
14-12-2025, 04:51 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,784
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 72 الى صـــ 81
(229)
( رجل ) غصب جارية قيمتها ألف درهم فصارت قيمتها ألفين ، ثم قتلها رجل خطأ فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب ألف درهم في ماله حالا ، وإن شاء أتبع عاقلة القاتل بألفي درهم في ثلاث سنين ; لأن كل واحد منهما جان في حقه فله الخيار في التضمين ، فإن ضمن الغاصب ، فإنما يضمنه باعتبار الغصب فينظر إلى قيمتها عند ذلك ، وضمان الغصب يجب حالا على الغاصب ; لأن وجوبه باعتبار المالية ، ثم الغاصب يرجع على عاقلة القاتل بألفي درهم مؤجلا في ثلاث سنين ; لأن الغاصب يملك بالضمان فيظهر أن القاتل جان على ملكه ، فلهذا يرجع على عاقلة القاتل بألفي درهم في ثلاث سنين ، أو لأن المالك لما ضمنه فقد أقامه مقام نفسه في الرجوع على عاقلة القاتل . وهو لو اختار الرجوع عليهم أخذ منهم ألفي درهم قيمتها وقت القتل في ثلاث سنين ; لأن الواجب باعتبار القتل بدل النفس فيكون على العاقلة مؤجلا ، فكذلك الغاصب يرجع عليهم بهذه الصفة ، ثم يسلم له مما يقبض ألفا قدر ما ضمن ، ويتصدق بالألف الأخرى ; لأنه حصل له بكسب خبيث ، وهو الغصب المتقدم ، ولأنه ربح حصل لا على ملكه فيلزمه التصدق به كالربح الحاصل لا على ضمانه ، فإن كانت قيمة الجارية يوم غصبها عشرة آلاف درهم ، ويوم قتلها القاتل كذلك ، فمولاها بالخيار إن شاء ضمن الغاصب عشرة آلاف درهم في ماله حالة بسبب الغصب ، وإن شاء ضمن عاقلة القاتل خمسة آلاف درهم إلا عشرة دراهم في ثلاث سنين بسبب القتل ; لأن الواجب بهذا السبب بدل النفس ، وبدل نفس الأمة لا يزيد على خمسة آلاف كبدل نفس الحرة ، وينقص للرق من ذلك عشرة دراهم ، وفي رواية خمسة ، فإن ضمن الغاصب يرجع الغاصب على عاقلة القاتل بخمسة آلاف درهم إلا عشرة دراهم ، إما لأنه قائم مقام المغصوب منه أو لأنه ظهر أن جناية القاتل كانت على ملكه .
فإن كانت الجارية هي التي قتلت رجلا خطأ أخذها مولاها [ ص: 73 ] ودفعها أو فداها ; لأنها بعد الغصب باقية على ملك مولاها ، وموجب جناية المملوك أن يخير مولاها بين الدفع والفداء ، وأي ذلك فعل رجع على الغاصب بالأقل من قيمتها ومن الفداء ; لأن ذلك إنما لزمه بسبب كان منها في يد الغاصب ، وجنايتها في ضمان الغاصب كجناية الغاصب عليها ، ولأن الرد لم يسلم حين استحقت من يد المولى بسبب كان عند الغاصب فكأنه لم يردها فيرجع عليه بقيمتها إلا أن يكون الفداء أقل من القيمة فحينئذ يرجع بالأقل ; لأنه في التزام الزيادة على الأقل مختار ، فإنه كان يتخلص باختيار الأقل ، فإن كانت ماتت عند الغاصب بعد الجناية أخذ المولى قيمتها من الغاصب بسبب الغصب فيدفعها إلى أولياء الجناية ; لأنها كانت مستحقة لهم بالجناية ، وقد فاتت ، واختلفت بدلا فيستحقون بدلها باستحقاقها ، وإذا دفع القيمة إليهم رجع بها على الغاصب مرة أخرى ; لأن المقبوض استحق من يده بسبب كان عند الغاصب ، ولأن استرداد القيمة كاسترداد العين ، ولو استردها ودفعها بالجناية رجع على الغاصب بقيمتها فكذلك إذا استرد قيمتها ، ودفعها بالجناية .
