عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 14-12-2025, 04:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,811
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 42 الى صـــ 51
(226)






وإن ادعى إنسان على المفقود حقا من دين أو وديعة أو شركة في عقار أو رقيق أو طلاق أو عتاق أو نكاح أو رد بعيب أو مطالب باستحقاق لم يلتفت إلى دعواه ، ولم تقبل منه البينة ، ولم يكن هذا الوكيل ، ولا أحد من ورثته خصما له . أما الوكيل فلأنه نصب للحفظ ، وأما الورثة فلأنهم يخلفونه بعد موته ، ولم يظهر موته ، فإن رأى القاضي سماع البينة ، وحكم بذلك نفذ حكمه لما بينا أنه أمضى فصلا مختلفا فيه باجتهاده ، وإذا رجع المفقود حيا لم يرجع في شيء مما أنفق القاضي أو وكيله بأمره على زوجته وولده من ماله وغلته ودينه ; لأن القاضي لما ثبت له ولاية الإنفاق كان فعله كفعل المفقود بنفسه ، وكذلك ما أنفقوا هم على أنفسهم من دنانير أو دراهم في وقت حاجتهم إلى النفقة لما بينا أنهم إذا ظفروا بجنس حقهم وسعهم أخذه بالمعروف ، فلا يضمنون شيئا من ذلك ، وكذلك إن كان في ماله طعام فأكلوه لأن ذلك من جنس حقهم ، وكذلك إن كان في ماله ثياب فلبسوها للكسوة ; لأن ذلك من جنس حقهم ، فأما ما سوى ذلك من العروض إن باعوا شيئا منه كانوا ضامنين له ، ألا ترى أن القاضي لا يبيع شيئا من ذلك للإنفاق عليهم . فكذلك لا يملكون بيعه ، وإنما لا يبيع القاضي ما لا يخاف عليه الفساد في النفقة ; لأن في بيع ذلك في النفقة حجرا على الغائب وأبو حنيفة لا يرى الحجر عليه ، وهما وإن كانا يريان الحجر على من لزمه حق فذلك عند ظهور تعنته وامتناعه ، وبهذا الطريق يقول : لا يقضي القاضي دين المفقود من ماله .

وكذلك مهر امرأته ، والنفقات المجتمعة عليه قبل أن يفقد ; لأن ذلك لا يرجع إلى حفظ ملكه بل فيه نوع حجر عليه ، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا لم يكن للمفقود مال ، وطلبت زوجته من القاضي أن يقضي لها بالنفقة على زوجها هل يجيبها إلى ذلك ، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا : يجيبها إلى ذلك ، وهو قول إبراهيم النخعي رحمه الله ثم رجع إلى قول شريح ، وقال : لا يجيبها إلى ذلك . فالحجة لقوله الأول حديث هند كما روينا ، ووجه قوله الآخر أن نفقة [ ص: 43 ] الزوجة لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي ، وليس للقاضي أن يوجه القضاء على الغائب فيلزمه بقضائه شيئا من غير خصم عنه ، وهذا إذا كان النكاح معلوما له ، وإن أرادت إثبات النكاح بالبينة لم يسمع القاضي بينتها عندنا ; لأن البينة لا تكون حجة إلا على خصم جاحد فما لم يحضر هو أو خصم عنه لا يسمع القاضي بينتها عليه بالنكاح ، وعلى قول زفر تسمع البينة ، ويأمرها بأن تستدين وتنفق على نفسها ، فإذا حضر الزوج كلفها إعادة البينة عليه ، فإن أعادت قضى على الزوج بما أنفقت في المدة الماضية ، وإن لم تعد البينة على الزوج لم يقض عليه بشيء ، وهذا منه نوع احتياط في حق الحاضر والغائب جميعا .

