عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 15-12-2025, 06:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,007
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 192 الى صـــ 201
(241)


( ولو قال : دفعت المال إلى الذي أودعني بعد موت الذي يودعني ، وحلف على ذلك ; فهو بريء من الضمان ) ; لأنه يدعي أداء الأمانة في الكل ، فإن للمودع حق الرد على من قبض منه - مالكا كان أو غير مالك - فرده عليه بعد انتقاض المفاوضة بينهما كرده في حال قيام المفاوضة . ولا يصدق على إلزام الحي شيئا بعد أن يحلف ( ما قبضه ) . فإن كان المودع ميتا ، فقال المستودع : قد دفعت المال إليكما جميعا ، إلى الحي نصفه وإلى ورثة الميت نصفه ، وجحدوا ذلك ; فالقول قول المستودع مع يمينه . وهو بريء ; لأنه يخبر عن أداء الأمانة بإيصال نصيب كل واحد منهما إليه . فإن أقر أحد الفريقين بقبض النصف شركه الفريق الآخر فيه ; لأن بإقراره يثبت وصول النصف إليه ، وبدعوى المودع لم يثبت وصول النصف الآخر إلى صاحبه فيما يثبت القبض فيه يكون مشتركا ، وما وراء ذلك يكون ناويا . قال : ( وإن كانا حيين وقال المستودع : قد دفعت المال إليهما فأقر أحدهما بذلك وجحده الآخر : فالمستودع بريء ولا يمين عليه ) ; لأن تصديق أحدهما إياه في حال قيام المفاوضة كتصديقهما ، ولو صدقاه لم يكن يمين . وإن افترقا ، ثم قال المستودع : دفعته إلى الذي أودعني فهو بريء ; لأن حق الرد على المودع باعتبار أن الوصول إلى يده كان من جهته لا بقيام المفاوضة بينهما . وإن قال : دفعته إلى الآخر وكذبه ذلك ضمن نصف ذلك المال للذي أودعه ; لأن بعد الفرقة ليس له حق دفع نصيب المودع إلى شريكه ، وله حق دفع نصيب الشريك إليه ، فكان هو في نصيب الشريك مخبرا بأداء الأمانة ، وفي نصيب المودع مقرا بالضمان على نفسه يدفعه إلى غيره . ثم ما يقبضه المودع يكون بينهما نصفين ; لأن المودع غير مصدق في وصول نصيب الشريك إليه لما كذبه ، فجعل ذلك كالناوي ، فكان ما بقي بينهما نصفين . وإن صدقه الشريك بذلك فالمودع بالخيار : إن شاء ضمن شريكه نصيبه ; لأنه قبضه ، ولا حق له فيه ، وإن شاء ضمن المودع ; لأنه دفع نصيبه إلى شريك بعد انتقاض المفاوضة بينهما ، والدافع بغير حق ضامن كالقابض .

قال : ( وعارية المفاوض وأكل طعامه وقبول هديته في المطعوم ، وإجابة دعوته بغير أمر شريكه جائز لا بأس به ) ولا ضمان على الداعي ولا على الآكل - استحسانا - وفي القياس : ليس له ذلك ; لأنه يتصرف في نصيب شريكه بخلاف ما أمره به فإنه أمره بالتجارة ، والعارية والإهداء واتخاذ الدعوة ليس بتجارة ، [ ص: 193 ] ولكنه استحسن فقال : هذا من توابع التجارة ، وهو مما لا يجد التاجر منه بدا . ألا ترى أن العبد المأذون يدعو المجاهدين إلى طعامه ، ويهدي إليهم المطعوم ليجتمعوا عنده ، والمأذون غير مالك لشيء من المال إنما هو تاجر ، والمفاوض تاجر مالك لنصف المال ، فلأن يملك ذلك كان أولى . وذكر حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : { أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عبد قبل أن أكاتب فقبل ذلك مني } . وحديث الأخرس بن حكيم عن أبيه رضي الله عنه { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاب دعوة عبد } . وقال أبو سعيد مولى أبي أسيد رضي الله عنه قال : عرست وأنا عبد فدعوت رهطا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم - فيهم أبو ذر رضي الله عنه وعنهم فأجابوني .
