
15-12-2025, 07:02 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,019
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 202 الى صـــ 211
(242)
قال : ( وإذا أجر أحد المتفاوضين نفسه لحفظ شيء أو خياطة ثوب ، أو عمل معلوم بأجر ، واكتسب بهذا الطريق ; فهو بينهما لأنه إنما يستوجب الأجر لتقبل ذلك العمل ، وهو صحيح منه في حق صاحبه ) فما يكتسب به يكون بينهما ، ويجعل فعل أحدهما فيه كفعلهما - بخلاف ما إذا أجر نفسه للخدمة - ; لأن البدل هناك يستوجبه بتسليم النفس ، ونفسه ليست من شركتهما ، فهو بمنزلة ما لو أجر عبدا له ميراثا ، وأما شريك العنان إذا اكتسب بتقبل العمل وليس ذلك من شركتهما ; فإنه يكون له خاصة ، ولأنه وكيل صاحبه في التصرف في مال الشركة ، وتقبل هذا العمل ليس بتصرف منه في مال الشركة ، وكان شريكه في ذلك كأجنبي آخر .
قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يرهن عبدا من مال المفاوضة بدين من مال المفاوضة ، وبدين عليه خاصة من مهر أو غيره بغير إذن شريكه ) لأن المقصود من الرهن قضاء الدين ، فإن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن . وله أن يوفي من مال الشركة هذا الدين ، وكذلك يرهن به إلا أنه إذا هلك الرهن حتى صار المرتهن مستوفيا للدين ، فإن كان الدين من شركتهما فلا ضمان عليه ، وإن كان الدين عليه خاصة يرجع شريكه عليه بنصف ذلك ; لأنه قضى دينا عليه من مال مشترك . وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين فلا ضمان عليه في الزيادة ; لأن الزيادة على قدر الدين أمانة في يد المرتهن . فإن لأحد المتفاوضين أن يودع ، ولأن الأب لو رهن بدين الولد عينا قيمته أكثر من الدين لم يكن ضامنا للزيادة ، وكذلك المفاوض ، وإن رهن عبدا له خاصة بدين من المفاوضة وقيمته مثل الدين فهلك ; فهو بما فيه ، ويرجع بنصفه على شريكه ; لأنه صار قاضيا دين المفاوضة بخالص ملكه ، وهو في نصيب صاحبه وكيل عنه فيرجع عليه بما أدى من دينه من خالص ملكه . قال : ( وإن كان الدين من تجارتهما على رجل فارتهن أحدهما به رهنا ; جاز ) سواء كان هو الذي ولي المبايعة أو [ ص: 203 ] صاحبه ; لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه في استيفاء الدين الواجب بالتجارة ، وكذلك في الارتهان به . وأما في شركة العنان فلا يجوز لأحدهما أن يرهن شيئا من الشركة بدين عليه خاصة ، إلا برضا صاحبه ، كما ليس له أن يوفي ذلك الدين من مال الشركة ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه في التجارة في ذلك المال له لا في صرفه إلى حاجة نفسه .
قال : ( ولا يجوز أن يرتهن رهنا بدين لهما من الشركة على رجل ، إلا أن يكون هو الذي ولي المبايعة ، أو يأمر من وليه منهما ) اعتبارا للارتهان بالاستيفاء وليس له حق المطالبة بالاستيفاء لما وليه صاحبه إلا بإذنه ، فكذلك الارتهان ; وهذا لأن الاستيفاء من حقوق العقد ، فيكون إلى العاقد وكيلا كان أو مالكا . قال : ( ولا يجوز لأحدهما أن يرتهن رهنا بدين ولياه جميعا ) لأن فيما وجب بعقد صاحبه هو لا يملك الاستيفاء ، فلا يصح ارتهانه به . ولو جاز في نصيبه كان مشاعا ، والشيوع يمنع صحة الرهن . فإن فعل وهلك الرهن ، وقيمته مثل الدين ; ذهب نصف الدين وضمن نصف الرهن في ماله خاصة ; لأن الفاسد من الرهن معتبر بالجائز في حكم الضمان ، فكما أن المقبوض بحكم الرهن الجائز يكون مضمونا بقدر الدين ، فكذلك المقبوض بحكم الرهن الفاسد . ( وطعن ) عيسى رحمه الله في هذه المسألة وقال : الصحيح أن يذهب نصف الدين ولا يضمن شيئا آخر ; لأنه في نصيب صاحبه أجنبي ، وضمان الرهن ينبني على يد الاستيفاء . فإذا لم تثبت له يد الاستيفاء في نصيب صاحبه ; لا يثبت الضمان في ذلك النصف ، كمن ارتهن بدين لرجل على آخر أن يكون هو عدلا فيه ، إن أجازه صاحب الدين ضمنه ، وإن لم يجزه فلا شيء عليه ، فهلك الرهن في يده قبل أن يجيزه صاحب الدين ; لم يضمن القابض شيئا . وما ذكره في الكتاب أصح ; لأنه قبض الرهن هنا على جهة استيفاء الدين ، فلا يكون صاحبه راضيا بالتسليم إليه بدون هذه الجهة ، وفي مسألة العدل بشرط أنه لم يخبر صاحبه ; فلا شيء عليه ، وباعتبار هذا الشرط يتحقق رضا صاحب الرهن بقبضه لا على وجه الاستيفاء . فلهذا لا يضمن شيئا ثم يكون للآخر أن يطالب المديون بنصيبه من الدين ; لأنه لم يصر نصيبه من الدين مستوفى بهلاك الرهن .
