عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 14-12-2025, 10:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,915
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 122 الى صـــ 131
(234)






ألا ترى أن لهم أن يسافروا بالمال من طريق البحر . وليس للمودع حق التصرف والاسترباح في الوديعة ; ولهذا : لا يسافر من طريق البحر ، يوضحه : أن مقصود المودع أن يكون ماله في المصر محفوظا ، يتمكن منه متى شاء ، ويفوت عليه هذا المقصود إذا سافر المودع به . وحجتنا في ذلك : أن الأمر مطلق ، فلا يتقيد بمكان دون مكان ، كما لا يتقيد بزمان ; وهذا لأن من يراعى أمره في شيء يراعى إطلاق أمره ، كأوامر الشرع ، والأمكنة كلها في صفة الأمر سواء ، إنما الخوف من الناس - دون المكان - فإذا كان الطريق أمنا ، كان الحفظ فيه كالحفظ في جوف المصر . ومراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بيان الحالة في ذلك الوقت . فإن المسلمين كانوا لا يأمنون خارج المدينة ; لغلبة الكفار .

ألا ترى أنه فيما أخبر من الأمر بعده قال : يوشك أن تخرج الظعينة من القادسية إلى مكة لا تخاف إلا الله - تعالى - والذئب على غنمها . ولا يجوز أن يتقيد مطلق أمره بالعرف والمقصود ; لأن النص مقدم على ذلك ، والمقصود مشترك ، فقد يكون قصده : أن يحمل المال إليه ، خصوصا إذا سافر إلى البلد الذي فيه صاحب المال ، ولأن المودع لا يتعذر عليه الخروج للسفر في حاجته بسبب قبول الوديعة ، وإذا خرج : فإما أن يدفع الوديعة إلى غيره ; فيكون تاركا للنص ; لأنه أمره أن يحفظ بنفسه ، وإما أن يحمل مع نفسه ; فيكون مخالفا لمقصوده ، ولا شك أن مراعاة النص أولى من مراعاة المقصود ، ولهذا قال أبو حنيفة : ماله حمل ومؤنة ، وما لا حمل له ولا مؤنة في ذلك سواء - بعدت المسافة أو قربت - لمراعاة النص ، وهو القياس . واستحسن أبو يوسف رحمه الله فقال : إذا كان له حمل ومؤنة ، فليس له أن يسافر به ; لأنه يلزم صاحبها مؤنة الرد ، ولا ولاية له عليه في إلزام المؤنة إياه . واستحسن محمد رحمه الله فقال : إذا قربت المسافة فله أن يسافر بها ، وإذا بعدت المسافة فليس له ذلك ; لأنه يعظم الضرر والمؤنة على صاحبها عند بعد المسافة ، إذا أراد ردها .
ولو أودعه وديعة فقال : لا تدفعها إلى امرأتك ، أو عبدك ، أو ولدك ، أو أجيرك ; فإني أتهمهم عليها ، فدفعها إلى الذي نهاه عنه ، فهلكت : فإن كان يجد بدا من الدفع إليه - بأن كان له سواه أهل وخدم - : فهو ضامن ، وإن كان لا يجد بدا من ذلك : لم يضمن ; لأن شرطه هذا مفيد ، وقد [ ص: 123 ] يأتمن الإنسان الرجل على ماله ولا يأتمن زوجته ، إلا أنه إنما يلزمه مراعاة شرطه بحسب الإمكان .

فإذا كان يجد بدا من الدفع إلى من نهاه عنه ; فهو متمكن من حفظها على الوجه المأمور به ، فيصير ضامنا بحفظها على الوجه المنهي عنه ، وإذا كان لا يجد بدا من ذلك ، فهو حافظ لها - بحسب الإمكان - وليس عليه أكثر من ذلك : فلا يضمنها .وإذا استعمل المودع الوديعة وأقر بذلك ثم قال : رددتها إلى مكانها فهلكت : لم يصدق إلا ببينة ; لأن السبب الموجب للضمان عليه - وهو الاستعمال - معلوم ، ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه - وهو ترك الخلاف قبل الهلاك - فلا يصدق إلا بحجة فإن أقام البينة أنه رده إلى وضعه صحيحا ، ثم هلك : كان الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، فلا يضمن شيئا عندنا .

