عرض مشاركة واحدة
  #230  
قديم 14-12-2025, 04:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,784
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 82 الى صـــ 91
(230)






وإذا اختلف رب الثوب والغاصب في قيمته ، وقد استهلكه الغاصب فالبينة بينة رب الثوب لما فيها من إثبات الزيادة ، والقول قول الغاصب مع يمينه إذا لم يكن لرب الثوب بينة لإنكاره الزيادة ، وإن أقام الغاصب بينة أن قيمة ثوبه كان كذا لم يلتفت إلى بينته ، ولا يسقط اليمين بها عنه ; لأن هذا القدر من القيمة ثابت باتفاقهما ، وإنما يدعي رب الثوب الزيادة على ذلك ، والشهود لم يتعرضوا لتلك الشهادة أو نفوا تلك الزيادة ، والشهادة على النفي لا تكون مقبولة فلهذا كان لرب الثوب أن يحلف الغاصب على دعواه .

وفي الأصل يقول رب الثوب هو المدعي ، والغاصب هو المدعى عليه ، والشرع جعل البينة في جانب المدعي فقال : البينة على المدعي ، وبالألف واللام يظهر أن جنس البينة في جانب المدعي ، وجعل اليمين في جانب المدعى عليه ، والبينة لا تصلح بدلا عن اليمين ، فلا يسقط عنه اليمين بما أقام من البينة ، فإن شهد لرب الثوب شاهد أن قيمة ثوبه كذا ، وشهد آخر على إقرار الغاصب بذلك لم تجز شهادتهما [ ص: 83 ] بذلك ; لأنهما اختلفا فشهد أحدهما بالقول ، والآخر بالفعل ، ولا يثبت واحد منهما إلا بشهادة شاهدين ، وإن لم يكن لواحد منهما البينة فأردت أن تحلف الغاصب على ذلك فقال : أنا أرد اليمين على رب الثوب ، وأعطيه ما حلف عليه فليس له ذلك ; لأن الشرع جعل اليمين على المدعى عليه ، وما كان مستحقا على المرء شرعا فليس له أن يحوله إلى غيره .

( قال : ) ولا أدرأ اليمين ، ولا أحولها عن موضعها الذي وضعها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى هذا أن اليمين شرعا في جانب المدعى عليه إما للنفي أو لإبقاء ما كان على ما كان ، وهو براءة ذمته ، فإذا حولت إلى جانب المدعي لم يعمل إلا بهذا المقدار ; لأن عمل الشيء في محله أقوى منه في غير محله ، وبهذا القدر لا يستحق المدعي شيئا بل حاجته إلى إثبات ما ليس بثابت له ، واليمين لا تصلح لهذا . وكذلك إن رضي رب الثوب بذلك ، وقال : أنا أحلف فتراضيهما على ما يخالف حكم الشرع يكون لغوا ، فإذا جاء الغاصب بثوب زطي فقال : هذا الذي غصبتكه ، وقال رب الثوب : كذبت بل هو ثوب هروي أو مروي كان القول قول الغاصب مع يمينه ; لأن الاختلاف منهما في تعيين المقبوض ، والقول فيه قول القابض أمينا كان أو ضامنا ; لأنه لو أنكر القبض أصلا كان القول قوله ، ثم ذكر صفة يمينه ، وقال : ( يحلف بالله أن هذا ثوبه الذي غصبه إياه وما غصبه هرويا ولا مرويا ) ; لأن في تعيين المقبوض القول قوله ، ومن جعل القول قوله شرعا ، فإنه يحلف على ما يقول كالمودع في رد الوديعة أو هلاكها ، والمدعي يدعي عليه أنه غصبه هرويا أو مرويا ، وهو منكر لذلك فالقول قوله مع اليمين ، فلهذا جمع في اليمين بين الأمرين ، فإذا حلف قضيت لصاحب الثوب بالثوب ، وأبرأت الغاصب من دعوى رب الثوب ، وإن نكل عن اليمين يقضى عليه بما ادعاه المدعي ; لأن نكوله كإقراره . وعند النكول لا يقضى له بهذا الثوب ; لأنه لا يدعي ثوبين إنما يدعي ثوبا هرويا وقد استحقه ، فأما إذا حلف فهو ما استحق ثوبا سوى هذا ، وقد كان يدعي أصل الثوب بصفته ، ولم يثبت له تلك الصفة بنفي دعواه أصل الثوب فيقضى له بهذا الثوب باعتبار دعواه ، فإن شاء أخذه ، وإن شاء تركه ، فإن جاء بثوب هروي خلق ، وقال : هذا الذي غصبتكه وهو على حاله ، وقال رب الثوب : بل كان ثوبي جديدا حين غصبته فالقول قول الغاصب مع يمينه لإنكاره قبض الثوب حين كان جديدا ، ولأن الظاهر شاهد له ، فإن صفة الثوب في الحال معلوم ، وعند الغصب مختلف فيه فيرد المختلف فيه إلى ما هو المعلوم في نفسه ، ولأن الغصب حادث فيحال بحدوثه [ ص: 84 ] إلى أقرب الأوقات .

فإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الثوب أنه غصبه جديدا لإثباته سبق التاريخ في غصبه ، وضمان النقصان عليه باعتبار فوات الصفة عنده ، وإن لم يقم لواحد منهما بينة ، وحلف الغاصب ، وأخذ رب الثوب ، ثم أقام البينة أنه غصبه إياه جديدا ضمن الغاصب فضل ما بينهما ; لأن الثابت ببينة كالثابت بإقرار الخصم ، ويمين الغاصب لا يمنع قبول بينة رب الثوب بعد ذلك هكذا نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة ولأن القاضي ما قضى بأن المغصوب كان خلقا وقت الغصب ، ولكنه امتنع عن القضاء بأنه كان جديدا عند ذلك لعدم الحجة ، فإذا قامت الحجة فعليه أن يقضي بها .

فإن كان غصبه ثوبا فصبغه أحمر أو أصفر فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمة الثوب أبيض ، وكان الثوب للغاصب ، وإن شاء أخذ الثوب ، وضمن للغاصب ما زاد الصبغ فيه ; لأن الصبغ مال متقوم ، وهو قائم في الثوب ، وقد بينا أن بغصبه لا يسقط حرمة ماله فأصل الثوب لصاحب الثوب ، والصبغ للغاصب ، وقد تعذر تمييز أحدهما عن الآخر ، وتعذر اتصال منفعة ملك كل واحد منهما على الانفراد إليه إلا أن صاحب الثوب صاحب الأصل ، والغاصب صاحب الوصف فإثبات الخيار لصاحب الأصل أولى ; لأن الأصل قائم بنفسه ، وقيام الوصف بالأصل ، فإن شاء ضمنه قيمة ثوبه أبيض ; لأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ملكه بدون غرم يلزمه ، وله أن لا يلتزم الغرم فيضمنه قيمة الثوب أبيض كما غصبه ، ويصير الثوب للغاصب بالضمان ، وإن شاء ضمن له ما زاد الصبغ فيه فيتوصل الغاصب إلى مالية حقه ، ويتملك صاحب الثوب عليه هذا الصبغ بما يؤدى من الضمان ، والغاصب راض بذلك حين جعل ملكه وصفا لملك الغير ، وإن شاء رب الثوب باع الثوب فيضرب في ثمنه بقيمته أبيض ، ويضرب الغاصب بما زاد الصبغ فيه ; لأن لصاحب الثوب أن لا يملك ثوبه منه بقيمته ، وأن لا يغرم له قيمة الصبغ ، وعند امتناعه منهما لا طريق لتمييز حق أحدهما عن الآخر إلا بالبيع ، وهو نظير ما لو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في صبغ غيره فانصبغ . إلا أن هناك لا ضمان على صاحب الصبغ لانعدام الصبغ منه ، وفيما وراء ذلك هما سواء ، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا كان هذا الصبغ نقصانا في هذا الثوب ، وقد يكون لون الحمرة والصفرة نقصانا في بعض الثياب .
وذكر هشام عن محمد رحمهما الله قال : لو غصب ثوبا يساوي ثلاثين درهما فصبغه بعصفر ، وتراجع قيمته إلى عشرين درهما ، فإنه ينظر إلى قيمة الصبغ في ثوب يزيد به ، فإن كان خمسة دراهم [ ص: 85 ] فلصاحب الثوب أن يأخذ ثوبه ، ويأخذ خمسة دراهم من الغاصب أيضا ; لأنه استوجب عليه عشرة دراهم نقصان قيمة ثوبه ، واستوجب الصباغ عليه قيمة الصبغ خمسة ، والخمسة دراهم بالخمسة قصاص ، ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة .

فإن كان الغصب جارية صغيرة فرباها حتى أدركت وكبرت ، ثم أخذها رب الجارية لم يضمن للغاصب ما زاد في الجارية ; لأن الزيادة من عينها ، وهي مملوكة للمغصوب منه ، بخلاف ما بينا من الصبغ في الثوب فهو زيادة من مال الغاصب لا من العين المغصوبة ، ولا يرجع بما أنفق على المغصوب منه ; لأنه متبرع في الإنفاق بغير أمره ، ولأنه استخدمها بما أنفق ، ولأنه انتفع بهذا الإنفاق ; لأنه تمكن بها من الرد وإسقاط الضمان عن نفسه .

وإذا غصب سويقا فلته بسمن فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة سويقه ، وإن شاء أخذ سويقه ، وضمن للغاصب ما زاد السمن فيه ; لأن السمن في السويق زيادة وصف من مال الغاصب كالصبغ في الثوب .

وكذلك الدهن إذا خلط به مسكه ، وهذا إذا كان دهنا يطيب بالمسك ، فإن كان دهنا منتنا كدهن البرز ونحوه أخذه صاحبه ، ولم يضمن للغاصب شيئا ; لأن المسك صار مستهلكا فيه .

وإذا غصب ثوبا فصبغه أسود فلصاحب الثوب أن يأخذه ، ولا يعطيه شيئا في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله السواد كالحمرة والصفرة ، ولا اختلاف في الحقيقة ، ولكن أبو حنيفة أجاب على ما شاهد في عصره من عادة بني أمية ، وقد كانوا ممتنعين من لبس السواد ، وهما أجابا على ما شاهدا في عصرهما من عادة بني العباس رضي الله عنه بلبس السواد ، وقد كان أبو يوسف يقول أولا بقول أبي حنيفة فلما قلد القضاء وأمر بلبس السواد ، واحتاج إلى التزام مؤنة في ذلك رجع وقال : السواد زيادة . وقيل : السواد يزيد في قيمة بعض الثياب ، وينقص من قيمة بعض الثياب كالغصب ونحوه .

فإن كان المغصوب ثوبا ينقص بالسواد من قيمته فالجواب ما قاله أبو حنيفة ، وإن كان ثوبا يزيد السواد في قيمته فالجواب ما قالا أنه بمنزلة الحمرة والصفرة ، وإن غصبه ثوبا فقطعه قميصا ولم يخطه فهو بالخيار إن شاء ضمن قيمته ، وإن شاء أخذ الثوب ، وضمنه ما نقصه القطع ; لأن القطع نقصان فاحش في الثوب ، فإنه قبل القطع كان يصلح لاتخاذ القباء والقميص ، وبعد ما قطع قميصا لا يصلح لاتخاذ القباء منه على الوجه الذي كان يصلح قبل القطع .

فكان مستهلكا من وجه قائما من وجه ، فإن شاء مال صاحبه إلى جانب الاستهلاك ، وضمنه قيمته ، وإن شاء مال إلى جانب البقاء وأخذ عين الثوب ، وضمنه نقصان القطع ; لأن [ ص: 86 ] الثوب ليس بمال الربا ، وتضمين النقصان في مثله مع أخذ العين جائز شرعا ، وكذلك إذا نقصه الصبغ الأسود فله أن يأخذه ، ويضمنه ما نقصه ; لأن الصبغ الأسود في مثله نقصان فاحش ، وهو كالاستهلاك من وجه ; لأن قبله كان متمكنا من إحداث أي لون شاء فيه ، وقد خرج من أن يكون صالحا لذلك ، والصبغ الأسود من الثوب لا يمكن قلعه عادة ، وبه يفرق أبو حنيفة بينه وبين سائر الألوان .
ولو اغتصب ثوبا فخرقه ، فإن كان خرقا صغيرا ضمن الغاصب النقصان فقط ، وأخذ صاحب الثوب ثوبه ; لأن العين قائم من كل وجه فبهذا القدر من الخرق لا يخرج من أن يكون صالحا لما كان صالحا قبله ، وإنما يتمكن في قيمته نقصان فيضمن ذلك النقصان ، وإن كان الخرق كبيرا ، وقد أفسد الثوب فصاحبه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمة ثوبه ; لأنه مستهلك من كل وجه ، فإنه لا يصلح بعد هذا الخرق لجميع ما كان صالحا قبله له ، وإن شاء أخذ الثوب لكونه قائما حقيقة ، وضمنه ما نقصه فعل الغاصب .