( رجل ) غصب دار رجل وسكنها ، فإن انهدمت من سكناه أو من عمله فهو ضامن لذلك ; لأنه متلف لما انهدم بفعله ، والإتلاف يتحقق في العقار كما في المنقول ، وإن انهدمت من غير عمله فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله ; لأن الغصب الموجب للضمان لا يتحقق عندهما في العقار ، والحكم ينبني على السبب وأصل المسألة ; لأن العقار لا يضمن بالغصب في القياس ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهم الله ، وفي الاستحسان يضمن ، وهو قول أبي يوسف الأول ومحمد والشافعي رحمه الله . حجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى يوم القيامة من سبع أرضين } فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الغصب على العقار . وكذلك من حيث العرف يقال : غصب دار فلان ، ومن حيث الحكم دعوى الغصب في العقار تسمع حتى لا تندفع بإقامة ذي اليد البينة على أن يده يد أمانة ، وإذا ثبت أن الغصب يتحقق فيها يترتب عليه حكمه والمعنى فيه .
أما الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول : العقار يملك بالاستيلاء يدا فيضمن بالغصب يدا كالمنقول .
وبيان الوصف أن الغزاة إذا فتحوا بلدة يملكون عقارهم ، وتأثيره ما بينا على أصله أن حد الغصب التعدي بإثبات اليد لنفسه على مال الغير بغير حق ، وذلك يتحقق في العقار والمنقول جميعا ومحمد يقول : العقار يضمن بالعقد الجائز والفاسد فيضمن بالغصب كالمنقول ، وتحقيقه هو أن [ ص: 74 ] وجوب ضمان الغصب يعتمد تفويت يد المالك بالنقل ، ولكن فيما يتأتى ذلك فيه ، فأما فيما لا يتأتى يقام غيره مقامه لإثبات الحكم ، وهو الاستيلاء بأقصى ما يمكنه بالسكنى وإخراج المالك عنه ، كما أن شرط صحة الدعوى والشهادة الإشارة إلى العين في المنقول الذي يمكن إحضاره ، ثم في العقار لما تعذر ذلك يقام ذكر الحدود مقامه ، وشرط تمام الهبة القبض بعد القسمة فيما يتأتى فيه القسمة ، ثم فيما لا يحتمل القسمة تقام التخلية مقامه ; ولهذا سماه استحسانا ، ولا معنى لقولكم : إن فعله في المالك هنا يمنعه من أن يدخل ملكه فيسكن ; لأن ما هو المقصود بتفويت اليد ، وهو فوت منفعة الملك وثمراته عليه يحصل بهذا ، ويجوز إقامة فعله في غير المضمون مقام فعله في المضمون في إيجاب الضمان كحافر البئر في الطريق فعله في الأرض دون المار ، ثم يجعل ذلك قائما مقام فعله في المار الواقع في البئر في إيجاب الضمان عليه ، فهذا مثله أو أقوى منه .
وحجتنا في ذلك الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين جزاء غاصب العقار الوعيد في الآخرة ، ولم يذكر الضمان في الدنيا ، فذلك دليل على أن المذكور جميع جزائه ، ولو كان الضمان واجبا لكان الأولى أن يبين الضمان ; لأن الحاجة إليه أمس ، وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب فيه موجبا للضمان ; لأن في لسان الشرع حقيقة ومجازا ، ألا ترى أنه أطلق لفظ البيع على الحر بقوله : من باع حرا ، وهذا لا يدل على أن البيع الموجب لحكمه حقيقة يتصور في الحر ، وكذلك في عرف اللسان حقيقة ومجازا ، ألا ترى أنهم يطلقون لفظ السرقة على العقار كما يطلقون لفظ الغصب ، وقد ورد الشرع بذلك أيضا ، ثم لا يتحقق في العقار السرقة الموجبة لحكمها على أنا نقول : يتحقق أصل الغصب في العقار ، ولكن الغصب الموجب للضمان لا يتحقق ; لأنه مما لا ينقل ولا يحول . وبيان هذا أن الضمان إنما يجب جبرانا للفائت من يد المالك ، ولا يتحقق تفويت اليد عليه بفعل في المال بدون النقل والتحويل ; لأن يد المالك متى كانت ثابتة على ماله في مكان تبقى ما يبقى المال في ذلك المكان حكما إلا أن ينقله إلى غيره بمباشرة سببه ، ومن حيث الحقيقة الغاصب وإن سكن الدار فالمالك متمكن من أن يدخل فيسكن ، فإن منعه فذلك فعل في المالك لا في الملك ، وفعله في المالك لا يفوت يده عن المال ، فلا يكون سببا للضمان كما لو حبس المالك حتى تلفت مواشيه ; ولهذا لا يضمن المنقول بالتخلي به قبل النقل فكذلك العقار .