( وإذا ) أجر المفقود شيئا قبل أن يفقد لم تنتقض الإجارة بعد ما يصير مفقودا ; لأنه حي في إبقاء ما كان على ما كان ، ولا يبرأ المستأجر بدفع الأجرة إلى زوجته وولده إلا أن يأمره القاضي بذلك كما في سائر الديون .
( وإذا ) فقد الرجل بصفين أو بالجمل ثم اختصم ورثته في ماله اليوم ، فإن هذا قد مات ، ألا ترى أنه لم يبق أحد أدرك ذلك الزمان ، فإذا بلغ المفقود هذه المدة فهو ميت يقسم ماله بين ورثته .

( والجمل ) حرب كان بين علي وعائشة وطلحة والزبير بالبصرة رضوان الله عليهم أجمعين . ( وصفين ) كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وبين أهل الشام ، ومن ذلك الوقت إلى وقت تصنيف هذا الكتاب كان أكثر من مائة وعشرين سنة ، والرجل الذي فقد في ذلك الوقت كان ابن عشرين سنة أو أكثر ; لأنه خرج محاربا ، ولا شك أنه لا يبقى في مثل هذه المدة الطويلة ظاهرا . فإن كان له ابن مات زمان خالد بن عبد الله وترك أخا لأمه وللمفقود عصبة ، فإني أنظر إلى سن المفقود يوم مات الابن ، فإن كان مثله يعيش إلى ذلك الوقت لم أورث الابن منه شيئا لبقائه حيا بطريق الظاهر واستصحاب الحال ، ولم أورثه من أبيه أيضا ; لأن بقاء الوارث بعد موت المورث شرط لوراثته عنه فإن الوراثة خلافة ، والحي يخلف الميت ، فأما الميت فلا يخلف الميت ، وما كان شرطا فما لم يثبت بدليل موجب له لا يثبت الحكم ، واستصحاب الحال دليل يبقى لا موجب ، فلهذا لا يرث المفقود من أبيه ثم يكون ميراث المفقود لعصبته الحي بعد ما يمضي من المدة ما لا يعيش مثله إليه ، وإن كان مثله لا يعيش إلى مثل تلك المدة حين مات ابنه جعلت الميراث لابنه ; لأن حياته بعد موت أبيه معلوم هنا بدليل شرعي ، فإذا صار مال المفقود ميراثا له كان ذلك موروثا عن ابنه بعد موته كسائر أمواله ، لأخيه لأمه منه السدس ، والباقي لعصبته ، وإن كان مات بعض من يرثه المفقود قبل هذا فنصيبه من الميراث يوقف إلى أن [ ص: 44 ] يتبين حاله ; لأنه غير محكوم بموته ، ولكنه يشتبه الحال بمنزلة الجنين في البطن فيوقف نصيبه ، فإن ظهر حيا كان ذلك مستحقا له ، وإن لم يظهر حاله فذلك مردود إلى ورثة صاحب المال على سهامهم بمنزلة الموقوف للجنين إذا انفصل الجنين ميتا ، وهذا لأنه لم يظهر شرط الاستحقاق له فيكون موروثا عن الميت كسائر ورثته يوم مات .

وإذا فقد المكاتب وله مال وولد ولدوا في المكاتبة وقف ماله حتى يظهر حاله ; لأن ولاية أداء الكتابة من ماله إنما تكون بعد موته ليحكم بحريته مستندا إلى حال حياته ، ولم يظهر موته ، وكذلك استسعاء أولاده في بدل الكتابة بطريق الخلافة عنه بعد موته ، ولم يظهر لأنه لا يستسعى الولد إذا كان له مال بعد موته حقيقة ، فكيف يستسعى ولده بعد ما يصير مفقودا ، وله مال ، وينفق على ولده الصغار وبناته الذين ولدوا في المكاتبة ، وعلى امرأته من ماله ; لأن هؤلاء كانوا يستحقون عليه النفقة في كسبه أن لو كان حاضرا فكذلك ينفق عليهم من ماله بعد ما يصير مفقودا كولد الحر وزوجته ، وهذا لأن استحقاق النفقة للزوجة بعقد النكاح ، والحر والمكاتب فيه سواء ، وأولاده الذين ولدوا في المكاتبة هو أحق بكسبهم فتلزمه نفقتهم ; لأن الغرم مقابل بالغنم ، فإن مات ابن له ولد في مكاتبته وترك مالا كان ماله موقوفا ; لأنه إن كان المفقود حيا حين اكتسب هذا الولد فكسبه للمفقود ، وإن كان ميتا فكسبه لورثته ; لأنه يحكم بحريته إذا أديت كتابة أبيه من ماله مستندا إلى حياة أبيه ، فلجهالة المستحق بقي موقوفا ، وإن كان ماله في يد أخيه لم أخرجه من يده ، ولم أتعرض له ; لأنه لا يدري لمن هذا المال ، وما لم يظهر مستحق للمال فليس للقاضي أن يتعرض لذي اليد بإزالة يده .

