحالفا ففي جنس المعقود عليه أولى وكذلك إذا اختلفا في الصفة لأن المسلم فيه دين وإنما يعرف الدين بصفته فالجيد منه غير الوسط ألا ترى أنهما لو أحضرا كانا غيرين والاختلاف في الصفة فيما هو دين يكون اختلافا في المعقود عليه فيجري التحالف بينهما بخلاف ما إذا اختلفا في الصفة في بيع العين فإن العين لا تختلف باختلاف صفته فلا يكون ذلك اختلافا بينهما في المعقود عليه
قال : ( والذي يبدأ به في اليمين المطلوب في قول أبي يوسف الأول ) لأنه بمنزلة البائع وصاحب الشرع عليه الصلاة والسلام قال : فالقول ما يقوله البائع فظاهر هذا يقتضي أن يكتفى بيمينه وقد قام الدليل على أنه لا يكتفى بذلك فيبقى هذا الظاهر معتبرا في البداية بيمينه ولأنه أشبه بالمنكرين فإنه ينكر ما ادعاه الطالب من الجنس والصفة لنفسه واليمين على المنكر ثم رجع وقال : يبدأ بيمين الطالب وهو قول محمد لأن أول التسليمين في عقد السلم على الطالب وهو رأس المال فلذلك أول اليمينين عليه ولأنه بنكوله يثبت ما ادعاه المطلوب منه ويقع الاستغناء عن يمينه وبعض مشايخنا رحمهم الله يقول القاضي يقرع بينهما ويبدأ بيمين من خرجت قرعته نفيا لتهمة الميل عن نفسه وقيل الرأي في ذلك إلى القاضي وقيل ينظر أيهما سبق بالدعوة يبدأ بيمين خصمه وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه لأن نكوله قائم مقام إقراره
وإن قامت لهما جميعا بينة أخذت بينة الطالب لأن في بينته زيادة إثبات ولأنه يقيم البينة على حق نفسه فالمطلوب إنما يقيم البينة على حق الطالب وبينة الإنسان على حق نفسه أولى بالقبول وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعن محمد إن كان افترقا عن مجلس العقد فكذلك الجواب وإن لم يفترقا عن مجلس العقد يقضي بسلمين عشرة في كر حنطة ببينة رب السلم وعشرة في كر شعير ببينة المسلم إليه ومحمد رحمه الله يقول البينات حجج فمهما أمكن العمل بها لا يجوز إبطال شيء منها وهنا العمل بالبينتين يمكن إذ لا منافاة بين العقدين فيجب العمل بهما كحجج الشرع بخلاف ما بعد الافتراق فإنه ما قبض في المجلس إلا عشرة واحدة فلا يمكن القضاء بالعقدين ; فلهذا رجحنا بينة الطالب وقاس هذا ببيع العين فإنه لوقال : بعت منك هذه الجارية بألف درهم وقال : المشتري بعتني العبد بألف درهم وأقاما جميعا البينة يقضي بالعقد فيهما جميعا بالاتفاق فكذلك في السلم وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان مع اختلافهما اتفقا على أنه لم يكن بينهما إلا عقد واحد فالقضاء بالعقدين قضاء بما لم [ ص: 156 ] يطلبا وليس للقاضي ذلك يقرره أنه لا مقصود للمطلوب في هذه البينة إثباتا لأن حقه في رأس المال وهو سالم له ولا مؤنة عليه في ذمته حنطة كان أو شعيرا فإنما مقصوده نفي بينة الطالب فرجحنا بينة الطالب للإثبات بخلاف بيع العين فالبائع هناك ببينته يثبت إزالة العين عن ملكه ليسقط مؤنته عن نفسه بالتسليم إلى المشتري فكان هو مثبتا كالمشتري فلهذا قضينا بالعقدين ثم نص على الخلاف فيما إذا اختلفا في جنس المسلم فيه ولم يذكر ذلك فيما إذا اختلفا في صفته
