
14-12-2025, 04:47 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,784
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 62 الى صـــ 71
(228)
( وقال ) ابن أبي ليلى عتقه نافذ ، والغاصب ضامن قيمتها للمغصوب منه ; لأن الإعتاق قبض بطريق الإتلاف ، فإنه ينعدم به محلية البيع كما بالإتلاف حقيقة ، فهناك الغاصب يضمن قيمتها ، وينفذ البيع بينه وبين المشتري إذا ضمن قيمتها ، فهنا كذلك اعتبارا للحكمي بالحقيقي ، ولكنا نقول : حصول القبض والإتلاف بنفوذ العتق لا بالتكلم به ، وشرط نفوذ العتق ملك المحل قال صلى الله عليه وسلم : { لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم } والبيع الموقوف ضعيف في نفسه ، فلا يثبت الملك به قبل الإجازة كالهبة قبل القبض ، فإن الموهوب له لو أعتق الموهوب قبل أن يقبض لم يعتق ، ولا يصير قابضا به ، فهذا مثله ، بخلاف الإتلاف فإنه حسي يتحقق في الملك [ ص: 63 ] وغير الملك ، ولا نقول : المشتري بالإتلاف يصير مالكا متى كان للمغصوب منه أن يضمن المشتري إن شاء ، فإنأجاز المغصوب منه البيع بعد ما أعتق المشتري الجارية جاز البيع ، ولم ينفذ عتق المشتري في القياس ، وهو قول محمد وزفر رحمهما الله ، وفي الاستحسان ينفذ عتقه وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، هكذا يرويه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ، ( قال ) أبو سليمان : وكنا سمعنا من أبي يوسف روايته عن أبي حنيفة أنه لا ينفذ عتقه وجه القياس أن هذا عتق ترتب على عقد توقف نفوذه لحق المالك ، فلا ينفذ بنفوذ العقد كالمشتري بشرط الخيار أقوى من البيع الموقوف ، فإنه متفق على جوازه ، ويتم بموت البائع وبسكوته حتى تمضي المدة .
والبيع الموقوف مختلف في جوازه ، وهو يبطل بموت العاقد وبموت المالك ، ولا يتم بدون الإجازة ; لأن هذا العتق توقف على إجازة مالك ظاهر الملك ، فإن المالك لو أجاز العتق عن نفسه عتق من جهته ، فلا ينفذ من جهة من يحدث له بالملك كالمشتري من المكره إذا أعتق قبل القبض ، ثم رضي المكره بالبيع لم ينفذ عتق المشتري . يوضحه أن البيع والعتق توقفا على إجازة المالك ، ثم لو أجاز العتق بطل البيع فكذلك لو أجاز البيع يبطل العتق لما بينهما من المنافاة في حقه ، والدليل عليه أن الغاصب لو أعتق ثم ضمن القيمة لم ينفذ عتقه ، والملك الثابت له بالضمان أقوى من الملك الثابت للمشتري هنا حتى ينفذ بيعه لو كان باعه هناك ، ولا ينفذ بيع المشتري هنا لو كان باعه ، ثم هناك لم ينفذ عتقه فهنا يتقوم . وكذلك لو كان المشتري من الغاصب أعتق ، ثم إن المالك ضمن الغاصب حتى نفذ بيعه لم ينفذ عتق المشتري فكذلك إذا نفذ البيع بإجازة المالك .
