عرض مشاركة واحدة
  #231  
قديم 14-12-2025, 11:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 92 الى صـــ 101
(231)







ولو غصب من آخر كتانا فغزله ونسجه فعليه مثله أو قيمته إن كان لا يوجد مثله ، ولا سبيل له على الثوب ، وكذلك إن غصب قطنا فغزله ، ونسجه أو غصب غزلا فنسجه ، وهذا عندنا ، فأما على قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول الشافعي رضي الله عنه فلصاحب الكتان والقطن الخيار على نحو ما بينا في الحنطة إذا طحنها ; لأنه لا فرق بين الفصلين في المعنى ، فإن هناك الغاصب فرق الأجزاء المجتمعة بالطحن ، وهنا جمع الأجزاء المتفرقة بالنسج ، فكما لا تبدل العين بتفريق المجتمع فكذلك لا تتبدل بجمع المتفرق ، وهو كما غزل القطن ولم ينسجه ، فإنه لا ينقطع حق صاحب القطن ، ولكن يثبت له الخيار ، ولكنا نقول : الثوب غير الغزل والقطن صورة ومعنى .

أما الصورة فالغزل خيط ممدود ، والثوب مؤلف مركب له طول وعرض ، والدليل على المغايرة تبدل الاسم ، ومن حيث المعنى والحكم الغزل والقطن موزون ، وهو مال الربا ، والثوب مذروع ليس بمال الربا ، وبعد [ ص: 93 ] النسج لا يتصور إعادته إلى الحالة الأولى ، فإذا ثبتت المغايرة بينهما فمن ضرورة حدوث الثاني انعدام الأول لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين ، ثم هذا حادث بعمل الغاصب فكان مملوكا له ، والأول صار مستهلكا بعمله فصار ضامنا له ، فأما القطن إذا غزله فالصحيح من الجواب أنه ينقطع حق المالك أيضا ، وإليه أشار في كتاب الدعوى حيث سوى بين القطن إذا غزله ، وبين الغزل إذا نسجه ، ومن أصحابنا رحمهم الله من فرق بينهما فقال : القطن غزل ; لأنه خيوط رقيقة يبدو ذلك لمن أمعن النظر فيه ، ويتحقق ذلك في الإبريسم ، فالغزل إحداث المجاورة بينهما ، وليس بتركيب وتأليف ، وبإحداث المجاورة لا تتبدل العين ; ولهذا بقي موزونا يجري فيه الربا كما كان قبله بخلاف الغزل إذا نسجه .
ولو غصب ساجة فجعلها بابا أو حديدا فجعله سيفا ضمن قيمة الحديد والساجة ، وجميع ذلك للغاصب عندنا .

وكذلك لو غصب ساجة أو خشبة ، وأدخلها في بنائه أو آجرا فأدخله في بنائه أو جصا فبنى به فعليه في كل ذلك قيمته عندنا ، وليس للمغصوب منه نقض بنائه ، وعلى قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى في هذه الفصول لا ينقطع حق صاحبها فزفر مع الشافعي رحمهما الله في هذا النوع ; لأن الحادث زيادة وصف من غير أن يكون الأول مستهلكا ، بخلاف ما تقدم . وبيان هذا ما ذكر في الجامع إذا اشترى حنطة فطحنها أو غزلا فنسجه ، ثم زاد البائع في الثمن لم يجز ، ولو اشترى ثوبا فقطعه وخاطه ، ثم زاد في الثمن يجوز ، فوجه قولهم في ذلك أن الغاصب قادر على رد عين المغصوب من غير إيلام حيوان ، فيجب رده كالساجة إذا بنى عليها ، وتأثير هذا الكلام أن العين باق ، والرد جائز شرعا ، فإن بالاتفاق لو رده الغاصب جاز ، ولو صبر المغصوب منه حتى نقض الغاصب البناء والخياطة كان له أن يأخذه ، فدل أن العين باق ، ورده عين المغصوب مستحق شرعا ، فما دام الرد جائزا يبقى ذلك الاستحقاق بحاله ، بخلاف ما إذا غصب خيطا ، وخاط به بطن نفسه أو بطن عبده أو لوحا ، وأصلح به سفينة ، والسفينة في لجة البحر ، فإن ذلك لا يجوز رده لما فيه من إيلام الحيوان ونقض البنية ، وذلك محرم شرعا ، ومن ضرورة عدم جواز الرد انعدام استحقاق الرد شرعا .