قال : ( وإقرار أحد المتفاوضين بالرهن والارتهان جائز . كما يصح إقراره بالإيفاء والاستيفاء ) لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه في ذلك ، ومن ملك مباشرة الشيء بالإقرار به لانتفاء التهمة فإن أقر بذلك بعد التصرف أو موت أحدهما لم يجز إقراره على صاحبه ; لأن الشركة قد انقطعت بينهما ، وقيامه مقام صاحبه في الإقرار كان بحكم [ ص: 204 ] الشركة ، فلا يبقى بعد انقطاع الشركة بينهما .
قال : ( ويجوز إقرار شريك العنان بالارتهان فيما تولاه عليه وعلى شريكه ) ; لأن حق القبض إليه فيما تولى سببه . فكما يجوز إقراره بالاستيفاء في نصيبه ونصيب صاحبه ، فكذلك إقراره بالارتهان ، وفيما وليه صاحبه ، ولا يجوز إقراره بالاستيفاء في نصيب صاحبه ، ويجوز في نصيبه - استحسانا - لأن الموكل إذا أقبض الثمن بتسليم المشترى إليه صح قبضه - استحسانا - وكذلك إقراره بالاستيفاء حقيقة ، أو بالارتهان يكون صحيحا في نصيبه دون نصيب صاحبه .
قال ( وما غصبه المفاوض أو استهلكه أو عقد دابة ، أو أحرق ثوبا ; فلصاحبه أن يضمن أيهما شاء ) وقد بينا هذا إلا أن حاصل الضمان يكون على الفاعل خاصة ، حتى لو أدى الآخر من مال الشركة رجع عليه بنصفه ، إلا أن هذا الفعل لم يكن هو فيه قائما مقام شريكه ، ولا مأذونا له من جهته فيه ; فإن الغصب ليس بتجارة ، وبثبوت الملك في المغصوب يتحقق شرط تقرر الضمان . فأما الواجب ضمان الفعل ، فيكون على الفاعل خاصة ، وإذا أدى غيره بحكم الكفالة رجع عليه ، بخلاف الشراء الفاسد ; فإن الضمان الواجب به ضمان العقد ، والفاسد من العقد معتبر بالجائز ، فكما أن ما يجب بالصحيح من التجارة يكون عليهما ، وإذا أداه أحدهما من مال الشركة لم يرجع به على صاحبه ، فكذلك ما يجب بالشراء الفاسد . قال : ( ولو كان عند أحدهما وديعة فعمل بها ، أو كانت مضاربة فخالف فيها ; كان الربح لهما ) لأن حصول الربح بطريق التجارة ، وفعل أحدهما فيه كفعلهما ، ولصاحبه أن يضمن أيهما شاء لمعنى الكفالة بينهما كما في ضمان الغصب والاستهلاك .