وجه الاستحسان أن هذا عتق ترتب على سبب ملك تام فينفذ بدون السبب بالإجازة ، كالوارث إذا أعتق عبدا من التركة ، وهي مستغرقة بالدين ، ثم يسقط الدين أو المشتري من الوارث إذا فعل ذلك . وتقرير هذا الكلام أن العقد الموقوف سبب تام في نفسه ، وانعقاده بكلام المتعاقدين ، ولهما ولاية على أنفسهما ، فإذا أطلقا العقد انعقد بصفة التمام ; لأن الممتنع ما يتضرر به المالك ، وكما لا ضرر على المالك بانعقاد السبب لا ضرر عليه في تمام السبب ; لأنه ليس من ضرورة إتمام السبب اتصال الحكم به فقد يتراخى عنه ; لأن الأسباب الشرعية لا تنعقد خالية عن الحكم ، ولكن يجوز أن يتأخر الحكم عن السبب ، والضرر على المالك في إثبات الملك للمشتري ; لأن من ضرورته زوال ملكه فيتأخر ذلك إلى وقت الإجازة ، ويبقى السبب تاما ، والدليل عليه أن الإشهاد على [ ص: 64 ] النكاح يعتبر وقت العقد لا عند الإجازة ، والنكاح ينعقد مع التوقف ، وما يمنع تمام السبب فالنكاح لا يحتمله كخيار الشرط . والدليل عليه أن الغاصبين إذا تصارفا وتقابضا وافترقا ثم أجاز المالكان فمحمد يوافقنا أنه يجوز ، وما يمنع تمام السبب لا يكون عفوا في الصرف بعد الافتراق كخيار الشرط ، والدليل على تمام السبب أنه يملك المبيع عند الإجازة بزوائده المنفصلة والمتصلة .
( وإذا ) ثبت أن السبب تام فنقول : العتق قبض حتى أن المشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض يصير قابضا ، والقبض بعد تمام السبب يتوقف بتوقف السبب ، وينفذ بنفوذه كالقبض الحقيقي في المبيع أو الثمن ، والدليل عليه أن رجلا لو قال للغاصب : أعتق هذا العبد عني بألف درهم فأعتقه ثم أجاز المالك نفذ بالإجازة العتق والبيع جميعا ، فهذا مثله بل أولى ; لأن سبب الملك هناك مضمر ، وهنا مفصح به ، ولا وجه لمنع هذا ، فإنه لو التمس هذا من المالك فأجابه إليه كان نافذا فكذلك إذا التمس من غير المالك فأجابه إليه وأجازه المالك ، وهذا بخلاف البيع بشرط الخيار ; لأن السبب هناك غير تام ، فإن قوله على أني بالخيار مقرون بالعقد نصا ، وتعليق العقد بالشرط يمنع كونه سببا قبل وجود الشرط ; ولهذا لم يجز البيع قياسا ; لأنه أدخل الشرط على السبب ، وفي الاستحسان يجعل الشرط داخلا على حكم السبب فينعقد أصل العقد ، ويكون في حق الحكم كالمتعلق بالشرط ، والمتعلق بالشرط معدوم قبله ، ألا ترى أنه لو قال : إذا جاء عبدي فلله علي أن أتصدق بدرهم فتصدق به اليوم لا يجوز بخلاف ما لو قال : لله علي أن أتصدق بدرهم غدا فتصدق به اليوم يجوز ، فعرفنا أن التوقف لا يمنع تمام السبب ، والتعليق بالشرط يمنع منه ، يوضح الفرق أن في العقد الموقوف يثبت ملكا يليق بالسبب ، وهو الملك الموقوف ; لأن هذا القدر لا يزيل ملك المالك ، ولا يتضرر به ، فإنما ترتب على ملك موقوف فيتوقف بتوقفه ، وينفذ بنفوذه ، فأما الشرط في مسألة الخيار كما يمنع الملك التام يمنع الملك الموقوف فلم يترتب عتق المشتري على ملك في المحل أصلا ، ومسألة المكره قد منعها بعض أصحابنا رحمهم الله
والأصح أن نقول : بيع المكره فاسد ; ولهذا لو أعتقه المشتري بعد القبض ينفذ عتقه ، والبيع الفاسد قبل القبض ضعيف غير تام في حكم الملك كالهبة قبل القبض ، فلا يثبت به ملك تام ولا موقوف في المحل ; فلهذا لا ينفذ عتقه ، وعتق المشتري مخالف لبيعه ; لأن البيع ليس بقبض ، ألا ترى أنه لو باع المبيع قبل القبض لا يصير به قابضا ، وإنما يتوقف بعد تمام السبب ما هو من حقوقه ، والعتق من حقوقه [ ص: 65 ] من حيث إنه قبض ، ومن حيث إن الشراء موجب ، وهو شراء القريب ، فإنه إعتاق بخلاف البيع . يوضحه أن البيع قاطع للملك ، والعتق منه له ، ألا ترى أن المشتري لو باع المبيع ، ثم اطلع على عيب به لا يرجع على بائعه بحصة العيب من الثمن ، بخلاف ما لو أعتقه فلكون العتق منهيا للملك يتوقف بتوقف الملك حتى إذا تم انتهى به ، والبيع لكونه قاطعا للملك لا يجوز أن يتوقف بتوقف الملك ، وهذا بخلاف ما لو أجاز المالك العتق ; لأنه بإجازة العتق عن نفسه يبطل محل البيع ، فلا يمكن تنفيذ البيع به ، وبإجازة البيع يمتد محل العتق للمشتري ، وهو المالك فينفذ العتق من جهته ، وهذا بخلاف الغاصب إذا أعتق ، ثم ضمن القيمة ; لأن المستند له حكم الملك لا حقيقة الملك ; ولهذا لا يستحق الزوائد المنفصلة ، وحكم الملك يكفي لنفوذ البيع دون العتق ، كحكم ملك المكاتب في كسبه ، وهذا الثابت للمشتري من وقت العقد حقيقة الملك ; ولهذا استحق الزوائد المنفصلة والمتصلة .