وإقامة الشيء الآخر مقام السبب الموجب للحكم طريق فيما يأذن الشرع فيه أن يوجبه [ ص: 75 ] الحكم ، فأما الغصب لا يأذن الشرع فيه ، والحكم يمنع منه فكيف يثبت بإقامة غيره مقامه حكما ، ولكن إن صادف الفعل محلا يتحقق فيه يثبت حكمه ، وإن صادف محلا لا يتحقق فيه لا يثبت الحكم كمن زنى برتقاء ، وأتى بما في وسعه من المعالجة لا يلزمه الحد ، وإن قضى شهوته ; لأن ما هو حد فعل الزنا لا يتحقق في هذا المحل ، فلا يشتغل بإقامة غيره مقامه ، ولا ينظر إلى تحصيل المقصود ، وبه فارق ضمان العقد ; لأن ذلك يوجبه الحكم فيجوز إثباته بطريق حكمي ، والعقد الفاسد معتبر بالجائز ; لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا في معرفة حكمه ، فإن الشرع لا يرد بالعقد الفاسد ، وكذلك ذكر الحدود في الدعوى والشهادة يجوز أن تقوم مقام الإشارة في التعريف ; لأن ذلك مما يوجبه الحكم ، ويأذن فيه الشرع ، وكذلك القبض في باب الهبة ، فإن الشرع يأذن فيه فيصار إلى إيجاده بطريق التمكن ، ولو كان ما قال محمد رحمه الله تعالى من إقامة الفعل في المالك مقام الفعل في المال صحيحا لكان الأولى أن يصار إليه في المنقول ; لأن الحاجة إلى حفظ المنقول باليد أظهر منه إلى حفظ العقار ، ولا يوجب الضمان على الحافر بالطريق الذي قال بل بإقامة الشرط مقام السبب لما تعذر تعليق الحكم بالسبب ، وهو نقله في نفسه ، ومسببه إذا كان لا يعلم ، والحافر أوجد شرط الوقوع بإزالة السكة ، وإقامة الشرط مقام السبب عند تعذر تعليق الحكم بالسبب أصل في الشرع ، والإتلاف بهذا الطريق يتحقق ، فأما هنا الفعل في المالك ليس بشرط ولا سبب ، ولا يتحقق به تفويت اليد الثابتة حكما ، ألا ترى أن هناك مع أن الإتلاف يتحقق من الحافر بالمباشرة بأن يلقيه في البئر يقام الحفر مقامه ، وهنا فيما يتأتى الفعل حقيقة لا يقام الفعل في المالك مقام الفعل في المال .
ولا يدخل على هذا ما قاله في الزيادات إذا وهب الرجل دارا بما فيها من الأمتعة فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ، ثم استحقت فللمستحق أن يضمن الموهوب له ; لأن في جواب تلك المسألة نظرا فقيل : هو مذهب محمد ، وقيل : لا يستقيم على أصل محمد أيضا ; لأنه يوافقنا في المنقول أنه لا يضمن قبل النقل ، وقد نص عليه في السير الكبير . ( ثم ) العذر أن الواهب نقل يده إلى الموهوب له ، ويد الواهب في الأمتعة كانت مفوتة ليد المالك فانتقلت بصفتها إلى الموهوب له .
( فإن قيل : ) أليس أنه لو اشترى منقولا وخلي بينه فهلك قبل النقل ، ثم جاء مستحق فليس له أن يضمن المشتري ، وهذا المعنى موجود فيه . ؟ ( قلنا : ) لا كذلك فالبيع يوجب الملك ، واليد للمشتري ، فلا يجعل يده كيد [ ص: 76 ] البائع ، فأما الهبة لا توجب التسليم إلى الموهوب له فيستقيم أن يجعل الواهب بالتسليم محولا يده إلى الموهوب له ، وبهذا الطريق للمالك أن يضمن غاصب الغاصب أيضا ; لأنه حول إلى نفسه يد الغاصب الأول ، وهي يد مفوتة ليد المالك فتحول إليه بصفته .
