
15-12-2025, 07:40 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 172 الى صـــ 181
(239)
( والثاني ) : أن العبد إذا كان لواحد فقال لرجل : بعته منك إلا نصفه بألف درهم ، كان بائعا للنصف بألف درهم ، ولو قال : بعته منك بألف درهم على أن لي نصفه ، كان بائعا للنصف بخمسمائة ; لأن الاستثناء والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى . فكأنه قال : بعت منك نصفه بألف درهم . فأما قوله : على أن لي نصفه ، ليس باستثناء ، بل هو عامل على سبيل المعارضة للأول ; فكان الإيجاب الأول متناولا لجميعه ، وبالمعارضة تبين أنه جعل الإيجاب في نصفه للمخاطب ، وفي نصفه لنفسه ، وذلك صحيح منه إذا كان مقيدا . ألا ترى أن رب المال يشتري مال المضاربة من المضارب ، فيكون صحيحا ، وإن كان ذلك مملوكا له ; لكونه مقيدا ، . فهنا أيضا ضم نفسه إلى المخاطب في شراء العبد مقيد في حق التقسيم ; فلهذا كان بائعا نصفه من المخاطب بخمسمائة . إذا عرفنا هذا فنقول : البائع منهما هنا بائع نصفه بحكم الملك ، وفي النصف وكيل عن صاحبه . فإذا قال : بعته منك على أن لي نصفه ، كان إيجابه متناولا للكل . ثم قوله : على أن لي نصفه معارض ، فيكون ذلك معتبرا في تقسيم الثمن ، وفي إبقاء نصيبه على ملكه ، ويبقى موجبا للمشتري نصيب شريكه بنصف الثمن . وإذا قال : بعته إلا نصفه ; فهذا بمنزلة قوله : بعت نصفه بكذا . " فعند أبي حنيفة " ينصرف إلى النصف من النصيبين جميعا ; لأن تعين نصيبه قبل الوكالة لتصحيح تصرفه ، وبعد الوكالة تصرفه صحيح - وإن لم يتعين له نصيبه - لأن من أصله أن الوكيل [ ص: 173 ] ببيع نصف العبد يملك بيع نصف ذلك النصف ; فلهذا كان جميع الثمن ونصف العبد بينه وبين شريكه نصفين . " وعندهما " لا يمكن تصحيح تصرفه في النصيبين ; لأن الوكيل ببيع نصف العبد لا يبيع نصف ذلك النصف ، فينصرف بيعه إلى نصيب نفسه لتصحيح تصرفه .
قال : ( رجل اشترى عبدا وقبضه ، ثم قال لرجل آخر : قد أشركتك في هذا العبد على أن تنقد الثمن عني ، ففعل : كانت هذه الشركة فاسدة ) ; لأنه ملكه نصف العبد بيعا بنصف الثمن ، وشرط فيه أن ينقد جميع الثمن عنه { . ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط } . ; فيبطل هذا البيع بينهما لمكان الشرط . وإن نقد عنه الرجل رجع عليه بما نقد عنه ; لأنه قضى دينه بأمره ، ولا شيء له في العبد ; لأن الإشراك كان فاسدا ، والبيع الفاسد بدون القبض لا يوجب شيئا .
قال : ( رجل اشترى نصف عبد بمائة درهم ، واشترى رجل آخر نصف ذلك العبد الباقي بمائتي درهم ، ثم باعاه - مساومة - بثلثمائة درهم ، أو بمائتي درهم : فالثمن بينهما نصفين . ولو باعاه - مرابحة - بربح مائة درهم ، أو قال : بالعشرة أحد عشر : كان الثمن بينهما أثلاثا ) . وكذلك لو ولياه رجلا برأس المال ، أو باعاه بوضيعة كذا : فالثمن بينهما أثلاثا ; لأن الثمن في بيع المساومة بمقابلة الملك هو في المحل دون الثمن الأول ، حتى لو كان موهوبا ، أو كان مشترى بعرض لا مثل له : يجوز بيعه مساومة . فعرفنا أن الثمن بمقابلة الملك ، وهما يستويان في ملك العبد ، فيستويان في ثمنه . وأما بيع المرابحة والتولية والوضيعة : باعتبار الثمن الأول . ألا ترى أنه لا تستقيم هذه البيوع في الموهوب والموروث ، وفي المشترى بعرض لا مثل له ، . والثمن الأول كان أثلاثا بينهما ، فكذلك الثاني . يوضح الفرق أن في بيع المرابحة لو اعتبرنا الملك في قيمة الثمن دون الثمن الأول كان البيع مرابحة في حق أحدهما ، وضيعة في حق الآخر ، وقد نصا على بيع المرابحة في نصيبيهما فلا بد من اعتبار الثمن الأول كذلك - بخلاف بيع المساومة - .