( وأما ) الدابة إذا غصبها فقطع يدها أو رجلها فلصاحبها أن يضمن الغاصب قيمتها بخلاف ما لو كان المغصوب عبدا أو جارية فيقطع منه يدا أو رجلا فهناك يأخذه مع أرش المقطوع ; لأن الآدمي بقطع طرف منه لا يصير مستهلكا لبقائه صالحا لعامة ما كان صالحا له من قبل . والدابة تصير مستهلكة بقطع طرف منها ، فإنه لا ينتفع بها بما هو المقصود من الحمل والركوب بعد هذا القطع ; فلهذا كان لصاحبها أن يتركها للغاصب ويضمنه قيمتها . وكذلك لو كانت بقرة أو جزورا فقطع يدها أو رجلها أو كانت شاة فذبحها ; لأن الذبح استهلاك من وجه ، فإنه يفوت به بعض ما كان مقصودا من النسل واللبن فلصاحبها أن يضمنه قيمتها إن شاء ، وإن شاء أخذ المذبوح مسلوخا كان أو غير مسلوخ ، وضمن الغاصب النقصان في ظاهر الرواية ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله لا يضمنه شيئا ; لأن الذبح والسلخ في الشاة زيادة ; ولهذا يلتزم بمقابلته العوض ، ولكن ما ذكره في ظاهر الرواية أصح ; لأنه زيادة من حيث التقرب إلى الانتفاع باللحم ، ولكنه نقصان بتفويت سائر الأغراض من الحيوان ، ولأجله يثبت الخيار فكان هذا والقطع في الثوب سواء يضمنه النقصان إن شاء .

( وإذا ) طحن الغاصب الحنطة فعليه مثلها ، والدقيق له عندنا . وسوى هذا عن أبي يوسف روايتان :

( إحداهما ) أن حق المغصوب منه لا ينقطع عن الدقيق لا على معنى أنه يتمكن من أخذه ، ولكن يباع فيشتري له به حنطة مثل حنطته ، وإن مات الغاصب فالمغصوب منه أحق به من سائر الغرماء ; لأنه زال ملكه [ ص: 87 ] ويده بسبب لم يرض به ، ولو زال ملكه بسبب هو راض به كالبيع لا ينقطع حقه ، وإذا أزيلت يده بغير رضاه بأن قبض المشتري المبيع بغير إذن البائع فهنا أولى أن لا ينقطع حقه .

( والرواية الأخرى ) أن ملكه لا يزول بل له الخيار ، وإن شاء ترك الدقيق ، وضمنه حنطة مثل حنطته ، وإن شاء أخذ الدقيق ، ولم يضمنه شيئا .

قال : أستحسن ذلك وأخالف فيه أبا حنيفة ; لأنه استقبح أن يأتي مفلس إلى كر حنطة إنسان فيطحنه ثم يهب الدقيق لابنه الصغير ، فلا يتوصل صاحب الحنطة إلى شيء ، فهذا قول الشافعي رحمه الله أيضا إلا أن عند الشافعي رحمه الله يأخذ الدقيق ، ويضمنه النقصان إن كان لما بينا أن على أصله تضمين النقصان مع أخذه العين في أموال الربا جائز ، وعند أبي يوسف لا يجوز ذلك كما هو مذهبنا .

ووجه هذا أن الدقيق عين شبه فيكون له أن يأخذه كما قبل الطحن ، وهذا لأن عمل الطحن في تفريق الأجزاء لا لإحداث ما لم يكن موجودا ، وتفريق الأجزاء لا يبدل العين كالقطع في الثوب ، والذبح والسلخ والتأريب في الشاة . والدليل عليه أن الدقيق جنس الحنطة ; ولهذا جرى الربا بينهما ، ولا يجري الربا إلا باعتبار المجانسة .

