عرض مشاركة واحدة
  #236  
قديم 14-12-2025, 11:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,595
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 142 الى صـــ 151
(236)




وإن كان أعاره الأرض ليزرعها ووقت لذلك وقتا أو لم يوقت وقتا ، فلما تقارب حصاده أراد أن يخرجه ففي القياس له ذلك كما في البناء والغرس ، وهذا لأن الزارع زرع الأرض من غير حق لازم له فيها ، فلصاحبها أن يأخذها متى شاء كالغاصب للأرض إذا زرعها ، ولكن في الاستحسان لا يأخذها صاحبها إلى أن يحصد المستعير زرعها ; لأنه ما كان متعديا في الزراعة بجهة العارية ، ولإدراك الزرع نهاية معلومة ، فلو تمكن المعير من قلع زرعه كان فيه إضرار بالمستعير في إبطال ملكه ، ولو تركت في يد المستعير كان فيه إضرار بالمعير من حيث تأخير حقه ، وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير ، فإذا لم يكن بد من الإضرار بأحدهما ترجح أهون الضررين . بخلاف البناء والغرس ، فإنه ليس له نهاية معلومة فيكون الضرر من الجانبين ضرر إبطال الحق فترجح جانب صاحب الأصل على جانب صاحب التبع ، وبخلاف الغصب ; لأن الغاصب متعد في الزراعة في الابتداء ، فلا يستحق بفعل التعدي إبقاء زرعه ، ولم يبين في الكتاب أن الأرض تترك في يد المستعير إلى وقت إدراك الزرع بأجر أو بغير أجر قالوا : وينبغي أن يترك بأجر المثل كما لو انتهت مدة الإجارة والزرع نقل بعده ، وهذا لأن إبطال حق صاحب الأرض عن منفعة ملكه مجانا لا يجوز بغير رضاه ، وإنما يعتدل النظر من الجانبين إذا [ ص: 143 ] ترك الزرع إلى وقت الإدراك بأجر المثل .
( فإن ) رد المستعير الدابة مع غلامه فعقرها الغلام فهو ضامن لقيمتها يباع في ذلك أو يؤدي عنه مولاه لأنه استهلكها ، والعبد المحجور عليه يؤاخذ بضمان الاستهلاك في الحال .
( وإذا اختلف رب الدابة والمستعير فيما أعارها له ، وقد عقرها الركوب أو الحمولة فالقول قول رب الدابة عندنا ) وعند ابن أبي ليلى رحمه الله القول قول المستعير ; لأن رب الدابة يدعي سبب الضمان ، وهو الخلاف ، وهو منكر لذلك فالقول قوله ، ولكنا نقول : الإذن يستفاد من جهة صاحب الدابة ، ولو أنكر أصل الإذن كان القول قوله فكذلك إذا أنكر الإذن على الوجه الذي انتفع به المستعير ، وهذا لأن سبب وجوب الضمان قد ظهر ، وهو استعمال دابة الغير ، والمستعمل يدعي ما يسقط الضمان عنه ، وهو الإذن ، وصاحبها منكر لذلك ، فإذا حلف فقد انتفى المسقط ، ويبقى هو ضامنا بالسبب الظاهر .
وإن أعاره الأرض على أن يبني فيها أو يسكن ما بدا له ، فإذا خرج فالبناء لصاحب الأرض ، فهذا الشرط فاسد لأن البناء ملك الباني ، شرط رب الأرض ذلك عليه لنفسه بإزاء منفعة الأرض فيكون هذا إجارة لا إعارة ، وهي إجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه حين لم يذكر مدة معلومة ، وبجهالة الأجر حين لم يكن مقدار ما يبني معلوما لهما وقت العقد ، وعلى الساكن أجر مثل الأرض فيما سكن ; لأنه استوفى منفعتها بحكم عقد فاسد .
( وينقض الساكن بناءه إذا طالبه صاحبها برد الأرض ) ; لأن البناء ملكه . ( فإن قيل : ) لماذا لا يتملك البناء صاحب الأرض بحكم الإجارة الفاسدة ; لأنه صار قابضا له باتصاله بالأرض . ( قلنا : ) كان الشرط بينهما أن يبني الساكن لنفسه ، ثم البناء كان معدوما عند العقد ، والعقد على المعدوم لا ينعقد أصلا ، وإنما يملك بالقبض ما يتناوله العقد الفاسد .