قال : ( وإذا غصب شريك العنان شيئا أو استهلكه ; لم يؤخذ به صاحبه ) لأن على صاحبه ليس بكفيل عنه . وإن اشترى شيئا شراء فاسدا فهلك عنده ; ضمنه ورجع على صاحبه بنصفه لأنه وكيل صاحبه بالشراء ، وما يجب على الوكيل بالشراء الفاسد والصحيح يستوجب الرجوع به على صاحبه ; لأنه عامل له بأمره ، فإن مطلق التوكيل يتناول الجائز والفاسد من التصرف .
قال : ( ولو كفل أحد المتفاوضين عن رجل بمهر أو بأرش جناية ; فهو بمنزلة كفالته بدين آخر لا يؤخذ به شريكه ) في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله . وفي قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يؤاخذ به ; لأن الواجب على المفاوض بسبب الكفالة لا بسبب النكاح . والجناية والأرش والمهر في حقهما كسائر الديون بخلاف المهر والأرش الواجب على أحد المتفاوضين ; فإن وجوب ذلك بسبب النكاح والجناية ، والشريك غير متحمل فيه ما يجب لهذا السبب ، ولهذا لا يؤاخذ واحد من المتفاوضين [ ص: 205 ] بنفقة امرأة شريكه ولا متعتها ، ولا بنفقة يفرضها الحاكم عليه لذوي أرحامه ; لأن وجوب ذلك بسبب لا يحتمل الشركة ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما يجب باعتبار سبب يحتمل الشركة .
قال : ( وإن أقر أحد المتفاوضين بدين عليه لامرأته غير المهر - من شراء أو قرض - لم يلزم شريكه منه شيء ) في قول أبي حنيفة رحمه الله ويلزم المفاوض المقر خاصة ، وكذلك إقراره لكل من لا تجوز شهادته له - من آبائه وأولاده وعبيده ومكاتبيه - في قول أبي حنيفة رحمه الله قال أبو يوسف ومحمد - رحمة الله عليهما - : إقراره لهؤلاء جائز عليهما ما خلا عبده ومكاتبه . وأصل المسألة في الوكيل بالبيع أن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يبيع بمطلق الوكالة من واحد من هؤلاء ، وعندهما يجوز بيعه من هؤلاء إلا من عبده ومكاتبه ، فمن أصلهما أن الأملاك بينهما متباينة ، فيكون لكل واحد منهما ولاية إيجاب الحق لصاحبه في ملك الغير عند تسليط من له الحق كما في حق الأجانب ، ولا يكون منهما في ذلك باعتبار ما بينهما من القرابة - بخلاف العبد ، فكتبه ملك هؤلاء - وللمولى حق الكسب في ملك المكاتب ; فلا يكون متهما في حق نفسه ، فكذلك في حق مكاتبه وعبده . وبخلاف الشهادة فإن التسليط ممن له الحق غير موجود هناك . إذا ثبت هذا في التوكيل فكذلك في الإقرار ، أو كل واحد من المتفاوضين يوجب الحق للمقر له في مال صاحبه بتسليطه ، فامرأته وأبوه في ذلك كأجنبي آخر وأبو حنيفة رحمه الله يقول : هو متهم في حق هؤلاء بدليل أن شهادته لهم لا تصح موجبة للحكم . والإنسان إنما يملك الحق للغير في مال الغير عند تسليطه بصفة الأمانة ; فلا يملك في حق هؤلاء لتمكن تهمة الميل إليهم - كما في حق العبد والمكاتب - ولكن هذه التهمة في نفوذ إقرار المفاوض على شريكه ، لا في نفوذ إقراره على نفسه ; فلهذا لزم المال المقر خاصة .