قال : ( وإذا اشترك الرجلان شركة عنان في تجارة على أن يشتريا ويبيعا بالنقد والنسيئة ، فاشترى أحدهما شيئا من غير تلك التجارة : فهو له خاصة ) ; لأن كل واحد منهما بحكم الشركة يصير وكيل صاحبه ، والوكالة تقبل التخصيص . فإذا خصا نوعا كان كل واحد منهما في شراء ما سوى ذلك كالأجنبي عن صاحبه ، فيكون مشتريا لنفسه خاصة . فأما في ذلك النوع فبيع كل واحد منهما وشراؤه بالنقد والنسيئة ينفذ على صاحبه ; لأنهما صرحا بذلك . وهكذا لو لم يصرحا ; فإن بمطلق التوكيل يملك الوكيل البيع والشراء بالنقد والنسيئة على الموكل ، فكذلك بمطلق الشركة . إلا أنه إذا اشترى أحدهما بالنسيئة [ ص: 174 ] بالنقود أو المكيل أو الموزون ; فإن كان في يده من مال الشركة من ذلك الجنس جاز شراؤه على الشركة ، وإن لم يكن كان مشتريا لنفسه ; لأنه لو نفذ شراؤه على الشركة كان مستدينا على المالك ، وليس للشريك شركة عنان ، ولا للمضارب ولاية الاستدانة بمطلق العقد لمعين ، وهو أنه لو صح استدانتهما زاد مال الشركة والمضاربة ، وما رضي كل واحد من الشريكين بتصرف صاحبه إلا في مقدار ما جعلاه رأس المال . فلهذا كان شراؤه بالنسيئة في هذه الحالة على نفسه خاصة .
قال : ( وإن كان مال الشركة في يده دراهم فاشترى بالنسيئة بالدنانير " عندنا " يصير مشتريا على الشركة استحسانا ) . وفي القياس " وهو قول زفر رحمه الله " يصير مشتريا لنفسه بناء على أصل معروف ، وهو أن الدراهم والدنانير في القياس جنسان ، وفي الاستحسان كجنس واحد في ضم أحدهما إلى الآخر ، وفي تكميل النصاب وغيره . ثم قد بينا أن " عند زفر رحمه الله " في حكم الشركة هما جنسان ، حتى لا تصح الشركة إذا كان رأس مال أحدهما دراهم ، ورأس مال الآخر دنانير . فكذلك في حكم الشراء بالنسيئة ، " وعندنا " هما كجنس واحد في صحة الشركة بهما ، فكذلك في الشراء بالنسيئة على شريكه .
قال : ( فإن أقر أحدهما بدين في تجارتهما وأنكره الآخر : لزم المقر جميع الدين إن كان هو الذي وليه ) ; لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد - وكيلا كان أو مباشرا لنفسه - . وإن أقر أنهما ولياه لزمه نصفه ; لأنه في النصف مقر على نفسه ، وفي النصف على صاحبه ، وبعقد الشركة لا يثبت له ولاية إلزام الدين في ذمة صاحبه بإقراره ، فبطل إقراره . وإن أقر أن صاحبه وليه : لم يلزمه منه شيء ; لأنه أقر على غيره ، ولا ولاية له في إلزام الدين على غيره بإقراره . وهذا بخلاف شركة المفاوضة ، فإنها تتضمن الكفالة والوكالة جميعا ، فيكون كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه بما يلزمه . فإذا أقر أحدهما كان كل واحد منهما مطالبا بجميع ذلك المال - بحكم الكفالة - . فأما شركة العنان تتضمن الوكالة دون الكفالة ، وبحكم الوكالة لا يصير كل واحد منهما مطالبا بما على صاحبه .
