عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 15-12-2025, 05:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 62 الى صـــ 71
(254)


قال : ( فإن كان رجل أجنبي يعول يتيما ، وليس بوصي له ، ولا بينهما قرابة ، وليس لهذا الوصي أحد سواه : جاز له ما يوهب له - استحسانا - ) ، وفي القياس : لا يجوز ; لأنه لا ولاية له عليه ، وهو متبرع في تربيته ، والإنفاق عليه فكان كسائر الأجانب فيما ينبني على الولاية ، ولكنه استحسن فقال : فيما يتمحض منفعة لليتيم ، فمن يعوله خلف عن وليه ; ألا ترى أنه أحق بحفظه وتربيته . لو أراد أجنبي آخر أن ينتزعه من يده لم يكن له ذلك ، وأن يسلمه في تعليم الأعمال فيكون في ذلك بمنزلة وليه ، والخلف يعمل عمل الأصل عند عدم الأصل ، وإنما أثبتنا هذه الخلافة توفيرا للمنفعة على الصغير ; لأنه يقرب إلى المنافع ، ويبعد عن المضار ، وفي قبض الهبة محض منفعة له فإذا ثبت أن له أن يقبض هبة الغير له ، فكذلك إذا كان هو الواهب فأعملها وأبانها : فهو جائز ، وقبضه له قبض ، ويستوي إن كان الصبي يعقل أو لا يعقل . وفيه نوع إشكال ; لأنه إذا كان يعقل فهو من أهل أن يقبض بنفسه ; فلا حاجة إلى اعتبار الخلف هاهنا ولكن الجواب أن يقول : يقبض لا باعتبار الولاية على نفسه فالصغير تبقى ولايته عن نفسه ، ولكن لتوفير المنفعة عليه ، وفي اعتبار قبض من يعوله مع ذلك معنى توفير المنفعة أظهر ; لأنه ينفتح عليه بابان لتحصيل هذه المنفعة بخلاف الولد الكبير ; لأنه يقبض هناك بولايته على نفسه ، وولاية الغير خلف ، فلا يظهر عند ظهور الأصل .
قال : ( وكل يتيم في حجر أخ أو عم يعوله فوهب له رجل هبة ، فإنما يقبضها الذي يعوله إذا كان هو صغيرا لا يحسن القبض ) ، وكذلك إن كان عاقلا يحسن القبض فقبض له من يعوله : جاز - لما بينا - وإن قبض الصغير بنفسه ففي القياس : لا يجوز قبضه - وهو قول الشافعي ; لأنه لا معتبر قبل البلوغ خصوصا فيما يمكن تحصيله له بغيره ، فإن اعتبار عقله : للضرورة ، وذلك فيما لا يمكن تحصيله له بغيره ، فأما فيما يمكن تحصيله له بغيره ، فلا تتحقق الضرورة ولهذا لم يعتبر الشافعي رحمه الله عقله في صحة إسلامه واعتبره في وصيته ، واختياره أحد الأبوين ; لأن ذلك لا يمكن تحصيله له بغيره . وجه الاستحسان : أنه إنما لا يعتبر عقله لدفع الضرر عنه ، [ ص: 63 ] فالظاهر أنه لا يتم نظره في عواقب الأمور بما له من العقل الناقص قبل بلوغه ، وهذا فيما يتردد بين المضرة ، والمنفعة فأما فيما يتمحض منفعته لا يتحقق هذا المعنى ، وقد بينا أن في اعتبار عقله توفير المنفعة عليه ، وإذا كان فيما لا يمكن تحصيله له بغيره إذا كان محض منفعة يعتبر عقله لتوفير المنفعة عليه بطريقتين ، ثم العادة الظاهرة بين الناس التصدق على الصبيان من غير نكير منكر ، وتعامل الناس من غير نكير منكر أصل من الأصول كبير ; ولأن حقيقة القبض توجد منه - وهو محبوس - فإنما يسقط اعتباره في حق حكمه ; لحجر شرعي ، ولا حجر عليه فيما يتمحض منفعته له .
قال : والصبية التي دخل بها زوجها ، فإن زوجها يقبض الهبة لها ; لأنه يعولها ، ( فإن قيل ) : الولاية عليها للأب دون الزوج قلنا نعم ، ولكن الأب أقام الزوج مقام نفسه في حفظها ، وحفظ مالها ; إذ زفها إلى بيت الزوج ، وقبض الهبة من باب الحفظ ; فيقوم الزوج فيه مقام الأب ، ولكن لهذا لا تنعدم ولاية الأب فإذا قبضها الأب صح قبضه لقيام ولايته ، وإن قبضت بنفسها : جاز ; لأنها تعقل القبض ، وإن قبض الزوج : جاز - لما بينا - ولا يكون الزوج في هذا بمنزلة ما لو سلم الأب ، ولده الصغير إلى من يعوله ; لأن ذلك لا يثبت به الاستحقاق ، فعرفنا أنه لا يقوم فيه مقام الأب والزوج فحكم النكاح يثبت له عليها استحقاق اليد حتى يصير أولى بها من أبيها ، وإن كانت لم تزف إلى زوجها لم يعتبر قبض الزوج لها ; لأن اعتبار ذلك بحكم أنه يعولها ، وإن له عليها يدا مستحقة ، وذلك لا يوجد قبل . وإن أدركت لم يجز قبض الزوج لها ; لأن اعتبار ذلك بحكم أنه يعولها ; لأنها صارت ولية نفسها حين بلغت عاقلة .
قال : ( ولا يجوز قبض الأخ والجد على الصغير إذا كان الأب حيا حاضرا ) ; لأن من هو الأصل في هذه الولاية حاضرا ، فلا حاجة إلى اعتبار من هو خلف في ذلك ، فإن كان الأب غائبا غيبة منقطعة فقد خرج الصغير من أن يكون منتفعا برأي الأب ; فيصير هو كالمعدوم ، فتكون ولاية القبض للأخ إذا كان الصغير في عياله ، وهذا نظير ولاية التزويج ، ونظير حق الحضانة والإنفاق من المال فإنه لا يعتبر مال الجد - ما دام الصغير منتفعا بمال الأب - فإذا انعدم ذلك بغيبة ماله : جعل في حكم المعدوم أصلا ; ألا ترى أن التيمم لما جعل خلفا عن الماء في حكم الطهارة ، فحال عدم الماء وحال نجاسة الماء الموجود في ذلك سواء ; لأن ما هو المقصود - وهو الطهارة - لا يحصل بالماء النجس ، فإن كان الأب دفعه إلى غير الأخ وغاب غيبة منقطعة فكان في حجر الرجل ، وعياله : جاز له قبض الهبة . ولو قبض الأخ ، لم يجز قبضه ; لأن الأب أقامه مقام نفسه في النظر [ ص: 64 ] له ، فكان هو منتفعا برأيه قائما مقامه ، ولو كان منتفعا برأيه - بأن كان حاضرا - : لم يجز قبض الأخ ، فهذا مثله ، وهذا - لما بينا - أن مجرد قرابة الأخ لا تثبت له الولاية بدون اليد .

