عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 15-12-2025, 07:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 222 الى صـــ 231
(244)




( والسادس ) أن يكون الصيد مما يباح تناوله ، ويكون ممتنعا ومستوحشا . ( والسابع ) أن لا يتوارى عن بصره أو لا يقعد عن طلبه حتى يجده ; لأنه إذا غاب عن بصره ، فلا يدري لعل موته كان بسبب آخر سوى جرح ما أرسله ، وإليه أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله : كل ما أممت ، ودع ما أيمنت والإماء ما رأيته ، والإيماء ما غاب عنك ، وإذا قعد عن طلبه ، فلا يدري لعله لو تبعه وقع في يده حيا ، وقدر على ذبحه في المذبح ، وترك ذلك مع القدرة عليه محرم ، والأصل فيه أنه متى اجتمع في الصيد لعل وعسى أن لا يحل تناوله ، وإليه { أشار النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه إذا وقعت رميتك في الماء ، فلا تأكل ، فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك } إذا عرفنا هذا فنقول : كما يشترط فيما أرسله الصياد أن يكون خارجا فكذلك فيما يرمى به ، وبها الكتاب ببيانه مروي عن إبراهيم رحمه الله إذا خرق المعراض فكل ، وإذا لم يخرق فلا تأكل ، والمعراض سهم لا نصل له إلا أن يكون رأسه محددا ، وقيل : سهم لا ريش له فربما يصيب السهم عرضا يندق ولا يخرج ، وهو مروي { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سئل عن صيد المعراض فقال : صلوات الله وسلامه عليه ما أصاب بحده فجرح فكل ، وما أصاب بعرضه ، فلا تأكل } والحرق هو الخرق إلا أن لفظة الحرق تستعمل فيما لا حياة له ، كالثوب ونحوه ، ولفظة الخرق تستعمل في الحيوان ، وقد بينا أن الحل باعتبار تسييل الدم النجس ، وذلك يحصل إذا خرق ، ولا يحصل إذا دق ولم يخرق ، فإن ذلك في معنى الموقوذة ، وهو حرام بالنص ، وذكر عن رجل قال : كانت لبعض أهل الحي نعامة فضربها إنسان فوقذها فألقاها على كناسة وهي حية فسألنا سعيد بن جبير فقال : ذكوها وكلوها ، وبه نقول ، فإن الموقوذة إذا أدرك ذكاتها جاز تناولها لقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } ولحصول ما هو المقصود ، وهو تسييل الدم النجس ، ومنه دليل إباحة تناول النعامة .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن الكلب يقتل الصيد فقال : كل ، وإن أكل الكلب منه فلا تأكل ، فإنه [ ص: 223 ] أمسك على نفسه ; لأنه يضرب حتى يترك الأكل ، وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله قالوا : الكلب إذا أكل من الصيد الذي أخذه يحرم تناوله ، وقال مالك رحمه الله تعالى لا يحرم ، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه لحديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال في صيد الكلب : كل وإن أكل الكلب منه } ، ولأنه تناول اللحم دون الصيد ; لأنه يقتل الصيد أولا فيخرج من أن يكون صيدا وتناول الكلب من لحم الصيد لا يحرم ما بقي منه على صاحبه ، كما لو فتش في مخلاة صاحبه وتناول شيئا من القديد من لحم الصيد ، وحجتنا في ذلك قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } وحين أكل منه فقد تبين أنه أمسكه على نفسه لا على صاحبه حين لا يتركه حتى يشبع منه ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعدي بن حاتم رضي الله عنه ، { فإن أكل منه فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه } وتأويل حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه إن صح أنه كان قبل نزول الآية ثم انتسخ أو مراده إذا ولغ في دم الصيد ، وعندنا ذلك القدر لا يحرم ، ثم قد بينا أن ثبوت الحل بفعله باعتبار أنه نائب عن صاحبه ، وينعدم ذلك إذا أكل منه ; لأنه تبين أن سعيه كان لمنفعة نفسه فهو كما لو انعدم الإرسال أصلا .