قال : ( ولو كسا المفاوض رجلا ثوبا ، أو وهب له دابة ، أو وهب له الفضة والذهب والأمتعة ، والحبوب كلها لم يجز في حصة شريكه ) ; لأنه تبرع ، وإنما استحسن ذلك في الفاكهة واللحم والخبز وأشباه ذلك ، مما يؤكل ; لأنه إهداء ذلك إلى المجاهدين من صنيع التجار فأما في سائر الأموال الهبة ليس من صنيع التجار . والمرجع في معرفة الفرق بينهما إلى العرف .
قال : ( ولو أعار أحدهما دابة فركبها المستعير ، ثم اختلفا في الموضع الذي ركبها إليه ، وقد عطبت الدابة ; فإنها صدقة في الإعارة إلى ذلك الموضع ، وبريء المستعير من ضمانها ) لأن إقرار أحدهما فيما هو مملوك لهما بحكم المفاوضة كإقرارهما .
قال : ( ولو استعار أحدهما دابة ليركبها إلى مكان معلوم ، فركبها شريكه فعطبت ، فهما ضامنان ) ; لأن ركوب الدابة يتفاوت فيه الناس ، وصاحبها إنما رضي بركوب المستعير دون غيره ، فالآخر في ركوبها غاصب ضامن إذا هلكت . وقد بينا أن ما يجب من الضمان على أحدهما بحكم الغصب فالآخر مطالب به ; فإن كان ركبها في حاجتهما ، فالضمان في مالهما لأن منفعة ركوبه ترجع إليهما فيما يجب من الضمان بسببه يكون في مالهما ; لأن الغرم مقابل بالغنم . وإن ركب في حاجة نفسه فهما ضامنان ; لما قلنا ، إلا أنهما إن أذناه من مال الشريك رجع الشريك على الراكب بنصيبه من ذلك ; لأن منفعة الركوب حصلت للراكب ، فكان قرار الضمان عليه بمنزلة غصب اغتصبه ، أو طعام اشتراه فأكله ، وقد أدى الثمن من شركتهما فبقي الثمن دينا عليه .

قال : ( وإذا استعار أحدهما دابة ليحمل عليها طعاما له خاصة لرزقه إلى مقام معلوم فحمل عليها شريكه مثل ذلك إلى ذلك المكان من شركتهما ، أو لخاصتهما ; فلا ضمان عليه ) من قبل أن التقييد الذي ليس بمفيد لا يكون معتبرا . والضرر على [ ص: 194 ] الدابة لا يختلف بحمل ما عين من الطعام أو مثله ، وفعل كل واحد منهما في الحمل كفعل صاحبه . ثم المستعير لو حمل عليها طعاما من شركتهما أو لغيرهما لم يضمن ، فكذلك شريكه . ألا ترى أن رجلا لو استعار من رجل دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ، فبعث بالدابة مع وكيل له ليحمل عليها الطعام ، فحمل الوكيل طعاما لنفسه أنه لا يضمنه ، فالمفاوضة أوجب من الوكالة ، وكذلك أحد المتفاوضين إذا استعارها ليحمل عليها عدل زطي ، فحمل عليها شريكه مثل ذلك العدل لم يضمن ، ولو حمل عليها طيالسة أو أكسية كان ضامنا ; لاختلاف الجنس وللتفاوت في الضرر على الدابة . قال : ( ولو حمل المستعير عليها ذلك ضمنه ، فكذلك شريكه ) إلا أنه إن كان ذلك من تجارتهما فالضمان عليهما لحصول المنفعة لهما ، وإن كانت بضاعة عند الذي حمل ; فالضمان عليهما لأن الذي حمل عنه غاصب ، والآخر عنه كفيل ضامن ، ثم يرجع الشريك على الذي حمل بنصف ذلك إذا أديا من مال الشركة ; لأنه لا منفعة له في هذا الحمل ، فلا يكون عليه من قرار الضمان شيء ، ولو استعارها ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها شريكه عشرة مخاتيم شعير من شركتهما ; لم يضمن لأن هذا أخف على الدابة فلا يصير الحامل به مخالفا في حق صاحب الدابة سواء كان المستعير هو الذي حمله أو شريكه . وكذلك لو كانا شريكين شركة عنان فاستعارها ، فالجواب في هذا كالجواب في الأول ; لأن وجوب الضمان باعتبار زيادة الضرر على الدابة في الحمل ، ولم يوجد ذلك . وإن كان الأول استعارها ليحمل عليها حنطة - رزقا لأهله - فحمل عليها شريكه شعيرا له خاصة ; كان ضامنا لأنه مستعمل لها بغير إذن مالكها ، وبغير إذن شريكه المستعير ; فإن المستعير ينوي عند الاستعارة أنه يستعيرها لمنفعة نفسه ; لأن ما أعده رزقا لأهله يكون ملكا له خاصة ، وذلك بعدم رضاه بانتفاع الشريك بها ; فلهذا كان ضامنا .