ومن أصحابنا رحمهم الله تعالى من قال : هو على الخلاف أيضا ومنهم من فرق لمحمد بينهما فقال : باختلافهما في الصفة لا يتحقق الخلاف في العقد ألا ترى أنه قد يسلم في الجيد ويأخذ مكانه رديئا ويجوز أن يسلم في الرديء فيعطيه مكانه جيدا فعرفنا أن باختلاف الصفة لا يختلف العقد فلا يمكن القضاء هناك بالعقدين بخلاف الجنس فإن بالسلم بالحنطة لا يجوز أخذ الشعير فكان الاختلاف في ذلك اختلافا في العقد وقد أثبت كل واحد منهما ما ادعى من العقد بالبينة فيقضى بالعقدين فإن لم يكن لهما بينة وتحالفا فسخ القاضي العقد بينهما إذا طلب ذلك أحدهما قطعا للمنازعة لما في امتدادها من الفساد ودفع الضرر عن كل واحد منهما بإعادة رأس ماله إليه وقد بينا في باب اللعان أنه يفرق بينهما بعد التلاعن من غير طلبهما لأن حرمة الاجتماع بين المتلاعنين ما داما مصرين حق الشرع فلا يتوقف التفريق على طلبهما أو طلب أحدهما وهنا فسخ العقد حقهما فيتوقف على طلبهما أو طلب أحدهما
قال : ( فإن لم يختلفا في المسلم فيه ولكن اختلفا في مكان الإيفاء ) فقال : الطالب شرطت لي مكان كذا وكذا وقال : المطلوب بل مكان كذا وكذا فإن أقام البينة فالبينة بينة الطالب وإن لم يكن لهما بينة فالقول قول المطلوب مع يمينه وهذا قول أبي حنيفة وإن لم ينص عليه في الكتاب وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يتحالفان ويترادان السلم وقيل هذا الاختلاف على القلب فإن من مذهب أبي حنيفة أن بيان مكان الإيفاء شرط كالصفة فلا بد من ذكره فالاختلاف فيه يوجب التحالف عنده وعندهما ليس بمنزلة الصفة بل هو زائد لا يحتاج إلى ذكره والأصح أن الخلاف في موضعه فإن عندهما : متعين مكان الإيفاء موجب العقد ولهذا لا يحتاج إلى ذكره بل يتعين موضع العقد للإيفاء والاختلاف في موجب العقد يوجب التحالف وعند أبي حنيفة هو موجب بالشرط كالأجل والاختلاف فيه لا يوجب التحالف ثم وجه قولهما إن المالية فيما له حمل ومؤنة تختلف باختلاف الأمكنة فالاختلاف فيه كالاختلاف في [ ص: 157 ] الصفة وهذا لأن المقصود بالعقد المالية وأبو حنيفة يقول القياس يمنع التحالف تركنا ذلك بالسنة وإنما جاءت السنة بالتحالف عند الاختلاف فيما هو من صلب العقد وهو البدل فأما المكان ليس من صلب العقد فالاختلاف فيه كالاختلاف في الأجل وهذا لأن المعقود عليه لا يختلف باختلاف مكان تسليمه بخلاف الصفة فالمعقود عليه إذا كان دينا يختلف باختلاف صفته فلهذا فرق بينهما في حكم التحالف
قال : ( وإن اختلفا في الأجل فهو على ثلاثة أوجه إما أن يختلفا في مقدار الأجل أو في مضي الأجل أو في أصل الأجل فإن اختلفا في مقدار الأجل فقال : الطالب كان الأجل شهرا وقال : المطلوب شهرين فالقول قول الطالب مع يمينه ) لأن الأجل حق المطلوب قبل الطالب فإن باعتباره تتأخر مطالبته عنه فالمطلوب يدعي زيادة في حقه والطالب ينكر والقول قول المنكر مع يمينه فإن أقاما البينة فالبينة بينة المطلوب لإثباته الزيادة في حقه وإن اختلفا في مضيه فقال : الطالب كان الأجل شهرا وقد مضى وقال : المطلوب إنما عقدنا العقد اليوم والأجل شهر فالقول قول المطلوب إما لأن الطالب يدعي تاريخا سابقا في العقد والمطلوب منكر لذلك أو لأنهما تصادفا على ثبوت الأجل