وإذا مات المعير والمستعير انقطعت العارية . أما إذا مات المعير فلأن العين انتقلت إلى وارثه ، والمنفعة بعد هذا تحدث على ملكه ، وإنما جعل المعير للمستعير ملك نفسه لا ملك غيره ، وأما إذا مات المستعير فلأن المنفعة لا تورث ; لأن الوراثة خلافة ، وذلك فيما كان للميت فيخلفه فيه وارثه ، وإذا كانت المنافع لا تبقى وقتين لا يتصور فيها هذه الخلافة ، ولأن الدلالة قامت لنا على أن العقد على المنفعة بعوض يبطل بموت أحد المتعاقدين وهو الإجارة ، فما كان منها بغير عوض أولى . وكذلك إن كان قال له : هذه الدار لك سكنى ; لأن معناه : سكناه لك ، فإن قوله لك يحتمل تمليك العين ، ويحتمل تمليك المنفعة ، وقوله سكنى يكون تفسيرا لذلك المحتمل ، وكذلك إذا قال : عمري سكنى كان قوله سكنى تفسيرا لقوله عمري ، فإنما تثبت العارية [ ص: 144 ] بهذا اللفظ ، ثم تنقطع بموته .
( وإذا جاء رجل إلى المستعير ، وقال : إني استعرت من فلان هذا الذي عندك ، وأمرني أن أقبضه منك فصدقه ودفعه إليه فهلكت عنده ، ثم أنكر المعير أن يكون أمره بذلك ، فالمستعير ضامن له ) لأنه يدعي على المعير الأمر بالدفع إليه ، وهو منكر فالقول قوله مع يمينه ، وإذا حلف يتبين أن المستعير دفعه إلى غير المالك بغير إذنه ، وذلك موجب للضمان عليه . ( فإن قيل : ) لماذا لم تجعل هذه إعارة من المستعير حتى لا يكون موجبا للضمان عليه

( قلنا ) المستعير إذا أعاره من غيره ، فإنه يقيمه مقام نفسه في الانتفاع وإمساك العين ، فيكون يد الثاني كيد الأول ; ولهذا كان له أن يسترده متى شاء ، وهنا تسليمه إلى الثاني لم يكن بهذا الطريق بل بطريق أنه أحق بالعين منه ; ولهذا لا يملك الاسترداد منه ، فلا يمكن أن يجعل كالمعير منه ، ثم إذا ضمن المستعير لا يرجع به على الذي قبضه منه ; لأنه صدقه فيما ادعى ، ففي زعمه أنه مستعير من المالك ، وأنه لا ضمان على واحد منهما إلا أن المالك ظلمه حين ضمنه ، ومن ظلم فليس له أن يظلم غير ظالمه . وإن كان الذي جاء فقبض العارية منه خادم المعير ، وأنكر مولاه أن يكون أمره بذلك ، فلا ضمان على المستعير لما بينا أن الرد على خادم المعير كالرد على المعير ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان على المستعير .

وإذا رد المستعير الدابة فلم يجد صاحبها ولا خادمه فربطها في دار صاحبها على معلفها فضاعت فهو ضامن لها في القياس ; لأنه ضيعها حين أخرجها من يده ، ولم يسلمها إلى أحد يحفظها ، ألا ترى أن الغاصب لو فعل ذلك كان مضيعا ضامنا فكذلك المستعير ، وفي الاستحسان لا ضمان عليه ; لأنه ربطها في موضعها المعروف ، ولو ردها على صاحبها لكان يربطها في هذا الموضع فكذلك إذا ربطها بنفسه ، وهذا للعادة الظاهرة أن المستعير يأخذ الدابة من مربطها ، ويردها إلى مربطها فيثبت الإذن له من جهة صاحبها في ذلك بهذا الطريق دلالة ، وهذا بخلاف الغاصب ; لأنه ضامن محتاج إلى إسقاط الضمان عن نفسه بنسخ فعله ، وذلك لا يتم بردها إلى مربطها بعد ما أخذها من صاحبها ، فأما المستعير فهو أمين ، فإنما الحاجة إلى دفع سبب الضمان عنه وهو التضييع ، وقد اندفع باعتبار العادة ; لأن المربط في يد صاحب الدابة فإعادتها إلى المربط بمنزلة الإعادة إلى يد صاحبها حكما .