وحجتنا في ذلك أن العين ملك المغصوب منه ، وما اتصل به من الوصف متقوم حقا للغاصب ، وسبب ظلمه لا يسقط قيمة ما كان متقوما من حقه كما في الثوب إذا صبغه بصبغ نفسه إلا أن هناك الصبغ متقوم بنفسه فيمكن إبقاء حق صاحب الثوب في الثوب مع دفع الضرر عن الغاصب بإيجاب قيمة [ ص: 94 ] الصبغ له ، وهذا الوصف غير متقوم بنفسه مقصودا ، ودفع الضرر واجب فيتعين دفع الضرر هنا بإيجاب المغصوب حقا للمغصوب منه ليتوصل هو إلى مالية ملكه ، ويبقى حق صاحب الوصف في الوصف مرعيا ، وهذا لأنه لا بد من إلحاق الضرر بأحدهما إلا أن في الإضرار بالغاصب إهدار حقه ، وفي قطع حق المغصوب منه بضمان القيمة توفير المالية عليه لا إهدار حقه ، ودفع الضرر واجب بحسب الإمكان ، وضرر النقل دون ضرر الإبطال ، وهو نظير مسألة الخيط واللوح ; ولهذا جوزنا الرد ههنا ; لأن الامتناع لدفع الضرر عن الغاصب ، فإذا رضي فقد التزم الضرر ، ( فإن قيل : ) صاحب الثوب صاحب أصل ، والغاصب صاحب وصف ، ولا شك أن مراعاة حق صاحب الأصل أولى ، ولم يجز لحق صاحب الوصف وهو جان . ( قلنا : ) لأن هذا الوصف قائم من كل وجه ، والأصل قائم من وجه ; لأن الأصل كان ملكا للمغصوب منه مقصودا ، والآن صار تبعا لملك غيره ، والتبع غير الأصل ; ولهذا صار بحيث يستحق بالشفعة بعد أن كان منقولا لا يستحق بالشفعة ، وانعدم منه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا ، فعرفنا أنه قائم من وجه دون وجه ، والقائم من كل وجه يترجح على ما هو قائم من وجه مستهلك من وجه ، وإنما يترجح الأصل إذا كان قائما من كل وجه كما في مسألة الساجة ، فإنها قائمة من كل وجه صالحة لما كانت صالحة له قبل البناء تستحق بالشفعة كما كان من قبل ; فلهذا رجحنا هناك اعتبار حق صاحب الساجة .

ولا يدخل على شيء مما ذكرنا إذا غصب ثوبا فقصره ; لأنه ليس للغاصب في الثوب وصف قائم متقوم ، والقصارة تزيل الدرن والوسخ عن الثوب ، ثم لون البياض وصف أصلي للقطن .

ولا يقال : أليس أن القصار يحبس بالأجر . ؟ ( قلنا : ) نعم ، ولكن باعتبار أثر عمله في المعمول لا باعتبار قيام الوصف في العمل للمعمول بعمله ، وذكر الكرخي في مسألة الساجة أن موضع المسألة فيما إذا أدخل الساجة في بنائه بأن بنى حولها لا عليها ; لأنه لا يكون متعديا بالبناء في ملكه ، فأما إذا بنى على الساجة فهو متعد في هذا البناء ، والساجة من وجه كالأصل لهذا البناء فيهدم للرد كما في مسألة الساجة ، ولكن هذا ضعيف فقد ذكر محمد رحمه الله تعالى في كتاب الصرف أنه لو غصب بقرة ، واتخذ منها عروة مزادة انقطع حق المالك عنها ، وهو في العمل هنا متعد ; لأن عمله في ملك الغير فدل أنه لا فرق بين أن يكون عمله في ملك الغير أو في ملك نفسه ، وإن الصحيح ما قلنا .

وإن غصب حنطة فزرعها ثم جاء صاحبها وقد أدرك الزرع أو هو بقل فعليه حنطة [ ص: 95 ] مثل حنطته ، ولا سبيل له على الزرع عندنا ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه الزرع له ; لأنه متولد من ملكه ، والمتولد يملك بملك الأصل كولد الجارية وثمرة الشجرة ، وهذا لأن فعل الزارع حركاته ، والأجسام لا تتولد من الحركات . والدليل على أن التولد من الأصل أن بصفة الأصل يختلف الزرع مع اتحاد عمل الزارع ، والدليل عليه أنه لو حصل بغير فعل أحد بأن هبت الريح بحنطة إنسان ، وألقته في أرض الغير فينبت كان الزرع لصاحب الحنطة .