قال : ( وكذلك لو أقر لامرأته وهي بائنة معتدة منه ) وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله يجوز إقراره لها في حق شريكه ، وأصله في الشهادة . فإنه إذا شهد للمباينة وهي تعتد منه ; قبلت الشهادة في رواية الحسن رحمه الله لانقطاع السبب الممكن للتهمة - وهو النكاح - كما بعد انقضاء العدة . وفي ظاهر الرواية لا تقبل شهادته لها ; لأن العدة حق من حقوق النكاح ، فبقاؤها كبقاء أصل النكاح . ألا ترى أن في نكاح أختها وأربع سواها جعلت هذه العدة كالنكاح ، ( وكذلك ) في استحقاق النفقة والسكنى ووقوع طلاقه عليها ، فكذلك في المنع من قبول شهادته لها ، وفي امتناع صحة إقراره لها في حق الشريك . قال : ( ولو كان النكاح فاسدا وقد [ ص: 206 ] دخل بها : فإن أقر لها بمهرها يلزم شريكه ; لأن وجوب المهر بسبب لا يحتمل الشركة - فاسدا كان النكاح أو صحيحا - ) . وإن أقر لها بدين غير المهر ; لزمها جميعا لأن هذه العدة ليست من حقوق النكاح ، ولكنها تجب لاشتغال الرحم بالماء . ألا ترى أنها لا تستحق النفقة والسكنى باعتبارها ، وأنه لا يقع عليها طلاقه ، ( وكذلك ) لو أعتق أم ولده ثم أقر لها بدين ; لزمهما جميعا - وإن كانت في عدته - لأن هذه العدة ليست من حقوق النكاح . ألا ترى أنها لا تستحق النفقة والسكنى باعتباره ، وكذلك لا تمنع من الخروج والسوق في هذه العدة - بخلاف عدة النكاح - وأنه لا يقع عليها طلاقه ، وللمولى أن يتزوج أربعا سواها في هذه العدة بخلاف عدة النكاح ; فلهذا كانت كالأجنبية في حكم الشهادة والإقرار لها حتى يثبت المقر به في حقهما ، ويجوز إقراره عليهما جميعا لأم امرأته وولدها من غير اعتبار الإقرار بالشهادة .
قال : ( ولا يجوز إقرار المرأة المفاوضة بالدين لزوجها على شريكها ، كما لا يجوز شهادتها له ) ويجوز إقرارها بالدين لأبوي زوجها وولده من غيرها عليها وعلى شريكها ، كما يجوز شهادتها .
قال : ( وإذا أعتق أحد المتفاوضين عبدا من شركتهما ; فالقول فيه كالقول في غير المفاوض ) لأن العتق ليس مما تقتضيه المفاوضة ، وقد بينا حكم إعتاق أحد الشريكين العبد المشترك في كتاب العتاق .
قال : ( وإذا افترق المتفاوضان ثم قال أحدهما : كنت كاتبت هذا العبد في الشركة ; لم يصدق على ذلك ) لأنه أقر على صاحبه بما لا يملك إنشاءه في الحال ، وصحة إقرار المقر في حق الغير باعتبار ملكه للإنشاء ، ولكن إقراره في نصيب نفسه صحيح ، فيكون ذلك كإنشاء مكاتبته ، وليس لشريكه أن يرده لدفع الضرر عن نفسه بعد ما يحلف على علمه ; لأنه لو أقر بما أقر به على شريكه صار العبد كله مكاتبا ، فإذا أنكر يستحلف عليه ، ولكن الاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم ، فيحلف بالله ما يعلم أنه كاتب في المفاوضة . وكذلك إن أقر أنه أعتقه في الشركة معناه أن إقراره يصح في نصيب نفسه خاصة ، ولا يشتغل باستحلاف الآخر هنا ; لأنه لو أنشأ العتق في حال بقاء الشركة لم ينفذ في نصيب شريكه ، فكذلك إذا أقر به بعد الافتراق بخلاف الكتابة .