قال : ( وإذا ادعى رجل أن أحد المتفاوضين باعه خادما ، فجحد ذلك المتفاوضان ; فللمدعي أن يحلف المدعى عليه البيع على الثبات وشريكه على العلم ) لأن كل واحد منهما لو أقر بما ادعاه المدعي كان إقراره ملزما إياهما ، فإذا أنكر يستحلف كل واحد منهما لرجاء نكوله إلا أن المدعى عليه البيع يستحلف على فعل نفسه ، فيكون يمينه على الثبات ، وصاحبه يستحلف على فعل الغير ، فيكون يمينا على العلم . وأيهما نكل عن اليمين قضي بالجارية للمشتري بالثمن الذي ادعاه ; لأن نكوله كإقراره ، وإقرار أحدهما ملزم إياهما ، وكذلك لو ادعى تولية أو شركة أو إجارة أو تسليم دين أو تسليم دار بالشفعة ; لأن فيما هو من عمل [ ص: 195 ] التجارة فعل أحدهما كفعلهما ، وإقرار أحدهما ملزم للآخر فيحلف كل واحد منهما بدعوى المدعي ; فإن ادعى شيئا من ذلك عليهما جميعا كان له أن يستحلف كل واحد منهما ألبتة لأن كل واحد منهما الآن يحلف على فعل نفسه فأيهما نكل عن اليمين أمضى الأمر عليهما . وإن ادعى على ذلك أحدهما ، وهو غائب كان له أن يستحلف الحاضر على عمله ، فإن حلف ثم قدم الغائب كان له أن يستحلفه ألبتة كما لو كانا حاضرين ، وإن كان المفاوض هو الذي ادعى على رجل شيئا من ذلك ، وحلفه عليه ثم أراد شريكه أن يحلفه أيضا ; لم يكن له ذلك . والفرق من وجهين ( أحدهما ) : أن المفاوض المدعي يكون نائبا عن صاحبه بمنزلة الوكيل ، وبعدما استحلف بخصومه الوكيل لا يستحلف بخصومة الموكل ; لأن النيابة في الاستحلاف صحيحة . وإذا كانت الدعوى عليهما فلا يمكن أن يجعل المفاوض المدعى عليه نائبا عن صاحبه في الحلف ; لأن النيابة لا تجرى في اليمين . فلهذا كان للمدعي أن يحلف الآخر .

( والثاني ) : أن الاشتغال بالاستحلاف فيما إذا كان مفيدا فأما إذا لم يكن مفيدا فلا يشتغل به ، وإن كانت الدعوى من المتفاوضين فاستحلف المدعى عليه بخصومة أحدهما ; فلا فائدة في استحلافه لخصومة الآخر لأنه بعدما حلف في حادثة لخصومة إنسان لا يمتنع من اليمين في تلك الحادثة لخصومة الآخر ، فأما إذا كانت الدعوى عليهما وحلف أحدهما ; كان استحلاف الآخر مفيدا لأن أحدهما قد لا يبالي من اليمين ، والآخر يمتنع من ذلك ; إذ الناس يتفاوتون في الجرأة على اليمين . فلهذا كان للمدعي أن يستحلف الآخر بعد ما حلف أحدهما لرجاء نكوله .

قال : ( وإن ادعى على أحد المتفاوضين جراحة خطأ لها أرش واستحلفه ألبتة ، فحلف له ثم أراد أن يستحلف شريكه ; لم يكن له ذلك ولا خصومة له مع شريكه ) لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما لزمه بسبب التجارة . فأما ما يلزم بسبب الجناية لا يكون الآخر كفيلا به . ألا ترى أنه لو ثبتت الجناية بالبينة أو بمعاينة السبب لم يكن على الشريك شيء من موجبه ، ولا خصومة للمجني عليه معه . فذلك لا يحلفه عليه ; لأن الاستحلاف لرجاء النكول وإقراره بالجناية على شريكه باطل . وكذلك المهر والجعل في الخلع ، والصلح من جناية العمد إذا ادعاه على أحدهما ، وحلفه عليه ليس له أن يحلف الآخر ; لما بينا .
