
15-12-2025, 10:22 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر
صـــ 92 الى صـــ 101
(257)
باب الصدقة قال : ( الصدقة بمنزلة الهبة في المشاع ، وغير المشاع ، وحاجتها إلى القبض ) ، وقد بينا اختلاف ابن أبي ليلى فيها إلا أنه لا رجوع في الصدقة إذا تمت ; لأن المقصود بها نيل الثواب - وقد حصل - وإنما الرجوع عند تمكن الخلل فيما هو المقصود ، ويستوي إن تصدق على غني ، أو فقير في أنه لا رجوع له فيها . ومن أصحابنا - رحمهم الله من يقول : الصدقة على الغني والهبة سواء إنما يقصد به العوض - دون الثواب - ; ألا ترى أن في حق الفقير جعل الهبة والصدقة سواء في أن المقصود الثواب ، فكذلك في حق الغني : الهبة والصدقة سواء فيما هو المقصود ، ثم له أن يرجع في الهبة فكذلك في الصدقة ، ولكنا نقول : ذكره لفظ الصدقة يدل على أنه لم يقصد العوض ، ومراعاة لفظه أولى من مراعاة حال المتملك . ثم التصدق على الغني يكون قربة يستحق بها الثواب فقد يكون غنيا يملك نصابا ، وله عيال كثيرة ، والناس يتصدقون على مثل هذا لنيل الثواب ; ألا ترى أن عند اشتباه الحال يتأدى الواجب من الزكاة بالتصدق عليه ولا رهن ولا رجوع فيه - بالاتفاق - فكذلك عند العلم بحاله : لا يثبت له حق الرجوع عليه .
قال : ( رجل تصدق على رجل بصدقة ، وسلمها إليه ، ثم مات المتصدق عليه ، والمتصدق وارثه فورثه تلك الصدقة ، فلا بأس عليه فيها ) بلغنا في الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { : أن رجلا تصدق بصدقة ، ثم مات المتصدق عليه فورثه النبي - صلى الله عليه وسلم - من تلك الصدقة } . والحديث فيه ما روي { أن طلحة رضي الله تعالى عنه تصدق على أمه بحديقة ، ثم ماتت قال - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى قبل منك صدقتك ، ورد عليك حديقتك } . وفي المشهور : { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تحل الصدقة لغني إلا بخمسة ، وذكر من جملتها : رجلا تصدق بصدقة ، ثم مات المتصدق عليه فورث تلك الصدقة } .
قال : ( رجل قال في صحته : جعلت غلة داري هذه صدقة للمساكين ، ثم مات ، أو قال : داري هذه صدقة في المساكين ، ثم مات ، قال : هي ميراث عنه ) ; لأنها صدقة لم تتصل بهذا القبض ; ولأن هذا اللفظ منه بمنزلة النذر ، سواء التزم الصدقة بعينها ، أو بغلتها ، والمنذور لا يزول [ ص: 93 ] عن ملكه قبل تنفيذ الصدقة فيه ، وإنما عليه الوفاء بنذره حقا لله - تعالى - ولهذا يفتى به ، ولا يجبر عليه في الحكم ، ومثله لا يمنع الإرث ، فلا يبقى بعد الموت ، وإن كان حيا ، وتصدق بقيمتها : أجزأه ; لأن ما لزمه من التصدق في عين مال بالتزامه معتبر بما أوجب الله تعالى عليه - وهو الزكاة - والواجب هناك يتأدى بالقيمة ، كما يتأدى بالعين ، فهذا مثله ; لأن المقصود في حق المتصدق عليه أغناؤه ، وسد خلته .
قال : ( فإن قال جميع ما أملك صدقة في المساكين ، فعليه أن يتصدق بجميع ما يملك من الصامت ، وأموال السوائم ، وأموال الزكاة ، ولا يتصدق بالعقار ، والرقيق ، وغير ذلك - استحسانا - ) ، وفي القياس : عليه أن يتصدق بجميع ذلك ، وهو قول زفر رحمه الله . وزعم بعض مشايخنا - رحمهم الله أن في قوله : " جميع ما أملك " يتصدق بالكل قياسا ، واستحسانا . وإنما القياس ، والاستحسان في قوله : مالي صدقة ، أو جميع مالي صدقة ، والأصح أنهما سواء . وجه القياس : أن اسم الملك حقيقة لكل مملوك له ، واسم المال لكل ما يتموله الإنسان ، ومال الزكاة في ذلك ، وغير مال الزكاة سواء ; ألا ترى أن في الإرث والوصية بالمال يستوي فيه ذلك كله ; وهذا لأن اللفظ معمول به في حقيقته - ما أمكن - ولكنه استحسن ، فقال : إنما ذكر المال والملك عند ذكر الصدقة ، فيختص بمال الزكاة بدليل شرعي ، وهو أن ما يوجبه على نفسه معتبر بما أوجب الله - سبحانه وتعالى - عليه ، والله - تعالى - أوجب الحق في المال ; ولذلك يختص بمال الزكاة ، فكذلك ما يوجبه على نفسه - بخلاف الوصية - ; وهذا لأن الصدقة - شرعا - إنما تكون عن غنى .