( وحجتنا ) في ذلك أن الزرع غير الحنطة ; لأن الحنطة مطعوم بني آدم ، والزرع بقل هو علف الدواب ، وهذا الزرع حادث ; لأنه ما لم يفسد الحب في الأرض لا ينبت الزرع ، فإما أن يكون حادثا بأصل الحنطة أو بقوة الأرض والهواء أو بعمل الزارع ، والأول باطل ; لأن كونه حنطة ليس بعلة لبقائها كذلك حنطة فكيف تكون علة لحدوث شيء آخر . وقوة الأرض والهواء كذلك ; لأنهما مسخران بتقدير الله تعالى لا اختيار لهما ، فلا يصلح إضافة الحكم إليهما بنفي عمل الزارع ، وهو في معنى الشرط ; لأنه يجمع بين البذر وقوة الأرض والهواء بعمله ، وقد بينا أنه يضاف الحكم إلى الشرط عند تعذر الإضافة إلى العلة كما أن الواقع في البئر يضاف هلاكه إلى الحافر ، وعمله في الشرط ، ولكن ما كان علة ، وهو تعلة ، ومشبه بغير علة لا يصلح عمله لإضافة الحكم إليه ، فيكون مضافا إلى الشرط ، وإذا ثبت أنه مضاف إلى عمل الزارع كان هو مكتسبا للزارع ، والكسب ملك للمكتسب ، وعليه ضمان ما صار مستهلكا بعمله ، إلا أنه لا يطيب له الفضل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وعند أبي يوسف رحمه الله يطيب له الفضل ; لأنه كسبه .

ولكنا نقول : دخل في كسبه من حيث إنه استعمل في الاكتساب ملك الغير ، ولأنه من حيث الصورة هذا متولد من ذلك الأصل كما قاله الخصم ، ومن حيث المعنى والحكم غيره فلاعتبار الصورة قلنا : لا يطيب له الفضل احتياطا ، وعلى هذا لو غصب نواة فأنبتها أو تالة فغرسها إلا أنه روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال في التالة : لا يحل له أن ينتفع بها حتى يؤدي الضمان ، وفي الزرع والنواة له ذلك ; لأن البذر والنواة تفسد في الأرض ، فكان الزرع والشجرة كسب الغاصب من كل وجه ، فيجوز له الانتفاع به قبل أداء الضمان المستهلك ، وأما التالة فلا تفسد ، ولكنها تنمو ، وإنما جعلنا الشجرة غير التالة من حيث الحكم ، فلا يحل له الانتفاع بها قبل أداء الضمان كما في الحنطة إذا طحنها . وفي ظاهر الرواية الجواب في [ ص: 96 ] الفصلين سواء ، وعلى هذا لو غصب بيضة وحضنها تحت دجاجة له حتى أفرخت ، فهذا ومسألة الزرع سواء ، والمغايرة بين الفرخ والبيضة لا تشكل على أحد ; لأن هذا حيوان ، وذلك موات ، ولا يدخل على شيء من هذا إذا غصب شجرة وقلعها وكسرها ; لأن القلع نقصان محض لا يتبدل به اسم العين ، ثم الكسر تحقيق ما هو المقصود بالشجرة بعد القلع ، وهو الحطب فهو كمسألة الشاة إذا ذبحها وسلخها .