فأما إذا أعتقه المشتري ثم نفذ البيع بتضمين الغاصب فالأصح أنه ينفذ العتق أيضا ، هكذا ذكر هلال رحمه الله في كتاب الوقف فقال : ينفذ وقفه على طريقة الاستحسان فالعتق يتقوم ، وبعد التسليم يقول : هناك المشتري يملكه من جهة الغاصب ، وقد بينا أنه لا يستند للغاصب حقيقة الملك فكيف يستند لمن يملك من جهته فلهذا لا ينفذ عتقه ، وهنا إنما يستند الملك له إلى وقت العقد من جهة المجيز ، والمجيز كان مالكا له حقيقة فيمكن إثبات حقيقة الملك للمشتري من وقت العقد بالطريق الذي قلنا : فلهذا نفذ عتقه .
وإن ماتت الجارية في يد المشتري ، ثم أجاز المالك البيع لم يتم ; لأن إجازته إنما تصح في حال يصح إذنه بالبيع ، وبعد الموت لا يصح إذنه بالبيع ، ولأن الملك للمشتري يثبت عند الإجازة مقصودا بسببه . وإن كان يستند إلى وقت العقد ، والميت لا يحتمل التمليك مقصودا بسببه . وإن لم يمت ولم يسلم رب الجارية المبيع ، ولكن الغاصب اشتراها منه لم يجز البيع الأول ; لأن إقدام المالك على بيعها من الغاصب إبطال منه للبيع الأول ، ولأنه لا يمكن تنفيذ البيع الأول من الغاصب بهذا الشراء ; لأن الملك له حادث ، والبيع الموقوف إذا تم أوجب الملك للمشتري من وقت العقد ، ولأنه ما توقف على حقه ولم يوجد منه الرضا بتمليك المشتري عليه ; فلهذا لا يصح البيع الأول بعد شراء الغاصب ، وكذلك إن أجازه ; لأنه قد طرأ ملك نافذ على ملك موقوف فكان مبطلا للموقوف إذ لا يتصور اجتماعهما في محل واحد ، والبيع بعد ما بطل لا يلحقه الإجازة ، وكذلك لو وهبها مولاها للغاصب أو تصدق بها [ ص: 66 ] عليه أو ماتت فورثها منه ، فهذا كله مبطل للملك الموقوف بطريان الملك النافذ في المحل .
