عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 15-12-2025, 07:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,004
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 212 الى صـــ 221
(243)






قال : ( وإذا باع أحدهما من صاحبه ثوبا من الشركة ليقطعه ; جاز ) لأن هذا بيع مقيد ، فإن الثوب قبل هذا البيع من الشركة بينهما ، وبعد هذا البيع يختص المشتري بملكه ، فإنه لو اشترى ثوبا لكسوته من أجنبي يختص بملكه ، وكذلك إذا اشتراه من صاحبه . والشراء إذا كان مقيدا كان صحيحا - كالمولى إذا اشترى شيئا من كسب عبده المأذون المديون لنفسه ، أو رب المال إذا اشترى شيئا من مال المضاربة من المضارب كان صحيحا - . قال : ( وكذلك لو باعه جارية ليطأها ، أو طعاما يجعله رزقا لأهله ; فهذا البيع مقيد يجب به الثمن ) ، ثم نصف الثمن له ونصفه لشريكه ، كما لو باعه من أجنبي آخر . قال : ( وإذا اشترى شيئا من ذلك أحدهما من صاحبه للتجارة ; كان باطلا ) لأن هذا العقد غير مقيد ، فإن العين قبل هذا العقد من شركتهما ، وبعده كذلك ، والعقد إذا لم يكن مقيدا كان باطلا ; لأن العقود الشرعية أسباب مشروعة للفائدة ، فإذا خلت منها كانت لغوا ، واللغو لا يكون مشروعا ، وإن كان لأحدهما عبد ميراث فاشتراه الآخر للتجارة ; كان جائزا لأنه مفيد ، فإنه يدخل به في المفاوضة ما لم يكن فيها ، ولا يفسد المفاوضة حتى يقبض الثمن ; لأن اختصاصه قبل القبض بملك الدين ، فإذا قبض الثمن فقد اختص بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، فتبطل المفاوضة .

( وكذلك ) إن كانت أمة لأحدهما ميراثا ، اشتراها الآخر منه ليطأها .

قال : ( وإذا ارتد أحد المتفاوضين ولحق بدار الحرب ; انقطعت المفاوضة بينهما ) لأن القاضي لما قضى بلحاقه بدار الحرب حتى يقسم ماله بين ورثته ، والمفاوضة تبطل بالموت حقيقة ، فكذلك إذا فقد موته حكما ، ولأنه صار حربيا ، ولا عصمة بين الحربي في دار الحرب والسلم في دار الإسلام . ألا ترى أن ابتداء المفاوضة بينهما لا يجوز ، وكذلك لا يبقى ، وإن رجع مسلما قبل أن يقضي القاضي بلحاقه ; كان على الشركة لأن اللحاق بدار الحرب قبل أن يتصل به قضاء القاضي بمنزلة الغيبة ; فلا تقطع الشركة ، ولأنه بمنزلة التوكيل لصاحبه ، والوكالة لا تبطل بردة الوكيل ولحاقه ، ما لم يقض القاضي به ، وكذلك المفاوضة وشركة العنان . فإن حكم الحاكم بلحاقه بدار الحرب ثم رجع مسلما ; فلا شركة بينهما لأنها قد انقطعت بتمويت القاضي إياه حين قضى بلحاقه . وفي ردة الوكيل والموكل اختلاف وكلام قد بيناه في كتاب الوكالة . قال : ( وإذا ارتد ولم يلتحق بدار الحرب ، ثم أقر بدين ثم قتل على ردته ; لم يلزمه ذلك الدين في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ) ; [ ص: 213 ] لأن الإقرار تصرف منه في حال ردته ، وكان موقوفا عنده ، ويبطل إذا قتل - كسائر تصرفاته - وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يلزمه كما يلزم شريك العنان ; لأن عندهما : شركة العنان تصح من المرتد ، فكذلك تبقى بعد ردته . وأما المفاوضة فتوقف من المرتد عندهما إذا باشره ابتداء . وكذلك إذا ارتد بعد المفاوضة يتوقف من المرتد عندهما تلك الزيادة ، فإذا قتل أو لحق بدار الحرب ; بطلت الزيادة . وإنما بقيت شركة العنان بينهما إلى وقت موته .
قال : ( وبيع أحد شريكي العنان وشراؤه وإقراره بالدين بجهة التجارة جائز على شريكه ) وكذا إذا فعل المرتد ذلك . وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى : إن أقر المسلم منهما بدين ; لزمه ذلك في حقه ، وتوقف أمر المرتد ، فإن أسلم لزمه ما أقر به المسلم لبقاء الشركة بينهما ، وإن مات أو قتل على ردته لم يلزمه من ذلك شيء ، وكذلك ما أقر به المرتد إلا أن أصله إقرار المرتد موقوف ، وإذا قتل بطل - كسائر تصرفاته - وأصل إقرار المسلم صحيح في حقه ، وإنما يتوقف بثبوت حكمه في حق المرتد على إسلامه ، فإذا قتل أو مات بطل ذلك ، ويبقى المسلم مطالبا به .
قال : ( وإذا باع أحد المتفاوضين متاعا ثم افترقا ، ولم يعلم المشتري بافتراقهما ; فلكل واحد منهما أن يقبض الثمن كله ) لأن بيع أحدهما في حال قيام المفاوضة مثبت على حق قبض الثمن لصاحبه ; فلا يبطل ذلك بافتراقهما ، ما لم يعلم به المشتري ، حتى إذا قضى الثمن أحدهما ، وهو لا يعلم بالفرقة ; برئ ; لأنه بالعقد استحق براءة ذمته عند دفع الثمن إلى أحدهما ، فلا يبطل ذلك بافتراقهما ما لم يعلم به . وهذا لأن المشتري بمنزلة الوكيل من جهة البائع في تسليم الثمن إلى شريكه ، فهما بالافتراق قصدا عزله عن الوكالة ، وعزل الوكالة قصدا لا يثبت في حق من لم يعلم به ، حتى إذا علم بالفرقة ; لم يكن له أن يدفع جميع المال إلا إلى الذي ولي البيع ; لأن حكم العزل يثبت في حقه ; لما علم به ; إذ لا ضرر عليه في ذلك . وهو بخلاف ما إذا مات البائع ; لأن موت الموكل يوجب عزل الوكيل حكما ; لتحول ملكه إلى وارثه ، ولا يتوقف بثبوت حكمه على العلم به .