( مسلم ) غصب خمرا من مسلم فاستهلكها ، فلا ضمان عليه ; لأن الخمر ليس بمال متقوم ، فإن الشرع أفسد تقومه حين حرم تموله ، وإن جعلها خلا فلرب الخمر أن يأخذها ; لأن بفساد معنى التمول والتقوم لا تخرج من أن تكون مملوكة للمسلم ، إذ الملك صفة للعين ، والعين باقية ; ولهذا جاز له إمساك الخمر للتخلل ، وكان أحق بها من غيرها ، فإن خللها الغاصب من غير إلقاء شيء فيها فالعين باقية على حالها لبقاء الهيئة كما كانت ، وإن ألقى فيها ملحا فالملح صار مستهلكا أيضا ، وإن صب فيها خلا فهذا خلط إلا أن الخلط إنما يزيد ملك المغصوب منه بشرط الضمان ، وإيجاب الضمان هنا متعذر ; لأن الخمر لا يضمن للمسلم بالاستهلاك ; فلهذا كان شريكا في المخلوط بقدر ملكه ، وكذلك لو غصب جلد ميتة فدبغه قالوا هذا على وجهين : أما إذا ألقى الجلد صاحبه فأخذه إنسان ، ودبغه فهو مملوك له ; لأن صاحبها ألقاه تاركا له بمنزلة من يلقي النوى وقشور الرمان فيجمع ذلك إنسان وينتفع به ، فإنه يكون مباحا له ، وأما إذا غصب الجلد من صاحبه ، ودبغه بشيء لا قيمة له كالتراب والشمس فصاحبه أحق به ، ويأخذه ، ولا يعطي الغاصب شيئا ; لأن ملكه باق بعد الموت ، ولم يحدث الغاصب فيه زيادة مال متقوم ، وقد بينا أن صنعته إنما تعتبر إذا أمكن تحويل حق صاحب الأصل إلى الضمان ، وهذا غير ممكن هنا ; لأن جلد الميتة لا يضمن بالاستهلاك .

وأما إذا دبغه بشيء له قيمة كالشب والقرظ والعفص ، وما أشبه ذلك فلصاحب الجلد أن يأخذ جلده ويضمن ما زاد الدباغ فيه ; لأنه عين مال قائم للغاصب بمنزلة الصبغ في الثوب ، ولكن ليس له أن يدع الجلد ، ويضمنه قيمته هنا ، بخلاف الثوب ; لأن الثوب بدون الصبغ كان مالا متقوما ، والجلد قبل الدباغ لم يكن مالا متقوما ، حتى ذكر في كتاب الإجارات لو غصبه جلدا ذكيا فدبغه بشيء له قيمة ، فإن شاء صاحب الجلد ضمنه قيمة الجلد غير مدبوغ ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه ; لأن الجلد الذكي مال متقوم قبل الدباغ ، فهو ومسألة الثوب سواء .

وإن غصبه عصيرا فصار عنده خمرا فله أن يضمنه قيمة العصير ; لأن المغصوب كان مالا متقوما ، وبالتخمير يصير هذا الوصف منه مستهلكا .

ومراده [ ص: 97 ] من قوله : يضمنه قيمة العصير أن الخصومة بعد انقطاع أوان العصير ، فأما في أوانه يضمنه مثله ; لأن العصير من ذوات الأمثال ، وإن لم يحضر حتى صارت خلا ، فإن شاء أخذ الخل ، وإن شاء ضمنه قيمة العصير ; لأن العين باق ببقاء الهيئة ، ولكنه تغير من صفة الحلاوة إلى صفة الحموضة .

فإن شاء رضي به متغيرا ، ولا يضمنه شيئا آخر ; لأن العصير مال الربا ، وقد بينا أنه لا يثبت فيه حق تضمين النقصان مع أخذ العين ، ولم يذكر هذا الخيار قبل التخلل ، فمن أصحابنا رحمهم الله من يقول لا خيار له ; لأنه لو ثبت له الخيار هناك لكان أخذ الخمر عوضا عما استوجب من قيمة العصير ، وذلك لا يجوز ، والأصح أن هناك يثبت الخيار أيضا بطريق أنه يكون مبرئا عن الضمان ، ثم يأخذ خمره ليخلله كما لو كان العصير وديعة له في يده فتخمر .
( رجل ) له حنطة عند رجل وشعير لآخر عند ذلك الرجل أيضا وديعة فخلطهما من لا يقدر عليه ، ولا يعرف .