( ولو جحد المستعير العارية ، ثم زعم أنها هلكت فهو ضامن لها ) ; لأن العين كانت أمانة في يده فيصير ضامنا بالجحود كالمودع ، وإن لم يجحد ، ولكن قال : قد رددته أو ضاع مني فهو مصدق مع يمينه في كل ما يصدق فيه المودع ; لأنه أمين ينكر وجوب الضمان عليه .
( وعارية الدراهم [ ص: 145 ] والدنانير والفلوس قرض ) لأن الإعارة إذن في الانتفاع ، ولا يتأتى الانتفاع بالنقود إلا باستهلاك عينها فيصير مأذونا في ذلك وفيه طريقان : إما الهبة أو القرض فيثبت الأقل لكونه متيقنا به ، ولأن المستعير يلتزم رد العين بعد الانتفاع ، ويتعذر هنا رد العين فيقام رد المثل مقام رد العين ، والقبض الذي يمكنه من استهلاك المقبوض ويوجب عليه ضمان المثل القبض بجهة القرض . وكذلك كل ما يكال أو يوزن أو يعد مثل الجوز والبيض ، قال في الأصل : أرأيت لو استعار دراهم يشتري بها طعاما أو جارية أما كان له أن يأكل الطعام أو يطأ الجارية له ذلك ، والمال قرض عليه .

وإن استعار آنية يتجمل بها في منزله ، أو سكينا محلى أو سيفا أو منطقة مفضضة أو خاتما لم يكن شيء من هذا قرضا ; لأن الانتفاع بهذه الأعيان مع بقائها ممكن ; ولهذا تجوز إجارتها .
( قالوا : ) ولو أن صيرفيا استعار دراهم أو دنانير ليتجمل بها في حانوته أو ليعبر بها صنجاته ، فإنه لا يكون قرضا ; لأنهما لما صرحا به علمنا أن مقصودهما الانتفاع مع بقاء العين دون الإذن في استهلاك العين .
وإذا استعار دابة ليركبها إلى مكان معلوم فأخذ بها في طريق آخر إلى ذلك المكان فعطبت لم يضمن ; لأنه مأذون في الوصول عليها إلى ذلك المكان ، ولم يقيد له طريق ، فلا يكون مخالفا في أي طريق ذهب بعد أن يكون طريقا يسلكه الناس إلى ذلك المكان ، فإن كان طريقا لا يسلكه الناس إلى ذلك المكان فهو ضامن ; لأن مطلق الإذن ينصرف إلى المتعارف . وإن استعارها إلى حمام أعبر فجاوز بها حمام أعبر ، ثم جاء بها إلى حمام أعين أو إلى الكوفة فعطبت الدابة فهو ضامن لها حتى يردها إلى صاحبها . ( قيل : ) هذا إذا استعارها ذاهبا لا راجعا ، فأما إذا استعارها ذاهبا ، وجائيا فلا ضمان عليه ، وهكذا ذكر في النوادر ; لأنه في الأول لما وصل إلى حمام أعين انتهى العقد ، فإذا جاوز كان غاصبا ، فلا يبرأ إلا بالرد على المالك ، وفي الثاني إنما يضمن بالخلاف ، وهو استعمالها وراء المكان المشروط ، فإذا رجع إلى حمام أعين فقد ارتفع الخلاف ، والعقد قائم بينهما فيكون أمينا ( وقيل : ) الجواب في الفصلين سواء ; لأن يد المستعير يد نفسه . وفي الوديعة إذا خالف ، ثم عاد إلى الوفاق إنما أبرأناه عن الضمان ; لأن يده يد المالك فيجعل في الحكم كما لو رده على المالك ، وهذا لا يوجد هنا فبقي ضامنا كما كان ، وإن عاد إلى مكان العقد ما لم يوصله إلى المالك ، والإجارة في هذا كالعارية ; لأن يد المستأجر يد نفسه أيضا ، فإنه يقبض لمنفعة نفسه ، ورجوعه بضمان الاستحقاق لأجل الغرور الثابت بعقد ضمان لا ; لأن يده يد المالك يوضح الفرق أن [ ص: 146 ] المستعير