قال : ( وإن ادعى على أحد المتفاوضين مالا من كفالة ، وحوله عليه ; فله أن يحلف شريكه عليه أيضا ) في قول أبي حنيفة رضي الله عنه . وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ليس له ذلك . وأصل المسألة أن أحد المتفاوضين إذا كفل بمال فإن ذلك يلزم شريكه في [ ص: 196 ] قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه . وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله لا يلزم شريكه . وجه قولهما : إن الكفالة تبرع بدليل أنه لا يصح ممن ليس من أهل التبرع ، كالمأذون والمكاتب ، وأنه إذا حصل من المريض كان معتبرا من ثلاثة ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما يلزمه بالتجارة دون التبرع . ألا ترى أن الهبة والصدقة من أحدهما لا تصح في حق شريكه ، فكذلك الكفالة ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان ( أحدهما ) : أن الكفالة من مقتضيات المفاوضة ; فإن كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه كما يكون وكيلا عن صاحبه فيما يجب على أحدهما بالكفالة دين واجب بما هو من مقتضيات المفاوضة ، فيكون ملزما شريكه . كما لو توكل أحدهما عن إنسان بشراء شيء كان شريكه مطالبا بثمنه . ( والثاني ) : أن الكفالة تبرع في الابتداء ولكنها إذا صحت انقلبت مفاوضة . ألا ترى أن الكفيل يرجع بما يؤدي على المكفول عنه إذا كفل بأمره ، وقد صحت الكفالة هنا والذي كفل صار مطالبا بالمال ، ولما صحت الكفالة انقلبت مفاوضة ، وما يوجب على أحدهما بمفاوضة مال بمال يطالب بها الشريك كالدين الواجب بالشراء بخلاف كفالة المديون والمكاتب والمأذون والمريض فيما زاد على الثلث ; فإن ذلك غير صحيح أصلا ، فلا يكون مفاوضة . وقد يجوز أن يكون تبرعا في الابتداء ، مفاوضة في الانتهاء ، كالهبة بشرط العوض ; فإنه تبرع في الابتداء ، ثم إذا اتصل به القبض من الجانبين كان مفاوضة . وإذا ثبت أن كفالة أحدهما يلزم شريكه عند أبي حنيفة رضي الله عنه .
قال : ( يحلف الشريك على دعوى الكفالة بالمال ; لأنه لو أقر به لزمهما جميعا . فإذا أنكر يستحلف عليه ) لأنه مطالب بالمال ، لو ثبتت الكفالة على شريكه بالبينة ، فيستحلف عليه إذا أنكر - بخلاف المهر والأرش لأنه غير مطالب به - . وإذا ثبت السبب على شريكه بالبينة فلا يستحلف عليه أيضا ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لو ثبتت الكفالة على شريكه بالبينة لم يكن هو مطالبا بالمال ، فلا يستحلف عليه أيضا . قال : ( وإن كانت الكفالة من أحدهما بالنفس لم يلزم شريكه ، ولا يستحلف على ذلك إذا أنكره - بالاتفاق ) - ; لأن الكفالة بالنفس ليست بمال ، ولا يتحقق فيه معنى المفاوضة بحال ، فحكمه مقتصر على من باشر سببه ; لأن كفالة كل واحد منهما عن صاحبه بالمال الذي يحتمل الشركة ، والكفالة بالنفس لا تحتمل الشركة .

قال : ( ولا تجوز المفاوضة بين المسلم والذمي في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ) وقال أبو يوسف رحمه الله : يجوز ذلك ، وهي مكروهة . [ ص: 197 ] ووجه قوله : إن كل واحد منهما من أهل الوكالة والكفالة على الإطلاق فتصح المفاوضة بينهما كالمسلمين والذميين ; وهذا لأن مقتضى المفاوضة والكفالة الوكالة . فإنما تشترط أهلية كل واحد منهما في ذلك ، ثم كل واحد منهما مالك للتصرف بنفسه ; فكان كل واحد منهما من أهل المفاوضة . ألا ترى أن المفاوضة تصح بين الذميين والمسلمين ، فكذلك تصح بين المسلم والذمي ، ولا معتبر بتفاوتهما في التصرف من حيث إن المسلم لا يتصرف في الخمر والخنزير ، والذمي يتصرف في ذلك ; وهذا لأن الذمي الذي هو شريك المسلم مفاوضة لا يتصرف " عندي " في الخمر والخنزير . ثم لا معتبر بالمساواة في التصرف . ألا ترى أن المفاوضة تصح بين الكتابي والمجوسي ، والمجوسي يتصرف في الموقوذة ; لأنه يعتقد فيها المالية ، والكتابي لا يفعل ، وكذلك المفاوضة تصح بين حنفي المذهب وشافعي المذهب ، وإن كان الحنفي يتصرف في المثلث النبيذ ; لأنه يعتقد فيه المالية . وشافعي المذهب يتصرف في متروك التسمية عمدا ; لأنه يعتقد فيها المالية .