قال : ( فإن تفرقا وأشهد كل واحد منهما على صاحبه بالبراءة من كل شركة ، ثم قال أحدهما : قد كنت أعتقت هذا العبد في الشركة وقد دخل نصف قيمته فيما ترتب إليك مرة ، فصدقه الآخر في عتقه وقال : كنت اخترت استسقاء العبد ; فالقول قول الذي لم يعتق ) لأن الخيار إليه في تعيين محل حقه ، فلا يملك المقر [ ص: 207 ] إبطال هذا الحق عليه ، ولأن مالية نصف العبد عرفناه حقا له ، والمقر يريد إسقاط حقه بما ذكر ، فلا يقبل قوله إلا بحجة ، وعلى المنكر اليمين ، فإذا حلف كان له أن يستسقي العبد في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا شيء له على الشريك ; لإقراره أنه باختيار الاستسقاء ، وذلك موجب براءة المعتق عن الضمان بالبراءة . قال : ( فإن قال : قد كنت اخترت ضمانك ; فقد برئ من الضمان بالبراءة ) لأنه حقه تقرر في ذمته بزعمه ، وبرئ العبد من ذلك ، وقد صار مبرئا شريكه بالإشهاد على البراءة من كل شركة . وإن قال : ما كنت اخترت شيئا فأنا على خياري ; كان القول قوله لأن الخيار كان ثابتا له ، والاختيار حادث من قبله ، فإذا أنكره كان القول قوله ، ولكن له أن يستسقي العبد ، وليس له أن يضمن الشريك لأجل البراءة ، فإنه لو تقرر ضمان نصيبه في ذمته باختياره تضمينه ; سقط ذلك بالإشهاد على البراءة فقيل : تقرر الضمان لأن يستفيد البراءة منه بالإشهاد على البراءة أولى . وإذا سقط حقه في تضمينه تعين في استسقاء العبد - كما لو أعتقه برضاه - وإن أقام المقر البينة أنه قد كان اختار ضمانه جعل والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ; فيبرأ هو من ذلك ، ولا شيء على العبد . وإن قال الشريك : لم يعتقه إلا بعد الفرقة ; كان القول قوله أيضا ; لأن الإعتاق حادث ، فيحال به على أقرب الأوقات ، ولا يصدق المقر في الإسناد إلا بحجة ، فإن أقام المعتق البينة أنه أعتقه في المفاوضة ، وضمن له نصف قيمته ، وأقام الآخر البينة أنه أعتقه بعد الفرقة ، واختار سقاية العبد ; فالبينة بينة المعتق ، وبرئ هو والعبد من نصف قيمته ، لأنه أثبت بينته بسبق التاريخ في الإعتاق ، وأبقى ما لزمه من الضمان به ، والشريك ببينته يبغي ذلك - والبينات للإثبات - فيترجح بزيادة الإثبات .
قال : ( ولو أقر أحدهما أنه كاتب عبدا على ألف درهم في الشركة وقبضها منه ومات العبد ; فقد دخل فيما برئت إليك منه ، وقال الآخر : بل كاتبته بعد الفرقة ) فالقول قول الذي لم يكاتب ; لأن المكاتب يدعي سبق التاريخ في عقده ، فلا يصدق إلا بحجة ، والقول قول المنكر مع يمينه على علمه ، فإذا حلف يأخذ نصف الألف من المقر ; لأنه أخذه من كسب العبد ، وقد كان مشتركا بينهما بعد الفرقة . وإن كان العبد مات وترك مالا كثيرا ، فقال المكاتب : كاتبته بعد الفرقة وأنا وارثه ، وقال الآخر : كاتبته في المفاوضة ونحن وارثاه جميعا ، ولم يرد المكاتب شيئا بعد ; فالقول قول الذي لم يكاتب ، لأن ملكه في نصف المكاتب كان ظاهرا ، وذلك يوجب الملك له في نصف الكسب ، فالشريك بما قال يدعي بملك ذلك عليه فعليه البينة ، وهو منكر ذلك ; فالقول قول [ ص: 208 ] الذي لم يكاتب مع يمينه ، فإذا حلف كان مكاتبا بينهما ، وقد مات فيأخذان المكاتبة من تركته ، والباقي ميراث . قال : لأن ولاءه لهما .
قال : ( ولو مات المتفاوضان واقتسم الورثة جميع التركة ، ثم وجدوا مالا كثيرا ، فقال أحد الفريقين : كان هذا في قسمنا ; لم يصدقوا على ذلك إلا ببينة ) لأنهم تصادقوا على أن هذا المال كان مشتركا في الأصل ، فدعوى أحد الفريقين للاختصاص به بعد ذلك لا يقبل في حق الآخر إلا بحجة ، وعلى الفريق الآخر اليمين . فإذا حلفوا كان بينهما نصفين ، وإن كان في أيديهم صدقوا إن كانوا قد أشهدوا بالبراءة ; لأن سبب اختصاصهم بما في أيديهم قد ظهر ، وهو الإشهاد بالبراءة العامة ، وإن كانوا لم يشهدوا بالبراءة فهو بينهم جميعا بعد ما يحلف الآخرون ما دخل هذا في قسم هؤلاء ; لأنا عرفناه مشتركا في الأصل ، فإنما يستحق ذو اليد باعتبار يده ما لم نعلم فيه حقا لغيره . فأما إذا كان معلوما ، فلا يستحق باعتبار يده ، بل بالإشهاد على البراءة ، وذلك غير موجود ; وهذا لأن دعوى البعض فيما في يد الغير كدعوى الدين في ذمته . وبعد الإشهاد على البراءة المطلقة لا تسمع منه دعوى ما في ذمته مطلقا ، فكذلك لا تسمع منه دعوى ما في يده بخلاف ما قبل الإشهاد على البراءة .