واستدل محمد رحمه الله في إملاء الكيسانيات لأبي حنيفة رحمه الله بالحديث الذي رواه أبو حنيفة عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبي مرة عن أبي موسى { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ضيافة رجل من الأنصار فقدم إليه شاة مصلية فأخذ منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغها فقال صلى الله عليه وسلم : إنها ذبحت بغير حق فقال الأنصاري : كانت شاة أخي ، ولو كانت أعز منها لم ينفس علي بها ، وسأرضيه بما هو خير منها إذا رجع قال صلى الله عليه وسلم : أطعموها الأسارى } . قال محمد يعني المحبوسين ، فأمره بالتصدق بها بيان منه أن الغاصب قد ملكها ; لأن مال الغير يحفظ عليه عينه إذا أمكن ، وثمنه بعد البيع إذا تعذر عليه حفظ عينه ، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتصدق بها دل أنه ملكها ، والخلاف في الفصلين سواء قال محمد وهذا الحديث جعله أبو حنيفة رحمه الله أصلا في أكثر مسائل الغصب ، والمعنى فيه أن هذا الدقيق غير الحنطة ، وهو إنما غصب الحنطة ، فلا يلزمه رد الدقيق كمن أتلف حنطة لا يلزمه رد الدقيق .

وبيان المغايرة أنهما غيران اسما ، وهيئة ، وحكما ، ومقصودا . وكذلك يتعذر إعادة الدقيق إلى صفة الحنطة . وتحقيقه أن الموجودات من المخلوقات تعرف بصورتها ومعناها ، فتبدل الهيئة والاسم دليل على أن المغايرة صورة ، وتبدل الحكم والمقصود دليل على المغايرة معنى ، وإذا ثبتت المغايرة فمن ضرورة ثبوت الثاني انعدام [ ص: 88 ] الأول لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين ، وإذا انعدم الأول بفعله صار ضامنا مثله ، وقد ملكه بالضمان فيجعل هذا الدقيق حادثا من ملكه فيكون مملوكا له أو يجعل حادثا بفعله ، وفعله سبب صالح لحكم الملك فيصير مضافا إليه ، ولكن بين الدقيق والحنطة شبهة المجانسة من حيث الصورة ، وهو أن عمل الطحن صورة تفريق الأجزاء ، وباب الربا مبني على الاحتياط لبقاء شبهة المجانسة من هذا الوجه جرى حكم الربا بخلاف القطع في الثوب ، والذبح في الشاة ، فإن بالذبح لا يفوت اسم العين يقال : شاة مذبوحة ، وشاة حية ، فبقيت مملوكة لصاحبها ، ثم بالسلخ والتأريب بعد ذلك لا يفوت ما هو المقصود بالذبح بل تحقق ذلك المقصود ، فلا يكون ذلك دليل تبديل العين ; فلهذا كان لصاحبها أن يأخذها ، ثم على قول زفر للغاصب أن يأكل هذا الدقيق ، وينتفع به قبل أن يؤدي الضمان ، وهو القياس ; لأن ملكه حادث بكسبه . وفي الاستحسان ، وهو قولنا ليس له أن ينتفع بما ما لم يؤد الضمان بالتراضي أو بقضاء القاضي ، أو يقضى عليه بالضمان لما بينا أن من حيث الصورة هذه أجزاء ملك المغصوب منه ، وهذه الصورة معتبرة فيما بني على الاحتياط ، والأكل مبني على ذلك ، فإنما يتم تحول حق المغصوب منه إلى الضمان بالاستيفاء أو بالقضاء فلهذا لا ينتفع به إلا بعده .
( وإذا ) استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغا عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يضمن قيمته من جنسه بناء على أصله أن للجودة والصفة في الأموال الربوية قيمة ، وعندنا لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها ، فلو أوجبنا مثل قيمتها من جنسها أدى إلى الربا ، ولو أوجبنا مثل وزنها كان فيه إبطال حق المغصوب منه عن الجودة والصفة ، فلمراعاة حقه والتحرز عن الربا قلنا : يضمن القيمة من الذهب مصوغا . وإن وجده صاحبه مكسورا فرضي به لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح ; لأنه عاد إليه عين ماله فبقيت الصفة منفردة عن الأصل ، ولا قيمة لها في الأموال الربوية ، ولأنه لو أخذ للصفة عوضا كان هذا في معنى مبادلة العشرة بأحد عشر ، وذلك لا يجوز في الأموال الربوية ، وله أن يضمن الغاصب قيمته مصوغا من الذهب ويسلمه إليه سواء كان النقصان بالكسر يسيرا أو فاحشا ; لأنه لا يتوصل إلى دفع الضرر عن نفسه وإبقاء حقه في الصفة إلا بذلك . وكذلك كل إناء مصوغ كسره رجل ، فإن من فضة فعليه قيمته مصوغا من الذهب ، وإن كان من ذهب فعليه قيمته مصوغا من الفضة للتحرز عن الربا مع مراعاة حق المغصوب منه في الصفة ، فإن كسر درهما أو دينارا فعليه مثله ; لأنه غيره بصنعه ، ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه [ ص: 89 ] إلا بإيجاب المثل ، والمكسور للكاسر إذا ضمن مثله ، وإن شاء صاحبه أخذه ، ولم يرجع عليه بشيء ، ويستوي إن كانت مالية انتقصت بالكسر أو لم تنتقص ; لأن صفة العين بغير فعله ، وذلك كاف لإثبات الخيار له إلا فيما يكون زيادة فيه على ما تبين .