قال : ( فإن كان لشريكي العنان ، على رجل ، دين ، فأخره أحدهما : لم يجز على صاحبه ) - بخلاف شريكي المفاوضة - ; لأن المتفاوضين - فيما هو من صنيع التجار - كشخص واحد ، والتأجيل من صنيع التجار ; فمباشرة أحدهما فيه كمباشرتهما . وبشركة العنان ما صارا كشخص واحد ، ولأن في شركة المفاوضة لكل واحد منهما حق المطالبة بما وجب لصاحبه بمباشرته ; فكان له أن يؤجل فيه ، وليس لشريك العنان حق المطالبة بما وجب بمباشرة صاحبه ; فلا يكون له أن يؤجل في نصيب صاحبه . وفي نصيب نفسه اختلاف بين [ ص: 175 ] أبي حنيفة ، وبين صاحبيه - رحمهم الله في صحة التأجيل . موضع بيانه في كتاب الصلح .
قال : ( وإن اشترى أحدهما شيئا من تجارتهما فوجد به عيبا : لم يكن للآخر أن يرده ) ; لأن الرد بالعيب من حقوق العقد ، وذلك يتعلق بالعاقد ، ولأن الآخر في النصف أجنبي ، وفي النصف موكل ، وليس للموكل أن يخاصم في العيب مع البائع فيما اشتراه وكيله . وكذلك لو أخذ أحدهما مالا مضاربة ، فربح فيه : كان الربح له خاصة ; لأن مال المضاربة ليس من شركتهما في شيء ; فعمله فيه يكون لنفسه خاصة دون شريكه ، واستحقاق المضارب الربح بعمله ، وكل وضيعة لحقت أحدهما من غير شركتهما فهي عليه خاصة ; لأن فيما ليس من شركتهما كل واحد منهما من صاحبه بمنزلة الأجنبي . وعلى هذا : لو شهد أحدهما لصاحبه بشهادة من غير شركتهما فهو جائز ; لأنه عدل لا تهمة في شهادته بخلاف ما هو من شركتهما ; فإنه متهم في شهادته ; لما له من النصيب في المشهود به . وقال أبو حنيفة : لشريك العنان أن يضع وأن يدفع المال مضاربة - وإن لم يأذن له شريكه في ذلك - ويجوز له أن يعمل في المال الذي ليس من شركتهما كل شيء يجوز للمضارب أن يعمله . وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - . وهذه المسألة تشتمل على فصول ( أحدهما ) : أن لأحد الشريكين أن يوكل بالتصرف ، وهو استحسان ، وفي القياس : ليس له ذلك ; لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه ، وليس للوكيل أن يوكل غيره . وأن الموكل إنما رضي برأيه ولم يرض برأي غيره . وفي الاستحسان : التوكيل من عادة التجار ، وكل واحد منهما لا يجد بدا منه ; لأن الربح لا يحصل إلا بالتجارة الحاضرة والغائبة ، وكل واحد منهما عاجز عن مباشرة النوعين لنفسه ، ولا يجد بدا من أن يوكل غيره بأحد النوعين ليحصل مقصودهما - وهو الربح - فيصير كل واحد منهما كالآذن لصاحبه في ذلك دلالة . ولأن الوكالة التي تتضمنها الشركة بمنزلة الوكالة العامة ، ولهذا صحت من غير بيان جنس المشترى وصفته . وفي الوكالة العامة : للوكيل أن يوكل غيره ; فإنه لو قال لوكيله : اعمل برأيك ; كان له أن يوكل غيره .
( وكذلك ) لأحد الشريكين أن يضع ; لأن ذلك من عادة التجار ، ولأنه لو استأجر من يتصرف في مال الشركة لجاز ذلك منه على شريكه . فإذا وجد من يتصرف بغير أجر كان له أن يضعه بطريق الأولى .
( وكذلك ) له أن يودع من مال الشركة ; لأن له أن يستأجر من يحفظ مال الشركة . فلأن يكون له أن يودع ليحفظ المودع بغير أجر أولى . وله أن يدفع من مال الشركة مضاربة ; لأن له أن يستأجر من يتصرف في مال الشركة بأجر مضمون في الذمة . [ ص: 176 ] فلأن يكون له أن يستأجر من يتصرف ببعض ما يحصل من عمله من غير أن يكون ذلك مضمونا في الذمة أولى ; لأن هذا أنفع لهما .
( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه ليس له أن يدفع المال مضاربة ; لأنه إيجاب الشركة للمضارب في الربح ، فيكون بمنزلة عقد الشركة ، وليس لأحد الشريكين أن يشارك مع غيره بمال الشركة . فكذلك لا يدفعه مضاربة . وما ذكره في الكتاب أصح . ووجه الفرق بين الشركة والمضاربة : أن ما يستفاد بعقد فهو من توابع ذلك العقد ، وإنما يتبع الشيء ما هو دونه لا ما هو مثله ، أو فوقه ، والمضاربة دون الشركة . ألا ترى أنه ليس على المضارب شيء من الوضيعة ، وأن المضاربة لو فسدت لم يكن للمضارب شيء من الربح فيمكن جعل المضاربة مستفادة بعقد الشركة ; لأنه دونه ، فأما الاشتراك مع الغير مثل الأول ; فلا يمكن أن يجعل من توابعه مستفادا به ; فهو نظير . ما يقول : إن للمضارب أن يوكل ; لأن الوكالة دون المضاربة ، وليس له أن يدفع المال مضاربة ; لأن الثاني مثل الأول ; فلا يكون مستفادا به ، ولهذا لم يكن للوكيل أن يوكل بمطلق التوكيل ; لأن الثاني مثل الأول ، ولكن هذا كله في حق الغير . فأما في حق نفسه فيجوز أن يوجب لغيره مثل ماله . ولهذا كان للمكاتب أن يكاتب ، وللمأذون أن يأذن لعبده ; لأنه متصرف لنفسه بفك الحجر عنه ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم
باب شركة المفاوضة ( روي ) عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال : لا تجوز شركة بعروض ولا بمال غائب . وفي هذا دليل على أنه لا بد من إحضار رأس المال . ولكن إن وجد الإحضار عند الشراء بها فهو والإحضار عند العقد سواء ، حتى إذا دفع إلى رجل ألف درهم على أن يشتري بها وبألف من ماله ، وعقدا عقد الشركة بينهما بهذه الصفة ، فأحضر الرجل المال عند الشراء : جازت الشركة ; لأن المقصود هو التصرف - لا نفس الشركة - فإذا وجد إحضار المال عند المقصود كان ذلك بمنزلة الإحضار عند العقد .
( وعن ) الشعبي رحمه الله قال : الربح على ما اصطلحا عليه ، والوضيعة على المال . فكذلك في الشركة ، وهو مروي عن علي رضي الله تعالى عنه ، وبه نأخذ . وتعتبر الشركة بالمضاربة فكما أن الربح في المضاربة على الشرط والوضيعة على المال ، فكذلك في الشركة .
( وعن ) علي رضي الله تعالى عنه قال : ليس على من قاسم الربح ضمان . [ ص: 177 ] وتفسير هذا أن الوضيعة على المال في المضاربة والشركة ; لأن الوضيعة هلاك جزء من المال ، والمضارب والشريك أمين فيما في يده من المال ، وهلاك المال في يد الأمين كهلاكه في يد صاحبه .
قال : ( وإذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة فكتبا بينهما كتابا بينا فيه أنهما اشتركا فيه في كل قليل أو كثير شركة مفاوضة ، وأن رأس مالهما كذا وكذا بينهما نصفين يعمل كل واحد منهما برأيه ، فإذا اشتركا على هذا فهما متفاوضان ) ; وهذا لما بينا أن اعتبار المساواة ركن المفاوضة . فلا بد من أن تذكر التسوية بينهما في رأس المال والربح . وأن الشركة بينهما في كل قليل أو كثير ; لأنه إذا اختص أحدهما بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، لا يكون العقد بينهما مفاوضة ; لانعدام المساواة . ولكن إن اختص أحدهما بملك عرض أو دين على إنسان ، فالشركة بينهما مفاوضة ; لأن العرض لا يصلح أن يكون رأس مال الشركة ، والدين كذلك . وهو نظير الاختصاص بالزوجة أو الولد ; وذلك لانعدام المساواة المعتبرة في المفاوضة ، ونص في الكتاب على لفظة المفاوضة . وقد بينا أن هذا لا بد منه ، وإن كانا لا يعرفان جميع أحكام المفاوضة ، وبعد ما صارا متفاوضين فما اشترى أحدهما فهو جائز عليه ، وعلى صاحبه يؤخذ به كله ; لأن المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة ، فبحكم الوكالة يجعل شراء أحدهما كشرائهما ، وبحكم الكفالة يجعل كل منهما مطالبا بما يجب على صاحبه بسبب التجارة .