{ قال - صلى الله عليه وسلم - : لا صدقة إلا عن ظهر غنى } . والغني - شرعا - يختص بمال الزكاة ، حتى لا يكون مالك العقار والرقيق لغير التجارة غنيا شرعا ; فلهذا الدليل تركنا اعتبار حقيقة اللفظ ، وأوجبنا عليه التصدق بمال الزكاة وبخلاف الوصية والميراث ; فإن ذلك خلافه والحاجة إليه في مال الزكاة ، وغير مال الزكاة سواء ، ثم يمسك من ذلك قوته ، فإذا أصاب شيئا بعد ذلك تصدق بما أمسك ; لأن حاجته في هذا القدر مقدمة ; إذ لو لم يمسك احتاج أن يسأل الناس ، ولا يحسن أن يتصدق بماله ، ثم يسأل الناس من ساعته ، ولم يبين في الكتاب مقدار ما يمسك ; لأن ذلك يختلف بقلة عياله ، وكثرة عياله . وقيل : إن كان محترفا : فإنما يمسك قوت يوم ، وإن كان صاحب غلة : أمسك قوت شهر ، وإن كان صاحب ضياع : أمسك قوت سنة ; لأن يد الدهقان إلى ما ينفق إنما تتصل سنة فسنة ، ويد صاحب الغلة شهرا فشهرا ، ويد العامل يوما فيوما .
قال : ( رجل وهب للمساكين هبة ، ودفعها إليهم لم يرجع فيها - استحسانا - وفي القياس : يرجع ) ; لأنه ملكه بطريق الهبة ، وفي أسباب الملك : الغني والفقير سواء [ ص: 94 ] كالبيع وغيره - . ووجه الاستحسان : أن قصده بالهبة من الفقير : الثواب - دون العوض - ; إذ لو كان قصده العوض لاختار للهبة من يكون أقدر على أداء العوض ، ولما اختار الفقير مع عجزه عن أداء العوض ، عرفنا أن مقصوده الثواب ، وقد نال ذلك . قال : ( وكذلك إن أعطى سائلا أو محتاجا على وجه الحاجة ) : فإن العطية بمنزلة الهبة ، وإنما قصده بفعله سد خلة المحتاج ; وذلك يفعل لابتغاء مرضاة الله - تعالى - ونبل ثوابه وهو معنى ما روي عن عمر رضي الله عنه : من وهب هبة لصلة رحم ، أو على وجه الصدقة لم يكن له أن يرجع فيها .
قال : ( رجل جعل في داره مسجدا يصلي فيه الناس ، ثم مات . قال : هو ميراث لورثته ) ; لأنه لم يميزه عن ملكه ، فيكون هذا بمعنى صدقة المشاع ، ثم الأصل في المساجد : المسجد الحرام ، وهذا ليس في معنى ذلك ; لأن ذلك يدخله من شاء من كل جانب ، وهذا ملكه محيط بكل جانب منه ، فلا يتمكن أحد من الدخول فيه بغير إذنه . فإن كان أخرجه من داره ، وعزله وجعله مسجدا ، وأظهره للناس ، ثم مات : فهو مسجد لا يورث ، ، وقد بينا تمام هذا الفصل في كتاب الوقف .
قال : ( وإن بنى على منزله مسجدا ، وسكن أسفله ، أو جعله سردابا ، ثم مات : فهو ميراث ) . وكذلك إن جعل أسفله مسجدا ، وفوقه مسكنا ; لأن المسجد ما يحرز أصله عن ملك العباد ، وانتفاعهم به على قياس المسجد الحرام ، وذلك غير موجود فيما اتخذه - حين استثنى العلو أو السفل لمنفعة نفسه - . وعن محمد قال : إن جعل السفل مسجدا : جاز ، وإن جعل العلو مسجدا دون السفل : لا يجوز ; لأن المسجد ما له قرار ، وتأبيد في السفل دون العلو . وعن الحسن بن زياد رحمه الله أنه إذا دخل العلو مسجدا ، والسفل مستغلا للمسجد فهذا يجوز - استحسانا - . وعن أبي يوسف أن ذلك كله جائز ، رجع إليه حين قدم بغداد ، ورأى ضيق المنازل بأهلها فجوز أن يجعل العلو مسجدا دون السفل والسفل دون العلو ، وهو مستقيم على أصله ، وقد بينا أنه يوسع في الوقف فكذلك في المسجد .