ثم هذا التفاوت لا يمنع صحة المفاوضة بينهما ، فكذلك المسلم والذمي وهما يقولان : مبنى المفاوضة على المساواة ، ولا مساواة بين المسلم والذمي في التصرف ولا في محل التصرف - وهو المال - فإن الخمر والخنزير مال متقوم في حق أهل الذمة يجوز تصرفهم فيها بيعا وشراء وسلما ، في الخمر وهي ليست بمال في حق المسلم ; فتنعدم المساواة بينهما ، وبدون المساواة لا تكون الشركة مفاوضة . ألا ترى أن المفاوضة لا تصح بين الحر والعبد لانعدام المساواة بينهما ، قال : قوله : بأنه لا يتصرف في الخمر والخنزير إذا كان مفاوضا للمسلم ، قلنا : المعنى الذي لأجله كان ينفذ تصرفه في الخمر والخنزير إذا كان مفاوضا للمسلم هو اعتقاد المالية والتقوم فيه ، وذلك لا ينعدم بالمفاوضة مع المسلم ، فلا بد من القول بنفوذ التصرف عليه ، وهذا بخلاف المفاوضة بين الكتابي والمجوسي ; لأن من يجعل الموقوذة مالا متقوما في حقهم لا يفصل بين الكتابي والمجوسي ، فتتحقق المساواة بينهما في التصرف . ( فإن قيل ) : لا تتحقق المساواة ، فإن الكتابي يؤاجر نفسه للذبح والتضحية ، والمجوسي لا يؤاجر نفسه لذلك ; لأن ذبيحته لا تحل . ( قلنا ) : لا كذلك ، بل لكل واحد منهما أن يتقبل ذلك العمل على أن يقيمه بنفسه أو بنائبه . وإجارة المجوسي نفسه للذبح صحيح يستوجب به الأجر - وإن كان لا تحل ذبيحته - . فأما بين الحنفي والشافعي تتحقق المساواة ; لأن الدلالة قامت على أن متروك التسمية عمدا ليس بمال متقوم ، ولا يجوز التصرف فيه من الحنفي والشافعي جميعا لثبوت ولاية الإلزام [ ص: 198 ] بالمحاجة له والدليل ; فتتحقق المساواة بينهما في المال والتصرف . وإنما كرهه أبو يوسف رحمه الله لأن في المفاوضة الوكالة . ويكره للمسلم توكيل الذمي بالتصرف له .
قال : ( ولا تجوز المفاوضة بين الحر والعبد ولا بين العبدين ولا بين الحر والمكاتب ، ولا بين المكاتبين ولا بين الصبيين - وإن أذن لهما أبواهما - ) ; لأن مبنى المفاوضة على الكفالة ، فإن كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه ، والعبد والمكاتب والصبي ليسوا من أهل الكفالة ; فلهذا لا تجوز المفاوضة بينهما لأن كل واحد منهما غير مالك للتصرف بنفسه : فإن العبد يحجر عليه مولاه ، والصبي يحجر عليه وليه ، والمكاتب يعجز فيرد في الرق . والمقصود من المفاوضة التصرف والاسترباح ، فإذا لم يكن كل واحد منهما مالكا للتصرف بنفسه لا تجوز المفاوضة بينهما . ثم تكون الشركة بينهما عنانا في هذه المواضع ; لأنهما أهل الشركة . وإنما فسدت المفاوضة خاصة ; فيبقى العنان . وقد بينا أن العنان قد يكون عاما وقد يكون خاصا .