قال : ( ولو كان في يد أحد الفريقين مال فقالوا : هذا لأبينا قبل المفاوضة ; لم يصدقوا على ذلك ) لأنهم قائمون مقام مورثهم ، ولو ادعى المورث ذلك في حياته لم يسمع ذلك منه ، وكان ما في يده بينه وبين صاحبه نصفين - كما هو مقتضى المفاوضة - فكذلك دعوى الورثة بعده ، فإن كانوا قد شهدوا بالبراءة مما كان في الشركة ثم أقروا بهذا ، وللفريق الآخر نصفه ; لأن الإقرار حجة في حق المقر ، وقد زعموا أن هذا ما لم تتناوله البراءة ; لأنه لم يكن من الشركة ، وكان حكم هذا المال بعد الإشهاد على البراءة كما قبله ، وإن كانت البراءة مما كان في الشركة وغيره ; فلا حق لهم فيه لأنه دخل في البراءة بهذا اللفظ سواء كان من شركتهما أو من غير شركتهما .
قال : ( وكل ما اشترى أحد المتفاوضين من التجارة ، وغيرها فهو بينه وبين شريكه ) إلا أني أستحسن في كسوته وكسوة عياله وقوتهم من الطعام والإدام أن يكون له خاصة - دون شريكه - لأن مقتضى المفاوضة المساواة ، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف ، وكان شراء أحدهما كشرائهما جميعا ، والقياس في الطعام والكسوة والإدام كذلك ; فإن شراء ذلك من عقود التجارة ، ولكنه استحسنه فقال : هذا مستثنى من قضية المفاوضة ; لأن كل واحد منهما حين شارك صاحبه كان عالما بحاجته إلى ذلك في مدة المفاوضة ، ومعلوم أن كل واحد منهما لم يقصد بالمفاوضة أن تكون نفقته ونفقة عياله على شريكه ، وقد كان يعلم أنه لا يتمكن من تحصيل [ ص: 209 ] حاجته من ذلك إلا بالشراء ، فصار كل واحد منهما مستثنيا هذا المقدار من تصرفه كما هو من مقتضى المفاوضة ، والاستثناء المعلوم بدلالة الحال كالاستثناء بالشرط ، ولأن سبب المفاوضة إنما يوجب المساواة شرعا فيما يتمكن كل واحد منهما من الوقاية ، وذلك فيما سوى الطعام والكسوة والإدام . فإن اشترى أحدهما شيئا من ذلك ; كان له خاصة ، وللبائع أن يطالب بالثمن أيهما شاء ; لأن المشتري باشر سبب الالتزام ، والآخر كفل عنه ما لزمه بالشراء بسبب الشركة . فإذا أداه أحدهما من مال الشركة ; رجع المؤدي على المشتري بقدر حصته من ذلك ، لأن الثمن كان عليه خاصة ، وقد قضي من مال الشركة . وإن كانت الأشياء في يد أحدهما فجحد المفاوضة ; فقد وقعت الفرقة لجحوده ، لأن كل واحد منهما ينفرد بفسخ الشركة بمحضر من صاحبه ، فجحوده يكون فسخا ; لأنه ينفي بالجحود عقد الشركة بينهما فيما مضى . ومن ضرورة ذلك بعينه في الحال ، وهو ضامن لنصف جميع ما في يده إذا قامت البينة على المفاوضة ; لأنه كان أمينا في نصيب صاحبه . فبالجحود يصير ضامنا - كالمودع إذا جحد الوديعة - . وكذلك لو جحد وارثه بعد موته ; لأن نصيب الآخر في يد وارث الميت أمانة ، فبالجحود يصير ضامنا . فإن ماتا وأوصى كل واحد منهما إلى رجل فوصي كل واحد منهما يطالب بما ولى موصيه مبايعته ; لأنه قائم مقام الموصي ، وقد انقطعت الشركة بموتهما ، ولا يطالب بالدين إلا من هو قائم مقام الذي ولي المبايعة . فإذا قبضه فلا ضمان عليه في ذلك ، ولا على الورثة بعد أن يكونوا مقرين بالمفاوضة ، كما لو كان الموصي قبض بنفسه ، وهو مقر بالمفاوضة ، كان أمينا في نصيب صاحبه .