وإذا كان في عيال من اختاره الأب ، فليس للأخ عليه يد موجودة ولا مستحقة ، حتى أنه ليس له أن يسترده ممن يعوله ، فكان كالأجنبي ولمن يعوله يد مستحقة - ما لم يحضر الأب - فهو الذي يقبض الهبة له . والله أعلم بالصواب .

باب ما يجوز من الهبة وما لا يجوز قال : ( وإذا وهب الرجل للرجل نصيبا مسمى من دار غير مقسومة ، وسلمه إليه مشاعا ، أو سلم إليه جميع الدار : لم يجز ) يعني : لا يقع الملك للموهوب له بالقبض قبل القسمة - عندنا - وقال الشافعي : يقع الملك وتتم الهبة ; لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { لما دخل المدينة ، نظر إلى موضع المسجد ، فوجده بين أسعد بن زرارة ، وبين رجلين من قومه ، فوهب أسعد رضي الله عنه نصيبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم وهب الرجلان نصيبهما منه - أيضا - فبنى المسجد } { ، وقال عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أتاه بكبة من شعر . فقال : أخذت هذه من الغنيمة ; لأخيط بها بردعة بعير لي ، أما نصيبي منها : فهو لك } . فقد وهب المشاع ، ( وعن ) أنس بن مالك رضي الله عنه أنه جوز الهبة في المشاع ; ولأنه عقد تمليك للمال ، فيصح في المشاع كالبيع ، وتأثيره : أن الجزء المشاع محل لما هو موجب هذا العقد - وهو الملك - وإنما يشترط في المحل المضاف إليه العقد كونه محلا لحكم العقد ، وبه فارق الصوف على ظهر الغنم ، فإنه مملوك ، وصفا وتبعا لا مقصودا ، وموجب الهبة : الملك مقصودا ; ولهذا لا يجوز إضافة البيع إليه بخلاف الجزء الشائع ; ولأن الشيوع فيما لا يحتمل القسمة لا يمنع تمام الهبة ، وما يؤثر فيه الشيوع فيما يحتمل القسمة ، وما لا يحتمل القسمة فيه سواء كالرهن - عندكم - والنكاح - عندي - ; ولأن الهبة عقد تبرع فتكون بمنزلة القرض والوصية .