قال : ( رجل وهب لمسكين درهما ، وسماه هبة ، ونواه من زكاته : أجزأه ) ; لما بينا أن في حق المسكين لفظة الهبة كلفظة الصدقة ; ولأنه لا معتبر باللفظ في أداء الزكاة ، إنما المعتبر : الإعطاء بنية الزكاة ; ألا ترى أنه لو أعطاه ، ولم يتكلم بشيء : كان ذلك زكاة له ، فلا يتغير ذلك الحكم بذكر الهبة ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب
باب العطية ( وإذا قال الرجل لغيره قد أعمرتك هذه الدار ، وسلمها إليه : فهي هبة صحيحة ) ; لحديث ابن [ ص: 95 ] الزبير عن جابر رضي الله عنه { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمسكوا عليكم أموالكم لا ، تعمروها ، فمن أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته بعده } . وروى سلمة عن جابر رضي الله عنهما { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالعمرى للمعمر له ولعقبه بعده ، وقال عليه الصلاة والسلام : من أعمر عمرى قطع قوله حقه . يعني قطع قوله : وهبت لك عمرك حقه في الرجوع بعد موته } ، والمعنى فيه : أنه ملكه في الحال ، والوارث يخلفه في ملكه بعد موته . فشرط الرجوع إليه بعد الموت فاسد ، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة .
قال : ( وكذلك لو قال نحلتك هذا الثوب ، أو أعطيتك هذا الثوب عطية فهذه عبارات عن تمليك العين بطريق التبرع ; وذلك يكون هبة ) ، وكذلك لو قال قد كسوتك هذا الثوب فإن هذا اللفظ لتمليك العين ، بدليل قوله تعالى : { أو كسوتهم } فالكفارة لا تتأدى إلا بتمليك الثوب من المسكين . ويقال في العرف : كسا الأمير فلانا أي : ملكه . وإن قال : حملتك على هذه الدابة : كانت عارية لأن الحمل على الدابة إركاب ، وهو تصرف في منافعها لا في عينها فتكون عارية إلا أن يقول صاحب الدابة : أردت الهبة لأن هذا اللفظ قد يذكر للتمليك . يقال : حمل الأمير فلانا على فرسه ، أي : ملكه ، فإذا نوى ما يحتمله لفظه ، وفيه تشديد عليه عملت نيته ، وكذلك لو قال : قد أخدمتك هذه الجارية فهي عارية لأن معناه مكنتك من أن تستخدمها وذلك تصرف في منافعها لا في عينها . وإن قال : قد منحتك هذه الجارية ، أو هذه الأرض فهي عارية لأن المنحة بدل المنفعة بغير بدل قال صلى الله عليه وسلم : { المنحة مردودة والعارية مؤداة } . فيكون معنى كلامه : جعلت لك منفعة هذه العين وهو نفس العارية . فإن قال : قد أطعمتك هذه الأرض ; فإنما أطعمه غلتها . والرقبى لصاحبها ; لأن عينها لا تطعم ، فمعناه : أطعمتك ما يحصل منها فيكون تمليكا لمنفعة الأرض - دون عينها - وله أن يأخذها متى شاء . يعني : إذا كانت فارغة .