( ثم ) ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في البازي يقتل الصيد ويأكل منه قال : كل ، وقال : تعليم البازي أن تدعوه فيجيبك ، ولا تستطيع أن تضربه حتى يترك الأكل وبه نأخذ ، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى البازي والكلب إذا أكل من الصيد لا يحل لما بينا أنه يمسك على نفسه ، وليس بنائب عن صاحبه ، ولكن الفرق بينهما عندنا على وجهين :

( أحدهما ) أن جثة الكلب تحتمل الضرب فيمكن أن يضرب ليدع الأكل ، وجثة البازي لا تحتمل الضرب ، وقد بينا أن التكليف بحسب الوسع . ( والثاني ) أن الكلب ألوف ، وعلامته علمه أن يأتي بما يكون مخالفا لطبعه ، وإجابته صاحبه إذا دعاه غير مخالف لطبعه ، فلا يكون دليلا على علمه . بل يكون علامة علمه ترك الأكل عند حاجته إليه ; لأن ذلك خلاف طبعه ، فإذا أكل منه لم يكن معلما ، والشرط في صيد الكلب أن يكون معلما ، والبازي منفر فأجابته صاحبه إذا دعاه خلاف طبعه فيجعل ذلك علامة علمه دون ترك الأكل ، فهو وإن أكل منه ، فلا يتبين به أنه غير معلم ، ولكن هذا الفرق لا يتأتى في الفهد والنمر ، فإنه مستوحش كالبازي ، ثم الحكم فيه وفي الكلب سواء فالمعتمد هو الأول .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الكلب يشرب من دم الصيد ولا يأكل منه فقال : لا بأس بأكل الصيد ، وبه نأخذ ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول : يحرم بذلك [ ص: 224 ] لأن دم الصيد جزء منه كلحمه فتبين شربه من دمه أنه أمسكه على نفسه ، ولكنا نقول : هذا دليل حذقه في كونه معلما ; لأنه شرب ما يعلم أن صاحبه لا يرغب فيه ، ولا يمنعه منه ، وأمسك عليه ما يعلم رغبته فيه فكان ذلك دليل علمه ، وإمساكه على صاحبه ما يحتاج إليه صاحبه ، ولا يحرم تناول الصيد بخلاف ما لو أكل من لحمه .
وعن إبراهيم رحمه الله في كلب المجوسي أو بازيه يصيد به المسلم قال : لا بأس به ; لأن الصياد مرسل الكلب لا مالك الكلب ، ومرسل الكلب مسلم من أهل التسمية ، والكلب آلة الاصطياد فاصطياد المسلم به يوجب الحل ، فإن كان للمجوسي فهو كاصطياده بقوسه وسهمه
( وعنه ) في الرجل يرسل كلبه فيذهب معه كلب آخر غير معلم فيرد عليه الصيد ويأخذ الصياد معه قال : لا يؤكل ، وبه نأخذ لقوله صلى الله عليه وسلم : { لعدي بن حاتم : رضي الله تعالى عنه وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل ، فإنك إنما سميت على كلبك ، ولم تسم على كلب غيرك } ولأن إرسال الكلب من شرائطه الحل ، وانعدامه يوجب الحرمة ، والصيد صار مأخوذا بالكلبين ، والأصل أنه متى اجتمع موجب الحل ، وموجب الحرمة يغلب الموجب للحرمة لقوله صلى الله عليه وسلم : { ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا غلب الحرام الحلال } .