( رجل ) غصب من رجل جارية فعيبها فأقام المغصوب منه البينة أنه قد غصب جارية له ، فإنه يحبس حتى يجيء بها ويردها على صاحبها ، ( وكان ) أبو بكر الأعمش - رحمه الله - يقول : تأويل هذه المسألة أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك ; لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة ، فأما الشهادة على فعل الغصب لا تقبل مع جهالة المغصوب ; لأن المقصود إثبات الملك للمدعي في المغصوب ، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول ، ولا بد من الإشارة إلى ما هو المقصود بالدعوى في الشهادة ، ولكن الأصح أن هذه الدعوى والشهادة صحيحة لأجل الضرورة ، فإن الغاصب يكون ممتنعا من إحضار المغصوب عادة ، وحين يغصب فإنما يتأتى من الشهود معاينة فعل الغاصب دون العلم بأوصاف المغصوب ، فسقط اعتبار علمهم بالأوصاف ; لأجل التعذر ، ويثبت بشهادتهم فعل الغصب في محل هو مال متقوم ، فصار ثبوت ذلك بالبينة كثبوته بإقراره فيحبس حتى يجيء به ، ولأن وجوب الرد على الغاصب ثابت بنفس الفعل ، وهذا معلوم من شهادتهم ، فيتمكن القاضي من القضاء به ; فلهذا يحبسه حتى يجيء بها ويردها على صاحبها ، فإن قال الغاصب : قد ماتت أو قد بعتها ولا أقدر عليها تلوم القاضي في ذلك زمانا ، ولم يعجل بالقضاء بالقيمة ; لأن بقضائه يتحول الحق من العين إلى القيمة ، وفيه نوع ضرر على صاحبها ، فعين الملك مقصود لصاحبها كماليتها ، وربما يتعلل الغاصب بذلك لتسلم العين عند أداء القيمة ; فلهذا لا يعجل بالقضاء بها ، وليس لمدة التلوم مقدار بل يكون ذلك موكولا إلى رأي القاضي ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ، وهذا التلوم إذا لم يرض المغصوب منه بالقضاء بالقيمة له ، فأما إذا رضي بذلك أو تلوم له القاضي فلم يقدر على الجارية ، فإن اتفقا في قيمتها على شيء أو أقام المغصوب منه البينة على ما يدعي من قيمتها قضى له القاضي بذلك ، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الغاصب مع يمينه ; لأن المالك يدعي الزيادة وهو منكر لها .
فإن استحلف فنكل كان نكوله بمنزلة إقراره بما يدعيه المالك ، وإن حلف قضي له بما أقر به الغاصب ; لأن ما زاد على ذلك انتفى عنه بيمينه ما لم يقم المالك حجة عليه ، فإن ظهرت الجارية بعد ذلك ، فإن كان القضاء بالقيمة بالبينة أو بالنكول أو بالإقرار من الغاصب بما ادعى المالك فالجارية له لا سبيل للمغصوب منه عليها ، وإن كان القضاء بالقيمة بزعم الغاصب بعد ما يحلف يخير المغصوب منه ، فإن شاء استردها ورد ما قبض على الغاصب ، وإن شاء [ ص: 67 ] أمسك تلك القيمة ، ولا سبيل له عليها . قال الكرخي رحمه الله هذا إذا كانت قيمتها بعد ما ظهرت أكثر مما قال الغاصب ، فأما إذا كانت قيمتها مثل ما قال الغاصب ، فلا خيار له في استردادها ; لأنه يوفر عليه بدل ملكه بكماله . وفي ظاهر الرواية الجواب مطلق وهو الصحيح ; لأنه لم يتم رضاه بزوال ملكه عن العين إذا لم يعط ما يدعيه من القيمة ، وثبوت الخيار له لانعدام تمام الرضا من جهته ، وذلك لا يختلف باختلاف قيمتها فقد لا يرضى الإنسان بزوال العين عن ملكه بقيمته ، وهذا كله مذهبنا ، أما عند الشافعي رحمه الله تعالى فالجارية باقية على ملك مولاها فيستردها إذا ظهرت ، ويرد ما قبض من القيمة .
( وبعض ) المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله يقول : سبب الملك عندنا يقرر الضمان على الغاصب لكي لا يجتمع البدل ، والمبدل في ملك رجل واحد ، وهو معنى قولهم : المضمونات تملك بالضمان ، ولكن هذا غلط ; لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب ; ولهذا نفذ بيع الغاصب وسلم الكسب له .