قال : يباعان ، ثم يقسم الثمن على قيمة الحنطة والشعير ، وهذا عندهما وهو الاستحسان عند أبي حنيفة أيضا ، فأما في القياس على قوله المخلوط صار مملوكا للخالط ، وحق كل واحد منهما في ذمته ، ولا ولاية لهما عليه في بيع ملكه لحقهما ، ووجه الاستحسان أن المخلوط ، وإن صار مملوكا للخالط ، ولكن لم ينقطع حقهما عنه بل يتوقف تمام انقطاع حقهما على وصول البدل إليهما ، ألا ترى أنه لا يحل للخالط الانتفاع بالمخلوط ما لم يؤد البدل إليهما ، وإذا بقي حقهما فيه قلنا : يباع لإيفاء حقهما عند تعذر استيفاء الضمان من الخالط كالمبيع في يد البائع ، يباع في الثمن إذا تعذر استيفاؤه من المشتري لغيبته ، ثم يضرب صاحب الحنطة في الثمن بقيمة حنطته مخلوطا بالشعير ، وصاحب الشعير يضرب بقيمة شعيره غير مخلوط بالحنطة ; لأن الحنطة تنقص بالاختلاط بالشعير . وإنما دخل في البيع بهذه الصفة ، فلا يضرب بقيمتها إلا بالصفة التي دخلت في البيع ، والشعير تزداد قيمته بالاختلاط بالحنطة ، ولكن هذه الزيادة من مال صاحب الحنطة ، فلا يستحق الضرب بها معه ; فلهذا يضرب بقيمة الشعير غير مخلوط .

( قال : ) وكذلك كل ما يكال أو يوزن يعني إذا تحقق الخلط على وجه يتعسر معه التمييز أو يتعذر ، فإن اختلفا في مبلغ كيل الحنطة والشعير ، وقد باعهما مجازفة ، واستهلكهما المشتري ، فالقول في الحنطة قول صاحب الشعير ، وفي الشعير قول صاحب الحنطة ; لأن كل واحد منهما يدعي زيادة في مقدار ملكه ، وكل واحد منهما غير مصدق فيما يدعي لنفسه على صاحبه ، وكل واحد منهما منكر للزيادة التي يدعيها صاحبه ، فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه لإنكاره ، وبعد ما حلف يقسم [ ص: 98 ] الثمن بينهما على مقدار ما يزعم صاحبه المنكر من ملك كل واحد منهما .
( ثوب ) في يدي رجل أقام رجل البينة أنه ثوبه غصبه إياه هذا ، وأقام الذي في يديه البينة أنه وهبه له ( فقال : ) أقضي للذي هو في يديه ; لأنه يثبت سبب الملك الحادث لنفسه ، وصاحبه ينفي ذلك ، ولأنا نجعل كأن الأمرين كانا ، والهبة بعد الغصب تتحقق موجبا للملك ، وكذلك لو أقام البينة على البيع منه بثمن مسمى أو على إقراره أنه ثوبه ; لأن البيع والإقرار بالملك بعد الغصب يتحقق ، فتقبل البينتان جميعا .

( وإن ) كان في أيديهما جميعا فأقام كل واحد منهما البينة أنه ثوبه غصبه الآخر إياه قضيت به بينهما نصفين ; لأن كل واحد منهما يثبت على صاحبه أنه غصب ما في يده منه ، وفي يد كل واحد منهما نصفه فكان بينة كل واحد منهما فيما في يد صاحبه أولى بالقبول ; فلهذا قضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه .

فإن أقام رجل البينة أنه ثوبه استودعه الميت الذي هذا وارثه ، وأقام آخر البينة أنه ثوبه غصبه إياه الميت قضيت به بينهما ; لأن كل واحد منهما أثبت الملك لنفسه في جميع الثوب أن وصوله إلى يد الميت كان من جهته فاستويا ، ولا ترجح لمدعي الغصب في معنى الضمان ; لأن الضمان للآخر ثابت أيضا ، فإن المودع إذا مات مجهلا للوديعة يكون ضامنا ; ولأن المقصود إثبات الملك في العين ، ولا معتبر بضمان القيمة مع بقاء العين ، وإن جاء بالبينة على دراهم بعينها أنها ماله غصبها إياه الميت فهو أحق بها من غرماء الميت ; لأنه أثبت بالبينة ملك العين لنفسه ، فإن الدراهم تتعين في الغصب ; ولهذا لا يملك الغاصب إمساك العين ورد المثل ، وحق الغريم إنما كان في ذمة الميت فيتعلق بعد موته بماله دون مال المغصوب منه .

وإن أقام رجل البينة أن هذا ثوبه غصبه ذو اليد ، وأقام آخر البينة أن ذا اليد أقر به له أقضي به للذي أقام البينة أنه ثوبه غصبه إياه ; لأنه أثبت الملك لنفسه بالبينة ، وأثبت أن ذا اليد كان غاصبا ، والآخر إنما أثبت ببينته إقرار الغاصب له بالملك ، وإقرار الغاصب ليس بحجة في الاستحقاق على المالك .