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : من رمى صيدا فتردى من جبل فلا يأكله ، فإني أخاف أن يكون التردي قتله ، وإن رمى طيرا فوقع في ماء فلا تأكله ، فإني أخاف أن يكون الغرق قتله ، وبه نأخذ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { قال لعدي بن حاتم : رضي الله تعالى عنه إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل ، فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك } ولأن التردي وجب للحرمة ، فإن الله تعالى ذكر جملة المحرمات المتردية ، وعند اجتماع معنى الموجب للحل ومعنى الموجب للحرمة يغلب الموجب للحرمة ، وهذا بخلاف ما لو رمى طيرا في الهواء فوقع على الأرض ومات ، فإنه يؤكل ، وإن كان من الجائز أنه مات بوقوعه على الأرض ، فإن ذلك لا يستطاع الامتناع عنه فيكون عفوا ، والتكليف بحسب الوسع ، بخلاف الوقوع في الماء والتردي من موضع ، فإنه يستطاع الامتناع عنه ، ويستوي في ذلك طير الماء وغيره ; لأن طير الماء يعيش في الماء غير مجروح ، فأما بعد الجرح يتوهم أن يكون الماء قاتلا له ، كما يتوهم بغيره ، وهذا بخلاف ما لو ذبح شاة ، وتردى بعد الذبح من موضع ، أو وقعت في ماء ; لأن قطع الحلقوم والأوداج ذكاة مستقرة ، فإنه يحادي بالموت عليه دون ما يتعرض بعده ، فأما الرمي ليس بزكاة مستقرة ، حتى إذا وقع الصيد في [ ص: 225 ] يد الرامي حيا لم يحل إلا بالذبح ; فلهذا كان التردي من الجبل ، والوقوع في الماء محرما له .
وعن عبد الله بن يزيد قال : سألت سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه عن شيء كان قومي يصفونه بالبادية ينصبون السنان فيصبح وقد قتل الضبع ، فقال لي : وإنك ممن يأكل الضبع . ؟ قلت : ما أكلتها قط ، فقال رجل عنده : حدثنا أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة وعن كل ذي ناب من السباع } فقال ابن المسيب رضي الله تعالى عنه صدقت ، وفي هذا دليل على أن الضبع غير مأكول اللحم ، وهو مذهبنا ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ولا بأس بأكل الضبع { لحديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن الضبع أصيد هو . ؟ قال : نعم ، فقيل : يؤكل لحمه . ؟ قال : نعم فقيل : أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ؟ قال : نعم } وحجتنا في ذلك الحديث الذي روينا وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومخلب من الطير } ولأنه ذو ناب يقاتل بنابه ، فلا يؤكل لحمه كالذئب ، وتأثيره ما ذكرنا أنه مستخبث باعتبار ما فيه من القصد إلى الأذى والبلادة ، فيدخل في جملة قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } وحديث جابر رضي الله تعالى عنه إن صح فتأويله أنه كان في زمن الابتداء ثم انتسخ بنزول الآية ، وهذا لأن الحرمة ثابتة شرعا فما يروى من الحل يحمل على أنه كان قبل ثبوت الحرمة ، ولا خلاف في أن الضبع صيد بحسب الجزاء على المحرم بقتله عندنا ; لأنه صيد ، وعنده لأنه مأكول اللحم ، فأما معنى حديث أبي الدرداء رضي الله عنه فالمراد بالخطف ما يختطف بمخلبه من الهواء كالبازي والعقاب والشاهين ، والمنهبة ما ينتهب بنابه من الأرض كالأسد ، والذئب والفهد والنمر ، وفي ذكر هذين الموضعين إشارة إلى معنى الحرمة حتى لا يسري إلى الأكل هذا الخلق الرديء ، وفي المحتمة روايتان بالفتح والكسر ، ومعنى الرواية بالفتح ما يحتم عليه الكلب فيقتله غما لا جرحا ، فذلك الصيد حرام لانعدام معنى الذكاة فيه ، ومعنى الرواية بالكسر ما يحتم على الصيود كالذئب والأسد والفهد ، فإنه غير مأكول ، ومعنى قوله { وعن كل ذي ناب من السباع } ما يقصد بنابه ، ويدفع به ، فأما أصل الناب يوجد لكل صيد ، فعرفنا أن المحرم ما بينا .
، وعن إبراهيم رحمه الله تعالى قال : كانوا يكرهون كل ذي مخلب من الطير ، وما أكل الجيف ، وبه نأخذ ; لأن كل ما يأكل الجيف كالفراق والغراب الأبقع مستخبث طبعا فيدخل تحت قوله [ ص: 226 ] { ويحرم عليهم الخبائث } .