( وبعض ) المتأخرين رحمهم الله : يقول الغصب هو السبب الموجب للملك عند أداء الضمان ، وهذا أيضا وهم ، فإن الملك لا يثبت عند أداء الضمان من وقت الغصب للغاصب حقيقة ; ولهذا لا يسلم له الولد . ولو كان الغصب هو السبب للملك لكان إذا تم له الملك بذلك السبب يملك الزوائد المتصلة والمنفصلة كالبيع الموقوف إذا تم بالإجازة يملك المشتري المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة ، ومع هذا في هذه العبارة بعض الشنعة فالغصب هو عدوان محض ، والملك حكم مشروع مرغوب فيه ، فيكون سببه مشروعا مرغوبا فيه ، ولا يصح أن يجعل العدوان المحض سببا له ، فإنه ترغيب للناس فيه لتحصيل ما هو مرغوب لهم به ، ولا يجوز إضافة مثله إلى الشرع ، فالأسلم أن يقول : الغصب موجب رد العين ورد القيمة عند تعذر رد العين بطريق الجبران مقصودا بهذا السبب ، ثم يثبت الملك به للغاصب شرطا للقضاء بالقيمة لا حكما ثابتا بالغصب مقصودا ; ولهذا لا يملك الولد ; لأن الملك كان شرطا للقضاء بالقيمة ، والولد غير مضمون بالقيمة ، وهو بعد الانفصال ليس يتبع ، فلا يثبت هذا الحكم فيه بخلاف الزيادة المتصلة ، فإنه تبع محض ، والكسب كذلك بدل المنفعة فيكون تبعا محضا ، وثبوت الحكم في التبع كثبوته في الأصل سواء ثبت في المتبوع مقصودا بسببه أو شرطا لغيره . وجه قول الشافعي رحمه الله الاستدلال بقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فالله تعالى جعل أكل مال الغير قسمين قسم بالباطل ، وقسم بالتجارة عن تراض ، وهذا [ ص: 68 ] ليس بتجارة عن تراض فيكون أكلا بالباطل ، والمعنى فيه أن الغصب عدوان محض ; لأنه ليس فيه شبهة الإباحة بوجه ما ، فلا يكون موجبا للملك كالقتل . وتأثيره ما قلنا : أن الملك حكم مشروع فيستدعي سببا مشروعا ، والعدوان المحض ضد المشروع ، فأدنى درجات المشروع أن يكون مرضيا به ، وأن يكون مباحا ، والعدوان المحض ضده ، ولا يجوز أن يثبت الملك بضمان القيمة ; لأن هذا ضمان جبران فيكون بمقابلة الفائت بالغصب ، والفائت بالغصب يد المالك لا ملكه .
فعرفنا أن هذا الضمان بمقابلة النقصان الذي حل بيد الغاصب لا أن يكون بدلا عن العين ; ولهذا قلتم : لوهشم قلب فضة لإنسان ، وقضى القاضي عليه بالقيمة ، ثم افترقا من غير قبض لا يبطل القضاء ، ولو كان بدلا عن العين كان صرفا فيبطل بالافتراق من غير قبض ، ولما ثبت أن هذا الضمان بطريق الجبران ، فلا يكون الجبران بتفويت ما هو قائم بل هو بإحياء ما هو فائت ، وملكه في العين كان قائما ، فلو جعلناه زائلا بالقضاء بالقيمة له كان هذا تفويتا لا جبرانا ، ولا كانت القيمة بدلا عن العين فهو حلف يصار إليه عند وقوع اليأس عن رد العين ، ومثل هذا الحلف يسقط اعتباره عند ظهور العين كما لو قلع سن إنسان فاستوفي به حولا كاملا ، ثم قضى له بالأرش فقبض ، ثم نبت سنه يلزمه رد المقبوض من الأرش بهذا المعنى ، واعتمادهم على فصل المدبر ، وبهذا يتضح جميع ما قلنا ، فإن الغصب يتحقق في المدبر ، وسبب الملك عندكم لا يتحقق في المدبر ، وبقضاء القاضي بالقيمة لا يزول عن ملكه ، ولو كان شرط القضاء بالقيمة انعدام ملكه في العين أو كانت العين بدلا عن العين لما قضى القاضي بها في محل لا يتحقق فيه هذا الشرط ، وإن تم بقضاء القاضي ينبغي أن يزول ملكه عن المدبر ، كما لو قضى بجواز بيع المدبر .