قال : ( وإذا اشترى أحد المتفاوضين جارية لخاصة نفسه ليطأها : فإن كان اشتراها بغير أمر شريكه ; فهي بينهما ) وليس له أن يطأها ; لأن هذا الشراء ما صار مستثنى من مقتضى الشركة ، وأنه ما كان يعلم وقوع الحاجة إليه إلا عند الشركة ; فيقع على مقتضى الشركة ، وليس لأحد الشريكين وطء الجارية المشتركة - وإن اشتراها بإذن شريكه - وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء ، ويحتسبان به فيما بينهما من حصة الذي اشتراها بمنزلة ما يشتريه من الطعام والكسوة ، لنفسه وعياله .
( وذكر ) في الجامع الصغير أن الجارية للمشتري بغير شيء في قول أبي حنيفة رحمه الله وله أن يطأها ، وأيهما نقد الثمن لم يرجع على صاحبه بشيء منه ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أديا الثمن من مال الشركة ; فللشريك أن يرجع على المشتري بحصته من الثمن . فتبين بما ذكر هناك أن الجواب المذكور في كتاب الشركة [ ص: 210 ] قولهما . وجه قولهما أنه اختص بملكها بالشراء فيلزمه ثمنها ; لأن الثمن بمقابلة الملك ، فإذا أداه من مال الشركة رجع شريكه عليه بحصته من ذلك - كما في الطعام والكسوة - ; وهذا لأن اعتبار إذن الشريك ليصير به هذا العقد مستثنى من مقتضى الشركة ، فإذا وجد التحق بالمستثنى بدون إذنه - وهو الطعام والكسوة - وأبو حنيفة رحمه الله يقول : صار مشتريا الجارية على الشركة ، وقد نقد الثمن من مال الشركة ; فلا يرجع عليه شريكه بشيء منه .
كما لو اشتراها بغير أمر شريكه ; وهذا لأنهما لا يملكان تغيير مقتضى الشركة مع بقائها . ألا ترى أنهما لو شرطا التفاوت بينهما في ملك المشتري لم يعتبر ذلك مع عقد الشركة ، ولكن تأثير إذن شريكه في تمليك نصيبه من المشترى بعد الشركة ، فيكون واهبا لنصيبه من شريكه . ولو أنهما اشتريا جارية ثم وهب أحدهما نصيبه من صاحبه ; كانت الجارية له خاصة يطؤها ، والثمن عليهما ، فهذا مثله . يقرره : أن إذن الشريك عليهما معتبر فيما لا يثبت بدون إذنه ، وشراء أحدهما صحيح بدون إذن شريكه ، وكذلك الملك في المشترى يكون لهما ، والثمن عليهما بدون إذن الشريك ; فعرفنا أن اعتبار إذنه في القرار المشترى بملك الجارية ، ولذلك طريقان : إما بنفس الشراء ، وذلك غير ممكن مع قيام الشركة بينهما ، وإما بهبة أحدهما نصيبه من صاحبه ، وذلك ممكن ، فيجب تحصيل مقصودهما بالطريق الممكن ، ويجعل هذا الطريق المتعين لتحصيل مقصودهما كتصريحهما به - بخلاف الطعام والكسوة - لأن ذلك مستثنى من مقتضى الشركة ، فكان الملك في المشترى للمشتري خاصة بعقد الشراء ; فلهذا كان الثمن عليه خاصة . قال : ( فإن كان اشتراها بأمر صاحبه فوطئها ، ثم استحقت للمستحق أن يأخذ بالعقد أيهما شاء ) لأنه دين وجب على أحدهما بسبب التجارة - وهو الشراء - فإنه لولا الشراء لكان الواجب عليه الحد ، بخلاف ما إذا تزوج امرأة فوطئها ثم استحقت ; لأن وجوب العقر عليه هناك باعتبار النكاح ، والنكاح ليس من التجارة في شيء . والدليل على الفرق أن العبد المأذون يؤاخذ بالعقر بسبب الشراء في الحال ، ولا يؤاخذ بالعقر بسبب النكاح حتى يعتق .