والمستأجر يضمنان بالإمساك ، فإنه لو استعار أو استأجر دابة ليركبها إلى مكان كذا فأمسكها في المصر أياما كان ضامنا فكذلك إذا جاوز المكان المشروط ، فإنما ضمناه بإمساكها في غير الموضع الذي تناوله الإذن ، ولا ينعدم الإمساك إلا بالرد ، فأما المودع يصير ضامنا بالاستعمال لا بالإمساك ، وقد انعدم الاستعمال حين عاد الوفاق . يقول : فإن أقام صاحبها البينة أنها نفقت تحته في دير عبد الرحمن من ركوبه ، وأقام المستعير شاهدين أنه قد ردها إلى صاحبها أخذت ببينة رب الدابة ; لأنها تثبت سبب تقرر الضمان على الراكب ، وبينة المستعير تنفي ذلك ، والبينات للإثبات .
وإذا نفقت الدابة تحت المستعير ، ثم أقام رجل البينة أنها دابته يقضي القاضي له بالملك لإثباته ذلك بالحجة ، ولا يسأله البينة أنه لم يبع ولم يهب ; لأن ذلك لا يدعيه أحد ، والقاضي نصب لفصل الخصومات لا لإنشائها ، فإن ادعى ذلك الذي أراد أن يضمنه أو قال : أذن لي في عاريتها يحلف على ذلك ; لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه فإذا أنكر يستحلفه ، فإن نكل كان نكوله كإقراره ، فلا يضمن المستحق أحدا ، وإن حلف كان له أن يضمن أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما متعد في حقه ، المعير بالتسليم والمستعير بالقبض والاستعمال ، فإن ضمن المعير لم يرجع على المستعير ; لأنه ملكها من حين وجب عليه الضمان فيتبين أنه أعار ملك نفسه ، وإن ضمن المستعير لم يرجع على المعير أيضا ; لأنه ضمن بفعل باشره لنفسه بخلاف المودع ، ولأنه لم يصر مغرورا من جهة المعير حين لم يشترط المعير لنفسه عوضا ، بخلاف المستأجر فقد صار مغرورا من جهة الأجر بمباشرته عقد الضمان ، واشتراط العوض لنفسه ، ثم على المستأجر الأجر إلى الموضع الذي نفقت فيه الدابة ; لأنه استوفى المعقود عليه ، وذلك للأجر دون الملك ; لأن تقوم المنفعة كان بعقده ، وبه وجب الأجر ، ولا بأس بأن يعير العبد التاجر والعبد الذي يؤدي الغلة الدابة ، وفي القياس ليس لهما ذلك ; لأنه تبرع ، والمملوك ليس من أهله ، فإن تبرعه يكون بملك الغير ، ولأنه صار منفك الحجر عنه في التجارة ، والإعارة ليست من التجارة في شيء .

ووجه الاستحسان أن هذا من توابع التجارة ، فإن التاجر لا يجد منه بدا ; لأنه إذا أراد الإنسان أن يعامله ، فلا بد أن يجلسه في حانوته أو يضع وسادة له ، وهو إعارة لذلك الموضع منه ، وقد يستعار منه الميزان أو صنجات الميزان ، فإذا لم يعر لا يعار منه عند حاجته أيضا . وما يكون من توابع التجارة يملكه المأذون كاتخاذ الضيافة اليسيرة والإهداء إلى المجاهدين بشيء ، والأصل فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب [ ص: 147 ] دعوة المملوك } ، وحديث أبي سعيد مولى أبي أسيد رضي الله تعالى عنه قال : عرست ، وأنا عبد فدعوت رهطا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيهم أبو ذر فأجابوني فدل أن للعبد اتخاذ الدعوة حتى أجابه أبو ذر رضي الله تعالى عنه مع زهده .