وحجتنا في ذلك { قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشاة المغصوبة المصلية : أطعموها الأسارى } فقد أمرهم بالتصدق بها ، ولو لم يملكوها لما أمرهم بالتصدق بها ; لأن التصدق بملك الغير إذا كان مالكه معلوما لا يجوز ، ولكن يحفظ عليه عين ملكه ، فإن تعذر ذلك يباع ، ويحفظ عليه ثمنه . والمعنى فيه أن الغصب الموجب للضمان مختص بمحل هو مال متقوم فيثبت الملك به إذا أمكن كالبيع والصلح .
وبيان الوصف أن غصب الحر لا يتحقق موجبا للضمان ; لأنه ليس بمال ، وكذلك غصب الخمر من المسلم ; لأنه غير متقوم ، وتأثيره أن اختصاص السبب بمحل لا يكون إلا لاختصاصه بحكم يختص بذلك المحل ، فالمحل الذي هو مال متقوم يختص بصحة التمليك فيه ، فلما اختص الغصب الموجب للضمان به عرفنا أنه إنما اختص بهذا الحكم ، فإن الفعل الذي [ ص: 69 ] هو عدوان محض ، وإزالة اليد المحترمة لا تختص بمحل هو مال متقوم . ثم حقيقة المعنى أن الضمان الواجب على الغاصب بدل العين ، ألا ترى أنه يقوم العين به ، وأنه يسمي الواجب قيمة العين ، ويتقدر بمالية العين ، ولأن الضمان بمقابلة ما هو المقصود ، ومقصود صاحب الدراهم عين الدراهم لامتلاء كيسه بها ، فعرفنا أن الضمان بدل العين ، وإنما يقضى بها جبرانا ، والجبران يستدعي الفوات لا محالة ; لأنه إنما يجيز الفائت دون القائم ، فكان من ضرورة القضاء بقيمة العين انعدام ملكه في العين فيكون جبرانا لما هو فائت ، وما لا يمكن إثباته إلا بشرط ، فإذا وقعت الحاجة إلى إثباته يقدم شرطه عليه لا محالة ، كما إذا قال لغيره : أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه ، يقدم التمليك منه على نفوذ العتق منه ضرورة كونه شرطا في المحل إلا أن يكون قوله : أعتقه عني سببا للتمليك مقصودا .
إذا تقرر هذا تبين أنه إنما يثبت بالعدوان المحض ما هو حسن مشروع به ، وهو القضاء بالقيمة جبرانا لحقه في الفائت ، ثم انعدام الملك في العين لما كان من شرطه هذا المشروع يثبت به ، ويكون حسنا بجنسه ; ولهذا لا يشترط التقابض ; لأن شرط التقابض فيما هو سبب للملك مقصود إلا فيما يثبت شرطا لغيره ، كما لا يشترط القبول في قوله : أعتق عبدك عني على ألف درهم ; لأن شرط القبول في سبب ملك مقصود لا فيما هو شرط لغيره ; ولهذا قلنا : إن المغصوب ، وإن كان هالكا عند القضاء بالقيمة يصير مملوكا للغاصب ; لأن الهالك مما لا يقبل التمليك مقصود بسببه لا شرطا لغيره ، وكذلك يقول : إذا أخذ القيمة بزعم الغاصب فالعين لا تبقى على ملكه ، ولكن يتخير عند ظهوره لعدم تمام الرضى به ، كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيبا .
( فأما ) المدبر ففي تخريجه طريقان :
أحدهما : أن هناك لا يقول ببقاء العين على ملكه بعد تقرر حقه في القيمة بل يجعل زائلا عن ملكه لتحقيق هذا الشرط ; ولهذا لو لم يظهر المدبر بعد ذلك وظهر له كسب فذلك الكسب يكون للغاصب دون المغصوب منه إلا أنه إذا ظهر المدبر يعاد إليه صيانة لحق المدبر ، فإن حق العتق ثبت له بالتدبير عندنا .