حقا للمطلوب ثم الطالب يدعي إيفاء حقه والمطلوب ينكر فالقول قول المنكر وإن أقام البينة فالبينة بينة المطلوب أيضا لأن المقصود إثبات الأجل وذلك ببينة المطلوب لأنه يثبت قيام الأجل في الحال والطالب ينفي ذلك ببينته فكان القول قوله من وجه والبينة بينة من وجه كالمودع إذا ادعى الوديعة فالقول قوله لإنكاره الضمان وإن أقام البينة فالبينة بينته أيضا لإثباته الرد فإن اختلفا في شرط الأجل ففي القياس القول قول من ينكر شرط الأجل والعقد فاسد لأن عقد السلم لا يصح إلا باشتراط الأجل فمن ينكر الأجل فهو منكر للعقد في المعنى فالقول قوله ولأن الأجل شرط زائد فإذا اختلفا فيه كان القول قول من ينكره كالخيار في البيع استحسن أبو حنيفة فقال : القول قول من يدعي الأجل أيهما كان
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : إذا كان الطالب يدعي الأجل فكذلك وإن كان المطلوب هو الذي يدعي الأجل فالقول قول الطالب لإنكاره قياسا لأن الأجل حق المطلوب قبل الطالب فإذا ادعاه المطلوب وأنكر الطالب فكلاهما خرج مخرج الدعوى والإنكار فكان القول قول المنكر وذا ادعى الطالب الأجل فكلام المطلوب في الإنكار تعنت لأن الطالب أقر له بحقه وهو أنكر ذلك ليفسد العقد ولا يلتفت إلى قول المتعنت فهو كما لو اختلفا المضارب ورب المال فقال : رب المال شرطت لك [ ص: 158 ] نصف الربح إلا عشرة وقال : المضارب بل شرطت لي نصف الربح فالقول قول رب المال لإنكاره الزيادة ولو قال : رب المال شرطت لك نصف الربح وقال : المضارب إلا عشرة فالقول قول رب المال لأن المضارب متعنت في إنكاره بعض ما أقر به ليفسد العقد وأبو حنيفة يقول الأجل من شرائط السلم فاتفاقهما على عقد السلم يكون اتفاقا على شرائطه فكان المنكر منهما للأجل راجعا عما أقر به والرجوع عن الإقرار باطل ألا ترى أن الاختلاف لو وقع بين الزوجين في النكاح أنه كان بشهود أو بغير شهود يجعل القول قول من يدعي أن النكاح بشهود لهذا المعنى وهذا لأن شرط الشيء تبع له ثبوت التبع بثبوت الأصل ألا ترى أن من نذر صلاة تلزمه الطهارة فاتفاقهما على أصل العقد يكون اتفاقا على ما هو من شرائطه فإن أقام البينة فالبينة بينة من يثبت الأجل لأنه يثبت ببينته شرط صحة العقد إذ الأجل شرط زائد كالخيار فمن يثبته بالبينة كانت بينته أولى بالقبول .
قال : ( وإذا تتاركا السلم بعد قبض رأس المال ثم اختلفا في رأس المال فالقول قول المطلوب مع يمينه والبينة بينة الطالب ) لأنه يثبت الزيادة ببينته والمطلوب ينكر تلك الزيادة فالقول قوله مع يمينه ولا يتحالفان بخلاف بيع العين فإنهما إذا اختلفا هناك في الثمن بعد الإقالة تحالفا وهذا لأن المقصود بالتحالف الفسخ والإقالة كالبيع في احتمال الفسخ ألا ترى أنه لو هلك المبيع بعد الإقالة قبل الرد تنفسخ الإقالة ولو وجد به عيبا فإن حدث عند المشتري يرده بذلك وإقالة السلم لا تحتمل الفسخ حتى لو كان رأس المال عينا لم تنفسخ الإقالة بالهلاك في يد المسلم إليه ولا بالرد بالعيب وهذا لأن المسلم فيه دين وبالإقالة يسقط والساقط متلاشي فلا يتصور فسخ السبب فيه وإنما كان وجوبه بالعقد فلا يبقى بعد انفساخ العقد وبدون بقاء ما تتناوله الإقالة لا يتصور فسخ الإقالة وهناك العقد تناول العين وهو باقي بعد الإقالة