ولو أقر ولد المكاتب الذين ولدوا في المكاتبة وهم كبار أن أبوهم قد مات وماله في أيديهم ، وأقر المولى بذلك فأدوا الكتابة وقسموا المال ثم اختلفوا وجحد بعضهم بعضا وارتفعوا إلى القاضي نفذ القاضي ذلك عليهم لتقدم الإقرار منهم بذلك ، وقسمتهم عن تراض منهم ، ولأن الذي يجحد بعد ذلك مناقض لكلامه ، والقاضي لا يلتفت إلى قول المناقض ، وكذلك لو لم يقتسموا حتى ارتفعوا إليه ، وأقروا به عنده جاز إقرارهم عليه ، وقسم المال بينهم بعد أداء الكتابة ; لأن الحق لا يعدوهم فالثابت بإقرارهم في حقهم كالثابت بالبينة . وكذلك لو أقروا بدين عليه بدأت به قبل المكاتبة ، كما لو ثبت موته بالبينة ، وهذا لأن الدين أقوى من المكاتبة حتى إذا عجز نفسه سقطت المكاتبة عنه دون الدين ، وعند اجتماع الحقوق في المال يبدأ بالأقوى فالأقوى عرف ذلك بقضية العقول [ ص: 45 ] وشواهد الأصول .

وكذلك الحر إذا أقر ورثته أنه قد مات ، فإنه يقضي دينه ، ويقسم الميراث بينهم إذا كان في أيديهم ; لأن إقرار الإنسان فيما في يده معتبر ما لم يظهر له خصم ينازعه فيه ، وكذلك إذا كان المال في يد غيرهم فصدقهم بذلك . وإن جحد موته لم أنزعه من يده إلا ببينة تقوم على موته ; لأنهم يدعون استحقاق اليد في هذا المال على ذي اليد ، وقولهم ليس بحجة عليه في استحقاق يده فما لم تقم البينة على موته لا يخرج القاضي المال من يد ذي اليد .
ولو أن المولى أعتق المكاتب المفقود ثم مات ابن المكاتب وهو حر ، وله إخوة أحرار لم يقض لهم بشيء من ذلك ، حتى يعلم موت المكاتب قبله ; لأن المفقود إن كان حيا فقد عتق بإعتاق المولى إياه ، والميراث له دون الإخوة فشرط توريث الإخوة عدم أب هو وارث ، وبالظاهر لا يثبت هذا الشرط فلهذا لا يقضي لهم بشيء حتى يعلم موت الأب قبله ، وكذلك إن كان مكاتب المكاتب عبدا ; لأن إعتاق المولى عبده المفقود كإعتاقه المكاتب المفقود ، ولا ينفق على ولده الصغار من هذا المال شيئا ; لأنه لا يدري لمن هذا المال ، فإنه كما لم يثبت الاستحقاق فيه للإخوة لم يثبت للأب المفقود ; لأنه لا يرث من غيره ما لم يعلم حياته حقيقة وقت موت مورثه .
ولو ادعى مملوك المفقود العتق ، وأقام بينته على ذلك لم يقبل منه لانعدام خصم حاضر .