فأما بعد الزراعة : إذا أراد أن يستردها ، فإن رضي المستعير بأن يقلع زرعها ويردها : فله ذلك ، وإن أبى تركت في يده بأجرة مثلها إلى وقت إدراك الغلة ; لأنه محق في زراعتهما غير متعد . فلا بد من مراعاة حقه بخلاف الغاصب وإنما يعتدل النظر من الجانبين بأن تترك في يده بأجر إلى إدراك الغلة ، وإن قال : قد أطعمتك هذا الطعام فاقبضه ، فقبضه : فهذه هبة لأن عين الطعام تطعم فإضافة لفظة الإطعام إلى ما يطعم عينه يكون تصرفا في العين تمليكا بغير عوض ; وذلك يكون هبة ، وكذلك لو قال : جعلت هذه الدار لك ، فاقبضها ; لأن معنى كلامه : ملكتك هذه الدار ; ألا ترى أن في التمليك ببدل لا فرق بين لفظ الجعل ، والتمليك [ ص: 96 ] فكذلك في التمليك بغير بدل . فإن قال : داري لك عمرى سكنى : فهذه عارية ; لأن قوله : سكنى تفسير لقوله : عمرى . والكلام المبهم إذا تعقبه تفسير فالحكم للتفسير ، وبيان هذا وهو أن قوله : لك عمرى ، يحتمل تمليك عينها منه عمره ، ويحتمل تمليك منفعتها . فكان قوله : سكنى ، تفسيرا ، أي : لك سكناها عمرك ، وكذلك قوله : نحلى سكنى ، وقوله : هبة سكنى ، أو سكنى هبة ، أو سكنى صدقة ، فهذا كله عارية ; لما بينا أن قوله : سكنى ، تفسير للمحمل من كلامه ; ألا ترى أنه لو قال : هي لك فاقبضها : كانت هبة ، ولو قال : هي لك سكنى كانت عارية ، وجعل قوله : سكنى تفسيرا ، وكذلك إذا زاد لفظة العمرى والهبة والصدقة ، وإن قال : هي لك هبة عارية ، أو هي عارية هبة : فهي عارية . قدم لفظة الهبة ، أو أخرها ; لأنه محتمل لجواز أن يكون مراده هبة العين ، ويجوز أن يكون مراده هبة المنفعة . وقوله : عارية ، تفسير لذلك المبهم ; لأنه في نفسه محكم لا يتناول إلا المنفعة ، فسواء قدمه أو أخره ، فالحكم له وإن قال : هي لك هبة إجارة كل شهر بدرهم أو إجارة هبة فهي إجارة في الوجهين لأن لفظة الإجارة في حق المحل محكم ; فإنه لا يتناول إلا المنفعة ، ولفظة الهبة تحتمل تناول العين تارة ، والمنفعة تارة أخرى ; فكان الحكم للفظ المحكم قدمه ، أو أخره ، وتمليك المنفعة ببدل معلوم إلى مدة معلومة تكون إجارة .
وإن قال : داري هذه لك عمرى تسكنها ، وسلمها إليه : فهي هبة لأن قوله تسكنها ليس بتفسير لقوله : عمرى ، فالفعل لا يصلح تفسيرا للاسم ، ولكنه مشورة أشار عليه في ملكه فإن شاء : قبل مشورته وسكنها ، وإن شاء لم يقبل ، وهو بيان لمقصوده أنه ملكه الدار عمره ليسكنها ، وهذا معلوم . وإن لم يذكره ، فلا يتغير به حكم التمليك بمنزلة قوله : هذا الطعام لك تأكله ، أو هذا الثوب لك تلبسه .
قال : ( وإن قال : وهبت لك العبد - حياتك وحياته - وقبضه : فهي هبة جائزة ) ; لأنه ملكه في الحال بقوله : وهبت لك . وقوله : حياتك وحياته ، فضل من الكلام غير محتاج إليه ; فكان لغوا ، أو فيه إيهام شرط الرجوع إليه بعد موته ، وقد بينا أن هذا الشرط باطل ، وكذلك لو قال أعمرتك داري هذه - حياتك - أو أعطيتها - حياتك - أو وهبت لك هذا العبد - حياتك - فإذا مت فهي لي ، وإذا مت أنا فهي لورثتي : فهذا كله تمليك صحيح في الحال ، وشرط الرجوع إليه أو إلى الورثة باطل . وكذلك لو قال : هي هبة لك ، ولعقبك بعدك ; لأنه ملك العين بأول كلامه ، وذكر العقب لغو واشتغال بما لا يفيد ; فهو يعلم أن عقبه من ورثته يخلفه في ملكه . وإن قال : أسكنتك داري هذه - حياتك - ولعقبك من بعدك : فهذه عارية ; لأنه صرح بلفظ الإسكان ، وهو تصرف في المنفعة - دون العين - .
وقوله : لعقبتك بعدك ، عطف ، والعطف : للاشتراك ، فمعناه : [ ص: 97 ] سكناها لعقبك من بعدك ; فهي هبة له ، وذكر العقب لغو ; لأن قوله : هي لك تمليك لعينها منه ، وبعد ما هلك عنها منه لا يبقى له ولاية إيجابها لغيره ، فكان قوله : " ولعقبك من بعدك " لغو - بخلاف الأول - فإن بعد إيجاب المنفعة له بطريق العارية يبقى له ولاية الإيجاب لغيره ، فكان كلامه عارية في حقه وفي حق عقبه بعده ، وله أن يأخذها - متى شاء - .