( وعن ) هشام بن عروة عن أبيه { أنه سئل عن أكل الغراب فقال : ومن يأكله بعد ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا } يريد به الحديث المعروف { خمس فواسق يقتلهم المحرم في الحل والحرم } وذكر الغراب من جملتها ، والمراد به ما يأكل الجيف ، وأما الغراب الزرعي الذي يلتقط الحب فهو طيب مباح ; لأنه غير مستخبث طبعا ، وقد يألف الآدمي كالحمام فهو والعقعق سواء ، ولا بأس بأكل العقعق ، فإن كان الغراب بحيث يخلط فيأكل الجيف تارة والحب تارة فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يكره ; لأنه اجتمع فيه الموجب للحل والموجب للحرمة .

( وعن ) أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا بأس بأكله ، وهو الصحيح على قياس الدجاجة ، فإنه لا بأس بأكلها ، وقد أكلها رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهي قد تخلط أيضا ، وهذا لأن ما يأكل الجيف فلحمه ينبت من الحرام فيكون خبيثا عادة ، وهذا لا يوجد فيما يخلط .
وعن ابن المسيب رضي الله تعالى عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تنخع الشاة إذا ذبحت } وبه نأخذ ، ومعناه أن يبالغ الذابح بالذبح حتى يبلغ بالسكين النخاع ، والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة ، وفي هذا زيادة إيلام غير محتاج إليه ، والشرع نهى عن ذلك ، والأصل فيه حديث أبي الأشعث الصبغاني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته } والنخع ليس من الإحسان في شيء ، وكان منهيا عنه ، وروي كراهية ذلك عن عمر وابن عمر رضي الله تعالى عنهما حتى قال عمر رضي الله تعالى عنه لا تجروا العجماء إلى مذبحها برجلها ، وأحدوا الشفرة ، وأسرعوا الممر على الأوداج ، ولا تحفوا .

( وعن ) مكحول رضي الله تعالى عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح لم ينخع ، ولم يبد بسلخ حتى تبرد الشاة } وفي هذا دليل على أنه لا بأس للمرء أن يذبح بنفسه ، وأن ذلك ليس من ترك الترحم في شيء ، بخلاف ما قاله جهال المتقشفة ، وفيه دليل على أنه ينبغي للذابح أن يتحرز عن زيادة إيلام غير محتاج إليه .

( وعن ) عكرمة رضي الله عنه قال : { نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل قد أضجع شاة وهو يحد الشفرة ، وهي ملاحظة فقال : عليه الصلاة والسلام أردت أن تميتها موتات } وبه نأخذ فنقول : يكره له أن يحد الشفرة بين يديها لما فيه من زيادة إيلام غير محتاج إليه ، وضرب عمر رضي الله عنه من رآه يفعل ذلك بالدرة حتى هرب وشردت الشاة { ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 227 ] رجلا وقد أخذ أذن شاة ، وهو يجرها إلى المذبح فقال : قدها إلى الموت قودا رفيقا ، وفي رواية قال : خذ ساقها ، فإن الله يرحم من عباده الرحماء } والمعنى أنها تعرف ما يراد بها ، كما جاء في الخبر { ما هبت البهائم إلا عن أربعة خالقها ، ورازقها ، وحتفها ، وسفادها } فإذا كانت تعرف ذلك وهو يحد الشفرة بين يديها ففيه زيادة إيلام غير محتاج إليه ، وكذلك إذا لم يحد الشفرة ، ولكن الشاة لا تحرم بشيء من هذا ; لأن ما هو المطلوب من الذكاة ، وهي تسييل الدم النجس منها قد وجد ، والنهي لمعنى في غير المنهي عنه ، فلا يكون موجبا للحرمة ، وقد وجد