وإن كانت الوديعة أمة ، فوطئها المودع ، فولدت : فالولد مملوك لصاحب الأصل ، وعلى المودع الحد ، ولا يثبت نسب الولد منه ; لأن فعله زنا محض ، وكونها وديعة عنده لا يمكن في شبهة المحل إلا أن يدعي شبهة نكاح ، أو شراء ; فحينئذ يسقط الحد عنه ، ويغرم العقر للشبهة .
( وإذا ) استودع رجلان رجلا وديعة من دراهم ، أو دنانير ، أو ثياب ، أو دواب ، أو عبيد ، ثم حضر أحدهما وطلب حقه منه : لم يكن له ذلك حتى يجتمعا ولو خاصمه إلى القاضي ، لم يأمره بدفع نصيبه إليه ، في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - : يأمره بأن يقسم ذلك ويدفع نصيبه إليه ، ولا تكون قسمته جائزة على الغائب ، وعن محمد - في الأمالي - قال : قول أبي حنيفة أقيس وقول أبي يوسف رحمه الله أوسع وجه : قولهما : أن كل واحد من المودعين مالك لنصيبه حقيقة ; فلا يتعذر عليه قبض نصيبه في غيبة الآخر ، كالشريكين في الدين إذا حضر أحدهما كان له أن يطالب المديون بنصيبه ; وهذا لأنه يجب دفع الضرر عن الحاضر ، كما يجب دفع الضرر عن الغائب ، وإنما يندفع الضرر عنهما فيما قلنا : بأن يقسم ، فيدفع إلى الحاضر نصيبه ، ليندفع الضرر عنه ، ثم لا تنفذ قسمته على الغائب ، حتى إذا هلك الباقي في يده ، ثم حضر الغائب : كان له أن يشارك الحاضر فيما قبض دفعا للضرر عنه ، هذا في المكيل والموزون واضح ، فإن الحاضر له أن ينفرد بأخذ نصيبه منهما مع غيبة الآخر ، فكذلك للمودع أن يدفع نصيبه إليه . وقد بينا نظيره في مال المفقود . ومذهب أبي حنيفة مروي عن علي . والمعنى فيه أنه لو دفع شيئا إلى الحاضر : فإما أن يكون المدفوع من نصيبهما جميعا ، أو نصيب الحاضر خاصة ، ولا يمكن أن يجعل ذلك من نصيب الحاضر خاصة ; لأن ذلك لا يكون إلا بعد قسمة معتبرة ، وليس للمودع ولاية على الغائب في القسمة ، فلم يبق إلا أن يكون المدفوع من النصيبين ، [ ص: 124 ] ودفع مال الغير إلى الغير يكون جناية ; فلا يكون للمودع أن يباشر ذلك ، ولا يأمره القاضي به . والحاضر ، وإن كان يتضرر بهذا ، فقد رضي بالتزام هذا الضرر حين ساعد شريكه على الإيداع قبل القسمة ، وإن كان يتمكن هو من أخذه . فكذلك لا يدل على أنه يكون للمودع أن يدفع إليه .

ألا ترى أن صاحب الدين إذا طالب المودع بقضاء دينه من الوديعة ، لم يؤمر المودع بذلك ، ولو ظفر به وهو من جنس حقه كان له أن يأخذه ، وهذا بخلاف الدين ; لأن المديون إنما يقضي بالدين من ملك نفسه ، فدفعه نصيب الآخر إليه تصرف في ملكه ، وليس فيه قسمة على الغائب ; فلهذا يؤمر بخلاف ما نحن فيه .