ال : ( وإذا أسلم الرجل عشرة دراهم إلى رجل في طعام فوجد فيها درهما زائفا بعد ما افترقا فأنكر رب السلم أن يكون ذلك من دراهمه فالقول قول المسلم إليه مع يمينه ) لأنه ينكر استيفاء حقه لأن حقه في الجياد وهذا بخلاف بيع العين فإن هناك المشتري إذا طعن بعيب وأنكر البائع أن يكون ما أحضره هو المبيع فالقول قول البائع لأن العقد تناول العين وقد تصادقا على قبض المشتري لما هو المعقود عليه ثم المشتري يدعي عليه لنفسه حق الرد والبائع منكر لذلك وهنا حق المسلم إليه يثبت في الجياد دينا وهو منكر لقبض الحياد فالقول قوله وهذا إذا لم يسبق منه إقرار باستيفاء الجياد أو باستيفاء حقه أو باستيفاء رأس المال بأن [ ص: 159 ] كان ساكتا أو أقر بقبض الدراهم فاسم الدراهم يتناول الجياد والزيوف فأما إذا أقر بشيء مما ذكرنا كان هو في دعوى الزيافة بعد ذلك مناقضا فلا يقبل قوله
قال : ( وإذا أسلم إليه مائة درهم في طعام وأعطاه بعضها وأحاله على رجل ببعضها وبقي عنده بعضها ثم تفرقا فله من السلم بحساب ما نقده وقد بطل ما سوى ذلك ) لافتراقهما قبل قبض رأس المال فإنه بالحوالة لا يصير قابضا بل حقه في ذمة المحال عليه كهو في ذمة المحيل وقد بطلت الحوالة لأنها كانت برأس مال السلم وقد بطل حق المسلم إليه عن ذلك حين افترقا قبل القبض فتبطل الحوالة لذلك ويرجع رب السلم بالدراهم التي أحاله بها على المحتال عليه يريد به إن ذلك كان دينا للمحيل على المحتال عليه فيرجع عليه بدينه كما كان
قال : ( ولا يجوز أن يسلم الحيوان ولا ما لا يكال ولا يوزن فيما يكال ويوزن ) لأن رأس المال معجل في هذا العقد يجوز تعينه فكل ما يصلح مبيعا عينا يصلح أن يكون رأس المال وإنما يجوز السلم عند انعدام وصفي علة ربا الفضل الجنسية والقدر وقد وجد ذلك
قال : ويسلم الثوب الفوهي في الثوب الهروي والمروي وما أشبه ذلك من الثياب المختلفة باختلاف البلدان والصنعة يسلم بعضها في بعض وكذلك الزطي في الهروي والكسا في الطيلسان والطيلسان في الكسا والثوب من الكتان في الثوب من القطن إما لاختلاف الأصول أو لاختلاف الصنعة على وجه يوجب تبديل الاسم والمقصود والوذاري يراد به ما لا يراد به البلدي والزنديجي كذلك وإن كان أصل الكل واحدا وهو القطن وهو كالسعلاطوي مع الخمار الأسود جنسان وإن اتحد الأصل وهو الإبريسم واليعفوري مع الكسا جنسان وإن اتحد الأصل وعند اختلاف الجنس فيما لا يكال ولا يوزن يجوز إسلام البعض في البعض
قال : ( ولا بأس بالسلم في الكتان والقطن والقز والإبريسم ) لأنه موزون معلوم مقدور التسليم وإن اشترط أن يوفيه السلم في مدينة كذا وفي مصر كذا فحيث ما دفعه إليه من ذلك المصر أو من تلك المدينة فله ذلك وليس لرب السلم أن يكلفه تسليمه إليه في موضع آخر منه لأن المستحق بالشرط أدنى ما يتناوله الاسم كما بينا في شرط الجيد فحيث ما دفعه إليه في ذلك المصر فقد وفى بالشرط ولأن نواحي المصر في المصر كمكان واحد بدليل جواز عقد السلم فإذا لم يعين موضعا من المصر كان له أن يسلم في أي موضع شاء منه فإن ( قيل ) أليس أنه إذا استأجر دابة إلى مصر كذا فدخلها كان له أن يتبلغ عليها إلى منزله في المصر ( قلنا ) هذا مستحسن للعرف والعادة فإن الإنسان إذا استأجر دابة إلى مصر من الأمصار أنه لا يستأجر دابة أخرى بعد دخول ذلك المصر [ ص: 160 ] ليتبلغ عليها إلى منزلة فالمستحسن من القياس بالعرف لا يرد نقضا على القياس ولا يعدو الموضع الذي فيه العرف