وأشار في الكتاب إلى حرف آخر فقال : ( لو دخل دار رجل بغير إذنه فسقط منها حائط لم يضمن ، ولو ركب دابة فعطبت أو لبس ثوبا فاحترق كان ضامنا ) ، ومعنى هذا أن العقار لو كان يضمن بالاستيلاء لكان يضمن بأول أسبابه ، وهو الدخول كالمنقول ، ولكن عذر محمد عن هذا واضح ; لأن الضمان إنما يجب بإثبات اليد بطريق الاستيلاء ، وذلك بالدخول لا يحصل إنما يحصل بالسكنى ، ألا ترى أن من ادعى دارا بالميراث فشهد الشهود أن أباه دخل هذه الدار فمات فيها لم يستحق بها شيئا
( ولو شهدوا أنه مات ، وهو ساكن هذه الدار استحق القضاء له بها ; لأنهم يشهدون باليد للأب عند الموت ) بخلاف الثوب والدابة فبمجرد الركوب واللبس تثبت يده حتى لو شهدوا أن أباه مات ، وهو لابس هذا الثوب أو راكب هذه الدابة استحق القضاء له بها ، وهذا لأن الملبوس تبع للابس ، والمركوب تبع للراكب ، فظهر أن الاعتماد على الفصل الأول ، فإن كان الغاصب للدار باعها وسلمها ، ثم أقر بذلك وليس لرب الدار بينة ، فإقراره في حق المشتري باطل ; لأن المشتري صار مالكا بالشراء من حيث الظاهر ، فلا يقبل قول البائع بعد ذلك في إبطال ملكه ، ثم لا ضمان على الغاصب للمالك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله ; لأنه مقر على نفسه بالغصب ، فإن البيع والتسليم غصب ، والغصب الموجب للضمان عندهما لا يتحقق في العقار . وقد ذكر في كتاب الرجوع من الشهادات أنهم إذا شهدوا بدار لإنسان وقضى القاضي ، ثم رجعوا ضمنوا قيمتها للمشهود عليه فقيل : ذلك قول محمد رحمه الله ; لأن تسليطهما الغير على الدار بالشهادة كتسليط الغاصب على الدار بالبيع والتسليم إليه ، وقيل : بل هو قولهم جميعا ، والفرق بين الفصلين لهما أن هناك إتلاف الملك على المشهود عليه قد حصل بشهادتهما حتى لو أقام البينة على الملك لنفسه لا تقبل بينته ، والعقار يضمن بالإتلاف ، وهنا إتلاف الملك لم يحصل بالبيع والتسليم بل بعجز المالك عن إثبات ملكه بالبينة ، ألا ترى أنه لو أقام البينة على أنها ملكه قضي له بها ، فلهذا لا يكون الغاصب ضامنا ، ولكن يدخل على هذا جحود الوديعة ، فإن العقار يضمن بالجحود في الوديعة ، وليس فيه إتلاف الملك حتى لو أقام المالك البينة قضي له بها ، والأصح أن يقول : جحود الوديعة بمنزلة الغصب ، فلا يكون موجبا للضمان [ ص: 77 ] في العقار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله .
( رجل ) غصب عبدا أو دابة فأجره ، وأصاب من غلته فالغلة للغاصب ; لأن وجوبها بعقده ، وقد بيناه في كتاب اللقطة ، ولأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد ، والعاقد هو الغاصب ، فإذا هو الذي جعل منافع العبد بعقده مالا فكان بدله له . وفي الأصل قال : قلت : ولم لا يكون لصاحب العبد . ؟ قال : لأنه كان في ضمان غيره ، وكأنه أشار بهذا التعليل إلى قوله صلى الله عليه وسلم : { الخراج بالضمان } فحين كان في ضمان الغاصب فهو الذي التزم تسليمه بالعقد دون المالك فكان الأجر له دون المالك ، ويؤمر أن يتصدق بها ; لأنها حصلت له بكسب خبيث ، فإن مات العبد فالغاصب ضامن بقيمته ، وله أن يستعين بتلك الغلة في ضمان القيمة ; لأنها ملكه ، وما فضل بعد ذلك تصدق به اعتبارا للجزء بالكل .