( رجل ) أودع رجلا دراهم ، فجاء رجل فقال : أرسلني إليك صاحب الوديعة لتدفعها إلي ، فصدقه ، ودفعها إليه ، فهلكت عنده ، ثم حضر صاحبها وأنكر الرسالة : فإنه يضمنها له ; لأنه دفع ماله إلى غيره . وبتصادقهما : لا يثبت الأمر في حق المالك إذا أنكر ; فكان ضامنا ، ولا يرجع بها على الرسول إذا كانت الوديعة هلكت في يده ، أو زعم أنه أوصلها إلى صاحبها ; لأنه قد صدقه - فإنه رسول أمين - وإن المالك ظالم في تضمينه إياه ، ومن ظلم فليس له أن يظلم غيره ، إلا أن يكون المقبوض قائما بعينه في يده فيأخذه ; لأنه قد تملكه بأداء بدله ، وإن كان كذبه في دعوى الرسالة ، أو لم يصدقه ولم يكذبه ، ودفع المال إليه ، ثم جاء المالك فضمنه ، فله أن يرجع على الرسول ; لأنه لم يقر بأنه كان أمينا ، ولكن دفع المال إليه بناء على قوله أنه رسول المالك ، وأنه لا يلحقه غرم بسبب الدفع إليه ، فإذا لحقه غرم كان له أن يرجع عليه به ، ولو صدقه في دعوى الرسالة ، ودفعه إليه ، وضمنه يعني أن الرسول قال له : إن لحقك فيه غرم فأنا ضامن لك ، ثم حضر المالك وضمنه : فله أن يرجع على الرسول ; لأنه قد ضمن له ذلك ، وهذه كفالة مضافة إلى سبب وجوب المال ; فإنهما يتصادقان أن المالك ظالم وأن ما يقبضه دين عليه للمودع ، والرسول ضمن له ذلك مضافا إلى سبب الوجوب ; فلهذا طالبه به .
( وإذا ) كان عند رجل وديعة ، أو عارية ، أو بضاعة ، فغصبها منه رجل ، فهو خصمه فيها " عندنا " ، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - : لا خصومة بينهما ، حتى يحضر المالك . ولأن المال ملك صاحبه ، فإنما يخاصم في الاسترداد ، هو أو وكيله ، والمودع ليس بوكيل عنه في الخصومة ; فلا يخاصم في الاسترداد كأجنبي آخر . ولكنا نقول : للمودع يد معتبرة في الوديعة ، وقد أزالها الغاصب ; فكان له أن يخاصم عن نفسه ; لإعادة اليد التي أزالها بالغصب ، ولأنه مأمور بالحفظ من جهة المودع ، ولا يتأتى له الحفظ إلا باسترداد عينه من الغاصب ، أو استرداد [ ص: 125 ] قيمته بعد هلاك العين ; ليحفظ ماليته عليه ، فكان كالمأمور به دلالة ، وفي إثبات حق الخصومة له تحقيق معنى الحفظ ; لأن الغاصب إذا علم أن المودع لا يخاصمه في حال غيبة المودع تجاسر على أخذه ; فلهذا كان المودع فيه خصما .
وإن كانت الوديعة عند رجلين - من ثياب أو غيرها - فاقتسماها وجعل كل واحد منهما نصفها في بيته ، فهلك أحد النصفين ، أو كلاهما : فلا ضمان عليهما . وهكذا أمر الناس ; لأنهما لا يستطيعان أن يجتمعا على حفظها في مكان واحد ; لما بينا أن المودع إنما يلتزم الحفظ بحسب إمكانه . ومعلوم أنهما لا يقدران على أن يتركا جميع أشغالهما ، ويجتمعا في مكان واحد لحفظ الوديعة . والمالك لما أودعهما - مع علمه بذلك - فقد صار راضيا بقسمتها وحفظ كل واحد منهما للنصف دلالة ، والثابت بالدلالة كالثابت بالنص . وإن أبيا القسمة وأودعاه عند رجل ، فهلك : ضمناه ; لتركهما ما التزماه من الحفظ والمستبضعان والوصيان ، والعدلان في الرهن قياس المودعين في ذلك ، فإن تركها أحدهما عند صاحبه - وإن كان ذلك شيئا لا يحتمل القسمة - فلا ضمان على واحد منهما إذا هلك ; لأن المالك لما أودعهما - مع علمه أنهما لا يجتمعان على حفظه آناء الليل والنهار - فقد صار راضيا بحفظ كل واحد منهما لجميعه .

ألا ترى أنهما يتهايآن في الحفظ ، وفي مدة المهايأة يتركه كل واحد منهما عند صاحبه في نوبته .

فإن كان شيئا يحتمل القسمة ، فتركه أحدهما عند صاحبه : فلا ضمان على الذي هلك في يده ; لأنه مقبل على حفظه ، وهو في نصيب صاحبه مودع المودع . ومودع المودع عند أبي حنيفة لا يضمن . فأما الدافع عند أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه ضامن للنصف ; لأنه ترك الحفظ الذي التزمه مع الإمكان ، فإنهما يتمكنان من القسمة ; ليحفظ كل منهما نصفه ، وعندهما لا يضمن شيئا ; لأنه لما ائتمنهما ، فقد صار راضيا بحفظ كل واحد منهما له ، كما لا يحتمل القسمة . وقول أبي حنيفة أقيس ; لأن رضاه بأمانة اثنين لا يكون رضا بأمانة واحد ، فإذا كان الحفظ منهما يتأتى عادة ، لا يصير راضيا بحفظ أحدهما للكل وحده .