قال : رجل وهب لرجل عبدا على أن يعتقه ويسلمه إليه : فالهبة جائزة ، والشرط باطل ; لأن شرط العتق عليه بعد تمام ملكه في الموهوب باطل ، ولكن الهبة لا تبطل بالشرط - كما قلنا - .
قال : رجل وهب لرجل عبدا مريضا به جرح ، فداواه الموهوب له ; فبرأ : لم يكن للواهب أن يرجع فيه ; للزيادة الحاصلة في العين عند الموهوب له . وكذلك لو كان أصم أو أعمى ، فسمع وأبصر ; لأنه زوال للعين فزواله يكون بوجود ذلك الجزء والزيادة في العين تمنع الرجوع كما لو كان مهر ، ولم يسم .
قال : مريض وهب عبده لرجل ، ولا مال له غيره فتبعه الموهوب له فأعتقه ، أو باعه ، ثم مات من مرضه ، أو فعل ذلك بعد موت المريض قبل أن يقضي القاضي فيه بشيء فعتقه وبيعه جائز ; لأن تصرف المريض إذا كان على وجه يحتمل النقض بعد صحته فحكم بصحته في الحال ; لوجود العلة المطلقة للتصرف - وهو الملك - وكون المانع محتملا ; لأن المانع : مرض الموت وهو ما يتصل به الموت ، ولا يدرى أن مرضه هذا يتصل به الموت أم لا ، والموهوب لا يعارض المتحقق فحكم بنفوذ تصرفه لهذا ، وثبت الملك للموهوب له بالقبض وإنما تصرف في ملكه بالبيع ، والعتق وكذلك إن كان تصرفه بعد موت المريض ; لأن أكثر ما فيه أن الهبة فكت بموته في البعض ، أو في الكل ، وفساد السبب لا يمنع ابتداء الملك عند القبض ، فلا يمنع بقاءه - بطريق الأولى - إلا أن يقضي القاضي عليه بالرد ; لاستغراق تركة الميت بالعين ، فحينئذ يبطل ملكه بقضاء القاضي ولا ينفذ تصرفه بعد ذلك ، فأما قبل ذلك إذا نفذ تصرفه ، فهو ضامن قيمة العبد إذا كان على الميت دين مستغرق لتركته ; لأن الهبة في المرض وصية ، فيتأخر عن الدين ، ولزمه رد العين ، لرد الوصية ، وقد تعذر رده بإخراجه إياه من ملكه فكان ضامنا قيمته ، وإن لم يكن عليه دين ، ولكن لا مال للميت سواه ، فقد بطلت الوصية في قدر الثلثين منه ، فيضمن ثلثي قيمته لورثة الميت ، وإن كان الموهوب له معسرا ، وقد كان أعتق العبد ، فلا سبيل لغرماء الواهب ولا لورثته على العبد ; لأن القيمة دين في ذمة الموهوب له لزمه باكتساب سببه - وهو الإتلاف - ودين الحر الصحيح في ذمته لا تعلق له بملكه ، وإنما يجب على العبد السعاية بعد العتق في دين كان تعلق بماليته قبل العتق .
[ ص: 98 ] فإن كان الموهوب له أعتقه وهو مريض ، ثم مات ولا مال له غيره ، وعليه دين ، فعلى العبد السعاية في قيمته ; لأن عتق الموهوب له إياه في مرضه وصية ; فيجب ردها للدين المستغرق عليه ، وقد تعذر رد الرقبة بالعتق ، فيجب عليه السعاية في قيمته ، وتكون تلك القيمة بين غرماء الموهوب له ، وغرماء الواهب يضرب فيه غرماء الموهوب له بديونهم ، وغرماء الواهب بقيمة العبد - لا بديونهم - ; لأن تلك القيمة تركة الموهوب ، فيقسم بين غرمائه بحسب ديونهم عليه ، ودين غرماء الموهوب له كان عليه ، فأما دين غرماء الواهب : أصله كان على الواهب ، وإنما استوجبوا على الموهوب له مقدار قيمة العبد لإتلاف مالية الرقبة عليهم ; فلهذا ضربوا بقيمة العبد ، وتعلق حق الفريقين بمالية العبد ; لأن باعتبار مرض الموت له ; فلهذا : لا يقدم أحدهما على الآخر .