( فإن قيل : ) القيمة دين في ذمته ، ومن قضى بمال الصدقة دينه فعليه أن يتصدق بمثله ( قلنا : ) نعم ، ولكن التصدق بهذا لم يكن حتما عليه ، ألا ترى أنه لو سلم الغلة إلى المالك مع العبد كان للمالك أن يتناول ذلك ، وليس على الغاصب شيء آخر فهو بما صنع يصير مسلما إلى المالك ، ثم يصير المالك مبرئا له عن ذلك القدر من القيمة بما يقبضه فيزول الخبث بهذا الطريق ، فلا يلزمه التصدق بعوضه ، وإن كان الغاصب باع الدابة وأخذ ثمنها فاستهلكه ، وماتت الدابة عند المشتري فضمن رب الدابة المشتري قيمتها رجع المشتري على الغاصب بالثمن لبطلان البيع باسترداد القيمة منه ، ثم لا يستعين الغاصب بالغلة في أداء الثمن ; لأن الخبث في الغلة ما كان بحق المشتري ، فلا يزول بالوصول إلى يده ، بخلاف الأول فإن الخبث لحق المالك فيزول بوصول الغلة إلى يده ( قال : ) إلا أن يكون عند الغاصب ما يؤدي به الثمن ، فلا بأس حينئذ أن يؤدي من الغلة ; لأنه محتاج إلى تفريغ ذمته وتخليص نفسه عن الحبس ، وحاجته تقدم على حق الفقراء ، فإذا أصاب بعد ذلك مالا تصدق بمثله إن كان استهلك الثمن يوم استهلكه وهو غني عنه ، وإن كان محتاجا يوم استهلك الثمن لم يكن عليه أن يتصدق بشيء من ذلك ; لأن وجوب الضمان عليه باعتبار استهلاكه الثمن ، ولو استهلك الغلة مكان الثمن ، فإن كان محتاجا فليس عليه أن يتصدق بشيء منه ، وإن كان غنيا فعليه أن يتصدق بمثله فكذلك في استهلاك الثمن ، وإنما قلنا : ذلك ; لأن حق الفقراء في هذا المال بمنزلة حقهم في اللقطة على معنى أن له أن يتصدق ، وله أن يردها على المالك إن شاء . ( ثم ) الملتقط إذا كان محتاجا فله أن يصرف اللقطة إلى حاجة نفسه بخلاف ما إذا كان غنيا فكذلك حكم هذه الغلة .
وليس على [ ص: 78 ] الغاصب في سكنى الدار وركوب الدابة أجر ، وعلل فقال : ( لأنه كان ضامنا ) ، ومعنى هذا أن ضمان العين باعتبار صفة المالية والتقوم ، والمالية والتقوم في العين باعتبار منافعه ; ولهذا تختلف قيمة العين باختلاف منفعته ، فإذا اعتبرت المنفعة لإيجاب ضمان العين لا يمكن اعتبارها لإيجاب ضمانها مقصودا ، والمنفعة كالكسب ، وقد بينا في الكسب أن الخراج بالضمان فكذلك في المنفعة ، ولكن هذا التعليل يتقاعد في الدار ، فإن الساكن غير ضامن للدار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله . والأصح بناء هذه المسألة على الأصل المتقدم ، فإن المنافع زوائد تحدث في العين شيئا فشيئا ، وقد بينا أن زوائد المغصوب لا يكون مضمونا على الغاصب عندنا ، ويكون مضمونا له عند الشافعي رضي الله عنه فكذلك المنفعة ، ولأن الغصب الموجب للضمان عنده يحصل بإثبات اليد ، واليد على المنفعة تثبت كما تثبت على العين ، وعندنا لا تتحقق إلا بيد مفوتة ليد المالك ، وذلك لا يتحقق في المنافع ; لأنها لا تبقى وقتين ، فلا يتصور كونها في يد المالك ، ثم انتقالها إلى يد الغاصب حتى تكون يده مفوتة ليد المالك فلهذا لا يضمن المنافع بالغصب عندنا .
فأما الإتلاف فيقول : عندنا المنافع لا تضمن بالإتلاف بغير عقد ولا شبهة عقد ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه تضمن ، ومنفعة الحر في ذلك سواء حتى لو استسخر حرا واستعمله عنده يضمن أجر مثله ، وعندنا يأثم ، ويؤدب على ما صنع ، ولكنه لا يضمن شيئا .