( وعن ) رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل ما عدا السن والظفر والعظم فإنها مدى الحبشة } والمراد بيان آلة الذبح ، وفيه دليل أنه يشترط للذكاة آلة محددة يحصل بها إنهار الدم ، وإفراء الأوداج ، والإنهار التسييل ، ومنه سمي النهر ; لأن الماء يسيل فيه ، والنهار تجري فيه الشمس بمرأى العين من العباد ، والإفراء القطع ، والمراد بالأوداج الحلقوم والمريء والودجان ، وفي هذا بيان أن المطلوب من الذكاة تمييز الطاهر من النجس بتسييل الدم من الحيوان ، والمراد بما استثني من السن والظفر المركب ; لأنه باستعمال ذلك يصير قاتلا لا ذابحا ، فإنهما منه ، وآلة الذبح غير الذابح ، وإنما يحصل بانقطاع الأوداج بالقوة لا بحدة الآلة ، ألا ترى أنه قال : فإنها مدى الحبشة ، وهم إنما يعتادون الذبح بسن أنفسهم ، وظفر أنفسهم ، وذلك يحرم بالاتفاق ، فأما في الذبح بالسن المقلوعة والظفر المنزوعة والعظم المنفصل إذا كان محدودا اختلاف نبينه
( وعن ) عامر قال : لا بأس بذبيحة الأخرس إذا كان من أهل الإسلام أو من أهل الكتاب وبه نأخذ ، فإن إشارة الأخرس وتحريكه الشفتين بمنزلة البسملة من الناطق ، ألا ترى أنه يصير به شارعا في الصلاة ، كما يكون الناطق شارعا بالتكبير ، ثم الأهلية للذبح يكون للذابح من أهل تسمية الله تعالى على الخلوص ، وذلك باعتقاده التوحيد ، والأخرس معتقد لذلك ثم المحرم بعده الإعراض عن التسمية ، ولا يتحقق الإعراض من الأخرس فعذره أبلغ من عذر الناسي ، وإذا كان بعذر النسيان ينعدم الإعراض ، فبعذر الخرس أولى .
( وعن ) علي رضي الله عنه في الرجل إذا ذبح الشاة أو الطير فقطع رأسه قال : لا بأس بأكله ، ( وعنه ) أنه قال تلك ذكاة وحية أي سريعة .

( وعن ) عمران بن حصين رضي الله عنه أنه سئل عن رجل ضرب عنق بطة بالسيف فسبق فأماته قال : يؤكل وبه نأخذ ; لأنه أتى بما هو المحتاج إليه ، وهو قطع الحلقوم والأوداج ، وزاد على ذلك إلا أنه بدأ بالقطع من قبل [ ص: 228 ] الحلق حتى أبان رأسه ، فلا يشك في إباحة أكله ، ويكره هذا الصنيع ; لأنه زيادة إيلام غير محتاج إليه ، وإن بدأ من قبل القفا ، فإن قطع الحلقوم والأوداج قبل أن تموت الشاة حلت ، فإن ماتت قبل أن تقطع الحلقوم والأوداج لم تؤكل ; لأن فعل الذكاة بقطع الحلقوم والأوداج عند القدرة ، وإن ماتت بفعل ليس بذكاة شرعا ، وذلك موجب للحرمة ، بخلاف ما إذا مات قبل قطع الحلقوم والأوداج