قال : ( وإن تفاوض الذميان جاز ذلك - وإن كان أحدهما نصرانيا والآخر مجوسيا - ) ; لأن المساواة بينهما في الملك والتصرف تتحقق ، وكل واحد منهما من أهل الوكالة والكفالة ; فصحت بينهما .
قال : ( وإن شارك المسلم [ ص: 199 ] المرتد شركة عنان أو مفاوضة ) ; فهو موقوف " عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه " إن قتل على ردته أو لحق بدار الحرب بطل ، وإن أسلم جاز ; لأن من أصله أن التصرفات تتوقف بالردة على أن ينفذ بالإسلام أو تبطل إذا قتل أو لحق بدار الحرب ، والشركة من جملة تصرفاته . فأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله شركة العنان منه صحيحة لأن من أصلهما أن تصرف المرتد بعد ردته قبل لحاقه بدار الحرب نافذ ، فإن قتل أو لحق بدار الحرب انقطعت الشركة ; لأن في القتل موتا ، ولحوقه بدار الحرب كموته ، والموت مبطل للشركة . وأما المفاوضة فعلى ما قال أبو حنيفة رحمه الله لا يراد به توقف أصل الشركة " عندهما " بل المراد توقف صحة المفاوضة . فأما أصل الشركة صحيح " عندهما " ، وإنما توقف صفة المفاوضة عند محمد رحمه الله لأن المرتد عنده في التصرفات كالمريض ، وكفالة المريض مرض الموت معتبرة من ثلثه ، فلا يكون المرتد من أهل الكفالة المطلقة إلا أن يسلم ; فلهذا توقف صفة المفاوضة على إسلامه . وعلى أصل أبي يوسف الكفالة ، وإن كانت تصح من المرتد ; لأنه بمنزلة الصحيح في التصرف إلا أن نفسه توقف بين أن تسلم له بالإسلام ، أو تتلف عليه إذا أصر على الردة فيكون في معنى المكاتب من هذا الوجه . والمكاتب ليس من أهل المفاوضة ; فلهذا توقف المفاوضة منه .
قال : ( وإن شارك المسلم المرتدة شركة عنان أو شركة مفاوضة ; جازت شركة العنان ولم تجز شركة المفاوضة إلا أن تسلم ) ; لأن تصرف المرتدة نافذ ، فإن المال باق على ملكها لأن نفسها لم تتوقف بالردة حتى لا تقبل . فكذلك في مالها إلا أنها كافرة فهي كالذمية . ومن أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن المفاوضة لا تصح بين المسلمة والذمية ، وتصح شركة العنان وهي مكروهة . فكذلك في حق المرتدة . قال : ( وينبغي في قياس قول أبي يوسف أن تكون المفاوضة جائزة مع الكراهة ) ; لأنه يجوز المفاوضة بين المسلمة والذمية . فكذلك بين المسلمة والمرتدة ، وذكر عيسى بن أبان عن أبي يوسف رحمهما الله أن مفاوضتهما تتوقف كما تتوقف مفاوضة المرتد مع المسلم ; لأنها - وإن كانت لا تقبل - فإنها تسترق ، وإذا ألحقت بدار الحرب فنفسها موقوفة من هذا الوجه ; فلهذا تتوقف مفاوضتهما .
قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يكاتب عبدا من تجارتهما ) ; لأن المفاوضة في حق شريكه أعم تصرفا من الوصي في حق اليتيم ، وللوصي أن يكاتب ; فللمفاوض ذلك بطريق الأولى . وبيان هذا : أن إقرار أحد المتفاوضين صحيح في حق شريكه ، وإقرار الوصي بالدين على اليتيم غير صحيح . ثم الكتابة من عقود الاكتساب ، وهو أنفع من البيع ; لأن البيع يزيل الملك بنفسه ، والكتابة لا تزيل الملك قبل الأداء . وكل واحد من المتفاوضين بمنزلة صاحبه في اكتساب المال . وإن كانت الكتابة من التاجر الذي لا يملك شيئا من العبد - وهو الأب والوصي - صحيحة ، فصحتها من التاجر الذي يملك نصف العبد - وهو المفاوض - أولى ، وإذا ثبت أن لأحدهما أن يكاتب : فله أن يأذن لعبده في التجارة - بطريق الأولى - فإن كل واحد منهما فك الحجر ، والكتابة لازمة ، والإذن في التجارة ليس بلازم . ولهذا كان للمأذون أن يأذن لعبده في التجارة وليس له أن يكاتب ، والإذن في التجارة من صنيع التجارة ومما يقصد به تحصيل المال وكل واحد من المتفاوضين في ذلك يقوم مقام صاحبه .