قال : ( وإن كان رأس مال كل واحد منهما ألف درهم فاشتركا ، ولم يخلطا المال : فالشركة جائزة ) . وفي النوادر قال : في القياس لا تكون الشركة مفاوضة بينهما قبل خلط المالين ; لأن كل واحد منهما مختص بملك مال يصلح أن يكون رأس مال في الشركة ، وذلك ينفي المفاوضة ، وفي الاستحسان : يجوز ; لأن المساواة موجودة بينهما - وإن لم يخلطا المال - واختصاص أحدهما بملك مال غير صارف للمفاوضة بعينه ، بل بانعدام المساواة . فإذا كانت المساواة موجودة : كان الخلط وعدم الخلط سواء ; فإن هلك أحد المالين يهلك من مال صاحبه - على ما بينا في شركة العنان - وتبطل الشركة بينهما . وإن اشتريا بأحد المالين : في القياس تبطل المفاوضة أيضا ; لأن المشترى صار بينهما نصفين ، والآخر مختص بملك رأس ماله ، فتنعدم المساواة ، وفي الاستحسان لا يبطل العقد . وللاستحسان وجهان : ( أحدهما ) أن المساواة قائمة معنى ; لأن الآخر ، وإن ملك نصف المشترى فقد صار نصف الثمن مستحقا عليه لصاحبه ، ونصف ماله مستحق به لصاحبه .
( والثاني ) أن ما لا يمكن التحرز عنه يجعل عفوا ، ولا يمكن [ ص: 178 ] التحرر عن هذا التفاوت عادة . فقلما يجدان شيئا واحدا يشتريانه بمالهما . ولا بد من أن يكون الشراء بأحد المالين قبل الآخر ، فيجعل هذا عفوا لعدم إمكان التحرز عنه . قال : ( فإن كانت دراهم أحدهما بيضا ودراهم الآخر سودا : فهو كذلك ) ; لأن السود والبيض كل واحد منهما يصلح أن يكون رأس مال في الشركة . وبتفاوت الوصف ينعقد الاختلاط . وقد بينا أن الخلط ليس بشرط ، إلا أن يكون لأحدهما على الآخر فضل في الصرف ; فلا تجوز شركة المفاوضة لانعدام التساوي بينهما إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله ، وقد بينا هذا . ثم تكون الشركة بينهما عنانا ; لأن تحصيل مقصود المتعاقدين بقدر الإمكان واجب ، والعنان قد يكون عاما وقد يكون خاصا ، وهذا عنان عام . وإن لقباه بالمفاوضة فهو لقب فاسد ; لانعدام شرط المفاوضة ، ولكن لا يبطل به أصل الشركة ; فإن كان شراء يوم وقعت الشركة ، ثم صار في أحدهما فضل قبل أن يشتريا شيئا : فسدت المفاوضة أيضا ; لأنه اعترض بعد العقد قبل حصول المقصود به ما يمنع ابتداء العقد - وهو التفاوت في ملك المال - فيكون مبطلا للعقد كما لو ورث أحدهما مالا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة تفسد به المفاوضة ، وإن كان ذلك بعد الشراء بالمالين جميعا ، فالشركة جائزة ; لأن المقصود قد حصل حين اشتريا بالمالين ، فلا معتبر بما يظهر من التفاوت في العرف بعد ذلك .