( رجل ) غصب ثوب رجل فأودعه عند آخر فهلك عنده فلصاحبه أن يضمنه أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما متعد في حقه ، فإن المالك غير راض بقبض المودع فهو كالغاصب في حقه ، فإن ضمن المستودع رجع على الغاصب بما ضمن ; لأنه في حفظ العين كان عاملا له ، وكان مغرورا من جهته حين أخبره أنه ملكه ، وأنه لا يغرم شيئا إن هلك في يده ، ولم يذكر أن المودع إذا رد الثوب على الغاصب أو كان غصب منه فرده عليه هل يبقى للمالك عليه سبيل . ؟ .

( والجواب ) أنه لا سبيل للمالك عليه إلا في رواية عن [ ص: 99 ] أبي يوسف رحمه الله ، فإنه يقول : صار ضامنا للمالك بقبضه ، فلا يبرأ إلا بالرد على المالك أو على من قامت يده مقام يد المالك ، ويد الغاصب لا تقوم مقام يد المالك ، فلا يبرأ بالرد عليه . ولكنا نقول : وجوب الضمان عليه باعتبار يده ، وقد انفسخ ذلك حين أعاده إلى يد من ، وصلت إليه من جهته فانعدم به حكم يده ، وكان هذا في حقه بمنزلة رد الغاصب على مالكه .

( وإذا ) قال الرجل لآخر : غصبتني هذه الجبة المحشوة ، وقال الغاصب : ما غصبتكها ، ولكن غصبتك الظهارة فالقول قول الغاصب مع يمينه لإنكاره ما ادعاه ، فإنه ادعى غصب الجبة ، والظهارة ليست بجبة ، ولأنه منكر الغصب في البطانة والحشو ، ولو أنكر الغصب في الكل كان القول قوله مع يمينه ، ثم إذا حلف يضمن قيمة الظهارة لإقراره بغصب الظهارة ، وإقراره حجة في حقه فكان غايته غصب الظهارة ، وجعلها جبة . وإنقال : غصبتك الجبة ، ثم قال بعد ذلك : البطانة ، والحشو لي لم يصدق ; لأنه رجع عما أقر به ، فاسم الجبة يتناول الكل .

وكذلك لو قال : غصبتك هذا الخاتم ، ثم قال : فصه لي ، أو هذه الدار ، ثم قال : بناؤها لي ، أو هذه الأرض ، ثم قال : شجرها لي ، أو أنا غرستها لم يصدق على شيء من ذلك لكونه راجعا ، فإن البناء والشجر تبع للأصل فيصير مذكورا بذكر الأصل ، ويثبت حكم الغصب فيه بثبوته في الأصل ، والفص في الخاتم كذلك فيكون راجعا بدعواه الملك لنفسه فيما أقر به لغيره .

وإن قال : غصبتك هذه البقرة ، ثم قال : عجولها لي أو قال : هذه الجارية ، ثم قال : ولدها لي فالقول قوله ; لأن الولد منفصل ، فلا يكون تبعا للأم ، فإقراره بالأصل لا يتعدى إليه ، بخلاف الاستحقاق باليد عندنا . وقد بينا هذا الفرق في الدعوى ، فلا يكون هو في دعوى الولد لنفسه مناقضا بل يكون متمسكا بما هو الأصل ، وهو أن ما في يده فالظاهر أنه ملكه إلا ما يقر به لغيره .

( رجل ) غصب من رجل ثوبا ، ثم إن الغاصب كسا الثوب رب الثوب فلبسه حتى تخرق ، ولم يعرفه ، فلا شيء له على الغاصب ، وكذلك المكيل والموزون إذا غصب منه ثم أطعمه إياه بعينه أو وهبه فأكله ولم يعرفه ، فالغاصب بريء عن الضمان عندنا ، وفي أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه لا يبرأ ; لأنه ما أتى بالرد المأمور به ، فإنه غرور منه ، والشرع لا يأمر بالغرور ، والغاصب لا يستفيد البراءة إلا بالرد .