قال : ( ولا خيار في السلم في المسابق والفرا ) لأنها تختلف منها الصغيرة والكبيرة والمسبق ما له كمان طويلان كما يكون للأكراد وبعض العرب والفرو ما لا كم له قال : ( إلا أن يشترط من ذلك شيئا معروف الطول والعرض والتقطيع والصفة فحينئذ يجوز ) لأنه معلوم مقدور التسليم
قال : ( ولا خير في السلم في كل شيء اشترط فيه الأوقار والأحمال ) لأن ذلك يختلف فبعضها يكون أثقل من بعض وهذه الجهلة تفضي إلى المنازعة بينهما
قال : ( وإن اشترط على المسلم إليه أن يحمل السلم إلى منزل صاحب السلم بعد ما يوفيه إياه في المكان الذي شرطه فلا خير فيه على هذا الشرط ) لأن العقد ينتهي بالإيفاء في المكان المشروط ثم قد شرط لنفسه منفعة بعد انتهاء العقد وهو الحمل وذلك مفسد للعقد كما لو شرط أن يطحنه وإن اشترط أن يوفيه إياه في منزله فلا بأس به استحسانا والقياس فيه مثل الأول من أصحابنا رحمهم الله تعالى من يقول موضع هذا القياس والاستحسان إذا اشترط أن يوفيه في منزله بعد ما يوفيه في مكان كذا ليكون الفصل الثاني على وزان الفصل الأول وفي القياس لا يجوز لاشتراطه منفعة لنفسه بعد ما انتهى العقد نهايته إذ لا يتأتى إيفاؤه في منزله بعد الإيفاء في المكان المشروط إلا بالحمل فلفظ الحمل والإيفاء فيه على السواء وفي الاستحسان قال : ( إن اشترط بلفظه الإيفاء فالثاني مثل الأول من جنسه فينفسخ به الشرط الأول ويصير كأنه اشترط ابتداء هذا ) فأما الحمل ليس من جنس الإيفاء فلا ينفسخ به الشرط الأول وهو نظير ما لو باعه بألف ثم باعه بالفين انفسخ به العقد الأول ولو وهبه لم ينفسخ به العقد الأول وبيان المجانسة أن العقد يقتضي الإيفاء لا محالة ولا يقتضي الحمل ألا ترى أن رب السلم قد يأتي إلى المسلم إليه ليوفيه في منزله فلا يحتاج إلى الحمل فعرفنا أن الحمل ليس من جنس الإيفاء من حيث إن العقد قد يخلو منه
وقيل بأن القياس والاستحسان فيما إذا اشترط ابتداء أن يوفيه في منزله في القياس لا يجوز لأنه لم يعين منزله وإنما المراد منزله عند حلول الأجل وذلك غير معلوم وقد يكون في هذا المصر وقد يكون في مصر آخر ولكنه استحسن فقال : العادة لم تجر باستبدال المنزل بالمنزل في كل وقت أو الانتقال من المصر إلى المصر للتوطن ومنزله للحال معلوم فباعتبار الظاهر يكون هذا منزله عند حلول الأجل والتعين بالعرف كالتعيين بالنص وقيل بل موضع القياس والاستحسان ما إذا شرط أن يوفيه في منزله ولا يعلم المسلم إليه منزله في المصر [ ص: 161 ] في أي محلة هو ففي القياس لا يجوز للجهالة وفي الاستحسان يجوز لأن نواحي المصر كمكان واحد ولكن في هذين الوجهين لا فرق بين أن يكون بلفظ الحمل أو بلفظ الإيفاء وفي الكتاب قال : نأخذ بالحمل في القياس وفي هذا بالاستحسان فعرفنا أن مراده الوجه الأول .