( وعن ) سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : الذكاة ما بين اللبة واللحيين وبه نأخذ ، وقد روي هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بيان محل الذكاة عند الاختيار ، وفيه دليل على أن أعلى الحلق وأوسطه وأسفله سواء في ذلك ; لأن الكل في المعنى المطلوب بالذكاة سواء .
( وعن ) إبراهيم رحمه الله تعالى قال : إذا ذبحت ، فلا تذكر مع اسم الله تعالى شيئا ، وهكذا نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جردوا التسمية عند الذبح ، والأصل فيه قوله تعالى { فلا تدعوا مع الله أحدا } وإن أهل الجاهلية كانوا يذكرون آلهتهم عند الذبح فحرم ذلك الشرع بقوله : { وما أهل به لغير الله } وأمر بتسمية الله تعالى عند الذبح على الخلوص لمخالفة المشركين ، فلا ينبغي أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره ، وإذا أراد أن يدعو فيقول : اللهم تقبل من فلان ينبغي أن يقدم ذلك على فعل الذبح أو يؤخره عنه ، فأما مع النحر لا يذكر غير اسم الله تعالى ، وهو تأويل الحديث أن { النبي صلى الله عليه وسلم لما ضحى عن أمته قال : هذا عمن شهد لي بالبلاغ إلى يوم القيامة } إنما قال : بعد الذبح لا معه .

( وعن ) رافع بن خديج رضي الله عنه { أن بعيرا من إبل الصدقة قد ند فرماه رجل بسهم وسمى فقتله . فقال صلى الله عليه وسلم : إن لها أوابد كأوابد الوحش ، فإذا فعلت شيئا من ذلك فافعلوا به كما فعلتم بهذا ثم كلوه } وبه نأخذ فنقول : عند تعذر الحل بذكاة الاختيار يثبت الحل بذكاة الاضطرار ، وذلك بالجرح في أي موضع أصابه ، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : { إن لها أوابد كأوابد الوحش } أي إن لها تنفرا واستيحاشا كما يكون الوحش ، إلا أن الأغلب من حالها الإلف ، والوحشي أغلب حاله التوحش ، فإذا صار ألوفا التحق بما هو ألوف غالبا ، وإذا توحش التحق بالوحشي غالبا ، والمراد بإبل الصدقة ما يؤخذ بالصدقة أو ما كان ينحر لإطعام المساكين ، وقد كان ذلك معروفا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده .

( وعن ) عتابة بن رافع بن خديج رضي الله عنه أن بعيرا تردى في نهر بالمدينة فوجئ من قبل خاصرته فأخذ منه ابن عمر رضي الله عنهما عسيرا بدرهمين ، وفي هذا دليل أن الحل يثبت بذكاة الاضطرار عند تعذر الذكاة بالاختيار ، وأنه لا [ ص: 229 ] فرق بين أن يتعذر ذلك بتوحشه ، وبين أن يتعذر سقوطه في مهوى ، فإن ابن عمر رضي الله عنهما مع زهده وتفرده رغب في الشراء منه ، والعسير تصغير العسير ، وقد روي عشيراء ، وهو سواد البطن ، والأول أصح