( وإذا ) احترق بيت المودع وأخرج الوديعة مع متاعه ، ووضعه في بيت جاره ، فهلك : فهو ضامن في القياس ; لأنه ترك الحفظ الذي التزمه بالتسليم إلى غيره ، وعذره يسقط المأثم عنه ، ولكن لا يبطل حق المالك في الضمان . وفي الاستحسان : لا ضمان عليه ; لأنه لا يجد بدا من هذا في مثل هذه الحالة ، ولأن وضعه في بيت جاره - في مثل هذه الحالة - من الحفظ ; لأنه يقصد به دفع الحرق عن الوديعة .

ألا ترى أنه إنما يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ، وإنما يحفظ مال نفسه في هذه [ ص: 126 ] الحالة بهذا الطريق . أرأيت لو كان في سفينة ، فغرقت ، فناول الوديعة إنسانا على الجلد - يمسكها - أكان ضامنا ؟ .

( وإذا ) كانت الوديعة إبلا ، أو بقرا ، أو غنما ، وصاحبها غائب ، فإن أنفق عليها المستودع من ماله بغير أمر القاضي ، فهو متطوع ; لأنه متبرع بالإنفاق على ملك الغير ، بغير أمره . وإن دفعها إلى القاضي : يسأله البينة ; لأنه يدعي ثبوت ولاية الأمر بالإنفاق للقاضي فيه ; فلا يصدقه إلا ببينة .

فإن أقام البينة أنها وديعة عنده لفلان : أمره أن ينفق عليها من ماله على قدر ما يرى القاضي ; لأنه مأمور بالنظر ، والحيوان لا يبقى بدون النفقة ، والمودع لا ينفق بغير أمره ; لأنه لا يرضى بالتبرع به ، فيأمره بذلك ، نظرا منه للغائب ، ويكون ذلك دينا على رب الوديعة ; لأن أمر القاضي - في حال قيام ولايته - كأمره بنفسه ، ولو أمره بأن ينفق : كان ما ينفقه دينا له على المالك . فكذا إذا أمره القاضي به .

فإذا جاء : أجبره على رد نفقته عليه ، وإن رأى القاضي أن يأمره ببيعها ، فعل ذلك ، وإذا باعها جاز بيعه ; لأن في الأمر بالإنفاق تلف بعض المالية على المالك ، وفي البيع يتوفر عليه حفظ جميع المالية فلهذا نفذ بيعه بأمر القاضي . وإن لم يكن رفعها إلى القاضي ، واجتمع عنده من ألبانها شيء كثير ، يخاف فساده ، أو كان ذلك ثمرة أرض فباع بغير أمر القاضي ; فهو ضامن لها إن كان في مصر يتمكن من استطلاع رأي القاضي . وإن باعها بأمر القاضي لم يضمن ; لأن القاضي نائب الغائب فيما يرجع إلى النظر له ، ولو تمكن من استطلاع رأي المالك فباعه بغير أمره : لم ينفذ بيعه ، وكان ضامنا . فكذلك إذا تمكن من استطلاع رأي القاضي فلم يفعل ، فأما إذا كان في موضع لا يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك الشيء : لم يضمن - استحسانا - ; لأن بيعه الآن من الحفظ ، وليس في وسعه إلا ما أتى به . ( وحكي ) أن أصحاب محمد رحمهم الله مات رفيق لهم في طريق الحج ، فباعوا متاعه ، وجهزوه به ، ثم رجعوا إلى محمد - رحمه الله - فسألوا عن ذلك فقال : لو لم تفعلوا لم تكونوا فقهاء { والله يعلم المفسد من المصلح } . وإن حمل عليها المستودع ; فنتجت ، ولم يكن صاحبها أمر بذلك : فأولادها لصاحبها ; لأن الولد خير متولد من الأصل ، يملك بملك الأصل ، وإن هلكت الأمهات بذلك ، فالمستودع ضامن لها ; لأنه مخالف حين أتى بغير ما أمر به فيضمن ما هلك بسببه .

( ولو ) أكرى الإبل إلى مكة ، وأخذ الكراء كان الكراء له ; لأنه وجب بعقده ، وليست الغلة كالولد ولا كالصوف واللبن ; فإن ذاك يتولد من الأصل فيملك بملك الأصل ، وهذا غير متولد من الأصل ، بل هو واجب بالعقد ; فيكون للعاقد . وقد بينا نظيره [ ص: 127 ] في الغصب .