( فإن قيل ) : أليس أنه لو ورث أحدهما مالا بعد الشراء بالمالين ، أو وهب له مال فسدت المفاوضة . ( قلنا ) : لأن المساواة في ملك المال منعدم هناك بما اختص به أحدهما ، وهنا لا ينعدم ; لأن ملكهما تحول من الدراهم إلى المشترى ، والمشترى بينهما نصفان . ( فإن قيل ) : لا كذلك بل لكل واحد منهما على صاحبه نصف رأس ماله دينا عليه حتى لو هلك المشترى يرجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف رأس ماله فتنعدم المساواة أيضا بظهور الفصل في النصف . ( قلنا ) : نعم ، ولكن ما استوجبه كل واحد منهما على صاحبه دين عليه ، والدين لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة فالتفاوت بينهما في ذلك لا يمنع بقاء المفاوضة ، كما لو ورث أحدهما دينا أو عرضا ، وكذلك لو كان رأس مال أحدهما ألف درهم ، ورأس مال الآخر مائة دينار . فإن كانت قيمتها مثل الألف : فالشركة بينهما مفاوضة ، وهذا في التفريع كالسود والبيض ، وإن كانت قيمة الدنانير أكثر من ألف درهم لم تجز المفاوضة لانعدام المساواة ، وكانت الشركة بينهما عنانا حتى لا يطالب كل واحد منهما بما يجب على صاحبه ; لأن ذلك من حكم الكفالة الثابتة [ ص: 179 ] بالمفاوضة .
قال : ( وإذا اقتسما ضرب كل واحد منهما برأس ماله ، أو بقيمته يوم يقتسمون ) ; لما بينا أن المعتبر قيمة رأس المال وقت القسمة لإظهار الربح ; فإنه لما لم يصل إلى كل واحد منهما جميع رأس ماله لا يظهر الربح ليقتسماه بينهما
قال : ( ولو قال أحدهما لصاحبه : بعتك نصف مالي هذا بنصف مالك هذا ، فرضي بذلك ، وتقابضا كانا شريكين فيهما بمنزلة المال المختلط ) ; لأن العقد الذي جرى بينهما عقد صرف ، وقد تم بالتقابض ; فصار كل واحد من المالين مشتركا بينهما نصفين . فإن كان رأس مال أحدهما دراهم ورأس مال الآخر عروضا ، فباعه نصف العروض بنصف الدراهم وتقابضا ثم اشتركا شركة مفاوضة ، أو شركة عنان : جاز ذلك ; لأن الدراهم بهذا العقد صارت نصفين بينهما ، فيكون ذلك رأس مالهما ، ثم يثبت في الشركة حكم العروض ، وهو بينهما نصفان بيعا ، وقد يدخل في العقد بيعا ما لا يجوز إيراد العقد عليه قصدا - كالشرب . والطريق في البيع ، والمنقولات في الوقف يثبت فيها حكم الوقف تبعا ، إذا وقف قرية بما فيها من الدواب والمماليك وآلات الحراثة . وإن كان لا يثبت حكم الوقف في المنقولات قصدا ، فهذا مثله . وقد بينا أن الشراء والحل بمنزلة العروض في أنه لا يصلح أن يكون رأس مال في الشركة .
قال : ( وإن اشتركا شركة مفاوضة بغير مال على أن يشتريا بوجوههما ، فهو جائز ) ، كما بيناه في شركة العنان ، إلا أن تكون المفاوضة عامة . ومثله في الوكالة لا يجوز ; فإن من قال لغيره : اشتر بيني وبينك ، لا يكون ذلك صحيحا ما لم يعين المشترى أو يخص بذكر الوقت ، أو بتسمية الجنس في العروض والقدر في المكيل والموزون ، أو بتسميته الثمن وتفويض الأمر إلى رأيه على العموم . وفي شركة الوجوه يجوز ذلك بدون التخصيص ; لأنها تشتمل على البيع والشراء ، ومقصودهما الربح لا عين المشترى ، ومثله في الوكالة يجوز . أيضا لو قال كل واحد منهما لصاحبه : ما اشترينا من شيء فهو بيننا نصفان على أن يبيعه ويقسم ربحه نصفين . وكان ذلك تفسيرا للشركة ، فأما في الوكالة الخاصة المقصود عين المشترى ، فلا بد من اعتبار معنى الخصوص فيه لتصحيح الوكالة .