والشيوع لا يمنع صحة الوصية ، وهي تبرع بعد الموت ، فكذلك التبرع في الحياة ، ولا يمنع القرض أيضا ; فإنه لو دفع ألف درهم إلى رجل على أن يكون نصفها قرضا عليه ويعمل في النصف الآخر بشركته : يجوز ذلك ، وبفضل القرض يبطل اعتمادكم على اشتراط القبض . فأصل القبض شرط لوقوع الملك في القرض ، ثم لا تشترط القسمة . والدليل على أن القبض مع الشيوع يتم : أنه ينتقل الضمان إلى [ ص: 65 ] المشتري بالقبض مع الشيوع ، ويملك المشاع عندكم بالبيع الفاسد ، والمشاع يصلح أن يكون رأس مال السلم ، وبدل الصرف . واعتمادنا في المسألة على إجماع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، فقد روينا في أول الكتاب شرط القسمة عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، وعن علي رضي الله عنه : من وهب ثلث كذا أو ربع كذا : لا يجوز حتى يقاسم . والمعنى فيه : أن شرط القبض منصوص عليه في الهبة ; فيراعى وجوده على أكمل الجهات التي تمكن - كشرط استقبال القبلة في الصلاة - لما كان منصوصا عليه ، يشترط ذلك فيه - حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته - والحطيم من البيت من وجه دون وجه ; وهذا لأن الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتا مطلقا ، وبدون الإطلاق لا يثبت الكمال ، ثم القبض مع الشيوع ثابت من وجه دون وجه ; لأن القبض عبارة عن الحيازة ، وهو : أن يصير الشيء في حيز القابض ، والمشاع في حيزه من وجه ، وفي حيز شريكه من وجه ; لأنه لا يمكن أن يشار إلى شيء منه بعينه . فيقال أنه في يد هذا دون هذا ; ولأن القسمة من تتمة القبض ; ألا ترى أن الشفيع لا ينقض قسمة المشتري ، كما لا ينقض قبضه ، وله نقض تصرفات المشتري ، فإن للمشتري أن يطالب البائع بالقسمة بعد الشراء ، وإنما يثبت له حق المطالبة بالقبض بالشراء . فعرفنا أن القسمة من تتمة القبض ، فبدونها لا يتم ، ولكن هذا فيما يتأتى فيه القسمة ، فأما فيما لا يقسم القسمة : لا يكون حيازة ; لأن المقصود : الانتفاع . وبالقسمة يتلاشى .

فعرفنا أن القسمة فيه ليست من تتمة القبض ; ولأن اشتراط أصل القبض في وقوع الملك هنا لمعنى . ذلك المعنى موجود في القسمة ، وهو أن لا يصير عقد التبرع سببا لوجوب الضمان للمتبرع عليه على المتبرع في عين ما تبرع به ; لأنه لو ملك قبل القبض طالبه بالتسليم إليه ، وكذلك لو ملكه قبل القسمة طالبه بالتسليم إليه فكذلك لو ملكه قبل القسمة طالبه بالقسمة ; فيصير عقد التبرع موجبا ضمان القسمة عليه ، وهو خلاف موضوع التبرع بخلاف ما لا يحتمل القسمة ، فإنه لا يستوجب به حق المطالبة بالقسمة . ( فإن قيل ) : يستوجب به المهايأة ( قلنا ) : المهايأة قسمة المنفعة ، وعقد التبرع لاقى العين ، فلم يكن ذلك ضمانا في عين ما تبرع به ، ولا يرد على هذا ما لو أتلف الواهب الموهوب بعد التسليم ضمن قيمته للموهوب له ; لأن ذلك الضمان يلزمه بالإتلاف لا بعقد التبرع ، وضمان المقاسمة هنا وإن كان بالملك فذلك الملك حكم الهبة ، فلا يمنع إضافة الضمان إلى الهبة ; ألا ترى أن شراء القريب إعتاق ، وإن كان العتق بسبب الملك ; لأن ذلك الملك حكم الشراء ، وبه فارق البيع ، فإنه عقد ضمان ، فيجوز أن يتعلق به ضمان [ ص: 66 ] المقاسمة ; ولأن أصل القبض هناك لا يشترط لوقوع الملك فذلك ما يتممه ، وبه فارق الوصية . فأصل القبض هناك ليس بشرط للملك فكذلك ما يتممه ، وكما يستحق هناك ضمان التسليم على المالك يستحق ضمان المقاسمة أيضا . والقرض تبرع - من وجه - ومن وجه : هو عقد الضمان حتى كان المستقرض مضمونا بالمثل فلا يبعد أن يتعلق به ضمان المقاسمة ، وشرط القبض هناك ليس بمنصوص ليراعى وجوده على أكمل الجهات ، ثم لشبهه بالتبرع شرطنا فيه القبض ، ولشبهه بعقد الضمان لا يشترط فيه القسمة ، وذلك اعتبار صحيح فيما له سببان .