قال : رجل وهب لرجل عبدا ، وسلمه ، فدبره : فليس للواهب أن يرجع فيه ; لأن بالتدبير يجب له حق العتق على وجه لا يمكن نقله من ملك إلى ملك بعد ذلك ، فاعتبر ذلك بحقيقة العتق في المنع من الرجوع - وإن كاتبه - ثم عجز فرد رقيقا ، فله أن يرجع فيه ; لأنه عاد قنا - كما كان - . وقد بينا أن بالكتابة لا يبطل حق الرجوع ، بل يتعذر لمعنى في المحل ، فإذا زال ذلك : صار كأن لم يكن . وإن جنى العبد على الموهوب له : فللواهب أن يرجع فيه ، والجناية باطلة ; لأنه حين جنى كان مملوكا للموهوب له ، وجناية المملوك على مالكه فيما يوجب المال تكون هدرا . وبالرجوع لا يتبين أنه لم يكن مملوكا له حين جنى ، فالرجوع من وجه ينهي الملك المستفاد بالهبة ; ألا ترى أنه لو وطئها الموهوب له ، ثم رجع فيها الواهب ، فلا عقر على الموهوب له بعد رجوع الواهب فيها ، وإن كان الولد سلم للموهوب له بعد رجوع الواهب فيها ، فكذلك لا تعتبر جنايته عليه بعد رجوع الواهب . وكذلك لو أبق العبد عند الموهوب له ، فرده راد : فللواهب أن يرجع فيه ; لأن الإباق عيب ، والنقصان لا يمنع الرجوع في الهبة ، والجعل على الموهوب له ; لأنه رد عليه ملكه ، وإنما يستوجب الجعل بإحياء الملك - بالرد - فإذا أحياه ملك الموهوب له كان الجعل عليه .
قال رجل وهب لرجل شجرة بأصلها ، فقطعها : فله أن يرجع فيها . قال أبو عصمة : هذا غلط ، إلا أن يريد بقوله : بأصلها : بعروقها ، ويأذن له في قطعها ; لأن اتصال الموهوب بما ليس بموهوب في ملك الواهب في معنى الشيوع ; فلا تتم الهبة إلا بعد القطع ، وإذا تمت الهبة فيها وهي مقطوعة : فله أن يرجع فيها . فأما إذا كان المراد بقوله : بأصلها : بعروقها من الأرض - وذلك معلوم - مميز ، فالهبة تمت في الحال . ثم القطع بعد ذلك يجعل الشجرة في حكم شيء آخر ; لأنها كانت نامية ، وقد [ ص: 99 ] صارت حطبا ; فليس له أن يرجع فيها ; ألا ترى أنه قال : لو قطعها فجعلها أبوابا ، أو جذوعا ، لم يكن له أن يرجع فيها إذا عمل فيها شيئا - قل أو كثر - ; لأنها الآن ليست بشجرة كما وهبها له ، وله أن يرجع في موضعها من الأرض ، ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ; لأن مجرد القطع في الشجرة نقصان - وإن كان يزيد في ماليتها - ; فهو - باعتبار رغائب الناس فيه - بمنزلة الذبح في الشاة ، والنقصان في الموهوب لا يمنعه من الرجوع ، بخلاف ما إذا جعلها أبوابا أو جذوعا : فذلك زيادة صفة حادثة في الموهوب بفعل الموهوب له ; فيمنعه من الرجوع فيها .
قال : ولو وهبها له بغير أصلها وأذن له في قبضها ، فقطعها ، وقبضها : كان له أن يرجع فيها ; لأن الهبة جازت وهي مقطوعة ، وفي الباب الأول جاز بالهبة وهي شجرة . وهذا إشارة إلى ما ذكره أبو عصمة : أنه بعد القطع لا يكون له أن يرجع فيها إذا تمت الهبة قبل القطع ، وإنما يرجع فيها إذا كان تمام الهبة بعد القطع .
قال : وإن وهب له ثمرة في نخل ، وأذن له في قبضها كان له أن يرجع فيها ; لما بينا : أن تمام الهبة إذا كان معرض الفصل .
قال : رجل وهب لرجل عبدا ، فجنى عبد الموهوب له جناية بلغت قيمته ، ففداه الموهوب له : فللواهب أن يرجع في هبته ; لأن بالفداء يظهر عن الجناية ، وعاد كما كان قبل الجناية ، ولم يتمكن في عينه زيادة ، فكان للواهب أن يرجع فيه ، ولا يرد على الموهوب له شيئا من الفداء ; لأنه فدى ملكه باختياره . وقد بينا أن بالرجوع ينتهي ملكه المستفاد بالهبة ، وإن رجع قبل أن يفديه كانت الجناية في عتق العبد يدفعه الواهب بها أو يفديه ; لأن المستحق بالجناية نفس العبد ، واستحقاق نفسه بالجناية نقصان فيه ، فلا يمنع الواهب من الرجوع ، ثم برجوعه بقضاء القاضي ينعدم ملك الموهوب له بغير اختياره ، فلا يصير هو مستهلكا ، ولا مختارا ، ولكن الجناية تبقى في رقبة العبد فيخاطب مالكه بالدفع ، أو الفداء ، ومالكه : الواهب في الحال ، فهو المخاطب بذلك ، كما لو مات مولى العبد الجاني ، فورثه وارثه .