وجه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المنفعة مال متقوم فيضمن بالإتلاف كالعين ، وبيان الوصف أن المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو عندنا ، والمنافع منا أو من غيرنا بهذه الصفة ، وإنما تعرف مالية الشيء بالتمول ، والناس يعتادون تمول المنفعة بالتجارة فيها ، فإن أعظم الناس تجارة الباعة ، ورأس مالهم المنفعة ، وقد يستأجر المرء جملة ويؤجر متفرقا لابتغاء الربح كما يشتري جملة ويبيع متفرقا ، وولي الصبي يستأجر له بماله فيصح منه ، وبهذا تبين أن المنافع في المالية مثل الأعيان ، والمنفعة تصلح أن تكون صداقا ، وشرط صحة التسمية أن يكون المسمى مالا ، وهكذا يقوله في منافع الحر أنه مال يضمن بالإتلاف إلا أنه إذا حبس حرا لا يضمن منافعه ; لأنه لم يوجد من الحابس إتلاف منافعه ، ولا إثبات يده عليه بل منافع المحبوس في يده كثياب بدنه ، وكما لا يضمن ثياب بدنه بالحبس فكذلك منافعه ، ولئن لم تكن المنفعة مالا فهي متقومة ; لأنها تقوم الأعيان فيستحيل أن لا تكون متقومة بنفسها ، ولأنها تملك بالعقد ، ويضمن به صحيحا كان العقد أو فاسدا ، وإنما يملك بالعقد [ ص: 79 ] ما هو متقوم فيضمن بالإتلاف ، وإن لم يكن مالا كالنفوس والأبضاع ، وبفضل العقد الفاسد يتبين المماثلة بين العين والمنفعة في المالية ; لأن الضمان بالعقد الفاسد يتقدر بالمثل شرعا كما بالإتلاف ، وهذا بخلاف رائحة المسك ، فإن من اشتم مسك غيره لا يضمن شيئا ; لأن الرائحة ليست بمنفعة ، ولكنها بخار يفوح من العين كدخان الحطب ; ولهذا لا يملك بعقد الإجارة حتى لو استأجر مسكا ليشمه لا يجوز ، ولا يضمن بالعقد أيضا صحيحا كان أو فاسدا . وحجتنا في ذلك حديث عمر وعلي رضي الله عنهما ، فإنهما حكما في ولد المغرور أنه حر بالقيمة ، وأوجبا على المغرور رد الجارية مع عقرها ولم يوجبا قيمة الخدمة مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها ، ومع طلب المدعي بجميع حقه ، فلو كان ذلك واجبا له لما حل لهما السكوت عن بيانه ، وبيان العقر منهما لا يكون بيانا لقيمة الخدمة ; لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين ; ولهذا يتقوم عند الشبهة بخلاف المنفعة ، والمعنى فيه أن المنفعة ليست بمال متقوم ، فلا تضمن بالإتلاف كالخمر والميتة .
وبيانه أن صفة المالية للشيء إنما تثبت بالتمول ، والتمول صيانة الشيء وادخاره لوقت الحاجة ، والمنافع لا تبقى وقتين ، ولكنها أعراض كما تخرج من حيز العدم إلى حيز الوجود تتلاشى ، فلا يتصور فيها التمول ; ولهذا لا يتقوم في حق الغرماء والورثة حتى أن المريض إذا أعان إنسانا بيديه أو أعاره شيئا فانتفع به لا يعتبر خروج تلك المنفعة من الثلث ، وهذا لأن المتقوم لا يسبق الوجود ، فإن المعدوم لا يوصف بأنه متقوم إذ المعدوم ليس بشيء ، وبعد الوجود التقوم لا يسبق الإحراز ، والإحراز بعد الوجود لا يتحقق فيما لا يبقى وقتين فكيف يكون متقوما ، وعلى هذا نقول : الإتلاف لا يتصور في المنفعة أيضا ; لأن فعل الإتلاف لا يحل المعدوم . وبعد الوجود لا يبقى لحله فعل الإتلاف ، وإثبات الحكم بدون تحقق السبب لا يجوز ، فأما بالعقد يثبت للمنفعة حكم الإحراز ، والتقوم شرعا بخلاف القياس ، وكان ذلك باعتبار إقامة العين المنتفع به مقام المنفعة لأجل الضرورة والحاجة ، ولا تتحقق مثل هذه الحاجة في العدوان فتبقى الحقيقة معتبرة ، وباعتبارها ينعدم التقوم والإتلاف ، وفي الصداق واستئجار الولي إنما يظهر حكم الإحراز والتقوم بالعقد للحاجة ، والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به ، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز ، وكما تتفاوت قيمة العين بتفاوت المنفعة تتفاوت قيمة الطيب بتفاوت الرائحة ، ولم يدل ذلك على كونه مالا متقوما ، ولئن سلمنا أن المنفعة مال متقوم فهو دون الأعيان في المالية ، وضمان العدوان مقدر بالمثل بالنص ، ألا ترى أن المال لا يضمن بالنسبة ، والدين لا يضمن [ ص: 80 ] بالعين ; لأنه فوقه فكذلك المنفعة لا تضمن بالعين ، وبيان هذا الكلام أن المنفعة عرض يقوم بالعين ، والعين جوهر يقوم به العرض ، ولا يخفى على أحد التفاوت بينهما ، والمنافع لا تبقى وقتين ، والعين تبقى أوقاتا ، وبين ما يبقى وما لا يبقى تفاوت عظيم ، والعين لا تضمن بالمنفعة قط ، ومن ضرورة كون الشيء مثلا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلا له أيضا ، والمنفعة لا تضمن بالمنفعة عند الإتلاف حتى أن الحجر في خان واحد على تقطيع واحد لا تكون منفعة إحداهما مثلا للمنفعة الأخرى عند الإتلاف .