والعبد الذي أمره المولى بأداء الغلة مأذون له في التجارة ; لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب ، فأمر المولى إياه بأداء الغلة يكون إذنا ناله في الاكتساب .
( عبد مأذون له ) أجر دابته من رجل فنفقت تحته فاستحقها رجل ، وضمن الراكب قيمتها يرجع بها على العبد المأذون كما يرجع على الحر ; لأنه صار مغرورا من جهته باشتراطه العوض لنفسه ، والمأذون يؤاخذ بضمان الغرور كالحر ; ولهذا تبين خطأ بعض المتأخرين من مشايخنا - رحمهم الله تعالى - أن ضمان الغرور كضمان الكفالة ، وأن الغار يصير كالقائل للمغرور : إن ضمنك أحد بسبب ركوب هذه الدابة أو استيلاد هذه الجارية في البيع فأنا ضامن لك ذلك ; لأنه لو كان هذا بطريق الكفالة لم يؤاخذ به المأذون ، فإن العبد المأذون لا يؤاخذ بضمان الكفالة ، ولكن الطريق أن من باشر عقد المعاوضة فهو ملتزم سلامة المعقود عليه عن العيب ، ولا عيب فوق الاستحقاق والرجوع عليه لهذا ; ولهذا لا رجوع على المعير الواهب ; لأنه لا يلتزم صفة السلامة بعقد التبرع . ثم العبد في التزام صفة السلامة بعقد المعاوضة ، وهو التجارة كالحر .
وإذا أعار عبد محجور عليه عبدا مثله دابة فركبها فهلكت تحته ، ثم استحقها رجل فله أن يضمن أيهما شاء ; لأن أحدهما غاصب لملكه بالتسليم إلى الآخر ، والآخر مستهلك باستعماله ، فإن ضمن الراكب لم يرجع على المعير لانعدام الغرور منه ، ولأن المعير كان محجورا عليه فلا يؤاخذ بضمان الأقوال ، وإن ضمن المعير رجع به مولاه في رقبة الراكب ; لأن الدابة صارت كسب المعير حين تقرر عليه ضمانها ، وكسب العبد لمولاه ، فتبين أن الراكب أتلف ملكه بغير رضاه ، وكذلك إن كانت الدابة لمولى المعير فله أن يضمن الراكب ; لأن إذن العبد المحجور عليه غير معتبر في إسقاط حق المولى فبقي الراكب مستعملا دابته بغير رضاه فكان غاصبا ضامنا .
وإن استعار الرجل دابة نتوجا فألقت من غير أن يعنف عليها ، فلا ضمان عليه ; لأنها لو هلكت من الركوب المعتاد لم يضمن ، فإذا هلك ما في بطنها أولى ، وإن ضربها ففقأ - عينها أو كبحها باللجام فهلكت فهو ضامن لها لأنه متلف بما صنع ، وإنما أذن له المالك في الركوب دون الضرب .
ولو استعار من رجل سلاحا ليقاتل به فضرب بالسيف فانقطع نصفين أو طعن بالرمح فانكسر ، فلا ضمان عليه ; لأنه مأذون في الاستعمال ، والاستعمال لا يكون إلا هكذا [ ص: 148 ] وإن ضرب به حجرا فهو ضامن ; لأن المعير إنما أذن له في المقاتلة بالسلاح ، والمقاتلة مع الخصم لا مع الحجر ، والضرب بالسيف الحجر غير معتاد أيضا فكان به ضامنا .
قال : ( وإذا قال المستعير في صحته أو مرضه : قد هلكت مني العارية فالقول قوله مع يمينه ) ; لأنه أمين فيه كالمودع ، ولا يتغير حكم أمانته بمرضه .