( وإذا ) ادعى دارا أو ثوبا أو عبدا في يد رجل ، وأقام البينة أنه له ، وقال الذي هو في يديه : هو عندي وديعة فهو خصم لظهور العين في يده ، ولم يثبت بقوله أن يده يد غيره ، ( وإن ) أقام البينة أن فلانا استودعها إياه أو أعارها أو أجرها أو رهنها منه لم يكن بينهما خصومة ; لأنه أثبت ببينته أن يده يد حفظ ، وهذه مسألة مخمسة ، وقد بيناها في كتاب الدعوى .

وإن أقام المدعي البينة أن ذا اليد غصبه منه لم تندفع الخصومة عنه ; لأنه صار خصما بدعوى الفعل عليه ، ألا ترى أن دعواه الخصم صحيح على غير ذي اليد بخلاف دعوى الملك المطلق .

إن أقام المدعي البينة على أنه ثوبه غصب منه فقد اندفعت الخصومة عن ذي اليد بما أقام من البينة ; لأن الفعل غير مدعى عليه ، فإن هذا فعل ما لم يسم فاعله ، فإنما كان ذو اليد خصما باعتبار يده ، وقد أثبت أن يده يد حفظ .

وإن قال المدعي : هذا ثوبي سرق مني فالجواب كذلك في القياس ، وهو قول محمد وزفر رحمهما الله ، ( قوله : ) سرق مني ذكر فعل ما لم يسم فاعله ، فلا يصير الفعل به مدعى على ذي اليد إنما كان هو خصما باعتبار يده كما في الغصب ، ولكن استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله وقالا : لا تندفع الخصومة عن ذي اليد ، وللاستحسان وجهان :

( أحدهما ) أن قوله سرق مني معناه سرقه مني إلا أنه اختار هذا اللفظ انتدابا إلى ما ندب إليه في الشرع من التحرز عن إظهاره الفاحشة والاحتيال لدرء الحد ، فإذا آل الأمر إلى أن يبطل حقه يعود فيدعي عليه فعل السرقة ، وهذا المعنى لا يوجد في الغصب ; لأن الغاصب تجاهر بما صنع ، ولا يندب إلى الستر على ما تجاهر بفعله .

( والثاني ) أن السارق في العادة يكون بالبعد من المسروق منه فيشتبه عليه في ظلمة الليل أنه فلان أو غيره فهو بقوله : سرق مني يتحرز عن توهم الكذب ، وله ذلك شرعا فكان هذا في معنى قوله سرقته مني بخلاف الغصب . ولأن السراق قلما يوقف على أثرهم لخوفهم من إقامة الحد عليهم ، فلو اندفعت الخصومة عن ذي اليد بهذا كان إبطالا لحق المدعي لا تحويلا ، فهو بمنزلة ما لو أقام البينة على أنه أودعه رجل لا يعرفه ، بخلاف الغاصب فإنه يكون ظاهرا فيكون هذا من ذي اليد تحويلا للخصومة إليه لا إبطالا لحق المدعي .
( رجل ) غصب ثوب رجل فاستهلكه فضمن إنسان عن الغاصب قيمته ، وليس لرب الثوب بينة على [ ص: 90 ] قيمته فقال الكفيل : قيمته عشرة ، وقال الغاصب : عشرون ، وقال صاحب الثوب : ثلاثون لم يلزم الكفيل إلا عشرة دراهم مع يمينه بالله ما قيمته إلا ذلك ; لأنه التزام بالكفالة قيمة المغصوب ، فالقول في بيان مقداره قوله كالغاصب ، وهذا لأنه منكر للزيادة على العشرة ، والقول قول المنكر مع يمينه ، وقد أقر الغاصب بعشرة أخرى فهو مصدق على نفسه غير مصدق على الكفيل ، وليس من ضرورة وجوب العشرة الأخرى عليه وجوبها على الكفيل ; فلهذا يرجع على الغاصب بعشرة أخرى مع يمينه بالله ما قيمته إلا عشرون ; لأن صاحب الثوب يدعي عليه عشرة أخرى ، وهو منكر لذلك .