ألا ترى أن الوكيل ينعزل بموت موكله ، وإن لم يعلم به ، - بخلاف ما إذا عزله قصدا - . قال : ( وإن وجد المشترى به عيبا لم يكن له أن يخاصم إلا الذي ولي البيع ) ; لأن الشركة قد انقطعت ، والخصومة في العيب من حقوق العقد ، فإنما يتعلق بالعاقد خاصة ثم يرجع العاقد بنصف ذلك على شريكه ; لأنه في النصف كان وكيلا ، فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة فيه . قال : ( ولو كان رده على شريكه بالعيب قبل الفرقة ، وحكم له عليه بالثمن ، أو بنقصان العيب ، عند تعذر الرد ، ثم افترقا ; كان [ ص: 214 ] له أن يأخذ أيهما شاء ) ; لأن هذا دين لزم أحدهما في حال قيام الشركة ، فصار الآخر مطالبا بحكم الكفالة . فافتراقهما لا يبطل حق صاحب الدين عن مطالبة كل واحد منهما كسائر الديون . قال : ( ولو استحق العبد بعد الفرقة ، وقد كان نقد الثمن قبلها ; كان له أن يأخذ بالثمن أيهما شاء ) ; لأن البيع في المستحق كان موقوفا ، فيبطل من الأصل بإبطال المستحق ، وتبين أن رد الثمن كان واجبا عليهما قبل افتراقهما ، وكان للمشتري أن يطالب بالثمن أيهما شاء . فأما بالرد بالعيب بعد الفرقة لا يتبين بطلان البيع من الأصل ، ولكنه كان صحيحا إلى وقت الرد ، وإنما وجب الثمن على البائع حين رد عليه المبيع ، وإذا كان الرد بعد الفرقة فليس للمشتري أن يطالب به الآخر .