وحديث الكبة فإنما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجه المبالغة في النهي عن الغلول ، أي : لا أملك إلا نصيبي . فكيف أطيب لك هذه الكبة من الغنيمة ; ألا ترى أنه ليس لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة ; لأنه لا يدري أين يقع نصيبه ، أو كان ذلك مما لا يحتمل القسمة ، فالكبة من الشعر إذا قسمت على جند عظيم لا يصيب كل واحد منهم ما ينتفع به . وحديث المسجد فذكر الواقدي أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي اشترى موضع المسجد باثني عشر دينارا ولئن تثبت الهبة ، فيحتمل أن أسعد رضي الله عنه وهب نصيبه ، ولم يسلم حتى وهب الرجلان نصيبهما ثم سلموا جملة ، وعندنا : هذا يجوز ; فإن المؤثر : الشيوع عند القبض ، لا عند العقد حتى لو وهب الكل ، وسلم النصف : لا يجوز . ولو وهب النصف ثم النصف وسلم الكل : جاز .

قال : ( ولو وهب أحد الشريكين نصيبه من شريكه مشاعا فيما يحتمل القسمة : لا يجوز - عندنا أيضا - ) ، وقال ابن أبي ليلى : يجوز ; - لقوله تعالى - { : فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } . فهذا يقتضي أن الصداق إذا كان عينا يتنصف بالطلاق ، فإن المرأة تندب إلى أن تترك الكل للزوج ، والزوج يندب إلى أن يسلم الكل إليها ، وذلك من كل واحد منهما هبة في المشاع ، ( وعن ) أبي السباع مولى عطاء قال أقرضت ابن عمر رضي الله عنهما خمسمائة درهم فقضاني في كيس فوجدته يزيد على حقي ثمانين فقلت في نفسي : لعله جربني بهذا فأتيته ، وأخبرته بذلك فقال هو لك فهذا كان منه هبة للمشاع في تلك الزيادة من الشريك ; ولأن المانع استحقاق ضمان المقاسمة ، وذلك لا يجوز في الهبة من الشريك ، وحجتنا في ذلك ما بينا أن اشتراط القسمة في الهبة فيما يحتمل القسمة كاشتراط القبض ، وفي ذلك يستوي الهبة من الشريك ومن الأجنبي ، فكذلك في القسمة ; وهذا لأن القبض في الهبة لا يتم في الجزء الشائع فقبض الشريك لا يتم باعتبار ما لاقاه في الهبة ، وإنما يتم به وبغيره ، وهو ما كان مملوكا [ ص: 67 ] له ، وما يشترط لإتمام العقد ، فإنما يعتبر ثانيا فيما تناوله العقد - دون غيره - . فأما الاستدلال بالآية قلنا : العفو حقيقته : إسقاط ، وذلك في الدين - دون العين - ثم في العين كل واحد منهما مندوب إلى العفو عندنا ، ولكن بطريقة ، وذلك في أن يهب نصيبه من صاحبه بعد القسمة ، وليس في الآية ما يمنع ذلك ، وهو تأويل حديث ابن عمر رضي الله عنهما فمن ، وجد ما يستوفي أكثر من حقه يميز له الفضل ، ويأتي به ليرده فيحتمل أنه فعل ذلك فوهبه له ابن عمر رضي الله عنهما ، وعندنا : هذا يجوز .
قال : ( ولو وهب دارا لرجلين ، وسلمها إليهما فالهبة لا تجوز ، في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : يجوز ) ; لأن العقد والتسليم لاقى مقسوما ، فإنه حصل في الدار جملة ، فيجوز ، كما لو وهبها لرجل واحد ; وهذا لأن تمكن الشيوع باعتبار تفرق المالك ، والملك هنا حكم الهبة ، وحكم الشيء يعقبه . فالشيوع الذي ينبني على ملك يقع للموهوب لهما لا يكون مقترنا بالعقد ولا تأثير للشيوع الطارئ في الهبة كما لو رجع الواهب بالنصف ; ولأن المعنى استحقاق ضمان المقاسمة على المتبرع - وذلك لا يوجد هنا - ; فالعين تخرج من ملك المتبرع جملة ، وإنما ضمان المقاسمة بين الموهوب لهما باعتبار تفرق ملكهما ; ولأن تأثير الشيوع في الرهن أكثر منه في الهبة حتى لا يجوز الرهن في مشاع لا يحتمل القسمة بخلاف الهبة ثم لو رهن من رجلين : جاز فالهبة أولى ، وكذلك الإجارة عند أبي حنيفة رضي الله عنه لا تصح مع الشيوع ، ثم إذا أجر داره من رجلين : يجوز ، فكذلك الهبة وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول : قبض كل واحد منهما لاقى جزءا شائعا ، وذلك غير موجب للملك فيما يحتمل القسمة بحكم الهبة ، كما لو وهب النصف من كل واحد منهما بعقد على حدة ; وهذا لأن تأثير الشيوع باعتبار أن القبض لا يتم معه وذلك موجود هنا فكل واحد منهما لا يقبض إلا نصيبه ، ولا يتم قبضه مع الشيوع ، والدليل عليه أن المانع تمكن الشيوع في الملك المستفاد بعقد الهبة ، حتى لو وهب من رجل النصف ثم النصف ، وسلم الكل جملة : يجوز ; لأنه لا شيوع في الملك المستفاد بعقد الهبة .
ولو وهب رجلان من واحد : يجوز مع وجود الشيوع في الواهبين ، وأنه لا شيوع في الملك المستفاد بالهبة ، وإن وهب أحدهما نصيبه من زيد ، والآخر نصيبه من عمرو : لا يجوز لتمكن الشيوع في الملك المستفاد بالهبة فثبت أن المانع هذا ، وهو موجود في الهبة من رجلين ، والدليل على أن المعتبر جانب المتملك دون المملك حكم الشفعة ، فإن رجلين لو اشتريا دارا من واحد لم يكن للشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشتريين بالشفعة لتفرق الملك [ ص: 68 ] في جانب المتملك فظهر بهذا أن المعتبر جانب المتملك لا جانب المملك ، ولا اعتماد عن انتفاء ضمان المقاسمة عن الواهب ، فإن رجلين لو وهبا من رجلين على أن يكون نصيب أحدهما لأحدهما بعينه ونصيب الآخر للآخر : لا يجوز ، وليس على الواهبين ضمان المقاسمة وليس هذا كالرهن ; لأن المانع هناك تمكن الشيوع في المحل فإن موجب الرهن الحبس ، والحبس في الجزء الشائع لا يتأتى ، وفي الرهن من رجلين لا شيوع في الحبس ; لأن الحبس ثبت لكل واحد منهما في الكل حتى لو قضى دين أحدهما لا يكون له أن يسترد شيئا من الرهن ما لم يقبض دين الآخر ; وهذا لأنه لا مضايقة في الحبس فكما لا يجوز أن يكون الشخص الواحد كله محبوسا بدين زيد وكله محبوسا بدين عمرو فكذلك العين الواحدة ، وهنا موجب العقد الملك ، ولا يتأتى إثباته بكماله لكل واحد منهما فعرفنا أن كل واحد منهما يتملك جزءا شائعا ، وهذا بخلاف الإجارة . فالمانع هناك تعذر استيفاء المنفعة التي تناولها العقد من الجزء الشائع ، وذلك لا يوجد في الإجارة من الرجلين ، أو المانع استحقاق عود المستأجر إلى يد المؤجر في مدة الإجارة بحكم المهايأة ، وذلك لا يوجد ، وفي الإجارة من الرجلين ، ولهذا : جازت إجارة أحد الشريكين من شريكه بخلاف الهبة ثم قال في الأصل : وكذلك في الصدقة ، وهذا يدل على أنه إذا تصدق بما يقسم على رجلين أنه لا يجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه كالهبة ، وفي الجامع الصغير قال لو تصدق بعشرة دراهم على فقيرين : يجوز .