( وإذا ) كان على دابة بإعارة أو إجارة فنزل عنها في السكة ، ودخل المسجد ليصلي فخلى عنها فهلكت فهو ضامن لها ، وكذلك إن أدخل الحمل في بيته ، وخلى عنها في السكة ; لأنه ضيعها حين تركها في غير حرز لا حافظ معها ، من أصحابنا رحمهم الله من قال هذا إذا لم يربطها بشيء ، فإن ربطها لم يضمن ; لأنه متعارف لا يجد المستعير من ذلك بدا ، والأصح أنه يضمن إذا غيبها عن بصره ، ألا ترى أنه قال : وإن كان في صحراء فنزل ليصلي وأمسكها فانفلتت منه فلا ضمان عليه ، فبهذا تبين أن المعتبر أن لا يغيبها عن بصره ليكون حافظا لها ، فأما بعد ما غيبها عن بصره لا يكون هو حافظا لها ، وإن ربطها بشيء بل يكون مضيعا لها بترك الحفظ فيكون ضامنا .

وإذا استعارها ليركبها في حاجته إلى ناحية مسماة من النواحي في الكوفة فأخرجها إلى الفرات ليسقيها ، والناحية التي استعارها إليها من غير ذلك المكان فهلكت فهو ضامن لها لإمساكه إياها في غير الموضع المأذون فيه أو ركوبه إياها إلى موضع السقي . ( ولا يقال : ) إنما فعل هذا لمنفعة الدابة ; لأنه لا ولاية له على ملك الغير في ذلك إلا أن يأذن صاحبها ، وهو لم يأذن له في سقيها ، ولأنه يمكنه أن يسقيها في خروجه إلى الناحية التي استعارها إليها ; لأن الماء موجود في كل موضع .
( وإذا ) وجد المعير دابته مع رجل يزعم أنها له فهو خصم له فيها ; لأنها في يده ، وهو يدعي رقبتها ، وذو اليد في مثل هذا خصم للمستحق وإن قال الذي هي في يديه : أودعنيها فلان الذي أعرتها إياه ، فلا خصومة بينهما ; لأنهما تصادقا على أن الوصول إليه من ذلك الرجل ، وذلك الرجل ليس بخصم للمدعي لو كان حاضرا ; لأنه مستعير منه فكذلك من قامت يده فيها مقام يده لا يكون خصما ، ولأنهما تصادقا أنه مودع حافظ لها ، فلا يكون خصما ، وإن كان ذلك المستعير باعها من رجل أو باعها وصية بعد موته فأخذها صاحبها وأقام البينة أنها له قضي بها له ، ورجع المشتري بالثمن على بائعه ; لأن بالاستحقاق يتبين بطلان البيع .
وإذا طلب المعير ثوبه فأبى المستعير أن يدفعه فهلك عنده فهو ضامن لقيمته ; لأنه بالمنع بعد الطلب صار غاصبا ، وإن لم يمنعه ، ولكنه قال : دعه عندي إلى غد فرضي به صاحبه فلا ضمان عليه ; لأنه بهذا الرضا صار كالمجدد للإعارة منه ، فلا [ ص: 149 ] يكون في إمساكه إلى الغد متعديا .
( رجل ) أرسل رسولا يستعير له دابة من فلان إلى الحيرة فجاء الرسول إلى صاحبها وقال : إن فلانا يقول لك أعرني دابتك إلى المدينة فدفعها إليه فجاء بها الرسول فدفعها إلى الذي أرسله ، ثم بدا للذي أرسله أن يركبها إلى المدينة ، وهو لا يشعر بما كان من قول الرسول فركبها فهلكت تحته ، فلا ضمان عليه لأنه استعملها بإذن مالكها ، وإن ركبها إلى الحيرة فهلكت تحته فهو ضامن لها ; لأنه جاوز المكان الذي أذن فيه المالك فصار مستعملا لها بغير إذنه ، وهذا لأن ظنه غير معتبر ، إنما المعتبر إذن المالك ، وقد كان إلى الموضع الذي طلب الرسول ، ثم لا يرجع المرسل على الرسول بشيء ; لأنه لم يوجد منه عقد ضمان إنما أخبره بخبر أو لم يخبره بشيء ، ولكنه لم يبلغ رسالته كما أمره به ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، والكراء في هذا قياس العارية .