قال : ( وليس لأحد المتفاوضين أن يعتق عبدا بمال أو بغير مال ) ; لأن ذلك تبرع . أما العتق بغير مال فلا إشكال فيه ، وكذلك العتق بمال لأن ذلك يتعجل زوال الملك عن العبد في الحال والمآل في ذمة مفلسة لا يدرى أيقدر على الأداء أو لا يقدر ؟ فلم يكن ذلك من عقود الاكتساب ; فلهذا لا يملك المفاوض في نصيب صاحبه ، وكذلك لا يزوج عبدا من تركتهما ; لأنه ليس في تزويج العبد تحصيل المال ، بل فيه تعييب رقبته من حيث الاشتغال بالمهر والنفقة . فلا يملك أحدهما في نصيب شريكه بدون إذنه . وله أن يزوج الأمة ; لأن تزويج الأمة من عقود [ ص: 200 ] الاكتساب ، فإنه يكتسب به المهر ، وتسقط نفقتها عن نفسه ; ولهذا يملك الأب والوصي تزويج أمة اليتيم ، ولا يملكان تزويج عبد اليتيم .
قال : ( وليس لشريك العنان أن يكاتب ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه في التجارة ، والكتابة ليست من التجارة ) وما يكون معتادا بين التجار ، والكتابة ليست من هذه الجملة . وكذلك لا يملك أحدهما تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله يملك ذلك ، وقد بينا هذا في كتاب النكاح .
قال : ( وإذا كان للمتفاوضين عبد تاجر فأدانه أحدهما دينا من تجارتهما ; لم يلزمه من ذلك شيء ) لأن فعل أحدهما في الإدانة كفعلهما ، ولأن مالية العبد من شركتهما . وما أداناه أو أحدهما فهو من شركتهما أيضا ، فلا فائدة في الإيجاب في ذمته ، فلا يشتغل بما لا يفيده شرعا . ( وكذلك في شركة العنان في البيع والشراء : كل واحد منهما وكيل صاحبه في البيع بالنقد والنسيئة ) والإدانة بيع بالنسيئة ، ولا فائدة في إيجاب ذلك في ذمته متعلقا بماليته ; لأن ماليته من شركتهما . أما إذا كانا شريكين في عبد لهما خاصة ، فأذن لهما في التجارة ثم أدانه كل واحد منهما دينا ; فإنه يلزمه نصف دين كل واحد منهما في حصة الآخر ; لأن كل واحد منهما من حصة صاحبه كالأجنبي حتى لا يملك التصرف فيه فما أدانه كل واحد منهما نصفه في ملكه . والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا ، ونصفه في ملك شريكه ، وهو يستوجب الدين فيه لكونه مقيدا ; فإنه في ذلك النصف كأجنبي آخر ، ويجعل كل نصف من العبد كعبد على حدة ( ومن أدان عبده وعبد غيره يثبت من دينه ما يخص عبد غيره دون ما يخص عبده ) .
قال : ( وإن كان العبد التاجر بين المتفاوضين فباعه أحدهما ثوبا من ميراث ورثه ; لزمه نصف ذلك الدين في نصيب الآخر ) ; لأن ما أدانه ليس من شركتهما ، وفيما ليس من شركتهما كل واحد منهما من صاحبه كالأجنبي .
قال : ( ولو كان العبد ميراثا لأحدهما فأذن له الآخر في البيع والشراء ; لم يجز ) لأن العبد ليس من شركتهما ، فإذن صاحبه له في التجارة كإذن أجنبي آخر ، فإن أذن له مولاه ثم أدانه الآخر دينا من ميراثه خاصة لزمه ذلك ، كما لو أدانه أجنبي آخر ; لأن ما أدانه ليس من شركتهما ، وإن أداناه من التجارة لزمه نصف ذلك ; لأن فعل أحدهما في الإدانة من مال التجارة كفعليهما ، فلا يجب عليه نصيب الإذن لأنه ملكه ، ولا يستوجب المولى الدين على عبده ، ويلزمه نصيب الآخر لأنه أجنبي عن ماليته .