فإذا لم يكن يوجد صار ضامنا ، ولأنه ما أعاد إلى ملكه كما كان ; لأن المباح له الطعام لا يصير مطلق التصرف فيما أبيح له ، فكان فعله قاصرا في حكم الرد ، فلو جعلنا هذا ردا تضرر به المغصوب منه ; لأنه إقدام على الأكل بناء [ ص: 100 ] على خبره أنه أكرم ضيفه ، ولما علم أنه ملكه ربما لم يأكله ، وحمله إلى عياله فأكله معهم فلدفع الضرر عنه بقي الضمان على الغاصب . وحجتنا في ذلك أن الواجب على الغاصب نسخ فعله ، وقد تحقق ذلك .

أما من حيث الصورة فلأنه ، وصل إلى يد المالك ، وبه ينعدم ما كان فائتا . ومن حيث الحكم فلأنه صار به متمكنا من التصرف حتى لو تصرف فيه نفذ تصرفه غير أنه جهل بحاله ، وجهله لا يكون مبقيا للضمان في ذمة الغاصب مع تحقق العلة المسقطة ، كما أن جهل المتلف لا يكون مانعا من وجوب الضمان عليه مع تحقق الإتلاف إذا كان يظن أنه ملكه .

وقد بينا أن الغرور بمجرد الخبر لا يوجب حكما ، إنما المعتبر ما يكون في ضمن عقد ضمان ، ولم يوجد ذلك ، فإن الغاصب المضيف ما شرط لنفسه عوضا ، ولأن أكثر ما في الباب أن لا يكون فعل الغاصب هو الرد المأمور به ، ولكن تناول المغصوب منه عين المغصوب كاف في إسقاط الضمان عن الغاصب ، ألا ترى أنه لو جاء إلى بيت الغاصب ، وأكل ذلك الطعام بعينه ، وهو يظن أنه ملك الغاصب برئ الغاصب من الضمان ، فكذلك إذا أطعمه الغاصب إياه ، وإن كان الغاصب قد نبذ التمر ، ثم سقاه فهو ضامن للتمر ; لأنه بدل العين بما صنع ، وتقرر ضمان التمر في ذمته ، فسقي النبيذ إياه لا يكون ردا للعين المغصوب منه ، ولا أداء الضمان . وكذلك كل ما يشبهه كالدقيق إذا خبزه ثم أطعمه ، أو اللحم إذا شواه ثم أطعمه .

( قال : ) وكذلك إذا غصب حديدا فجعله درعا فهو ضامن لحديد مثله ، وإن لم يقدر على ذلك ضمن قيمته . وكذلك إذا غصب صفرا فجعله كوزا ; لأنه غيره عن حاله ، وصار الغاصب مستهلكا ، وهذا الحادث حادث بفعل الغاصب لتبدل العين صورة ومعنى واسما وحكما ومقصودا ; فلهذا لا سبيل له على المصنوع ، وكان الكرخي يقول : هذا إذا كان بعد الصنعة لا يباع وزنا ، أما إذا كان يباع وزنا ينبغي أن يكون للمغصوب منه حق أخذ المصنوع إن شاء عند أبي حنيفة رحمه الله كما في البقرة لبقاء حكم الربا ، والأصح أن الجواب مطلق ; لأن اسم العين قد تبدل بصنع الغاصب ، بخلاف القلب على ما نبينه ، فإن كسر صاحب الصفر الكوز بعد ما ضمن له الغاصب قيمة صفره فعليه قيمة الكوز صحيحة ; لأن الكوز مملوك للغاصب ، وهو ملك محترم فيكون المغصوب منه الصفر في كسره كغيره .