وإن قال : أعرتني دابتك فنفقت ، وقال رب الدابة : ما أعرتكها ، ولكن غصبتها فلا ضمان عليه إن لم يركبها ; لأنه أقر بفعل المالك في ملكه ، وذلك غير موجب للضمان عليه ، والمالك يدعي عليه سبب الضمان ، وهو الغصب فيكون القول قول المنكر . إن كان قد ركبها فهو ضامن لها ; لأن السبب الموجب للضمان عليه قد ظهر ، وهو استعمال دابة الغير بغير إذنه ، والإذن المسقط للضمان لا يثبت بدعواه ، وإن قال رب الدابة أجرتكها فالقول قول الراكب مع يمينه ; لأنهما تصادقا على أن الركوب حصل بالإذن ، ثم رب الدابة يدعي عليه الأجر ، والراكب منكر فالقول قوله لإنكار ذلك ، وهذا بخلاف العين ، فإنه إذا هلك مال الغير في يده فقال : وهبتها لي ، وقال المالك : بل بعتها منك ، فإنه يكون ضامنا ; لأن العين مال متقوم بنفسه ، فلا يسقط حق المالك عن ماليته إلا بإسقاطه ، فأما المنفعة إنما تأخذ حكم المالية والتقوم بعقد الإجارة ، ورب الدابة يدعي ذلك ، والراكب منكر ; فلهذا لا يضمن شيئا .
وإن أقام رجل البينة على أرض ونخل أنها له ، وقد أصاب ذو اليد من غلتها ، وثمرتها فهو ضامن لما أصاب من ذلك ، ( وقال ) ابن أبي ليلى لا ضمان عليه ; لأن الثمرة منفعة الأشجار ، والمنفعة لا تكون مضمونة بغير عقد ضمان كمنفعة الدابة ، ولكنا نقول : الثمرة عين مال متقوم بدليل جواز بيعها ، وهي مملوكة لصاحب الشجرة لتولدها من ملكه ، فيكون المصيب ضامنا لماله بالإتلاف ، كولد الجارية ، والحمل في الشاة إذا أتلفها .
وإذا غصب الرجل الأرض وزرعها فالزرع له ; لأنه حصل بعمله من بذره ، وهذا بخلاف ما إذا غصب جارية فأحبلها ، فإن الولد هناك يكون لصاحبها ; لأن حصول الولد بحضانتها في رحمها لا بفعل الواطئ ، فإن ماء الفحل [ ص: 150 ] يصير مستهلكها بالاختلاط بمائها ، ولأن الولد في حكم جزء من عينها ، وهي بجميع أجزائها مملوكة للمغصوب منه ، فأما الزرع ليس بجزء من الأرض ، ألا ترى أنه من جنس البذر ، وأنه حاصل بعمل الزارع كما قررناه في الغصب ، ثم الزارع ضامن لما نقص الأرض عندنا ، وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله لا ضمان عليه ; لأن العقار لا يكون مضمونا بالغصب ، والنقصان لم يحصل بفعله ، ولأن النقصان في الأرض من حيث تقليل المنفعة والريع ، والمنفعة لا تكون مضمونة على الغاصب ، ولكنا نقول : قد انتقص مالية العين بفعله ، وهو الزراعة فكان متلفا بقدر النقصان ، والعقار يضمن بالإتلاف كما لو هدم الأبنية أو قلع الأشجار ، ثم يرفع من الزرع مقدار بذره ، وما أنفق فيه وما غرم من نقصان الأرض ، ويتصدق بالفضل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه حصل له بكسب خبيث ، وفي قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله لا يتصدق بشيء ; لأنه حصل له بزراعته ، وهو سبب مشروع للاكتساب ، وقد بينا هذا في الغصب .
وإذا استأجر أرضا سنة فزرعها سنتين فعليه الأجر للسنة الأولى ; لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد صحيح ، وعليه نقصان الأرض بالزراعة في السنة الثانية ; لأنه غاصب فيما صنع ، ويتصدق بالفضل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله كما في الفصل الأول ، وعند ابن أبي ليلى عليه أجر مثلها في السنة الثانية لاعتبار الظاهر ، فكأنه زرعها في السنة الثانية بناء على العقد في السنة الأولى ، وإنما لم يتعرض له صاحبها لهذا ، والعقد ينعقد بالدلالة كما ينعقد بالتصريح فيلزمه أجر مثلها .