قال الحاكم رحمه الله : يحتمل أن يكون مراده من قوله : وكذلك الصدقة على الغنيين فيكون ذلك بمنزلة الهبة لأن الهبة من الفقير صدقة ، والصدقة على الغني تكون هبة ، وإلا ظهر أن في المسألة روايتين ، وجه رواية الأصل ما بينا أن تمام الصدقة بالقبض كالهبة ، وقبض كل واحد منهما يلاقي جزءا شائعا ، فلا يتم به الصدقة كما لا تتم به الهبة ، ووجه الرواية الأخرى أن المتصدق يجعل ماله لله تعالى خالصا ، ولا يملكه الفقير من جهة نفسه ، وإنما يملكه الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى بعد ما تمت الصدقة من جهته ، وإذا تصدق على رجلين فلا شيوع في الصدقة ; لأنه جعل جميع العين لله - سبحانه وتعالى - خالصا بخلاف الهبة ; ألا ترى أن الجهالة في المصروف إليه لا تمنع صحة الصدقة حتى إذا أوصى بثلث ماله صدقة على الفقراء : يجوز ، بخلاف ما لو أوصى به لقوم يحصون من الأغنياء ، وكذلك إذا أوصى بعين للفقراء ، أو لفلان ، ونصفه لفلان ، واعتبر للفقراء سهم واحد بالاعتبار أن الصدقة لله تعالى لا للفقراء .

قال : ( وإن وهب رجل دارا لرجلين لأحدهما ثلثاها ، وللآخر ثلثها ، وقبضاها لم يجز في قول [ ص: 69 ] أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، ويجوز عند محمد رحمه الله ) ، وهذا على أصل أبي حنيفة لا يشكل ، فإنه عند الإطلاق : لا يجوز هذا الإطلاق فعند التفصيل أولى ، وإنما الخلاف بينهما لو قال على أن يكون النصف لهذا ، والنصف لهذا يجوز عندهما ذكره ابن سماعة في نوادره فأبو يوسف رحمه الله يقول حالة التفصيل متى كانت لا تخالف حالة الإجمال فالتفصيل لغو ، ومتى كانت تخالف حالة الإجمال فلا بد من اعتبار التفصيل ; لأن كلام العاقل معتبر لفائدته لعينه فإذا لم يكن مفيدا لا يعتبر ، وإذا نصف بينهما فالتفصيل لا يخالف الإجمال ; لأن موجب العقد عند الإجمال أن يملك كل واحد منهما النصف ، فلا يعتبر تفصيله ، وإذا تفاوت بينهما فالتفصيل يخالف الإجمال فيجب اعتباره فإذا اعتبر بتفرق العقد فكأنه أوجب لكل واحد منهما العقد في جزء شائع على حدة ، وقاس الرهن ، فإنه لو رهن من رجلين مطلقا : يجوز ، وإذا فصل : لا يجوز ; لأن بالتفصيل يتفرق العقد إلا أن هناك يستوي إن فصل ، أو سوى في التفصيل لمخالفة حالة التفصيل حالة الإجمال في الوجهين ، فإن عند الإجمال يثبت حق الحبس لكل واحد منهما في الكل ، وعند التفصيل : لا يثبت ومحمد رحمه الله يقول : العقد والتسليم من الواهب جملة وإن فصل وفصل : يجوز إذا أطلق أو سوى في التفصيل ، وهذا لوجهين : ( أحدهما ) أن الإطلاق في الهبة كالتفصيل حتى لو وهب لرجلين عينا لا تحتمل القسمة فقبل أحدهما دون الآخر : لا يجوز كما لو فرق العقد . والثاني أن العقد متى كان جملة عند الإطلاق .

فبالتفصيل لا يتفرق في عقود التملكات كما في البيع ، فإن رجلا لو باع ثوبين من رجل بعشرين درهما فقبل المشتري العقد في أحدهما : لا يجوز ، ولو قبل فيهما ثم نقد الثمن في أحدهما لا يكون له أن يقبض ما نقد ثمنه ، وكذلك لو فصل ، وسمى لكل واحد منهما ثمنه ، فعرفنا أن بالتفصيل لا يتفرق العقد . فالشيوع باعتباره لا يفرق العقد ، وإنما يكون طارئا بعد ملك الموهوب لهما ، وذلك غير مؤثر في المنع من الهبة فأما في الرهن فالمانع تمكن الشيوع في المحل فيما هو موجب العقد ، وهو الحبس ، وذلك يتحقق عند التفصيل ، وإن كانت الصفقة واحدة ; ألا ترى أنه لو وهبه عينا بدينين نصفه بأحد الدينين ونصفه بالدين الآخر : لا يجوز ، وقد بينا أن في الهبة عند اتحاد العقد لا يمنع صحته لتمكن الشيوع فيما هو موجب العقد ، وهو الملك المستفاد لكل واحد منهما .