قال : ( وإذا باع أحدهما جارية من تجارتهما بنسيئة ; لم يكن لواحد منهما أن يشتريها بأقل من ذلك قبل استيفاء الثمن ) ; لأن فعل أحدهما في البيع كفعلهما ، ولأن أحدهما بائع والآخر تبع له ، ومن باع أو بيع له ; لم يجز شراؤه بأقل من الثمن الأول قبل العقد . وإن وهب البائع الثمن للمشتري أو أبرأه منه ; جاز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ويضمن نصيب صاحبه ; لأنه في نصيب صاحبه وكيل بالبيع ، والوكيل بالبيع [ ص: 211 ] إذا أبرأ المشترى عن الثمن أو وهبه له قبل القبض جاز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وكان ضامنا مثله للموكل ، ولم يجز إبراؤه في قول أبي يوسف رحمه الله فكذلك هذا في نصيب الشريك . وهذا لأن الهبة والإبراء ليس مما تقتضيه المفاوضة ، وإن كان الشريك هو الذي وهب الثمن من المشتري ; جاز في نصفه لأنه مالك لنصيبه ، فيجوز إسقاط الثمن باعتبار ملكه كالموكل إذا أبرأ المشتري . فأما في نصيب البائع : الشريك ليس بمالك ولا عاقد ; فلا تصح هبته ، وإن أقاله البيع جاز عليه وعلى الذي ولي البيع ; لأن الإقالة من صنيع التجار ، فكان من مقتضيات المفاوضة ، فإن الإقالة كالبيع الجديد ، ولهذا تصح من الأب والوصي ، وكذلك تصح من المفاوض والشريك شركة عنان .
قال : ( ولو أسلم أحد المتفاوضين دراهم في طعام ; جاز ذلك عليهما ) لأنه شراء بنسيئة ، وهو من صنيع التجار ، ففعل أحد المتفاوضين كفعلهما . وكذلك لو تعين أحدهما عينة عينة ، وصورة العينة أن يشتري عينا بالنسيئة بأكثر من قيمته ليبيعه بقيمته بالنقد ، فيحصل له المال ، وهذا من صنيع التجار بفعل أحد المتفاوضين فيه كفعلهما ، وهذا بخلاف أحد شريكي العنان . وقد بينا أن هناك إنما يملك كل واحد منهما الشراء بالنسيئة إذا كان في يده من مال الشركة جنس ذلك الثمن ، فأما إذا لم يكن فشراؤه بالنسيئة استدانة على المال ، وولاية الاستدانة لا تستفاد بشركة العنان ، وتستفاد بالمفاوضة .
قال : ( ولو قبل أحد المتفاوضين رأس مال أسلم إليه صاحبه في طعام ; كان جائزا على شريكه ) ; لأن قبول السلم من صنيع التجار . ( فإن قيل ) : كيف يصح هذا ، والتوكيل بقبول السلم لا يصح ، وكل واحد منهما وكيل في حق صاحبه ، فإنما ينفذ من تصرفه على صاحبه ما ينفذ من الوكيل على الموكل ; ( قلنا ) : هذا في شركة العنان هكذا ، فأما المفاوضة فكل واحد منهما بمنزلة صاحبه فيما هو من تجارة - وقبول السلم من التجارة - يوضحه : أن قبول السلم تبع ما في ذمته ، والتزام ضمان ما في الذمة بمال يأخذه ، فهو بمنزلة ما لو أجر نفسه بعمل - من خياطة أو نحوها - . وقد بينا أن ذلك ينفذ منه في حق شريكه المفاوض حتى يطالب به . فكذلك قبول السلم .
قال : ( وإذا باع أحد المتفاوضين عبدا بنسيئة ثم مات ; لم يكن لصاحبه أن يخاصم فيه ) ; لأن الشركة انقطعت بينهما بالموت ، فإنما تبقى ولاية المطالبة والخصومة بالعقد ، وذلك إلى العاقد أو إلى من قام مقامه بعد موته من وصي أو وارث ، ولكن إن أعطاه المشتري نصف الثمن ; برئ منه لأن نصف الثمن ملكه إذا قبضه وصي الميت يلزمه دفعه إليه ، فإذا دفعه المشتري إليه بنفسه ; برئ [ ص: 212 ] استحسانا - كالمشتري من الوكيل إذا دفع الثمن إلى الموكل يبرأ استحسانا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|