( قال : ) ولم أدع أولاده يبيعونه ; لأنه قبل هذه البينة ما كان لهم أن يبيعوه فبعدها أولى ، ومراده بعد ما كانوا يقرون بموته ; لأن إقرارهم ليس بحجة على هذا العبد ، ولأنه إن كان ميتا فالولد خصم في البينة التي أقامها المملوك على العتق . وكذلك لو ادعت امرأته الطلاق أو ادعت امرأة أنه تزوجها لم أقبل بينتها على ذلك لانعدام الخصم .

ولو أوصى رجل للمفقود بوصية لم أقض بها له ، ولم أبطلها ولم أنفق على ولده منها ; لأن الوصية أخت الميراث ، وشرط لاستحقاق الموصى له بقاؤه حيا بعد موت الموصي كالميراث . وقد بينا أنه يوقف نصيبه من الميراث حتى يتبين حاله ، ولا ينفق على ولده منه شيء فكذلك الوصية .
( رجل ) مات وترك ابنتين وابن ابن وبنت ابن ، وترك ابنا مفقودا ، وترك مالا في يد الابنتين فارتفعوا إلى القاضي ، وأقروا أن الابن مفقود فالقاضي لا ينبغي له أن يحول المال من موضعه ، ولا يوقف شيئا منه للمفقود ، ومراده بهذا اللفظ أنه لا يخرج شيئا من أيديهما ; لأن القاضي لا يتعرض لإخراج المال من يد ذي اليد إلا بمحضر من الخصم ، ولا خصم هنا ، فإن أولاد المفقود لا يدعون لأنفسهم شيئا ، ولا يكونون خصما عن المفقود ; لأنه لا يدرى أن المفقود حي فيرث أو ميت فلا يرث [ ص: 46 ] فلهذا لا يخرج المال من أيديهما بخلاف مال المفقود الذي يعلم أنه له ; لأن حق أولاده ثابت في ذلك المال باعتبار ملكه ، فإنهم يستحقون النفقة في ملكه ، واستصحاب الحال معتبر في إبقاء ما كان على ما كان ، وكذلك إن قالت الابنتان : قد مات أخونا ، وقال ولد الابن : هو مفقود ; لأن من في يده المال قد أقر لولد الابن ببعض ذلك المال ، وهم قد ردوا إقرارهم بقولهم : أبونا مفقود فيسقط اعتبار ذلك الإقرار ، ولو كان مال الميت في يدي ولد الابن المفقود ، وطلبت الابنتان ميراثهما ، واتفقوا أن الابن مفقود ، فإنه يعطى للابنتين النصف ; لأنا تيقنا باستحقاق النصف لهما ، فإن المفقود إن كان حيا فالميراث بينهما وبين أخيهما للذكر مثل حظ الأنثيين فلهما النصف ، وإن كان ميتا فلهما الثلثان والباقي لولد الابن فيدفع إليهما الأقل وهو النصف ، ويترك الباقي في يد ولد الابن من غير أن يقضي به لهما ، ولا لأبيهما ; لأنه لا يدري من المستحق لهذا الباقي ، ولو كان المال في يد أجنبي فقالت الابنتان : مات أخونا قبل أبينا ، وقال ولد الابن : هو مفقود فإن أقر الذي في - يده المال بالمال للميت ، وبأن الابن مفقود فإنه يعطى للابنتين النصف أقل النصيبين لهما ، والباقي موقوف على يده حتى يظهر خصمه ، ومستحقه بظهور حال المفقود . وإن قال الذي في يده المال قد مات المفقود قبل أبيه ، فإنه يجبر على دفع الثلثين إلى الابنتين ; لأن إقرار ذي اليد فيما في يده معتبر ، وقد أقر بأن ثلثي ما في يده للابنتين فيجبر على تسليم ذلك إليهما ، ولا يمتنع صحة إقراره يقول أولاد الابن : أبونا مفقود لأنهم لأنفسهم بهذا القول لا يدعون شيئا ، ثم يوقف الثلث الباقي على يد ذي اليد حتى يظهر خصمه ومستحقه .