( وإن ) ادعى المستودع أنه أنفق الوديعة على عيال المودع بأمره ، وصدقه عياله في ذلك ، وقال رب الوديعة لم آمرك بذلك : فالقول قول رب الوديعة مع يمينه ; لأن المودع باشر سبب الضمان في الوديعة - وهو الإنفاق - وادعى ما يسقط الضمان عنه - وهو إذن المالك - ; فلا يصدق على ذلك إلا ببينة ، وإذا لم تكن له بينة : فالقول قول رب الوديعة مع يمينه لإنكاره . وكذلك لو ادعى أنه أمره بأن يتصدق بها على المساكين ، أو يهبها لفلان .
فإن كانت الوديعة جارية فزوجها المستودع من رجل ، وأخذ عقرها فولدت ، ونقصتها الولادة ، ثم جاء سيدها : له أن يأخذها وولدها ، وله أن يفسد النكاح ; لأن المودع باشره بغير رضاه فكان موقوفا على إجازته ، وإذا فسد النكاح : أخذ عقرها ; لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين ، والعقر كالأرش ، فيكون بمنزلة المتولد من العين بخلاف الأجر ، ويضمن المستودع نقصان الولادة إن كانت الولادة نقصتها ، ولم يكن في الولد وفاء بها ، وإن كان في الولد وفاء بها : انجبر النقصان بالولد ; لأن المودع صار كالغاصب فيما صنع ، وقد بينا هذا الحكم في حق الغاصب . وإن كان نقصانها من غير الولادة - من شيء أحدثه الزوج من جماعها - فالمستودع ضامن لذلك ; لأنه سلط الزوج على ذلك ، وصار غاصبا بما صنع ، وإنما ينجبر بالولد نقصان الولادة ; لاتحاد سبب النقصان والزيادة ، وذلك لا يوجد في نقصان حدث بسبب آخر ، وإن كان المستودع استهلك الولد : ضمن قيمة الولد ; لأن الولد كان أمانة عنده - كولد الغصب عند الغاصب - فيضمن قيمته بالاستهلاك . ( ثم ) رد قيمة الولد كرد عينه في انجبار نقصان الولادة به .
( رجل ) استودع رجلين جارية فباع أحدهما نصفها الذي في يده فوقع عليها المشتري فولدت له ، ثم جاء سيدها : ( قال ) : يأخذها وعقرها ، وقيمة الولد ; لأن المستولد مغرور ، فإن قيام الملك له في نصفها كقيام الملك له في جميعها ، في صحة الاستيلاد ، ولو كان الملك له في جميعها ظاهرا ، كان يتحقق الغرر ، فكذلك في نصفها . وولد المغرور حر بالقيمة . ثم رد قيمة الولد كرد عين الولد في جبر نقصان الولادة به فإن لم يكن في قيمة الولد وفاء بالنقصان : أخذ تمام ذلك من المشتري ; لأن المشتري كان غاصبا لها في حق مالكها ، فيكون ضامنا لما حدث من النقصان في يده ، ثم يرجع المشتري على البائع بالثمن ، وبنصف قيمة الولد ; لأن البائع إنما ملكه نصفها ، ولو ملكه كلها رجع عليه بجميع قيمة الولد ، إذا ظهر الاستحقاق ، فالجزء معتبر بالكل . وأما الرجوع بالثمن فلانفساخ البيع بسبب الاستحقاق ، وإن شاء رب الجارية ضمن [ ص: 128 ] البائع نصف النقصان ; لأنه كان أمينا في نصفها ، وقد تعدى بالبيع والتسليم .

ألا ترى أنها لو هلكت كان له أن يضمن البائع نصف قيمتها ، فكذلك إذا فات جزء منها بالولادة .

فإن لم يعلم أن الجارية لهذا الذي حضر إلا بقول المستودعين لم تقبل شهادتهما في ذلك ; لأن البائع منهما مناقض في كلامه ، والآخر قد تملك عليه المستولد نصيبه أيضا بالضمان ; فلا تقبل شهادتهما على إبطال ملك ثابت للمستولد عليهما ، ولكن الجارية أم ولد للمشتري ، باعتبار الظاهر ، ويضمن لشريكه نصف قيمتها ، ونصف عقرها فيدفعه إلى شريكه فيها ، كما هو الحكم في جارية مشتركة بين شريكين يستولدها أحدهما .

( فإن قيل ) : كيف يغرم للشريك هنا ، وهو يأبى ذلك ، ويزعم أنها مملوكة لغيره ؟ ( قلنا ) : نعم ، ولكنه صار مكذبا في زعمه شرعا حين كانت الجارية أم ولد للمشتري ; فلهذا سقط اعتبار زعمه .