قال : ( وكذلك إن اشترك خياطان في الخياطة مفاوضة ، أو خياط وقصار ، أو شبه ذلك من الأعمال المختلفة ، أو المتفقة ، حتى إذا تقبل أحدهما عملا أخذ الآخر به - وإن كان عمله غير ذلك العمل ) - ; لأن بشركة المفاوضة صار كل واحد منهما وكيل صاحبه في تقبل العمل له ، وكفيلا عن صاحبه فيما يجب عليه ; فكان كل واحد منهما مأخوذا بما يقبله الآخر ، ولا يمتنع صحة التقبل باعتبار أن ذلك ليس من عمله ; لأنه لا يتعين عليه [ ص: 180 ] إقامة ما يقبل ببدنه ، ولكن له أن يقيمه بأعوانه وأحزابه ، وهو يقدر له على إبقاء ما التزمه بهذا الطريق ; فلهذا كان مطالبا بحكم الكفالة ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم
باب بضاعة المفاوض قال : ( ولأحد المتفاوضين أن يبيع بضاعة مع رجل ، وأن يدفع مضاربة ، وأن يودع ) ، وقد بينا أن شريك العنان يملك هذا ; فالمفاوض أولى لأنه أعلم تصرفا منه . قال : ( وليس له أن يقرض ; لأن الإقراض تبرع ) ، وكل واحد من المتفاوضين إنما قام مقام صاحبه في التجارة في مال الشركة دون التبرع . ألا ترى أنه لا يملك الهبة ولا الصدقة في نصيب صاحبه ، . فالاقتراض في كونه تبرعا كالصدقة أو فوقه . قال - صلى الله عليه وسلم - { : الصدقة بعشرة أمثالها ، والقرض بثمانية عشر } . وقيل : إنما جعل الثواب في القرض أكثر ; لأن ملتمس القرض لا يأتيك إلا محتاجا ، والسائل للصدقة قد يكون غير محتاج .
( وذكر ) الحسن أن على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لأحد المتفاوضين أن يقرض مال المفاوضة من رجل ، ويأخذ منه ما يتحققه به . " وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى " : ليس له ذلك . وجعل هذا بمنزلة الكفالة من حيث إنه متبرع في الأداء ، ولكن يرجع بمثله . كما أن الكفيل متبرع في الالتزام ، ولكن يرجع بمثل ما يؤدي . ثم من أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن أحد المتفاوضين إذا كفل بمال يلزم شريكه ، ويجعل معنى المفاوضة في ذلك راجحا لذلك الإقرار . " وعندهما " : كفالة أحد المتفاوضين لا يلزم شريكه . وجعلا معنى التبرع فيه راجحا لذلك في الإقرار . قال : ( فإن أقرض أحدهما فهو ضامن نصف ما أقرض لشريكه ) ; لأنه متعد في نصيب شريكه بتصرفه في المال على غير ما هو مقتضى الشركة ، ولكن لا يفسد ذلك المفاوضة ; لأن المضمون له إنما اختص بملك دين ، وذلك غير مفسد للمفاوضة ما لم يقبضه ، ولأن المقترض مستوجب مثل ذلك عن المستقرض ; فكانت المساواة بينهما قائمة .
قال : ( وليس له أن يعير دابة بغير رأيه من شركتهما ، في القياس ) ; لأن الإعارة تبرع بالمنفعة بغير بدل ، فهو كالتبرع بالعين بغير بدل - كالهبة - وذلك خلاف ما تقتضيه المفاوضة . قال : ( فإذا فعل فعطبت الدابة تحت المستعير ; كان المعير ضامنا نصف قيمة الدابة لشريكه ، في القياس ) ; لأنه متعد في نصيبه بالتسليم إلى المستعير . ولكن استحسن فقال : له أن يعير ولا ضمان عليه ; لأن الإعارة من توابع التجارة ، فإن التاجر لا يجد بدا منه ; [ ص: 181 ] لأنه إذا أتاه من يعامله فلا بد أن يعيره ثوبا ; ليلبس ، أو وسادة يجلس عليها . ولا يجد بدا من إعارة الميزان وصنجاته من بعض الجيران ; فإن من لا يعير لا يعار عند حاجته ، وكل واحد منهما مالك للتجارة في هذا المال فيملك ما هو من توابع التجارة . ألا ترى أن المأذون يعير ، والمفاوض أعم تصرفا من المأذون حتى أن المفاوض يكاتب والمأذون لا يكاتب . وعلل في بعض النوادر فقال : التاجر في المال - وإن لم يكن مالكا لشيء منه - فله أن يعير ، وإنما أراد به المأذون . فالتاجر الذي يملك النصف يكون شريكا في الربح ; لأن تملك الإعارة أولى .