ال : ( رجل سلم ثوبا إلى خياط ليخيطه بنفسه ، وللخياط شريك في الخياطة مفاوضة ; فلصاحب الثوب أن يطالب بالعمل أيهما شاء ما بقيت المفاوضة بينهما ) ; لأن كل واحد منهما بمنزلة صاحبه فيما لزمه ما بقيت الشركة بينهما . ( فإن قيل ) : عمل الخياطة مستحق على من باشر السبب ، والآخر بمنزلة صاحبه الكفيل عنه ، فإذا شرط على الخياط أن يخيط بنفسه ; لم تجز كفالة الغير عنه ; فلا يطالب الكفيل به ; ( قلنا ) : ما بقيت المفاوضة بينهما فهما كشخص واحد ، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما تقتضيه المفاوضة ; لأن المساواة التي هي ركن المفاوضة لا تتحقق إلا به ; فلا تظهر معنى الكفالة قبل الفرقة ، وإنما تظهر بعد الفرقة ، فلا جرم إذا تفرقا أو مات الذي قبض الثوب ; لم يؤاخذ الآخر بالعمل ; لأن الموجب للاتحاد هو الشركة ، وقد انقطعت ، وإنما بقي معنى الكفالة ; فكان الشرط على الخياط ; فلا يطالب الآخر بحكم الكفالة . وإذا مات الذي قبل ; بطل هذا التقبل لفوات المعقود عليه . وهذا نظير ما لو دفع ثوبا إلى الخياط ليخيط بنفسه ، وأخذ منه كفيلا بالخياطة لم يجز ذلك . وإن لم يكن شرط عليه أن يخيط بنفسه ; جازت الكفالة ; لأن الكفالة بمضمون بما تجرى النيابة في إيفائه صحيح ، وبما لا تجرى النيابة في إيفائه باطل . وإذا شرط على الخياط العمل بنفسه هذا لا تجرى النيابة في إيفائه ، وإذا لم يشترط ذلك عليه ، فهذا تجرى النيابة في إيفائه ; فتصح الكفالة . وبعد صحتها : إذا مات الخياط ; برئ الكفيل ; لأن الإجارة قد انقطعت بموت الخياط ، وبراءة الأصيل توجب براءة الكفيل . وكذلك هذا في كراء الإبل ، إذا مات الجمال ; برئ الكفيل ; لأن الإجارة قد انقطعت بموته .
قال : ( وإذا كان بين رجلين كر حنطة ، وكر شعير ، ولم يأمر أحدهما صاحبه ببيعه ، فاستعار أحدهما دابة ليحمل عليها حنطة ، فحمل عليها الآخر الشعير [ ص: 215 ] بغير أمره ; كان ضامنا للدابة ، ولحصة صاحبه من الشعير ) ; لأن الشركة بينهما شركة ملك ، وكل واحد منهما في التصرف كالأجنبي من صاحبه ; فيكون غاصبا للدابة ولنصيب شريكه من الشعير يحمله على الدابة ; فلهذا يضمن قيمة الدابة ، ونصيب صاحبه من الشعير إذا تلفت بحمله ، وليس هذا كشريك العنان والمفاوض ; لأن كل واحد منهما وكيل عن صاحبه في الحمل ، كما أنه وكيل صاحبه في التجارة ; فلهذا لم يكن ضامنا .

ثم ختم الباب في الأصل بما إذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة ، وليس لهما مال على أن يشتريا بوجوههما ، أو يعملا بأبدانهما ، وقد بينا جواز المفاوضة في هذين النوعين من الشركة ، كالعنان ، إلا أن في المفاوضة لا يجوز اشتراط التفاوت بينهما ، وفي العنان لا يجوز ذلك في شركة الوجوه ، إلا أن يشترطا التفاوت في ملك المشتري . وفي التقبل يصح منهما اشتراط التفاوت ، وبعض العراقيين من مشايخنا - رحمهم الله يقول : لا فرق . وتأويل ذلك أنه إن اشترطا التفاوت في التقبل ، فأما مع اشتراط التساوي في أصل التقبل ; لا يصح منهما اشتراط التفاوت في الربح ، ولكن هذا بعيد ; لأنه ذكر قبل هذا . وفي النوادر أيضا أن الربح بينهما على الشرط ، والوضيعة بينهما نصفان ، ولو كان التفاوت بينهما في أصل التقبل لكانت الوضيعة على ذلك ، ولكن الفرق من وجهين ، ( أحدهما ) : أن في التقبل هما تابعان للعمل ، فقد يكون بينهما تفاوت في العمل ، فيصح منهما اشتراط التفاوت في الربح . فأما في شركة الوجوه : هما متساويان بثمن في ذمتهما ، فمع التساوي في ملك المشتري لا يصح منهما شرط التفاوت في الربح . وتوضيح الفرق أن المنافع إنما تتقوم بالعقد ، فمنفعة كل واحد منهما تتقوم بقدر ما شرط لنفسه من الربح ، بخلاف عين المشتري ; فإنه يتقوم بنفسه ; فلا يصح من أحدهما اشتراط شيء من ربح مال صاحبه من غير رأس مال ، ولا ضمان .