والمماثلة بين المنفعة والمنفعة أظهر من المماثلة بين العين والمنفعة ، وبهذا فارق ضمان العقد ، فإنه غير مبني على المماثلة باعتبار الأصل بل على المراضاة ، وكيف ينبني على المماثلة ، والمقصود بالعقد طلب الربح . ( ثم ) ضمان العقد مشروع ، وفي المشروع يعتبر الوسع والإمكان ; ولهذا يجب الضمان باعتبار التراضي فاسدا كان العقد أو جائزا فيسقط اعتبار التفاوت الذي ليس في وسعنا الاحتراز عنه في ضمان العقد ، فأما الإتلاف فمحظور غير مشروع ، وضمانه مقدر بالمثل بالنص ، فلا يجوز إيجاب الزيادة على قدر المتلف بسبب الإتلاف .
( فإن قيل : ) يسقط اعتبار هذا التفاوت لدفع الظلم والزجر عن إتلاف منافع أموال الناس ، ولأن المتلف عليه مظلوم يسقط حقه إذا اعتبر هذا التفاوت ، ومراعاة جانب المظلوم أولى من مراعاة جانب الظالم من أن هذا التفاوت بزيادة وصف لو لم نعتبره سقط به حق المتلف عن الصفة ، ولو اعتبرناه أسقطنا حق المتلف عليه عن أصل المالية ، وإذا لم يكن بد من إهدار أحدهما فإهدار الصفة أولى من إهدار الأصل ( قلنا : ) قد أوجبنا للزجر التعزير والحبس ، فأما وجوب الضمان للجبران ، فيتقدر بالمثل على وجه لا يجوز الزيادة عليه ، والظالم لا يظلم بل ينتصف منه مع قيام حرمة ماله ، ولو أوجبنا عليه زيادة على ما أتلف كان ذلك ظلما مضافا إلى الشرع ; لأن الموجب هو الشرع ، وذلك لا يجوز ، وإذا لم يوجب الضمان لتعذر إيجاب المثل كان ذلك لضرورة ثابتة في حقنا ، وهو أنا لا نقدر على القضاء بالمثل ، وذلك مستقيم مع أن حق المظلوم لا يهدر بل يتأخر إلى الآخرة . ولو أوجبنا الزيادة صارت تلك الزيادة هدرا في حق المتلف فيبطل حقه عنه أصلا ، فكان ما قلناه من اعتبار المماثلة والكف عن القضاء بالضمان بدون اعتبار المماثلة أعدل من هذا الوجه .
قال : ( أقام رب الدابة البينة أنها نفقت عند الغاصب من ركوبه ، وأقام الغاصب البينة أنه قد ردها إليه وماتت في يده فعلى الغاصب القيمة ) ; لأن رب الدابة يثبت على الغاصب سبب وجوب القيمة ، والغاصب ينفي ذلك ; لأن [ ص: 81 ] موت الدابة في يد مالكها لا يوجب الضمان على أحد ، والبينات للإثبات دون النفي .