وكذلك إن كسره قبل أن يقضي له بالقيمة ; لأن الكوز مملوك ; لأنه كان حادثا بعمله فيكون الحال قبل القضاء بالقيمة ، وبعده سواء في حقه إلا أنه يحاسبه بما عليه ; لأن المغصوب منه استوجب عليه قيمة الصفر ، والغاصب استوجب عليه قيمة الكوز فيتقاصان [ ص: 101 ] ويترادان الفضل ، فإن غصب فضة فضربها دراهم أو صاغها إناء فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هذا والحديد والصفر سواء ; لأن الاسم تبدل بصنعة الغاصب ، وكذلك الحكم ، فإن البقرة لا تصلح رأس مال الشركة ، والمضاربة والدراهم تصلح لذلك ، ولا معتبر بالتمكن من الإعادة ، فإن هذا موجود في الحديد والصفر ، ثم جعل هناك الثاني غير الأول ، وجعل الإناء حادثا بعمل الغاصب ، فهذا مثله وأبو حنيفة رحمه الله يقول هنا للمغصوب منه أن يأخذها ، ولا أجر للغاصب ، وعلل فقال : لأنه فضة بعينها لا تخرج من الوزن بخلاف الحديد والصفر . وبهذا الحرف يستدل الكرخي في تقسيم الجواب هناك ، ثم معنى هذا التعليل أن اسم العين لا يتبدل ; لأن اسم العين هو الذهب والفضة ، وهو يبقى بعد الصنعة إنما يتبدل اسم الصنعة ، فإن الدراهم والدنانير اسم الصنعة ، وكذلك حكم العين باق ، فإن حكم العين أنه موزون ، ويجري فيه الربا بعلة الوزن ، وتجب الزكاة فيه باعتبار العين ، فأما صلاحية رأس مال الشركة والمضاربة فهو حكم الصنعة لا حكم العين ; ولهذا يقول ما لا يتفاوت من الفلوس الرائجة في هذا الحكم كالذهب والفضة ، فإذا بقي اسم العين وحكم العين كان ذلك دليل بقاء العين المغصوب ، وإن تعذر على المغصوب منه أخذه إنما يتعذر للصنعة ، ولا قيمة للصنعة في هذه الأموال منفردة من الأصل ، وبه فارق الحديد والصفر ، فإن الصنعة هناك تخرجها من الوزن ، ومن أن تكون مال الربا ، وللصنعة في غير مال الربا قيمة مع أن اسم العين وحكمه قد تبدل هناك كما قررنا .

وإن غصب حنطة فاستهلكها ، ثم باعه بها شعيرا أو غيره مما يكال أو يوزن أو من العروض قبل القبض ، فلا بأس به يدا بيد ; لأن الواجب مثل الحنطة في ذمته ، وبيع الحنطة بالشعير جائز كيفما كان ، ولو كانت الحنطة عينا فكذلك إذا كان ذلك دينا إلا أن الدين بالدين حرام ، فيشترط قبض ما يقابلها في المجلس ، فلا تنعدم الدينية من الجانبين .

وكذلك إن أقرضه طعاما فله أن يأخذ ما بدا له ، بخلاف البيع والسلم يريد به أن الاستبدال بالمبيع قبل القبض لا يجوز ، والمسلم فيه في حكم المبيع ، فأما بدل القرض والغصب ليس في حكم المبيع حتى يجوز إسقاط القبض فيه أصلا في الإبراء ، فكذلك في الاستبدال به كالثمن في البيع .

. وإذا غصب رجل دابة من رجل فأقام صاحبها البينة أنها نفقت عند الغاصب وأقام الغاصب البينة أنه قد ردها إليه وأنها نفقت عنده فلا ضمان عليه ، وقد بينا خلاف أبي يوسف في هذه المسألة ، وأن بينة المغصوب منه بطريق استصحاب الحال ، وبينة الغاصب وافقت على أمر هو حادث ، وهو الرد [ ص: 102 ] فكانت أولى بالقبول .
( مسلم ) غصب من نصراني خمرا فاستهلكها فعليه ضمان قيمتها عندنا ، وقال الشافعي لا ضمان عليه ، وكذلك الخنزير . وجه قوله أن الخمر والخنزير محرم العين ، ولا يضمن بالإتلاف حقا للمسلم فكذلك للذمي ; لأن حقوقهم دون حقوقنا ، وهذا لأنا بعقد الذمة إنما ضمنا ترك التعرض لهم في الخمر والخنزير ، وإيجاب ضمان القيمة على المتلف أمر وراء ذلك ، تحقق هذا أن ترك التعرض لاعتقادهم أن الخمر والخنزير مال متقوم ، ولكن اعتقادهم لا يكون حجة على المسلم المتلف في إيجاب الضمان ، وإنما يكون معتبرا في حقهم ; ولهذا لا نحدهم على شربها ، ولا ندع أحدا يتعرض لهم في ذلك ، ولا يتعرض لهم في الأنكحة أيضا .

والدليل على أن اعتقادهم لا يكون حجة على الغير ، إن المجوسي إذا مات عن ابنتين إحداهما امرأته ، فإنها لا تستحق بالزوجية شيئا ، ولم يجعل اعتقادهم معتبرا في استحقاق التفضيل بشيء من الميراث على الأخرى .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.37 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]