ولو جحد الذي في يديه المال أن يكون المال للميت فأقامت الابنتان البينة أن أباهم مات وترك هذا المال ميراثا لهما ولأخيهما المفقود ، فإن كان حيا فهو الوارث معهما ، وإن كان ميتا فولده الوارث معهما ، ولا يعلم له غير هؤلاء ، فإنه يدفع إلى الابنتين النصف ، وهذا لأنهما بهذه البينة يثبتان الملك لأبيهما في المال ، والأب ميت ، وأحد الورثة ينتصب خصما عن الميت في إثبات الملك له بالبينة ثم يدفع إليهما القدر المتيقن بأنه مستحق لهما ، وهو النصف ، والباقي يخرج من يد ذي اليد فيوضع في يد عدل حتى يظهر مستحقه ; لأن ذا اليد قد جحده وظهرت جنايته بجحوده ، فلا يؤتمن بعد ذلك ، وإن كان معروفا بالعدالة ; لأن العدالة لا تتحرز زمن تناول ما يزعم أنه ملك بخلاف ما سبق ، فذو اليد كان هناك مقرا بأن المال للميت ، وقد انتفت الجناية منه بهذا الإقرار فكان ترك الباقي في يده أولى لظهور أمانته بالتجربة .

فإن ادعى ولد المفقود أنه مات بعد شهادة الشهود لم أدفع . [ ص: 47 ] إليهم شيئا حتى تقوم البينة على موته قبل أبيه ; لأنهم يريدون استحقاق اليد على ذي اليد ، ومجرد قولهم لا يكفي لذلك ، ولأن سبب الاستحقاق لهم غير معلوم ، فإن أباهم إن مات قبل موت الجد فهم يستحقون الثلث ميراثا من الجد ، وإن مات بعد موت الجد فهم يستحقون النصف ميراثا من أبيهم ، ولا يجوز القضاء لهم بشيء قبل ظهور سبب الاستحقاق ، فلا بد أن يقيموا البينة على موته قبل أبيه أو بعده ، ولا ينفق عليهم من ذلك المال شيء ، وإن كانوا محتاجين ; لأنه لا يدري لمن هذا المال ، ونفقتهم عند الحاجة في مال أبيهم ، والملك لأبيهم في هذا المال لا يثبت ما لم تعلم حياته بعد موت الجد . فإن كان المال أرضا في أيدي الابنتين وولد الابن فأقروا جميعا أن الابن قد مات قبل أبيه ، واقتسموا الأرض بينهم على ذلك ثم ادعوا أنه مفقود ، فإن القاضي يمضي القسمة عليهم ; لأنها تمت بتراضيهم ، وقولهم فيما في أيديهم مقبول فكانت القسمة ماضية ، ولا يقبل قولهم إنه مفقود لأنهم مناقضون في ذلك ، والقاضي لا يلتفت إلى قول المناقض .