قال : ( ولو وهب أحد الشريكين نصيبه من الدار من أجنبي لم يجز ) ; لأن الإيجاب ، والتسليم لاقى جزءا شائعا ، وإنما [ ص: 70 ] أورد هذا الإشكال ، وهو أن ضمان المقاسمة هنالك لا يستحق على المتبرع إنما يستحق على الشريك ، ولكن قد بينا أن هذا المعنى لا يتمشى في جميع الفصول كالهبة من الشريك ، ويجوز ذلك وإن الحرف الذي يتمشى : أن القبض لا يتم مع الشيوع فيما يحتمل القسمة .
قال : ( وإن وهب رجل لرجلين ألف درهم لأحدهما ستمائة ، وللآخر أربعمائة فذلك لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ويجوز عند محمد رحمه الله ) . وهذا وما تقدم من هبة الدار إذا فصل وفصل سواء .
قال : ( رجل وهب لرجل دينارا له على رجل ، وأمره بقبضه : جاز ذلك - استحسانا - ) ، وفي القياس : لا يجوز ، وهو قول زفر ; لأن الدين ليس بمال ، حتى أن من حلف ولا مال له ، وله دين على إنسان : لا يحنث في يمينه . والهبة عقد مشروع لتمليك المال فإذا أضيف إلى ما ليس بمال لا يصح باعتبار مآله كما لو ، وهب مسلم خمرا من مسلم لا يصح باعتبار مآله ، وهو التحلل ، والدليل عليه : أن بيع الدين من غير من عليه الدين لا يجوز ; لأنه عقد مشروع لتمليك المال ، فالهبة مثله أو أولى ; لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض ، وقبض ما في ذمة الغير لا يتصور ، ولا وجه لتصحيحه إذا قبضه ; لأن تمام عقد الهبة بقبض ما أضيف إليه العقد إلى الدين ، والمقبوض عين ، والعين غير الدين

ووجه الاستحسان أنه أنابه في القبض مناب نفسه فيجعل قبض الموهوب له كقبض الواهب ، ولو قبضه بنفسه ثم وهبه ، وسلمه : جاز وكذلك إذا أمر أن يقبضه له ثم لنفسه ; وهذا لأن في باب الهبة : المعتبر وقت القبض ، فإن الملك عنده يثبت ، دليل ما بينا من فصل الشيوع ، وعند القبض هو مال قابل للتمليك كسائر الأسباب فكذلك بالهبة والمقبوض ، وإن كان غير الدين حقيقة جعل في الحكم كأنه هو بدليل جواز القبض في الصرف والسلم مع حرمة الاستبدال فيهما ، وليس البيع نظير الهبة ، فإنه يوجب الملك بنفسه قبل القبض فكان المعتبر فيه وقت العقد فإذا لم يكن عين مال لم يجز بيعه مع أن الدين في الذمة يقبل التمليك بالعقد ، فإنه لو باعه ممن عليه الدين بعوض : جاز ولو ، وهبه منه : جاز فعرفنا أنه مال قابل للتمليك حكما ، ولهذا تجب الزكاة فيه قبل القبض ، والشرط في عقد التمليك أن يضاف إلى محل قابل له ، وقد وجدتم لزومه قبل القبض ، وعند القبض بحكم الهبة هو عين فيتم العقد .