قال : ( وإذا استأجر أحد المتفاوضين أجيرا في تجارتهما ، أو دابة أو شيئا من الأشياء ; فللمؤجر أن يأخذ بالأجر [ ص: 201 ] أيهما شاء ) لأن الإجارة من عقود التجارة ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بما يلزمه بالتجارة . وكذلك إن استأجره لحاجة نفسه ، أو استأجر إبلا لحج إلى مكة ، فحج عليها فللمكري أن يأخذ به أيهما شاء ، إن شاء المستأجر بالتزامه بالعقد ، وإن شاء شريكه بكفالته عنه . إلا أن شريكه إذا أدى ذلك من خالص ماله يرجع به عليه ; لأنه أدى ما كفل عنه بأمره ، وإن أدى من مال الشركة يرجع عليه بنصيبه من المؤدى - وهو النصف - . وأما في شركة العنان فلا يؤاخذ به غير الذي استأجره ; لأنه هو الملتزم بالعقد ، وصاحبه ليس بكفيل عنه ; فإن شركة العنان لا تتضمن الكفالة .

( وإن أدى العاقد من مال الشركة رجع شريكه بنصف ذلك عليه ، إذا كان استأجره لخاصة نفسه ، وإن كان استأجره لتجارتهما وأدى الأجر من خالص ماله ; رجع على شريكه بنصفه ) لأنه وكيل عن صاحبه في هذا الاستئجار ، وقد أدى الأجر من مال نفسه . ولو كانت الشركة بينهما في شيء خاص - شركة ملك - لم يرجع على صاحبه بشيء مما أدى ; لأنه ليس بوكيل عن صاحبه في هذا الاستئجار .

قال : ( ولو أجر أحد المتفاوضين عبدا من تجارتهما كان للآخر أن يأخذ الأجر ) لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما يجب لهما بالتجارة ، وفعل أحدهما كفعل صاحبه ، وللمستأجر أن يأخذه بتسليم العبد ; لأن التسليم مضمون على الآخر ، والآخر مطالب عنه بكفالته بما يلتزمه بالتجارة . وإن أجر أحدهما عبدا له خاصة من الميراث لم يكن للآخر أن يأخذ الأجر ; لأنه بدل ما ليس من شركتهما . ألا ترى أنه لو باع هذا العبد لم يكن للآخر أن يأخذ الثمن ، وحكم المنفعة حكم العين ، ولم يكن للمستأجر أن يأخذه بتسليم العبد ; لما بينا أن فيما ليس من شركتهما كل واحد من صاحبه كالأجنبي ، ولا تفسد المفاوضة ، وإن كان الأجر دراهم أو دنانير حتى يقبضها ; لأن أحدهما إنما فضل صاحبه بملك دين ، والدين لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، فإذا قبضها فسدت المفاوضة لأنه اختص بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، وذلك بعدم المساواة . وكذلك كل شيء ، مما هو له خاصة ، باعه فليس لشريكه أن يطالب به ، ولا تفسد المفاوضة ما لم يقبض الثمن ، فإذا قبض وكان من النقود فسدت المفاوضة لما قلنا .
قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يشارك رجلا شركة عنان ببعض مال الشركة فيجوز عليه وعلى شريكه - كان بإذنه أو بغير إذنه - ) وإن شاركه شركة المفاوضة بإذن شريكه ; فهو جائز عليهما كما لو فعلا ذلك . وإن كان بغير إذنه لم تكن مفاوضة وكانت شركة عنان ، وقد بينا اختلاف الروايات في هذا [ ص: 202 ] الفصل ، ويستوي إن كان الذي شاركه أباه أو ابنه أو أجنبيا عنه ; لأن حكم الشركة واحد فلا يمكن التهمة فيه بسبب القرابة .

( وذكر ) الحسن عن أبي حنيفة - رحمة الله عليهما - أن أحد شريكي العنان إذا شارك إنسانا آخر شركة المفاوضة ، فإن كان ذلك بمحضر من شريكه ; تصح مفاوضته وتبطل به شركته مع الأول ، وإن كان بغير محضر من شريكه ; لم تصح مفاوضته لأن مباشرته المفاوضة مع الثاني نقص منه لشركة العنان مع الأول ، فإن المساواة بينهما لا تتحقق إلا به ، ونقض أحد الشريكين الشركة بمحضر من صاحبه صحيح ، وبغير محضر منه باطل .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]