وكذلك لو كان في ولد الابن رجل غائب لم يشهد القسمة ، ولم يكن في يده شيء من هذه الأرض ثم قدم فقال : والدي مفقود ، وأراد نقض القسمة لم يكن له ذلك ; لأنه لا يدعي لنفسه بمقابلته ، وإنما يدعي الملك للمفقود ، وهو مقر أنه ليس بوكيل له ، ولا وارث لأنه حي ، ونقض القسمة بقول من لا يدعي لنفسه شيئا لا يجوز ، بخلاف ما لو كان بعض الأرض في يده لأنه مدع لنفسه حقا ، وهو إبقاء يده فيما في يده ، وقسمتهم قبل حضوره غير صحيح لما فيه من استحقاق يده عليه ، وكذلك لو كان مكان الغائب صغير فأدرك ، وإن ادعى أن أباه مات قبل جده كان له أن ينقض القسمة فيقسمها القاضي بينهم قسمة مستقبلة بإقرارهم على أنفسهم ; لأنه يدعي لنفسه بعض الملك هنا ، ويدعي بطلان قسمتهم ; لأن تراضيهم على القسمة بعد موت الجد لا يعمل به في حق الغائب والصغير ، وهم مصدقون له فيما يدعي ، فلهذا ينقض القسمة بخلاف ما لو كان القاضي هو الذي قسمه بين الحضور ، وعزل نصيب الغائب والصغيرة ، فإنه ينفذ قسمته في حقهما إذا لم يكن في يد الغائب والصغير من هذا المال شيء لأن للقاضي نوع ولاية في حق الغائب والصغير ، وليس للورثة تلك الولاية في حق الغائب والصغير ، ولو ماتت ابنة هذا الابن المفقود فإن كان ميراثها في يد أخيها لم أتعرض له ، ولم أقف منه شيئا للمفقود ; لأنه لا يدرى أحي هو فيكون وارثا أو ميت فلا يكون وارثا ، وقد بينا أنه لا يتعرض ليد ذي اليد إلا بمحضر من الخصم . وإن كان ميراثها في يد [ ص: 48 ] أجنبي لم أدفع إلى أخيها منه شيئا ; لأن شرط توريث الأخ أن يكون الأب ميتا فما لم يصر هذا الشرط معلوما بالحجة لا يدفع إلى الأخ من الميراث شيء ، وإن كان ميراثها في يد أخيها وأختها ، وأرادوا القسمة وهم مقرون بأن الأب مفقود لم أقسم بينهم ; لأن القسمة تبنى على ثبوت استحقاقهم بالميراث ، ولا يثبت ذلك ما لم تقم البينة على موت الأب المفقود قبل موت الابنة .
ولو كان للمفقود امرأة فماتت ، وميراثها في يد ولدها لم أقسم للمفقود من ذلك نصيبا ; لأن حياته بعد موتها غير معلوم ، ولم أقف له شيئا ; لأن التعرض ليد ذي اليد لا يجوز إلا بمحضر من الخصم ، وإن أراد ولدها قسمة ميراثها وهو في أيديهم لم أقسمه بينهم حتى تقوم البينة على موت المفقود ، ثم يعزل من ذلك مثل نصيب المفقود ، فيوقف حتى يعلم أنه مات قبلها أو بعدها ، ويقسم ما بقي بينهم . أما قبل أن تقوم البينة على موته فالقاضي لا يشتغل بالقسمة ; لأن فيها قضاء على المفقود ، وهو حي في حق نفسه ، فلا يوجه القاضي القضاء عليه بغير محضر من الخصم ، وأما بعد موته فقد ثبت للقاضي ولاية توجه القضاء عليه لما ظهر موته فيعزل نصيبه من القسمة ، ويجعله موقوفا حتى يتبين مستحقه بظهور موته قبلها أو بعدها ، ولو كان في يد غيرهم قضيت لهم بثلاثة أرباعه ; لأنا تيقنا باستحقاقهم لهذا المقدار ، فيسلم إليهم ويوقف الربع على يد ذي اليد حتى يظهر حال المفقود ، بخلاف ما سبق فإن المال هناك في أيديهم ، ففي القسمة تمييز نصيب المفقود عن نصيبهم ، وذلك قضاء على المفقود ، وهنا المال ليس في أيديهم ، فقضاؤه لهم بثلاثة أرباعه لا يمس المفقود ، وهو متيقن استحقاقه لهم .
وإذا فقد المرتد ولم يعلم ألحق بدار الحرب أم لا ، فإنه يوقف ميراثه كما يوقف ميراث المسلم ; لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت في حق المسلم ، فكما يوقف ميراث المفقود المسلم حتى يتبين موته فكذلك يوقف ميراث المفقود المرتد حتى يتبين لحوقه بدار الحرب . وإن مات أحد من ولده قسم ميراثه بين ورثته ، ولم يحبس للمفقود شيء ; لأنه محروم عن الميراث بكونه مرتدا ، فإن المرتد لا يرث أحدا ، وإسلامه بعد الردة موهوم ، والموهوم لا يقلل المعلوم ، ألا ترى أن الأب المفقود لو كان عبدا لم يحبس له شيء من ميراث ولده ; لأن الرق الذي يحرمه معلوم ، والعتق بعد ذلك موهوم ، وكذلك إن كان ميراثه في يد أجنبي ، وكذلك المرأة المرتدة ، فإنها لا ترث أحدا ، وكذلك الذمي يفقد ، وله بنون مسلمون فمات أحدهم لم يوقف للأب شيء ; لأن سبب حرمانه معلوم ، فإن الكافر لا يرث المسلم . وكذلك رجل مسلم فقد وله بنون كفار ، فمات أحدهم قسمت ميراثه بين [ ص: 49 ] إخوته ، ولم أوقف على أبيه شيئا ; لأن المسلم لا يرث الكافر ، فسبب حرمانه متيقن والله أعلم .