وإذا تقبل العمل أحدهما ، فإن كانا متفاوضين فلا إشكال أن الآخر مطالب بذلك . فأما إذا كانت الشركة بينهما مطلقة ; فقد ذكر في النوادر - قياسا واستحسانا - في هذا الفصل في القياس لا يطالب إلا من تقبل ; لأن الشركة بينهما عنان ، وذلك لا يتضمن الكفالة . ألا ترى أنه لو أقر أحدهما بدين لإنسان لا يطالب الآخر به ، فكذلك إذا تقبل العمل . وفي الاستحسان يكون الآخر مطالبا به ; لأن هذا التقبل مقصود بالشركة ، ففيما هو المقصود يقوم كل واحد منهما مقام صاحبه ، ويكونان فيه بمنزلة المتفاوضين . وعلى هذا : إذا عمل أحدهما ; كان للآخر أن يطالب بالأجر - استحسانا - لأنه هو المقصود بعقدهما . وبيان كونه مقصودا : أن [ ص: 216 ] الشركة التي بينهما لا تنفك عن هذا - بخلاف الإقرار في الدين - . وذكر الشارح عن أبي يوسف رحمهما الله أن كل واحد منهما ضامن لما جنت يد أحدهما - استحسانا أيضا - وأنه لو ادعى عينا في يدهما على أحدهما أنه تقبل العمل فيه ، فأقر به نفذ إقراره في نصيب شريكه - أيضا استحسانا - ومحمد رحمه الله في هذين الفصلين يأخذ بالقياس ، فيقول : إقراره بالعين كإقراره بالدين ، وما يتلف بجناية في يده بمنزلة غصبه واستهلاكه ، والشركة بينهما قد تنفك عن ذلك ، فلا يطالب الشريك بشيء من ذلك وأبو يوسف رحمه الله أخذ بالاستحسان ; لأن وجوب ضمان ما جنت يده باعتبار العمل ، وما في العمل كالمتفاوضين فكذلك فيما يجب باعتباره له أو عليه ، وكذلك الإقرار بالعين فإن الشركة لا تنفك من ذلك ; لأن من يسلم إلى أحدهما العمل فلا بد له من أن يسلم إليه محل العمل ، وما يتقبله أحدهما يثبت عليه يدهما عند إقامة العمل ، فإذا لم يصح إقراره في حق شريكه يحذر الناس من المعاملة مع كل واحد منهما ; فلهذا أخذنا بالاستحسان ، والله سبحانه وتعالى أعلم

قال : ( وإذا اشترك الرجلان على أن يحتطبا الحطب يبيعانه ، فما باعاه فهو بينهما نصفان ; كانت هذه الشركة فاسدة ) ; لأن صحة الشركة باعتبار الوكالة ، فلا تصح فيما لا تجوز الوكالة فيه . ولو وكل إنسانا بأن يحتطب له لم يصح التوكيل ، وكان الحطب الذي لم يحتطب دون الموكل ، فكذلك الشركة ; لأن كل واحد منهما - في المعنى - يوكل صاحبه بمباشرة بعض ذلك العمل له ، ولأن الاحتطاب اكتساب ، والاكتساب في المحل المباح يوجب الملك للمكتسب ، وكل واحد منهما يشترط لنفسه بعض كسب صاحبه من غير رأس مال ، ولا ضمان له فيه . أو يصير كل واحد منهما كالمفاوض مع صاحبه بنصف ما يكتسبه صاحبه ، وهذا مفاوضة في المجهول ; فلا تكون صحيحة ، ولكل واحد منهما ما احتطب وثمنه إذا باع ; لأن البدل يملك بملك الأصل ، فإن احتطب أحدهما ، وأعانه الآخر ; فله أجر مثله على الذي احتطب ; لأنه استوفى منافعه بحكم عقد فاسد ; فيلزمه أجر مثله ، ولا يجاوز به نصف الثمن في قول أبي يوسف رحمه الله ، وقال محمد رحمه الله : له أجر مثله بالغا ما بلغ فأبو يوسف - رحمه الله يقول : قد رضي هذا بنصف المسمى ، فيعتبر رضاه في إسقاط حقه في المطالبة بالزيادة على ذلك . ألا ترى أنه لو استأجر [ ص: 217 ] حمالا ليحمل له حنطة إلى موضع كذا بقفيز منها ، فحملها كان له أجر مثله لا يجاوز به ما سمى ; وهذا لأن تقدم المنفعة باعتبار العقد والتسمية ; إذ المنافع لا تتقوم بنفسها بغير العقد ، وفيما زاد على المسمى لم توجد التسمية ومحمد رحمه الله تعالى يقول : المسمى مجهول الجنس والقدر ، فإنه لا يدرى : أي نوع من الحطب يصيبان ؟ وهل يصيبان شيئا أم لا ؟ .