( رجل ) غصب جارية شابة فكانت عنده حتى صارت عجوزا ، فإن صاحبها يأخذها وما نقصها ; لأنها صارت مضمونة على الغاصب بجميع أجزائها ، وقد فات وصف مقصود منها ، وهو الشباب ، فعلى الغاصب ضمان ذلك اعتبارا للجزء بالكل .

وكذلك لو غصبه غلاما شابا فكان عنده حتى هرم ; لأنه فات بعض ما هو مقصود منه ، وهو قوة الشباب ، والهرم نقصان في العين ، وهذا بخلاف ما لو غصبه صبيا فشب عنده ; لأنه ازداد عند الغاصب بما حدث له من قوة الشباب .

وكذلك لو نبت شعره عند الغاصب ; لأنه ازداد جمالا عنده .

فإن اللحية جمال ; ولهذا يجب بحلقها من الحر عند اقتبال المنبت كمال الدية ، والغاصب بالزيادة عنده لا يصير ضامنا شيئا .

ولو كان محترفا بحرفة فنسي ذلك عند الغاصب كان ضامنا للنقصان ; لأنه فات ما كان مقصودا منه عند الغاصب ، وما يزيد في ماليته

( فإن قيل : ) عدم العلم بالحرفة ليس بنقصان في العين ; ولهذا لا يثبت به حق الرد بالعيب ( قلنا : ) نعم ، ولكن إذا وجد فهو زيادة في العين ; ولهذا يستحق في البيع بالشرط ، ويثبت حق الرد عند فواته فيضمن الغاصب باعتباره النقصان أيضا .

وكذلك إن غصب ثوبا من رجل فعفن عنده واصفر فقد انتقصت ماليته بما حدث في العين عند الغاصب فكان ضامنا للنقصان . ولو غصب طعاما حدثا فأمسكه حتى عفن عنده فعليه طعام مثله ، وهذا الفاسد للغاصب ; لأن دفع الضرر عن المالك يتضمن النقصان ، والنقصان هنا متعذر فيصار إلى دفع الضرر عنه بتضمين المثل إلا أن يرضى المالك بأخذ الطعام العفن فيأخذه ، ولا شيء له سواه .

( رجل ) غصب من رجل ثوبا ، ومن آخر عصفرا فصبغه به ، ثم حضرا جميعا فقال : أما صاحب العصفر فيأخذه حتى يعطيه عصفرا مثله أو قيمته ; لأن ما غصبه منه صار مستهلكا بفعله ، فإنه كان عين مال قائم بنفسه ، وقد صار وصفا قائما بملك غيره ، فعرفنا أنه صار مستهلكا ، فعلى الغاصب [ ص: 91 ] ضمان مثله أو قيمته إن كان لا يوجد مثله ، والسواد في هذا كغيره عندهم جميعا ; لأن السواد في نفسه مال متقوم ، وإنما هو نقصان في الثوب عند أبي حنيفة ، وإذا ضمن لصاحب العصفر عصفره ملك المضمون . وصار في الحكم كأنه صبغه بعصفر نفسه ، وقد بينا حكم الخيار فيه ، ولو كان غصب الثوب والصبغ من رجل واحد فصبغه به ففي القياس كذلك ; لأنه مستهلك للصبغ بما صنع فيتقرر عليه ضمانه ، ويصير ذلك مملوكا له ، ولكن في الاستحسان لصاحب الثوب هنا أن يأخذ ثوبه ولا يعطي الصباغ شيئا ، ولا يضمنه قيمة صبغه ; لأن ملكه صار وصفا لملكه ، فلا يكون مستهلكا به من هذا الوجه . ولأنه إذا اختار أصل الثوب كان مجيزا لفعله في الانتهاء فيجعل ذلك كالإذن منه في الابتداء ; فلهذا كان له أن يأخذ الثوب إن شاء ، وإن شاء ضمنه الصبغ ; لأنه مستهلك من الوجه الذي قلنا ، وإذا ضمنه كان بمنزلة ما لو صبغ الثوب بصبغ نفسه على ما بينا ، ولو كان الثوب مغصوبا من إنسان ، والصبغ من آخر وصبغه للغاصب ثم لم يقدر عليه ، ففي القياس أن يأخذ صاحب الثوب ثوبه ، ولا يبقى لصاحب الصبغ عليه شيء ; لأن صبغه مستهلك بفعل الغاصب ، وضمانه دين عليه ، وللغاصب على صاحب الثوب قيمة الصبغ إذا أخذ الثوب ، فهذا الرجل وجد مديون مديونه ، فلا سبيل له عليه حتى يحضر خصمه .