قال : ولو وهبه ثوبا ، فشقه نصفين ، فخاط نصفا قباء ، ونصفه الآخر على حاله : كان له أن يرجع في النصف الباقي ; لأن الشق نقصان في الثوب ، وخياطة القباء زيادة في النصف الذي حدثت الزيادة بفعله فيه تعذر الرجوع . وقد بينا أن تعذر الرجوع في النصف لا يمنعه من الرجوع في النصف الباقي . وإن قال : وإن وهب له شاة ، فذبحها : كان له أن يرجع فيها ; لأن الذبح نقصان في العين ; فإن عمله في إزهاق الحياة . قال : وإن ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة : لم يكن له أن يرجع فيها ، في قول أبي يوسف ، وقال محمد : يرجع فيها ، وتجزئه الأضحية ، والمتعة للذابح ، ولم يذكر قول أبي حنيفة ، [ ص: 100 ] وقيل : قوله : كقول أبي يوسف ، أما محمد يقول : ملك الموهوب له لم يزل عن عينها ، والذبح نقصان فيها ; فلا يمنع الرجوع فيما بقي ، كالشاة للقصاب ; وهذا لأن معنى القربة في نيته وفعله دون العين ، والموجود في العين قطع الحلقوم والأوداج سواء كان على نية اللحم ، أو نية القربة . والذي حدث في العين أنه تعلق به حكم الشرع من حيث التصدق به ، وذلك لا يمنع الرجوع كرجوع الزكاة في المال الموهوب في يد الموهوب له ، بل أولى ; لأن التصدق هنا ليس بمتحتم ، حتى يكون له أن يأكله ويطعم من شاء من الأغنياء - بخلاف الزكاة - وأبو يوسف يقول في التضحية : جعلها الله - تعالى - خالصا ، وقد تم ذلك ، فلا يرجع الواهب فيه بعد ذلك ، كما لو كان الموهوب له أرضا فجعلها مسجدا . وبيان قولنا : أن في التقرب بإراقة الدم ، وقد حصل ذلك ; ألا ترى أنه لو سرق المذبوح ، أو هلك : كان مجزئا عنه ، وإباحة التناول منه بإذن من له الحق بقوله : تعاليا أفطرا منها .
ألا ترى أنه يجوز له أن يتصرف فيها على غير الوجه المأذون فيه ، وهو بطريق التجارة ويمنع من ذلك ، ولو فعله كان ضامنا ، فعرفنا أنه تم معنى التقرب به ، فيكون نظير هذا من الزكاة : ما إذا أداه إلى الفقير بنية الزكاة ، وليس للواهب أن يرجع فيه بعد ذلك . وهذا الفعل في صورة ذبح شاة القصاب ولكن في المعنى والحكم غيره ولا تعتبر الصور ، ألا ترى أن الذبح يتحقق من المسلم ، والمجوسي ، والتضحية لا تتحقق إلا ممن هو أهل ، فعرفنا أنه في المعنى غير الذبح . ثم عند محمد : برجوع الواهب لا تبطل التضحية ; لأن رجوعه في القائم دون ما يلاشى منه ، وقد بينا أن الرجوع ينهي ملك الموهوب له ; فإنما انعدم ملكه بغير اختياره ، وهو في حق نظير ما لو هلك بعد الذبح .