( وإذا ) جحد المستودع ما عنده من الوديعة ، ثم أودع من ماله عند المودع مثل ذلك : وسعه إمساكه قصاصا بما ذهب به من وديعته ; لأن المال صار دينا له على المستودع بجحوده . وصاحب الحق متى ظفر بجنس حقه من مال المديون يكون له أن يأخذه . والأصل فيه : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند : { خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } .

( وقيل ) في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الحق : اليد واللسان ، أن المراد أخذ جنس حقه إذا ظفر به . وكذلك إن كان المال دينا عليه ، وأنكره ، ثم أودعه مثله ، فأما إذا أودعه شيئا من غير جنس حقه لم يسعه إمساكه عنه ; لأن هذا بيع عند اختلاف الجنس فلا ينفرد هو به ، والأول : استيفاء ، وصاحب الحق ينفرد بالاستيفاء ، وحكي عن ابن أبي ليلى رحمه الله التسوية بينهما ; للمجانسة من حيث المالية ، ولكنه بعيد ; فالوديعة عين لا يكون له أن يحبسها باعتبار صفة المالية ، إذا لم يثبت له حق تملك العين ، ولا يدخل عليه المرهون ; لأن هناك : المرتهن يحبس المرهون بإيجاب الراهن ملك اليد له في العين ، وإن كان عند الهلاك يصير مستوفيا دينه باعتبار المالية ، ثم عند المجانسة إذا طلب الثاني يمين المودع الأول ، كان له أن يحلف بالله : لا يلزمني تسليم شيء إليك ، فإن قال للقاضي : حلفه بالله ما استودعته كذا : فله ذلك إلا أن يؤدي المدعى عليه ، فيقول : قد يودع الرجل غيره شيئا ، ثم لا يلزمه تسليم شيء إليه . فإن أدى بهذه الصفة ، فقد طلب من القاضي أن ينظر له ، فيجيبه إلى ذلك .

فأما إذا لم يذكر هذا فإن القاضي يحلفه - كما طلب الخصم - بالله ما أودعه ما يدعي ، ثم لا ينبغي له أن يحلف على ذلك ; لأنه يكون كاذبا في يمينه ، ولا رخصة في اليمين الكاذبة ، فطريق التخلص له : أن [ ص: 129 ] يعرض للقاضي بما ذكرنا ، أو يحلف : ما استودعتني شيئا إلا كذا وكذا ، يستثني ذلك بكلامه ويخفيه من خصمه ومن القاضي ، ويسعه ذلك ; لأنه مظلوم دافع الضرر عن نفسه ، غير قاصد إلى الإضرار بغيره ، إلا أن مجرد نيته لا تكفي لذلك ; لأنه يحتاج إلى إخراجه من جملة ما يتناوله كلامه ، لولا الاستثناء ، وذلك يحصل بالنية ; لأن الاستثناء بيان أن كلامه عبارة عما وراء المستثنى ، فلا يحصل ذلك إلا بما يصلح أن يكون ناسخا ، أو معارضا ، ومجرد النية لا تصلح لذلك ; فلهذا شرط التكلم بالاستثناء . وجه ذلك ما لو قرب إنسان أذنه من فمه سمع ذلك ، وفهمه .