وفي الاستحسان إذا أخذ الثوب ضمن له ما زاد الصبغ فيه ; لأن عين ماله قد احتبس عنده ، وإن لم يوجد من جهته صبغ فيه فهو كما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ إنسان ; ولهذا نوجب السعاية في العبد المشترك يعتقه أحدهما ; لأن نصيب الشريك قد احتبس عند العبد ، وإن لم يوجد منه صبغ في ذلك ، وإن شاء صاحب الثوب باعه فضرب هو في الثمن بقيمة ثوبه أبيض ، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ كما لو صبغه الغاصب بصبغ نفسه على ما بينا .

فإن غصب من واحد حنطة ، ومن آخر شعيرا فخلطهما ضمن لكل واحد منهما ما غصب منه ; لأنه تعذر على كل واحد منهما الوصول إلى عين ملكه ، فإن تمييز الحنطة من الشعير متعسر ، والمتعسر كالمتعذر ، والمتعذر كالممتنع ، ولم يبين في الكتاب حكم المخلوط ، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى المخلوط يصير ملكا للخالط سواء خلط الحنطة بالحنطة أو بالشعير ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لهما الخيار إن شاء أخذا المخلوط فكان مشتركا بينهما بقدر ملكهما ، وإن شاء تركا المخلوط ، وضمن كل واحد منهما الخالط مثل ماله ; لأن عين مال كل واحد منهما باق ، أما في الخلط بالجنس فلأن الشيء يتكثر بجنسه ، وكذلك في الخلط بغير [ ص: 92 ] الجنس إذا كان بحيث يتأتى التمييز في الجملة إلا أنه تعيب ملك كل واحد منهما بعيب الشركة ; فلهذا يثبت لكل واحد منهما حق التضمين إن شاء ، وإن شاء اعتبر بقاء عين الملك حقيقة فيختار الشركة في المخلوط ، وهو نظير غاصب الثوب إذا صبغه على ما بينا وأبو حنيفة يقول : بالخلط صار ملك كل واحد منهما مستهلكا حكما ; لأن المخلوط في الحكم كأنه شيء آخر سوى ما كان قبل الخلط ، ألا ترى أنه يبدل اسم العين ، فقبل ذلك كان يسمى قفيزا ، والآن يسمى كرا ، والمكيل والموزون في حكم شيء واحد ; ولهذا لو وجد ببعضه عيبا لم يرد بالعيب خاصة ، والبعض من الشيء الواحد غير كله ، فعرفنا أن هذا المخلوط حادث بفعل الغاصب حكما فيكون مملوكا له ، ومن ضرورته صيرورة ملك كل واحد منهما مستهلكا حكما ; ولهذا ثبت لكل واحد منهما حق التضمين مع إمكان التمييز في الجملة ، بخلاف الثوب مع الصبغ ، وإذا صار ملك كل واحد منها مستهلكا تقرر الضمان على الغاصب ، وذلك يوجب الملك له في المضمون ، وهذا بخلاف ما إذا حصل الاختلاط من غير صنع أحد ، فإن المخلوط هناك أيضا هالك إلا أنه لا ضامن له فيكون لأقرب الناس إليه ، وهما المالكان قبل الخلط ، ولأن الحكم يضاف إلى المحل عند تعذر إضافته إلى السبب ، ولأن المحل بمعنى الشرط ، والحكم يضاف إلى الشرط وجودا عنده كما يضاف إلى السبب ثبوتا به ، فإذا كان الخلط بفعل آدمي ، وهو سبب صالح لإضافة الملك إليه في المخلوط يصير مضافا إليه ، وعند انعدام الفعل يكون مضافا إلى المحل فلهذا كان المخلوط لهما .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.41 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]