قال : رجل وهب لرجل درهما ، فقبضه الموهوب له وجعله صدقة لله تعالى : فللواهب أن يرجع فيه ما لم يقبضه المتصدق عليه ; لأنه التزم فيه الصدقة بنذره ، فلا يكون ذلك أقوى من وجوب الصدقة عليه فيه بإيجاب الله تعالى ، وهو الزكاة ; وذلك لا يمنعه من الرجوع ; وهذا لأن قبض المتصدق عليه لا يتم معنى العبادة والتقرب فيه ، ( وكذلك ) لو وهب له ناقة ، فجعلها الموهوب له بدنة ، وقلدها : فللواهب أن يرجع فيها قبل أن ينحرها الموهوب له . وفرق أبو يوسف بين هذا والأول فقال : بالتقليد رأيتم ، جعلها لله - تعالى - ألا ترى أنه لو قلدها عن هدي واجب ، فهلكت قبل أن ينحرها : فإنه عليه أخرى - بخلاف ما بعد النحر - وإن وهب له أجزاعا ، فكسرها ، وجعلها حطبا : فله أن يرجع فيها ; لأن هذا نقصان في العين - وإن كان يزيد في المالية ، فذلك بزيادة رغائب الناس فيه لا لمعنى في العين - فلهذا كان [ ص: 101 ] له أن يرجع فيها . ( وكذلك ) لو وهب له لبنها ، فجعله طينا : فهذا نقصان ، فإن أعاده لبنا لم يرجع فيها ; لأن هذا اللبن حادث بفعله ، أو ضرب اللبن من الطين زيادة في عينه ، فإذا كان حادثا في يد الموهوب له ; منع ذلك الواهب من الرجوع ، وإن وهب له نجيحا فجعله خلا : لم يرجع فيه ; لأن مالية الخل غير مالية النجيح ، وهذه مالية حدثت بصنعة حادثة في العين في يد الموهوب له . وإن وهب له سيفا فجعله سكاكين ، أو سكينا : لم يكن له أن يرجع فيه ; لأن السكين غير السيف .
( وكذلك ) إن كسره ، فجعل منه سيفا آخر ; لأن هذا الثاني حادث بعلمه ; ألا ترى أن الغاصب لو فعل ذلك كان ضامنا قيمة السيف المغصوب منه ويجعل ما ضربه له . قال : وإن وهب له دارا ، فبناها على غير ذلك البناء ، وترك بعضها على حالها : لم يكن له أن يرجع في شيء منها ; لأن ما زاد في البناء في جانب منها يكون زيادة في جميعها ، كما في الأرض إذا بنى في ناحية منها .
قال : وإن وهب له حماما فجعله مسكنا ، أو وهب له شيئا فجعله حماما : فإن كان البناء على حاله - لم يزد فيه شيء - فله أن يرجع فيه ; لأن تصرفه في المنفعة - دون العين - والمانع من الرجوع زيادة في العين ، وإن كان زاد عليه بناء ، أو غلق عليه بابا ، أو جصصه ، أو أصلحه ، أو جعله بصاروج ، أو طنية ، فليس له أن يرجع فيه ; لأن هذا كله زيادة في عينها .
قال : مريض وهب لصحيح عبدا يساوي ألفا ، ولا مال له غيره ، فعوضه الصحيح منه عوضا ، وقبضه المريض ، ثم مات ، والعوض عنده : فإن كان العوض مثل ثلثي قيمة العبد ، أو أكثر ; فالهبة ماضية ، لأن العوض المقبوض بمنزلة المشروط ، أو أقوى ، والثلث منه كان من خالص حقه ، والثلثان حق الورثة ، فإذا كان العوض مثل ثلثي قيمة العبد ، عرفنا أنه لم يبطل شيئا من حق الورثة ، بتصرفه ، وإنما تصرف فيما هو خالص حقه ، فكانت الهبة ماضية ، وإن كانت قيمته قيمة العوض نصف قيمة الهبة ، يرجع ورثة الواهب في سدس الهبة ; لأن حقهم في ثلثي العبد ، وقد وصل إليهم من العوض بقدر مالية نصف العبد ، فإنما تبقى لإتمام حقهم سدس العبد ; فلهذا يرجع الوارث بسدس الهبة ، وإن كان العوض شرطا في أصل الهبة ، فإن شاء الموهوب له رد الهبة كلها وأخذ العوض ، وإن شاء رد سدس الهبة وأمسك الباقي ; لأنه ما رضي بسقوط حقه عن عوضه إلا بأن يسلم له جميع الموهوب ، ولم يسلم ; ولأن التبعيض في الملك المجتمع عيب ، فاستحقاق جزء من العبد - وإن قل - بتعيب ما بقي منه ، وحق الرد بالعيب ثابت بعد التقابض إذا كان العوض مشروطا ; لأن الهبة بشرط العوض تصير بيعا بالقياس ; فلهذا ثبت له الخيار [ ص: 102 ] في رد ما بقي ، فإذا لم يكن العوض مشروطا فإنه لا يصير معاوضة بالتقابض في حكم الرد بالعيب ، فيرد سدس الهبة ، ولا يكون له أن يسترد العوض ; لأن ملكه على سبيل الهبة ، وقد مات الموهوب له ، فلا رجوع له فيه بعد ذلك ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|