والرضا بالمجهول لا يصح ، فإذا سقط اعتبار رضاه بقيت منافعه مستوفاة بعقد فاسد ، فله أجر مثله بالغا ما بلغ ، فإذا أصاب شيئا أولى ، بخلاف حمل الحنطة ، فإن القفيز منها معلوم ; فاعتبر رضاه بالمعلوم ; فلهذا لا يجاوز به المسمى ، وعلى هذه الشركة في سائر المباحات ، نحو احتشاش الحشيش ، واجتناء الثمار من الجبال ، والبرادي من الجوز ، والفستق ، وغيرهما فإذا عملا ذلك ، وخلطاه ثم باعا ; قسم الثمن على كيل ووزن ما كان لكل واحد منهما ، إن كان كيليا أو وزنيا ; لأن كل واحد منهما كان مالكا لما أصابه . والثمن في البيع إنما يقسم على مالية المعقود عليه ، ومالية المكيل والموزون تعرف بالكيل والوزن ; فلهذا قسم الثمن بينهما على ذلك ، وإذا لم يكن كيليا أو وزنيا ; يقسم الثمن على قيمة ما كان لكل واحد منهما ; لأن معرفة المالية ، فيما لا يكال ولا يوزن ، بمعرفة القيمة . وإذا لم يعرف مقدار ما كان لكل واحد منهما صدق كل واحد منهما في النصف لأنهما استويا في الاكتساب - وقد كان المكتسب في أيديهما - وكل واحد منهما في دعواه إلى النصف إنما يدعي ما كان في يده ، والظاهر يشهد له في ذلك ; فيقبل قوله ، ولا يصدق في الزيادة على النصف إلا ببينة ; لأنه يدعي خلاف ما يشهد له الظاهر ، ولأنه يدعي شيئا كان في يد صاحبه ، ولا يستحق المرء ما في يد غيره بدعواه إلا أن يقيم البينة عليه . وكذلك الشركة بنقل الطين وبيعه من أرض لا يملكانها ، أو الجص أو الملح أو الكحل ، وما أشبه ذلك ; لأن التوكيل في هذه الأشياء لا يجوز ; فإنها على أصل الإباحة ، والناس فيها سواء ، فكذلك الشركة . وكذلك إن اشتركا على أن ما يلبنان من طين لا يملكه أحد أو يطبخانه آجرا ، أو يشركان على طلب الكنوز ، أو على الاصطياد ; فهذا كله مما لا يصح التوكيل به ; لكون أصله مباحا غير مملوك ، فكذلك الشركة فيه . قال : ( وإن كان من طين النورة مملوكا ، فاشتركا على أن يشتريا منه ، ويطحناه ; فهو جائز ) ; لأنه إن كان بينهما رأس مال ; فهو شركة العنان ، وإن لم يكن ; فهو شركة الوجوه في هذا النوع . وقد بينا جواز كل واحد منهما ، وكذلك سهلة الزجاج : إذا اشتركا على شيء يشتريانه من ذلك ; جاز . وإن اشتركا على شيء لا يشتريانه بل هو مباح الأصل ; فهو فاسد لما قلنا .