الثاني : أن في المدبر القيمة ليست ببدل عن العين ; لأن ما هو شرطه وهو انعدام الملك في العين متعذر في المدبر ، فيجعل هذا خلفا عن النقصان الذي حل بيده ، ولكن هذا عند الضرورة ففي كل محل يمكن اتحاد الشرط لا تتحقق الضرورة فيجعل بدلا عن العين ، وإذا تعذر اتحاد الشرط يجعل خلفا عن النقصان الذي حل بيده ، ونظيره فصلان :
أحدهما ضمان العتق ، فإنه بمقابلة العين في كل محل يمكن اتحاد الشرط ، وهو تمليك العين ، وفيما لا يحتمل [ ص: 70 ] اتحاد هذا الشرط كالمدبر ، وأم الولد عندهم لا يجعل بدلا عن العين ، وكذلك ضمان الصلح ، فإنه إذا أخذ القيمة بالتراضي كان المأخوذ بدلا عن العين في كل محل يحتمل تمليك العين ، وفي كل محل لا يحتمل تمليك العين يجعل المأخوذ بمقابلة الجناية التي حلت بيده ، وكذلك إذا أخذ القيمة بقضاء القاضي ، وفيما تلا من الآية بيان أن الأكل بالتجارة عن تراض جائز لا أن يكون الجواز مقصودا عليه ، ثم معنى التجارة عن تراض يندرج هنا من وجه ، فإن المالك هنا متمكن من أن يصبر حتى تظهر العين فيأخذها .
فحين طالب بالقيمة مع علمه أن من شرطه انعدام ملكه في العين ، فقد صار راضيا بذلك ; لأن من طلب شيئا لا يتوصل إليه إلا بشرط كان راضيا بالشرط كما يكون راضيا بمطلوبه .
( رجل ) غصب من رجل جارية فوطئها فولدت منه ، ثم حضر صاحبها فادعاها ، ولم يكن له بينة فأقر له بها ذو اليد لم يصدق عليها ولا على ولدها ; لأن حق أمية الولد لها ، وحقيقة الحرية للولد تثبت من حيث الظاهر ، فإن من في يده شيء فالظاهر أنه ملكه ; ولهذا لو نازعه غيره فيه كان القول قوله ، فلا يصدقه في إبطال حقهما ، ولكنه مصدق فيما يقر به على نفسه ، وقد أقر أنها كانت مغصوبة في يده ، وأنه ضامن لقيمتها عند تعذر رد عينها ، وقد تعذر رد العين بفعله فلهذا يلزمه قيمتها للمقر له ( قال : ) ولا يضمن قيمة الولد ، ولم يتعرض للعقر ، وذكر المسألة في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله على أن قول زفر يضمن قيمة الولد والعقر ، وعلى قول أبي يوسف لا يضمن ذلك . وجه قول زفر أنه أقر بوجوب العقر عليه ; لأنه يزعم أنه وطئها ، وهي مغصوبة في يده ، والوطء في ملك الغير لا ينفك عن حد أو عقر ، وقد سقط الحد بشبهة فيجب العقر ، كذلك إن أقر أن الولد ملك المقر له ، وقد احتبس عنده بفعله كالأم فيضمن قيمته ; لأن الغاصب يضمن قيمة الولد بالمبيع أو يجعل هذا بمنزلة المغرور ، وولد المغرور حر بالقيمة ، وعلى المغرور عقرها للمستحق فهذا مثله . وجه قول أبي يوسف أن ما يلزمه من الضمان إنما يلزمه بإقراره ، وهو ما أقر بوجوب العقر عليه إنما أقر بوجوب الحد عليه ; لأن وطء الجارية المغصوبة يوجب الحد على الغاصب دون المقر .
وكذلك ولد المغصوبة لا يكون مضمونا على الغاصب إلا بمنع منه ، ولم يوجد ذلك منه في الولد ، وإنما امتنع رده لحريته شرعا فهو كما لو امتنع رده بموته ، فعرفنا أنه ما أقر على نفسه بوجوب العقر ولا بوجوب قيمة الولد ، فلا يلزمه ذلك ، فإن كان المدعي أقام البينة أنها جاريته غصبها هذا منه ، قضي له بها وبولدها ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولم يذكر العقر [ ص: 71 ] وينبغي أن يقضي له بالعقر ; لأن ذا اليد لما أنكر فقد صار إنكاره شبهة في إسقاط الحد عنه ، وقد أثبت بالبينة أنه وطئ ملك الغير فيلزمه العقر ، فإن لم يقل الشهود غصبها ولم يقر الذي هي في يديه ، ولكنه قال : اشتريتها من فلان فأردت أن يقضي بالجارية للذي أقام البينة ، هل يستحلفه بالله ما بعته ولا أذنت له فيه ، ولم يدع ذو اليد شيئا من ذلك ( قال : ) لا أستحلفه على شيء من ذلك إلا أن يدعي الذي هي في يديه ; لأن القاضي نصب لفصل الخصومات لا لتهييجها ، ولأن الاستحلاف يترتب على دعوى صحيحة ، فإن لم يدع ذو اليد ذلك ، فلا معنى للاستحلاف ، وإذا ادعاه فحينئذ يستحلف ; لأنه يدعي عليه ما لو أقر به لزمه .