قال : ( ولو أبضع أحدهما بضاعة مع رجل لم يفرق المتفاوضان . ثم اشترى المستبضع بالبضاعة شيئا ، وهو لا يعلم توفرهما ; فشراؤه جائز على الآمر وعلى شريكه ) ; لأن الإبضاع توكيل ، ومباشرة أحدهما فيه حال قيام المفاوضة كمباشرتهما . ثم افتراقهما عزل منهما إياه عن التصرف قصدا ، وحكم العزل لا يثبت قصدا في حق الوكيل ما لم يعلم به ; فلهذا نفذ شراؤه عليهما ، ولو كان أمره بالشراء ، ولم يدفع إليه مالا ; كان ما اشترى للآمر خاصة ، لأن عمل أحدهما فيما هو من شركتهما كعملهما . وإذا دفع إليه مالا من شركتهما ، وأمره أن يشتري بها فإنما وجد عمل أحدهما فيما هو من شركتهما . فإذا لم يكن دفع إليه مالا فإنما عمل أحدهما بالتوكيل والإنابة ، فيما ليس من شركتهما ، إلا أن المفاوضة إذا بقيت بينهما حتى اشترى الوكيل جعل شراؤه كشراء الموكل ، وكان المشترى بينهما نصفين بهذا الطريق . وذلك لا يوجد إذا افترقا قبل شراء الوكيل ; لأن عند شراء الوكيل لو اشتراه الموكل كان مشتريا لنفسه ، وكذلك الوكيل يكون مشتريا للآمر خاصة . يوضحه : أن دفع الضرر عن الوكيل واجب ، وإذا كان المال مدفوعا إليه لو جعلناه مشتريا للآمر خاصة كان ضامنا للآخر نصيبه من المال . فلدفع هذا الضرر جعلناه مشتريا بينهما إذا لم يعرف افتراقهما ، وذلك غير موجود فيما إذا لم يكن المال مدفوعا إليه ; لأنه لا يضمن للشريك شيئا - وإن صار مشتريا للآمر - ولكن يجب الشراء بالثمن في ذمته ، ويرجع به على الآمر ، وقد رضي بذلك حين قبل الوكالة .
قال : ( ألا ترى أنه لو مات الذي لم يبضع ثم اشترى المستبضع المتاع لزم الحي خاصة ) ، إلا أن في فضل الموت إذا كان المال مدفوعا إلى المستبضع فورثه الميت بالخيار إن شاءوا ضمنوا المستبضع ، وإن شاءوا ضمنوا الآمر ; وهذا لأن الموت يوجب عزل الوكيل حكما بطريق أنه ينقل الملك إلى الورثة ، ولم يوجد من واحد منهم الرضا بتصرف الوكيل ، والعزل الحكمي يثبت في حق الوكيل ، وإن لم يعلم به - بخلاف افتراقهما - [ ص: 182 ] فإن ذلك من الذي لم يبضع عزل الوكيل في نصيبه قصدا ; فلا يثبت حكمه في حقه ما لم يعلم به - وإن كان للورثة حق تضمين المستبضع - ; لأنه جان في نصيبهم من المال بالدفع إلى البائع من غير رضاهم . ثم فلهم أن يضمنوه إن شاءوا ، وإن شاءوا الآمر ; لأن دفعه كان بإذن الآمر فيكون كدفع الآمر بنفسه ، فإن ضمنوا المستبضع رجع به على الآمر ; لأنه غرم لحقه في عمل باشره له بأمره ، ولأن جميع المتاع صار للآمر فيكون عليه جميع الثمن ، وقد نقد نصف الثمن من ماله ونصفه من مال غيره ، وقد استحق أن يرجع عليه بمثله .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|