وإذا اشتركا في الاصطياد - فنصبا شبكة أو [ ص: 218 ] أرسلا كلبا لهما - ; فالصيد بينهما نصفان لاستوائهما في السبب الموجب للملك - وهو الاصطياد - . وإن كان الكلب لأحدهما فأرسلاه جميعا ; فالصيد لصاحب الكلب خاصة ، وإن كان لكل واحد منهما كلب ، فأرسل كل واحد كلبه ، فإن أصاب كل كلب صيدا على حدة ; كان ذلك الصيد لصاحبه ، وإن أصابا صيدا واحدا ; فهو بينهما نصفان ، وإن أصاب أحدهما صيدا ، فأثخنه ، ثم جاء الآخر ، فأعانه ; فهو لصاحب الكلب الأول ، فإن لم يكن الأول أثخنه ، حتى جاء الآخر ، فأثخناه ; فهو بينهما نصفان ; لأن الإرسال إذا وجد من صاحب الكلب فقد تم السبب الموجب للملك - وهو الاصطياد - والآخر معين له في ذلك . قال : ( وإذا أرسل كل واحد منهما كلبه ، فإن أصابا صيدا واحدا فقد استوى المالكان في سبب الاستحقاق ، وإن أصابه أحد الكلبين ، فأثخنه ; فقد تم أخذه ) ; لأنه أخرجه - بفعله - من أن يكون صيدا ، وإن أثخناه جميعا ; فقد تقررت المساواة بينهما في السبب ; فكان بينهما نصفين .
قال : ( وإن اشتركا ولأحدهما بغل ، وللآخر بعير على أن يؤاجرا ذلك ، فما رزقهما الله تعالى من شيء فهو بينهما نصفان ; فهذا فاسد ) ; لأن كل واحد منهما في المعنى موكل لصاحبه بأن يؤاجر دابته ; ليكون نصف الأجر له ، وهذا التوكيل باطل ، فإنه لو قال : أجر دابتك على أن يكون جميع الأجر لي ; كان باطلا ، فكذلك إذا قال : على أن يكون نصف الأجر لي ; وهذا لأن بدل المنفعة يعتبر ببدل العين . وكذلك إذا قال : بع دابتك ، على أن يكون نصف ثمنها لي ; كان باطلا ، فكذلك في الإجارة . وإذا ثبت أن التوكيل بهذه الصفة لا يصح ، فكذلك الشركة ، والمعنى في الكل واحد ، وهو أن التوكيل إنما يعتبر فيما لا يملك الوكيل مباشرته قبل التوكيل ، والمالك يبيع دابته ويؤاجرها قبل التوكيل ، وكذلك كل أحد يملك عند المباح قبل التوكيل ; فلهذا بطل التوكيل في جميع ذلك ; ولأن هذا في معنى الشركة بالعروض ; لأن منفعة العين نظر الغبن ; لأنه يتعين في العقد ، وقد بينا أن الشركة في العروض لا تصح ، فإن أجرهما جميعا بأجر معلوم في عمل معلوم ; قسم الأجر بينهما على مثل أجر البغل ، وأجر البعير ; لأن الأجر بدل المنفعة للدابتين ، وأجر المثل في المنفعة كالقيمة في العين ، فكما لو باعا الدابتين قسم الثمن بينهما على قيمة كل واحد منهما ، فكذلك إذا أجرهما ، ولو تقبلا حمولة معلومة بأجر معلوم ، ولم يؤجر البغل ، والبعير فالأجر بينهما نصفان ; لأن استحقاق الأجر بتقبل العمل ، وقد استويا في ذلك ، وإن أجر البعير بعينه كان الأجر لصاحبه ; لأنه بدل منفعة دابته ، فإن كان الآخر أعانه على الحمولة والنقلان ; [ ص: 219 ] كان له أجر مثله لا يجاوز به نصف الأجر الذي أجر في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى - وقال محمد رحمه الله تعالى : عليه أجر مثله بالغا ما بلغ ، وهذه والمسألة الأولى سواء .
قال : ( وليست الشركة في إجارة الدواب بأعيانها مثل الشركة في عمل أيديهما بأدائهما ) ، حتى إذا اشترك قصاران ، لأحدهما أداة القصارين ، وللآخر بيت على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا ، على أن الكسب بينهما نصفان ; كان جائزا ; لأن استحقاق الأجر هناك باعتبار تقبل العمل ، والعمل بالتقبل يصير مضمونا على كل واحد منهما ، والتوكيل في ذلك صحيح ، فكذلك الشركة . وهنا استحقاق الأجر بمقابلة منفعة الدابة ، فإذا كان كل واحد منهما مختصا بملك منفعة دابته ; لم يجز للشركة بينهما فيهما .
قال : ( ولو اشترك رجلان ، لأحدهما دابة ، وللآخر إكاف وجواليق ، على أن يؤاجر الدابة على أن الأجر بينهما نصفان ; فهذه شركة فاسدة ) ; لأنها في معنى الشركة بالعروض بطريق اعتبار المنفعة بالعين ، ولأن التوكيل في مثله لا يصح ، فإن أجر الدابة ; كان الأجر لصاحبها ، ولا يقبل معه أجر مثله ; لأن الأجر بمقابلة منفعة الدابة ، فإن الحمل على الدابة هو المقصود ، فأما الإكاف ، والجواليق يتأتى الحمل بدونهما ، فلا يقابلهما شيء من البدل ; فكان الأجر كله لصاحب الدابة ، وقد أعانه الآخر بنفسه وأدائه بحكم عقد فاسد ; فله أجر مثله بالغا ما بلغ عند محمد رحمه الله تعالى ، ولا يجاوز به نصف أجر الدابة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى .
قال : ( رجل دفع دابته إلى رجل يؤجرها على أن ما أجرها به من شيء فهو بينهما نصفان ; فهذه الشركة فاسدة ) ; اعتبارا للعقد الوارد على المنفعة به بالعقد الوارد على الدين . ولو دفع الدابة إليه ليبيعها على أن الثمن بينهما نصفان ; كان فاسدا ، فكذلك الإجارة ، والأجر كله لرب الدابة ; ولأن المدفوع إليه وكيله في إجارتها ، وإجارة الوكيل كإجارة الموكل ، وللذي أجرها أجر مثله ; لأنه ابتغى عن منافعها عوضا ، ولم ينل ذلك لفساد العقد ; فكان له أجر مثله . وكذلك السفينة والبيت بمنزلة الدابة في ذلك .
قال : ( ولو دفع إليه دابة يبيع عليها البر والطعام على أن الربح بينهما نصفان ; فهذه شركة فاسدة بمنزلة الشركة بالعروض ) ; فإن رأس مال أحدهما عرض ، ورأس مال الآخر منفعة دابته ، فإذا فسدت شركته فالربح لصاحب البر والطعام ; لأنه بدل ملكه فإن الثمن بدل المعقود عليه لا بدل ما حمل عليه من المعقود عليه ، ولصاحب الدابة أجر مثلها ; لأنه شرط لنفسه عوضا عن منفعة دابته ، ولم ينل ذلك العوض ; فاستوجب أجر المثل على من استوفى منفعتها بحكم عقد فاسد . وكذلك البيت والسفينة [ ص: 220 ] في هذه كالدابة اعتبارا لمنفعة العين بالعين ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
( كتاب الصيد )