( ثم ) ختم الكتاب بمسألة ذكرها في كتاب الزكاة أن من وجد كنزا في دار رجل ففيه الخمس ، وأربعة أخماسه لصاحب الخلطة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله للواحد ، وإنما ذكر أبو يوسف رحمه الله هذه المسألة المختلفة بين أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله في آخر هذا الكتاب وآخر الوديعة ; لأن كل واحد منهما كان أستاذه ، فإنه كان في الابتداء يختلف إلى ابن أبي ليلى تسع سنين ، ثم تحول منه إلى أبي حنيفة ، واختلف عنده أيضا تسع سنين ، فأحب أن يذكر بعض الفصول عن أستاذيه جميعا ; فلهذا ذكر هذه الفصول ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ص: 151 ] كتاب الشركة )
( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى إملاء : الأصل في جواز الشركة ما روي { أن السائب بن شريك جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أتعرفني ؟ فقال : وكيف لا أعرفك ، وكنت شريكي ، وكنت خير شريك لا تداري ، ولا تماري . } أي : لا تداجي ، ولا تخاصم . وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يفعلون ذلك فأقرهم عليه ، وقد تعامله الناس من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير منكر .
( ثم ) الشركة نوعان : شركة الملك وشركة العقد . ( فشركة الملك ) أن يشترك رجلان في ملك مال ، وذلك نوعان : ثابت بغير فعلهما كالميراث ، وثابت بفعلهما ، وذلك بقبول الشراء ، أو الصدقة أو الوصية . والحكم واحد ، وهو أن ما يتولد من الزيادة يكون مشتركا بينهما بقدر الملك ، وكل واحد منهما بمنزلة الأجنبي في التصرف في نصيب صاحبه .

( وأما شركة العقد ) فالجائز منها أربعة أقسام : المفاوضة ، والعنان ، وشركة الوجوه ، وشركة التقبل . ويسمى هذا شركة الأبدان ، وشركة الصنائع . ( فأما العنان ) فهو مشتق من قول القائل : عن لي كذا أي عرض . قال امرؤ القيس :
فعن لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار في ملاء مذبل
. أي : عرض ، وزعم بعض أهل الكوفة أن هذا شيء أحدثه أهل الكوفة ، ولم يتكلم به العرب ، وليس كذلك ; فقد قال النابغة الجعدي :
وشاركنا قريشا في نقاها وفي أحسابها شرك العنان
. ( وقيل ) : هو مأخوذ من عنان الدابة ، على معنى أن راكب الدابة يمسك العنان بإحدى يديه ، ويعمل بالأخرى ، وكل واحد من الشريكين يجعل عنان التصرف في بعض المال إلى صاحبه دون البعض ، أو على معنى أن للدابة عنانين : أحدهما أطول ، والآخر أقصر ، فيجوز في [ ص: 152 ] هذه الشركة أن يتساويا في رأس المال ، والربح ، أو يتفاوتا ; فسميت عنانا ( وأما المفاوضة ) فقد قيل : اشتقاقها من التفويض ; فإن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه في جميع مال التجارة . ( وقيل ) : اشتقاقها من معنى الانتشار ، يقال : فاض الماء إذا انتشر واستفاض الخير يستفيض إذا شاع . فلما كان هذا العقد مبنيا على الانتشار ، والظهور في جميع التصرفات سمي مفاوضة . ( وقيل ) : اشتقاقها من المساواة ، قال القائل :
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
يعني : متساوين . فلما كان هذا العقد مبنيا على المساواة في المال والربح ; سمي مفاوضة

( وأما شركة الوجوه ) تسمى شركة المفاليس ، وهو أن يشترك الرجلان بغير رأس مال على أن يشتريا بالنسيئة ، ويبيعا . سميت بهذا الاسم على معنى أن رأس مالهما وجههما ، فإنه إنما يباع في النسيئة ممن له في الناس وجه ، وشركة التقبل أن يشترك صانعان في تقبل الأعمال كالخياطة والقصارة ، ونحو ذلك ، وتسمى شركة الأبدان لأنهما يعملان بأبدانهما . وشركة الصنائع ; لأن رأس مالهما صنعتهما .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]