وأما إذا غاب رب الوديعة ، ولا يدرى : أحي هو أو ميت ، فعليه أن يمسكها حتى يعلم بموته ; لأنه التزم حفظها له ، فعليه الوفاء بما التزم ، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في العهود : وفاء لا غدر فيه . بخلاف اللقطة فإن مالكها غير معلوم عنده ، فبعد التعريف : التصدق بها طريق لا يصلها إليه ، وهنا مالكها معلوم ، فطريق إيصالها الحفظ إلى أن يحضر المالك ، أو يتبين موته فيطلب ، وارثه ، ويدفعها إليه .
، وإن مات الرجل ، وعليه دين ، وعنده ، وديعة ، ومضاربة ، وبضاعة ، فإن عرفت بأعيانها : فأربابها أحق بها من الغرماء ; لأن حق الغرماء بعد موت المديون يتعلق بماله دون مال سائر الناس ، وكما كانوا أحق بها في حياة المديون فكذلك بعد موته . وإن لم تعرف بأعيانها : قسم المال بينهم بالحصص ، وأصحاب الوديعة ، والمضاربة ، والبضاعة بمنزلة الغرماء عندنا ، وعلى قول ابن أبي ليلى : الغرماء أحق بجميع التركة . وأصل المسألة أن الأمين إذا مات مجهلا للأمانة ; فالأمانة تصير دينا في تركته عندنا ; لأنه بالتجهيل صار متملكا لها ، فإن اليد المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك ; ولهذا : لو شهد الشهود بها كان ذلك بمنزلة الشهادة بالملك ، حتى يقضي القاضي للوارث والمودع بالتمليك ; فيصير ضامنا ، ولأنه بالتجهيل يصير مسلطا غرماءه وورثته على أخذها . والمودع بمثل هذا التسليط يصير ضامنا كما لو دل سارقا على سرقتها ، ولأنه التزم أداء الأمانة ، ومن أداء الأمانة : بيانها عند موته ، وردها على المالك إذا طلب ، فكما يضمن بترك الرد بعد الطلب يضمن أيضا بترك البيان عند الموت وابن أبي ليلى يقول : هذا كله إذا علم قيامها عند الموت ، ولا يعرف ذلك ، ولكنا نقول : قد علمنا بقاءها ، والتمسك بما هو المعلوم واجب ، ما لم يتبين خلافه ، وربما يقول : حق الغرماء كان في ذمته ، ويتحول بالموت إلى ماله ، وحق أصحاب الأمانة لم يكن في ذمته في حياته ، فكيف يزاحمون الغرماء في ماله بعد موته ؟ ولكنا نقول : صار حقهم أيضا دينا قبل [ ص: 130 ] موته حين وقع اليأس عن بيانه ، ثم حق أصحاب الأمانة من وجه أقوى ، لعلمنا أنه كان في عين المال الذي في يده ، ومن له حق العين ، فهو مقدم على سائر الغرماء - كالمرتهن في الرهن - فإن كان لا يستحق صاحب الأمانة الترجيح ، فلا أقل من أن يزاحم الغرماء .
( وإذا ) رد المستودع الوديعة إلى المودع ، ثم أقام رجل البينة أنها له ، وحضروا عند القاضي : فلا ضمان على المستودع ; لأن فعله في القبض قد انتسخ بالرد إلى من أخذ منه ; فلا يبقى له حكم بعد ذلك ، وبيان الانتساخ من حيث الحس ظاهر . ومن حيث الحكم : فلأنه مأمور بالرد شرعا على من أخذها منه قبل حضور المالك .

ألا ترى أن الأول لو كان غاصبا معروفا فطالب المودع بالرد عليه قبل أن يحضر المالك : ألزمه القاضي ذلك ، وكذلك لو كانت سرقة ، أو غصبا : فالمودع بالرد على من أخذه منه يكون ناسخا حكم فعله فيبقى للمالك قبله حق ; وهذا لأن وجوب الضمان عليه باعتبار التفويت ; فإن بأخذه فات على المالك التمكن من الأخذ من الأول ، وقد زال ذلك بالإعادة إلى يده . وكذلك إن كان المودع صبيا ، أو عبدا محجورا عليه ، وكذلك إن كان رب الوديعة صبيا ، أو عبدا ; لأن المسقط للضمان في حق المودع : رده إلى من أخذه منه ، وذلك متحقق منه .

( وإن ) كان المودع دفعها إلى إنسان بأمر المودع ، أو باع ، أو وهب ، وسلم بأمره ، ثم ظهر الاستحقاق : كان للمستحق أن يضمن المستودع ; لأنه ما نسخ فعله بالرد إلى من أخذه منه إنما سلمه إلى غيره ، وذلك سبب موجب للضمان عليه بدون أمر المودع ، وقد ظهر بالاستحقاق أن أمره لم يكن معتبرا ; فكان المستودع ضامنا - بخلاف الأول - فقد رد هناك إلى الموضع الذي أخذه منه ، وذلك ناسخ لفعله .
( عبد ) استودع رجلا وديعة ، ثم غاب : لم يكن لمولاه أن يأخذ الوديعة تاجرا كان العبد ، أو محجورا ; لأن المودع ما قبض منه شيئا ، ولأن تمكنه من أخذ هذا المال بشرطين ، ( أحدهما ) : قيام ملكه في رقبة الدافع في الحال .

( والثاني ) : فراغ ذمة الدافع عن دين العبد ; لأن دين العبد في كسبه مقدم على حق المولى ، والمودع ليس بخصم في إثبات هذين الشرطين عليه ، ولأنه إنما يتمكن من أخذه إذا علم أن الوديعة كسب العبد ، وذلك غير معلوم فلعلها كانت وديعة في يده لغيره ، وإنما أورد هذا لإيضاح ما سبق أن المودع رد الوديعة إلى من أخذها منه ، وليس عليه طلب المالك ليردها عليه ، فإن في هذا الموضع يلزمه ردها إلى العبد إذا حضر ، ولا يلزمه ردها على مالكها .