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء : اعلم بأن الاصطياد مباح في الكتاب ، والسنة أما الكتاب فقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } وأدنى درجات صفة الأمر الإباحة ، وقال الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر } الآية ، والسنة قوله صلى الله عليه وسلم : { الصيد لمن أخذه } فعلى هذا بيان أن الاصطياد مباح مشروع ; لأن الملك حكم مشروع فسببه يكون مشروعا ، وهو نوع اكتساب وانتفاع بما هو مخلوق لذلك فكان مباحا ، ويستوي إن كان الصيد مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم لما في اصطياده من تحصيل المنفعة بجلده أو دفع أذاه عن الناس .

والحيوانات نوعان : نوع منها ما لا دم له ، فلا يحل تناول شيء منها إلا السمك ، والجراد ; لأن شرط تناول الحيوانات الذكاة شرعا ، وذلك لا يتحقق له فيما لا دم له ، إلا أن السمك والجراد مستثنى بالنص مما شرط فيه الذكاة لقوله صلى الله عليه وسلم : { أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال } وماله دم نوعان مستأنس ، ومستوحش ، فالذي يحل تناوله من المستأنس بالاتفاق الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم والدجاج ، وذلك ثابت بالكتاب قال الله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون } وقال تعالى : { جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } وفيما سواها من المتأنس نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى .

والمستوحش نوعان : منها صيد البحر لا يحل تناول شيء منها سوى السمك ، ومنها صيد البر ، ويحل تناولها إلا ما له ناب أو مخلب { لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير } ولمعنى الخبث فيهما ، فإن من طبعهما الاختطاف والانتهاب ، فلا بد من ظهور أثر ذلك في خلق المتناول للغذاء من الأثر في ذلك ، كما قال صلى الله عليه وسلم : { لا ترضع لكم الحمقاء ، فإن اللبن يعدي } والمستخبث حرام بالنص لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } ولهذا حرم تناول الحشرات ، فإنها مستخبثة طبعا ، وإنما أبيح لنا أكل الطيبات قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } فقد أكرم المؤمنين بهذا الخطاب حيث خاطبهم بما خاطب به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم حيث [ ص: 221 ] قال : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } الآية .

ثم شرط حل التناول منها فيما يحل منها بالذكاة قال الله تعالى : { إلا ما ذكيتم } وزعم بعض العراقيين من مشايخنا رحمهم الله أن الذبح والتذكية محظور بالعقل لما فيها من إيلام الحيوان ، وهذا عندي باطل فقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول من اللحم قبل مبعثه } ولا يظن أنه كان يتناول ذبائح المشركين ; لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه ، وما كان يفعل ما هو محظور عقلا كالظلم والكذب والسفه ، فإنه لا يجوز أن يظن به أنه فعل ذلك قط ، ثم في الذبح والاصطياد تحصيل منفعة الغذاء لمن هو المقصود من الحيوانات وهو الآدمي . فيكون ذلك سببا مباحا إليه ، وأشار الله تعالى في قوله : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } والإيلام لهذا المقصود ، فلا يكون محظورا عقلا كالفصد والحجامة مندوب ، وشرب الأدوية الكريهة في وقتها .

والذكاة لغة التوقد ، والتلهب الذي يحدث في الحيوان بحدة لأدلة سميت الشمس ذكاء لشدة الحرارة ، وسمي الرجل الذي في خاطره حدة ذكيا ، فبهذا يتبين أن اشتراط الذكاة لتطييب اللحم به ، فإنه نوع نضج ; ولهذا كان المذكى أطيب لحما من الميتة وأبعد من النسيس والفساد ، وقيل : الذكاة عبارة عن تسييل الدم الفاسد النجس ، فإن المحرم في الحيوان الدم المسفوح قال الله تعالى في جملة المحرمات : { أو دما مسفوحا } فكانت الذكاة إزالة للخبث ، وتطييبا بتمييز الطاهر من النجس ، وهو نوعان : الذبح في المذبح عند القدرة عليه قال صلى الله عليه وسلم : { الذكاة ما بين اللبة واللحيين } ، وبالجرح في أي موضع أصابه عند تعذر الذبح في المذبح ثم يحصل بعض ذلك بالجرح والتكليف بحسب الوسع ، ففي كل موضع يكون الذبح في المذبح مقدورا له لا يثبت الحل إلا به ، وفي كل موضع تعذر يقوم الجرح مقامه .
ثم حل التناول بالاصطياد مختص بشرائط :

( أحدها ) أن يكون ما يصطاد به معلما . ( والثاني ) أن يكون جارحا قال الله تعالى : { ومما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } وفي معنى الجوارح قولان : ( أحدهما ) أن يكون جارحا حقيقة بنابه ومخلبه ، ( والثاني ) الكواسب قال الله تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي كسبتم ، ويمكن حمله عليها فنقول : الشرط أن يكون من الكواسب التي تخرج . ( والثالث ) الإرسال ثبت ذلك في السنة ، وهو { قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ، وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل } . فلما حرم التناول عند عدم الإرسال في أحد الكلبين دل أن الإرسال في ذلك [ ص: 222 ] شرط ، ولأن التذكية إنما تكون موجبا للحل إذا حصل من الآدمي ، فلا بد من جعل آلة الصيد نائبا عن الآدمي ليحصل الحل بفعله ، وذلك لا يكون إلا بالإرسال ، واشتراط كونه معلما لتحقق الإرسال فيه . ( والرابع ) التسمية . ( والخامس ) إمساكه على صاحبه لقوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } ومطلق الأمر مفيد للوجوب ، ولا يجب التسمية عند الأكل ، فعرفنا أن المراد به عند الإرسال .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]