( وروي ) عن أبي يوسف رحمه الله : أن القاضي يستحلفه ، وإن لم يطلب ذو اليد ذلك صيانة لقضاء نفسه . وإن أقام الذي هي في يديه البينة على تسليمه المبيع أخذ رب الجارية الثمن من البائع ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولأن إجازة البيع في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء .
فإن تصادق الأول والجارية على أنه كان أعتقها قبل هذا البيع لم يصدقا على ذلك ; لأنها صارت مملوكة للمشتري بما أثبت من البيع وإجازة المالك بالبينة ، فلا يصدقان على إبطال ملكه ، ولكن إن أقامت الجارية البينة أن الأول كان أعتقها قبل أن يشتريها هذا فإنها تعتق ; لأنها أثبتت حريتها بإعتاق من كان يملكها بالحجة ، ثم يتبين بطلان البيع فيرجع المشتري على البائع بالثمن ، وعلى المشتري العقر للجارية ; لأنه وطئها بشبهة الملك ، وهي حرة والولد ولده بغير قيمة ; لأن الولد يتبع الأم في الحرية ، وقد ثبتت حريتها بالبينة فينفصل الولد عنها حرا بذلك السبب لا بالغرور ، فلهذا لا يغرم قيمة الولد .
ولو اشترى جارية فولدت له ثم جاء أخوه فأقام البينة أن الجارية له قضيت بها له ، وبقيمة الولد والعقر ; لأن حرية الولد هنا بسبب الغرور لا بسبب ملك الأخ ; لأنه إنما يعتق ابن الأخ على عمه بعد تملكه ، وهنا الولد كان حر الأصل فلم يدخل في ملك المدعي حتى يجعل عتقه بسبب القرابة .
وإذا ثبت أن حرية الولد بسبب الغرور فولد المغرور حر بالقيمة ، به قضى عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما ، ويرجع المشتري على البائع بالثمن وقيمة الولد لأجل الغرور ، ولا يرجع بالعقر ; لأنه إنما لزمه بما نال من لذة الوطء ، فلا يرجع به على غيره .
( رجل ) غصب جارية أو شاة أو بقرة فولدت ولدا ، ثم ذبح الولد أو باعه أو استخدمه حتى إذا مات من ذلك فعليه ضمان قيمته يوم مات ; لأن الولد كان أمانة عنده ، وقد أتلفه بالذبح أو الاستخدام حتى مات منه ، وصار متعديا عليه بالبيع [ ص: 72 ] والتسليم فيضمن قيمته كالمودع إذا فعل ذلك الوديعة ، وإن لم يصنع شيئا من ذلك ، ولكن الأم ماتت فله أن يضمنه قيمة الأم يوم غصبها ويأخذ الأولاد ; لأن الملك في الأم يثبت للغاصب شرعا لتقرر الضمان عليه ، وذلك غير متعد إلى الولد ، فإن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة ; لأن أصل السبب للضمان هو الغصب ، ووجوبه حقيقة بعد موت الأم ، فأما قبل موتها الواجب رد العين ، فالملك يثبت به كذلك ، وتبين أن وقت الغصب إنما يثبت له حكم الملك لا حقيقة الملك ، وذلك يكفي لسلامة الكسب دون الولد ، كحكم الملك الثابت للمكاتب بالكتابة ، حتى أن كسبه لا يكون مملوكا للمولى ، وولده يكون مملوكا له ينفذ عتقه فيه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|