قال : ( رجل رهن عبده من رجل ، وسلمه إليه ثم وهبه لابنه الصغير لم يجز ) ; لأنه ليس في يده فاليد بعقد الرهن مستحقة عليه للمرتهن ، فلا يكون الأب قابضا لولده ما ليس في يده ; ولأنه يبطل به حق المرتهن ، وهو حق مستحق عليه ، فلا يملك إبطاله ، وكذلك لو غصب عبده غاصب فوهبه [ ص: 71 ] لابنه ; لأنه ليس في يد المغصوب منه حقيقة ، ولا حكما ، فإنه مضمون على الغاصب ، وإنما يضمن بتفويت يد المغصوب منه - بخلاف الوديعة إذا وهبها من أبيه - ; لأن يد المودع في الحكم كيد المودع فيمكن أن يجعل قابضا لولده باليد التي هي قائمة مقام يده ، فإن قيل : فقد قلتم إذا وهب الوديعة من المودع : جاز ، ولو كانت يده كيد المودع لم يكن قابضا لنفسه بحكم يده ( قلنا ) : في الحقيقة : اليد للمودع ، فباعتبار هذه الحقيقة يجعله قابضا لنفسه ، ثم إنما قامت يده مقام يد المودع ما دام هو في الحفظ عاملا للمودع ، وذلك قبل التمليك بالهبة فأما بعد ذلك فهو عامل لنفسه ، ولو باعه بيعا فاسدا ، وسلمه أو باعه بشرط الخيار للمشتري ثم وهبه لابنه الصغير : لا يجوز ; لأنه خرج من ملكه بتصرفاته ، فإنما وهب ما لا يملك ، ولأن اليد لغيره حقيقة ، وحكما حين كان في ضمان الغير .
قال : ( ولا يجوز هبة المكاتب كما لا يجوز عتقه ; لأنه تبرع محض ، ولو أجازه المولى فكذلك ) ; لأن إجازة المولى إنما يعمل فيها بملك المولى أنشأه ، وهو لا يملك ذلك في كسب المكاتب .

قال : ( رجل وهب لرجل ما على ظهر غنمه من الصوف ، أو ما في ضروع غنمه من اللبن لم يجز ذلك ) ; لأن الصوف واللبن ما دام متصلا بالحيوان فهو ليس بمال مقصود بنفسه ، ولكنه وصف الحيوان ، وعقد التمليك - مقصودا - لا يتم فيما ليس بمال مقصود ، فإن أمره بجز الصوف وحلب اللبن وقبض ذلك : استحسنت أن أجيزه ، وهذا لوجهين : إحداهما : أن الصوف على ظهر الغنم واللبن في الضرع محل للتمليك بدليل جواز الوصية به ، وجواز الصلح عليه عند أبي يوسف رحمه الله في الصوف ، وتمام عقد الهبة بالقبض فإذا كان قبضه بعد الجزاز ، وهو مال متقوم في هذه الحال يتم فيه الهبة كما بينا في الدين .

( والثاني ) : أن امتناع جواز الهبة لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب من ملك الواهب - مع إمكان الفصل - فيكون ذلك بمنزلة الشائع . وقد بينا أنه لو وهب شيئا مشاعا ثم قسم ، وسلم مقسوما : تمت الهبة فهذا مثله ، وكذلك ثمر الشجرة والزرع إذا حصده ، فهو على القياس والاستحسان الذي ذكرنا ، .

قال : ( ولا يجوز هبة العبد المأذون ; لأنه منفك الحجر عنه في التجارات دون التبرعات ، فإن أجازه مولاه ، ولا دين عليه : جاز ) ; لأن كسبه خالص حقه يملك مباشرة الهبة فيه فينفذ بإجازته أيضا وإن كان عليه دين لم يجز ذلك ، وإن أجازه المولى والغرماء ; لأن حق الغرماء في دينهم لا يسقط بإجازة الهبة فلا معتبر بإجازتهم ، والمولى لا يملك مباشرة الهبة بنفسه ، فلا تعمل إجازته أيضا .
قال : ( ولو وهب له ما يثمر النخيل العام لم يجز ) ; لأنه معدوم في الحال ، والمعدوم ليس بشيء [ ص: 72 ] بنفوذ العتق . وفي الهبة : لو استثنى ما في البطن قصدا لم تبطل الهبة . فكذلك إذا صار مستثنى حكما ، وذكر في كتاب العتاق أنه لو دبر ما في بطن جاريته ثم وهب الجارية لم يجز ، وقيل : في الفصلين روايتان : في إحدى الروايتين لا يجوز فيهما ; لأن الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فهو كما لو وهب دارا فيها متاع الواهب ، وفي الرواية الأخرى : يجوز فيهما ; لأنه لو استثنى الولد قصدا لم تبطل به الهبة في الأم . فكذلك إذا صار مستثنى حكما ، والأصح هو الفرق بينهما ، فإن التدبير لا يزيل ملك المدبر ، والموهوب متصل بما ليس بموهوب في ملك الواهب فكان ذلك في معنى هبة المشاع فيما يحتمل القسمة فأما العتق ، فإنه يزيل ملك المعتق فإذا وهب الأم بعد إعتاق الجنين فالموهوب غير متصل بما ليس بموهوب في ملك الواهب فهو كما لو وهب أرضا فيها ابن الواهب واقف ، وسلمها إلى الموهوب له تمت الهبة فكذلك هنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.57 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]