قال : ( ولا بأس بالسلم بالجبن والمصل ) لأنه موزون معلوم وبعض المتأخرين رحمهم الله يقولون هذا في مصل ديار خوارزم فإنه لا يخالطه الدقيق فإنا في مصل ديارنا ينبغي أن لا يجوز لأنه يخالطه دقيق الشعير وقد نقل ذلك وقد يكثر وبجنسه تختلف المالية فكان قياس السلم في الناطف الممون والأصح أنه إن كان معلوما عند أهل الصنعة على وجه لا يتفاوت فالسلم صحيح
قال : ( وإذا اختلفا فقال : رب السلم أسلمت إليك في ثوب يهودي وقال : المسلم إليه بل هو في زطي يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه ) لاختلافهما في جنس المعقود عليه وأيهما أقام البينة وجب قبول بينته وإن أقاما البينة فالبينة بينة الطالب في قول أبي يوسف وفي قول محمد يقضي بسلمين إذا كانا في المجلس وقد بينا هذا وإذا اتفقا على أنه يهودي غير أن الطالب قال : هو ستة أذرع في ثلاثة أذرع وقال : المطلوب خمسة أذرع في ثلاثة أذرع في القياس يتحالفان ويترادان وبالقياس نأخذ وفي الاستحسان القول قول المطلوب لأن المسلم فيه مبيع ولو كان مبيعا عينا واختلفا في طوله وعرضه لا يتحالفان بل القول قول من ينكر الزيادة فكذلك في السلم وهذا لأن زيادة الطول والعرض لا تستحق إلا بالشرط فكان بمنزلة الأجل وقد بينا أنهما إذا اختلفا في الأجل لم يتحالفا فهذا مثله وفي القياس المسلم فيه دين والذرعان لا علامة في المذروعات بمنزلة العقد في المقدورات ولو اختلفا في مقدار المسلم فيه تحالفا ثم أكثر ما في الباب أن الذرعان صفة ولكن المسلم فيه دين فيختلف باختلاف الصفة وقد بينا هذا في الجيد والرديء أنهما إذا اختلفا فيه تحالفا فكذلك في الذرعان ونأخذ بالقياس لقوة جانب القياس والاستحسان قياسان فأيهما كان أثره أقوى يؤخذ به ولم يذكر هذا القياس والاستحسان عند الاختلاف في صفة الجودة والرداءة لتحقق المغايرة بينهما والجيد غير الرديء إذا كان دينا ولا يتحقق مثل تلك المغايرة هنا فالطويل من الثوب قد يصير قصيرا بقطع بعضه والقصير قد يزاد فيه فيصير طويلا فلهذا ذكر القياس والاستحسان هنا ولم يذكر ثمنه
قال : ( وإذا اختلفا في السلم أو في رأس المال ولم يقبضه ولم يتفرقا ) فالحاصل إن هذه ثلاثة فصول ( أحدها ) أن يكون الاختلاف في رأس المال وهو على وجهين إما أن يكون عينا [ ص: 162 ] أو دينا فإن كان عينا فقال : الطالب أسلمت إليك هذا الثوب في كر حنطة وقال : المطلوب بل هذا الثوب الآخر وأقاما البينة فإنه يقضي بالسلمين بالاتفاق لأن كل واحد منهما ببينته يثبت حقه فالطالب يثبت إزالة الثوب بالذي عينه عن ملكه بكر حنطة والمطلوب يثبت ملكه في الثوب الآخر فلا بد من القضاء بالعقدين وإن قال : الطالب أسلمت إليك هذا الثوب وقال : المطلوب مع هذا الثوب الآخر وأقاما البينة فالبينة بينة المطلوب بالاتفاق لأن القضاء بالعقدين غير ممكن فالثوب الواحد لا يكون جميع رأس المال في عقد وبعض رأس المال في عقد آخر والمطلوب يثبت الزيادة في حقه ببينته فلهذا قضينا ببينته بإسلام الثوبين في كر حنطة وإن كان رأس المال دينا فإن اختلفا في جنسه فقال : رب السلم عشرة دراهم في كر حنطة وقال : المسلم إليه دينار في كر حنطة وأقاما البينة فلا إشكال على قول محمد أنه يقضي بالعقدين وقيل هكذا ينبغي في القياس على قول أبي يوسف اعتبارا للدين بالعين والدنانير غير الدراهم ولكنه استحسن فقال : يقضى بعقد واحد وتكون البينة بينة المطلوب لأن الطالب لما لم يثبت لنفسه شيئا إذ لا مؤنة عليه فيما في ذمته وحقه في الكر ثابت باتفاقهما والمطلوب يثبت حقه ببينته فكانت بينته أولى
وإن اختلفا في قدر رأس المال فقال : الطالب عشرة دراهم وقال : المطلوب عشرون وأقاما البينة فهو على هذا الخلاف وكذلك لو كان الاختلاف في المسلم فيه في الجنس والقدر وقد بينا الاختلاف وإن كان الاختلاف فيهما جميعا بأن قال : رب السلم عشرة دراهم في كري حنطة وقال : المسلم عشرون درهما في كر حنطة فعند أبي يوسف تقبل بينة كل واحد منهما على ما يدعي من الزيادة في حقه ويقضي بعقد واحد وهو إسلام عشرين درهما في كري حنطة وعند محمد يقضي بعقدين كما شهد به كل فريق فالحاصل أن عند محمد يقضي بعقدين ما أمكن إلا إذا تعذر فحينئذ يشتغل بالترجيح للضرورة وعند أبي يوسف يقضي بعقد واحد إلا إذا تعذر فحينئذ يقضي بعقدين للضرورة وقول أبي حنيفة كقول أبي يوسف رحمهما الله

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|