( وعن ) إبراهيم رحمه الله قال إذا تردى بعير في بئر ، ولم يقدروا أن ينحروه فمن حيث نحر فهو له ذكاة . ففي هذا بيان أن السنة في البعير النحر ، وفي البقر والغنم الذبح ، وبه نطق الكتاب قال الله تعالى : { فصل لربك وانحر } وقال الله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وقال الله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } والمراد الشاة ، والذي جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { نحرنا البدنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبعة ، والبقرة عن سبعة } معناه وذبحنا البقرة عن سبعة ، ومثل هذا الإضمار مع العطف معلوم في لسان العرب قال القائل : علفتها تبنا وماء باردا أي ، وسقيتها باردا ; لأن الماء لا يعلف
، وعن علي رضي الله عنه قال : ذكاة السمك والجراد أخذه ، ومراده بيان أن الذكاة ليست بشرط فيهما بل يثبت الحل فيهما بالأخذ من غير ذكاة ، ألا ترى أنه لا تثبت الحرمة بكون الآخذ مجوسيا أو وثنيا ، وما يشترط فيه الذكاة يشترط فيه الأهلية للمذكي ، وحيث لم يشترط في السمك والجراد عرفنا أن الذكاة فيهما ليست بشرط ، كما قال صلى الله عليه وسلم : { أحلت لنا ميتتان ودمان } ، وسئل علي رضي الله عنه عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيه الميت وغيره قال : كله كله ، وفي بعض الروايات كله كله فاللفظ الأول تكرار للمبالغة ، والثاني بيان أنه يؤكل كله وبه نأخذ ، وأن الجراد وإن وجد ميتا فلا بأس بأكله ; لأن موته لا بد أن يكون بسبب ، فإنه بحري الأصل بري المعاش ، كما قيل : إن بيض السمك إذا انحصر عنه الماء يصير جرادا ، فإذا مات في البر فقد مات في غير موضع أصله ، وإذا مات في الماء فقد مات في غير موضع معاشه ، وذلك سبب لموته ، والدليل على إباحة أكل الجراد ما روي أن مريم رضي الله عنها سألت لحما هشا فرزقت الجراد ، وأن عمر رضي الله عنه كان مولعا بأكل الجراد حتى قال يوما في مجلسه : ليت لنا قصعة من جراد فنأكله ، أو قال : نقعة .

( وعن ) عمرة قالت : خرجت مع وليدة لنا فاشترينا خريتة بقفيز من حنطة فوضعناها في زنبيل فخرج رأسها من جانب ، وذنبها من جانب فمر بنا علي رضي الله عنه فقال لي : بكم أخذت فأخبرته فقال : ما أطيبه وأرخصه وأوسعه للعيال ففي هذا الحديث دليل على أن الجراد مأكول وبه نأخذ ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنه سئل عن الخريت فقال : فأما نحن ، فلا نرى به بأسا ، فأما أهل الكتاب [ ص: 230 ] فيكرهونه ، وأما الروافض قاتلهم الله تعالى فيأخذون بقول أهل الكتاب ، ويحرمون الخريت ، ويدعون قول علي رضي الله عنه مع دعواهم محبته ، وأهل الكتاب يزعمون أن الخريت من جملة الممسوخات ، وهذا باطل ، فإن الممسوخ لا نسل له ، ولا يبقى بعد ثلاثة أيام بل الخريت نوع من السمك ، والسمك مأكول بجميع أنواعه يثبت الحل فيه بالكتاب والسنة قال الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } وقال صلى الله عليه وسلم : { أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال } فهذا دليل أنه لا بأس للإنسان أن يتكلم مع النساء والإماء بما لا يحتاج إليه ، فإن هذا ليس من جملة ما لا يعنيه ، فإنما الذي لا يعني المرء مما ورد النهي عنه أن يكون فيه مأثم .

( وعن ) إبراهيم رحمه الله قال ما أطيب إهابه وهو كذلك ، وقد قيل : إن أطيب الأشياء من السمك الذنب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أتاه عبد أسود فقال : إنني في غنم لأهلي ، وإني سليل الطريق فأسقي من لبنها بغير إذنهم ، فقال : لا ، فقال : إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي قال : كل ما أصميت ودع ما أنميت . قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : الإصماء ما رأيته ، والإنماء ما توارى عنك ، وبه نأخذ ، إلا أن المراد به إذا توارى عنه ، وقعد في طلبه ، فإذا لم يقعد عن طلبه لا يحرم لما بينا أن ما لا يستطاع بالامتناع عنه يكون عفوا ، وفي الحديث دليل أنه ليس للراعي أن يسقي من لبن الغنم بغير إذن أهلها ، فإن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نهاه عن ذلك ، وهذا لأن الراعي أمر بالرعي والحفظ والسقي ومن لبنها بمنزلة هبة عنها ، ولا يجوز له ذلك بدون إذن أهلها ، والذي جاء في الحديث أن { النبي صلى الله عليه وسلم مر براعي الغنم فاستسقاه اللبن } تأويله أن ذلك الراعي كان يرعى غنم نفسه أو كان مأذونا من جهة مالكه بذلك ، وقد عرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه } .

( وعن ) موسى بن طلحة رضي الله تعالى عنه أن { أعرابيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرنبا مشويا قال : لأصحابه كلوا قال الأعرابي : إني رأيت دما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس بشيء ، وقال للأعرابي : إذن فكل فقال : إني صائم ، قال : صوم ماذا ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فقال : هلا جعلتها البيض } ، وبه نأخذ فنقول : الأرنب مأكول ، وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية فيه وأكل منه ، وأمر أصحابه رضوان الله عليهم بذلك ( وقول ) الأعرابي : إني رأيت دما مراده ما يقول جهال العرب : أن الأرنبة تحيض كالنساء فبين [ ص: 231 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس بشيء ، وفيه دليل على أنه لا بأس للمهدي أن يأكل من هديته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الأكل ، وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فما كان يدعو أحدا إلى ما يخالف ذلك ، وفيه دليل على أنه إذا دعي إلى طعام وهو صائم لا بأس بأن يمتنع ويقول : إني صائم ، وقد قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال حيث قال صلى الله عليه وسلم : { صوم ماذا . ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر } وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على ذلك ، ويقول { الحسنة بعشر أمثالها صوم ثلاثة أيام من الشهر كصوم جميع الشهر } وفيه دليل على أن الأفضل أن يكون صومه في الأيام البيض ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { هلا جعلتها البيض } والبيض الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، وعند بعضهم أولها الرابع عشر ، وآخرها السادس عشر ، سميت بيضا لطلوع القمر في لياليها من أول الليل إلى آخر الليل ، فكأن الليل يستوي بالنهار في البياض .

( وقيل : ) لما روي أن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما أهبط إلى الأرض بعد زلته اغبر جسده صام الرابع عشر فابيض ثلث جسده ثم صام الخامس عشر فابيض ثلث آخر ثم صام السادس عشر فابيض جميع جسده ، وعاد اللون الأول فسميت بيضا لذلك

{ وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه أهدي لها ضب فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله فكرهه فجاء سائل فأرادت أن تطعمه إياه فقال : صلوات الله وسلامه عليه أتطعمين ما لا تأكلين } وبهذا نأخذ فنقول : لا يحل أكل الضب ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحل لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن { النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال : لم يكن من طعام قومي فأجد نفسي تعافه فلا أحله ولا أحرمه } وفي { حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الآكلين أبو بكر رضي الله تعالى عنه كان ينظر إليه ويضحك } واعتمادنا على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فيه يبين أن امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله لحرمته لا لأنه كان يعافه ، ألا ترى أنه نهاها عن التصدق به ، ولو لم يكن كراهية الأكل للحرمة لأمرها بالتصدق به ، كما أمرها به في شاة الأنصاري بقوله : { أطعموها الأسارى } والحديث الذي فيه دليل الإباحة محمول على أنه كان قبل ثبوت الحرمة ، ثم الأصل أنه متى تعارض الدليلان أحدهما يوجب الحظر والآخر يوجب الإباحة يغلب الموجب للحظر ، وقال بعض المتأخرين رحمهم الله تعالى : حرمة الضب ; لأنه من الممسوخات على ما روي أن فريقين من عصاة بني إسرائيل أخذ [ ص: 232 ] أحدهما طريق البحر ، والآخر طريق البر ، فمسخ الذين أخذوا طريق البر ضبابا ، وقردة ، وخنازير ( وروي ) هذا الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه غير مشهور .

ثم قد بينا أن الممسوخ لا نسل له ولا بقاء ، فهذا الذي يوجد الآن ليس بممسوخ ، وإن نسخ قوم من جنسه ، ولكنه من الخبائث ; ولهذا عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيدخل تحت قوله تعالى { ويحرم عليهم الخبائث } لكونه مستخبثا طبعا كسائر الهوام .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]