( فإن قيل : ) سبب وجوب الضمان على الغاصب ظاهر فهو يثبت ببينته ما يبرئه عن الضمان وهو الرد ، فكانت بينته أولى بالقبول ( قلنا : ) نعم ، ولكن ثبوت الرد لا يمنع قبول بينة المالك على هلاكها من ركوب الغاصب ; لجواز أن يكون ركبها بعد الرد فماتت من ركوبه فلهذا جعلنا بينته أولى بالقبول ، وكذلك لو شهد شهود صاحبها أن الغاصب قتلها أو أنه هدم الدار ، وشهود الغاصب أنه ردها إليه على حالها ; لأن القتل بعد الرد يتحقق من الغاصب ، وكذلك لو هدم الدار بعد الرد يتحقق منه فيجب قبول بينة صاحبها في إثبات سبب متجدد للضمان على الغاصب ; لأن الغاصب بينته تنفي ذلك السبب ، فأما إذا أقام صاحبها البينة أنها ماتت في يد الغاصب ، وأقام الغاصب البينة أنه ردها فماتت في يد صاحبها فعلى قول أبي حنيفة تقبل بينة صاحبها كما في الفصول المتقدمة ; لأن الغصب بعد الرد يتحقق فصاحبها ببينته يثبت سبب ضمان متجدد ، وهو غصبه إياها عند الموت فيقضي له بالضمان لهذا ، وعند محمد رحمه الله البينة بينة الغاصب هنا لما فيها من إثبات الرد وسقوط الضمان عنه به ، ثم ليس في بينة صاحبها هنا إثبات سبب متجدد ، والظاهر أنهم إنما شهدوا بذلك ; لأنه خفي عليهم الرد ، وقد علموا الغصب فاستصحبوا ذلك ، وشهدوا أنها ماتت في يد الغاصب ، وشهود الغاصب علموا الرد ، وقد علموا الغصب فشهدوا به بخلاف ما سبق ، فإن القتل والهدم والإتلاف من الركوب سبب متجدد لا يشهدون عليه ما لم يعاينوه باعتبار علمهم بالغصب السابق .( وإذا وهب الغاصب الثوب المغصوب لرجل فلبسه حتى تخرق أو كان طعاما فأكله ثم جاء المغصوب منه وضمن الموهوب له فليس له أن يرجع بالضمان على الواهب عندنا ) ، وقال الشافعي رحمه الله له ذلك ; لأنه صار مغرورا من جهته حين أوجب الملك له بالعقد ، وأخبره أنه يهب ملك نفسه ، وأنه لا يلحقه فيه ضمان من جهة أحد ، والمغرور يرجع على الغار بما يلحقه من الضمان دفعا للضرر عنه ، ولكنا نقول : الموهوب له في القبض والأكل عامل لنفسه ، ومن عمل لنفسه فلحقه ضمان بسببه لا يرجع به على أحد ، فأما المغرور قلنا : مجرد الغرور بالخبر لا يثبت له حق الرجوع كمن أخبر إنسانا أن هذا الطريق آمن فسلكه فأخذ اللصوص ماله أو أخبره أن هذا الطعام طيب ، وكان مسموما فتناوله فتلف .
وإنما الغرور في عقد الضمان هو المثبت للرجوع لمعنيين :
( أحدهما ) أن بعقد الضمان يستحق صفة السلامة عن العيب ، ولا عيب فوق [ ص: 82 ] الاستحقاق ، فبفوات ما هو مستحق له ثبت له حق الرجوع ، فأما بعقد التبرع لا يستحق الموهوب له صفة السلامة ; ولهذا لو وجد الموهوب معيبا لا يرده بالعيب ، فلا يرجع بسبب الغرور أيضا .
( والثاني ) وهو أن القابض بحكم عقد الضمان عامل للمالك من وجه ، فإنه يتقرر به حقه في العوض ، وهو الثمن ، فإذا لحقه ضمان بسببه رجع به عليه ، فأما الموهوب له في القبض عامل لنفسه من كل وجه ; لأن الواهب لم يشترط لنفسه شيئا ليتأكد ذلك بقبضه ، وعلى هذا لو وهب له جارية فاستولدها ، ثم جاء مستحق ، واستحقها وأخذها وعقرها وقيمة ولدها لم يرجع الموهوب له على الواهب بشيء ، بخلاف ما لو كان اشتراها ، فإن هناك يرجع بقيمة الولد ; لأنه ضمن له سلامة الولد بعقد الضمان ، فإذا لم يسلم له رجع عليه بما لحقه ، ولا يرجع بالعقر عندنا . وعلى قول الشافعي رحمه الله يرجع بالعقر أيضا ; لأن البائع قد ضمن له سلامة الوطء أيضا ، ولكنا نقول : وجب العقر بما استوفى منها ، وهو الذي نال تلك اللذة ، فلا يرجع بما لحقه بسببه على أحد .
وعلى هذا لو أن غاصب الدابة أجرها فعطبت عند المستأجر ، ثم ضمنه المغصوب منه قيمتها رجع بها على الآخر ليتحقق الغرور بمباشرة عقد الضمان ، ولأن المستأجر في قبضها عامل للآخر من وجه ، فإنه يتقرر به حقه في الأجر ، فأما المستعير إذا ضمن قيمة الدابة لصاحبها لم يرجع على أحد بالاتفاق عندنا لانعدام عقد الضمان كما بينا في الهبة ، وعند الشافعي رحمه الله ; لأن المستعير ضامن للعين في حق المعير فلهذا لا يرجع عليه بما يلحقه من الضمان .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|