( وإذا ) مات رب الوديعة : فالوارث خصم في طلب الوديعة ; لأنه خليفة [ ص: 131 ] المورث ، قائم مقامه بعد موته ، فإن كان على الميت دين ، وله وصي ، فينبغي للمستودع أن يدفع الوديعة إلى الوصي ; لأنه قائم مقام الوصي بعد موته فأما الوارث فإنما يخلف المورث بشرط فراغ التركة عن حق الغرماء ; لأن حق الغرماء مقدم على حق الوارث ; فلهذا كان له أن يدفعها إلى الوصي ليبيعها فيقضي الدين ، ثم يدفع ما بقي إلى الوارث .
( وإن ) كانت الوديعة عبدا ، أو دابة ، أو ثوبا واحدا عند رجلين : فإنهما يتهايآن على حفظه ; فيمسكه كل واحد منهما شهرا ; لأن اجتماعهما على الحفظ - آناء الليل والنهار - لا يتصور ، ولأنهما يحفظان ما لا يحتمل القسمة من ملكهما بهذه الصفة ، فكذلك من الوديعة ; لأنهما يحفظان الوديعة على الوجه الذي يحفظان ما لهما .

( وإن ) وضعه أحدهما عند صاحبه ، فهلك ، لم يضمنا شيئا ; اعتبارا بما لو هلك في يد أحدهما في زمان المهايأة ، وقد بينا هذا .

( وإذا ) قال رب الوديعة : أودعتك عبدا وأمة ، وقال المستودع : ما أودعتني إلا الأمة ، وقد هلكت ، فأقام رب الوديعة البينة على ما ادعى : ضمن المستودع قيمة العبد ; لأنه جحد الوديعة في العبد ; فصار ضامنا قيمته ، ولا ضمان عليه في الأمة ; لأنه مقر الوديعة فيها ، وقد زعم أنها هلكت ، فالقول قوله مع يمينه .
( رجلان ) ادعى كل واحد منهما أمة في يد رجل أنه أودعها إياه ، وقال المستودع : ما أدري لأيكما هي ، غير أني أعلم أنها لأحدكما . ( قال ) : يحلف لكل واحد منهما ; لأن كل واحد منهما يدعي عليه أنه أودعه الأمة بعينها ، وهو منكر لذلك ، إنما أقر بإيداع أحدهما بغير عينه منه ، والمنكر غير المعين ; فلهذا يحلف لكل واحد منهما . وتمام بيان المسألة في كتاب الإقرار . وإنما أورد المسألة هنا لبيان خلاف ابن أبي ليلى في فصل ، وهو أنه إذا أبى أن يحلف لهما ، فإنه يدفع الأمة إليهما ، ويغرم قيمتها بينهما نصفين . وعند ابن أبي ليلى يردها عليهما ، ولا شيء عليه سوى ذلك ، وهو - بناء على ما بينا - أن التجهيل غير موجب للضمان على المودع . " وعندنا " : التجهيل موجب للضمان عليه ، وقد صار مجهلا في حق كل واحد منهما ، فيصير ضامنا ، ثم بنكوله صار مقرا لكل واحد منهما أنه أخذ جميعها منه ، وإنما رد على كل واحد منهما نصفها ، فيصير ضامنا لكل واحد منهما ما بقي من حقه ، وذلك بأن يغرم قيمتها بينهما .

ألا ترى أنه لو قال : هذا استودعنيها ، ثم قال : أخطأت ، بل هو هذا ، كان عليه أن يدفعها إلى الأول ; لأن إقراره له بها صحيح ، ورجوعه بعد ذلك باطل ، ويضمن للآخر قيمتها ; لإقراره أنها للثاني ، وأنه صار مستهلكا على الثاني بإقراره بها للأول ; فيكون ضامنا له قيمتها . وهذا إذا دفعها إلى الأول بغير قضاء [ ص: 132 ] القاضي ، وكذلك إن كان دفعها بقضاء القاضي في قول محمد . وفي قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكون ضامنا ; لأن بمجرد إقراره لم يفت على الثاني شيء ، وإنما الفوات بالدفع إلى الأول ، وقد كان بقضاء القاضي ، ولكن محمد - رحمه الله - يقول هو الذي سلط القاضي على القضاء بها للأول بإقراره قد أقر أنه مودع فيها من الثاني ، والمودع إذا سلط الغير على أخذ الوديعة يصير ضامنا للمودع .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]