كتاب الغصب ( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة السرخسي إملاء : ) ( اعلم ) بأن الاغتصاب أخذ مال الغير بما هو عدوان من الأسباب ، واللفظ مستعمل لغة في كل باب مالا كان المأخوذ أو غير مال . يقال : غصبت زوجة فلان وولده ، ولكن في الشرع تمام حكم الغصب يختص بكون المأخوذ مالا متقوما . ثم هو فعل محرم ; لأنه عدوان وظلم ، وقد تأكدت حرمته في الشرع بالكتاب والسنة .

أما الكتاب فقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } وقال صلى الله عليه وسلم : { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه } وقال صلى الله عليه وسلم : { سباب المسلم فسق ، وقتاله كفر ، وحرمة ماله كحرمة نفسه } وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته : { ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومي هذا في شهري هذا في مقامي هذا } ( فثبت ) أن الفعل عدوان محرم في المال كهو في النفس ; ولهذا يتعلق به المأثم في الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم : { من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى يوم القيامة من سبع أرضين } إلا إن المأثم عند قصد الفاعل مع العلم به .

فأما إذا كان مخطئا بأن ظن المأخوذ ماله أو كان جاهلا بأن اشترى عينا ثم ظهر استحقاقه لم يكن آثما لقوله صلى الله عليه وسلم : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } والمراد المأثم .

فأما حكمه في الدنيا فثابت سواء كان آثما فيه أو غير آثم ; لأن ثبوت ذلك لحق صاحبه وحقه مرعي ، وإن الآخذ معذور شرعا لجهله وعدم قصده ، والحكم الأصلي الثابت بالغصب وجوب رد العين على المالك بقوله صلى الله عليه وسلم : { على اليد ما أخذت حتى ترد } وقال صلى الله عليه وسلم : { لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبا ، ولا جادا ، فإن أخذه فليرده عليه } وقال صلى الله عليه وسلم : { من وجد عين ماله فهو أحق به } ومن ضرورة كونه أحق بالعين وجوب الرد على الآخذ ، والمعنى فيه أنه مفوت عليه يده بالأخذ ، واليد لصاحب المال في ماله مقصود به يتوصل إلى التصرف والانتفاع ويحصل ثمرات الملك ، فعلى المفوت بطريق العدوان نسخ فعله ليندفع به الضرر والخسران عن صاحبه . وأتم [ ص: 50 ] وجوهه رد العين إليه ففيه إعادة العين إلى يده كما كان فهو الواجب الأصلي لا يصار إلى غيره إلا عند العجز عنه ، فإن عجز عن ذلك بهلاكه في يده بفعله أو بغير فعله فعليه ضمان المثل جبرانا لما فوت على صاحبه ; لأن تفويت اليد المقصودة كتفويت الملك عليه بالاستهلاك .

( ثم ) الملك نوعان كامل وقاصر ، فالكامل هو المثل صورة ومعنى . والقاصر هو المثل معنى أي في صفة المالية ، فيكون الواجب عليه هو المثل التام إلا إذا عجز عن ذلك فحينئذ يكون المثل القاصر خلفا عن المثل التام في كونه واجبا عليه .

وبيان هذا أن المغصوب إذا كان من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون فعليه المثل عندنا . وقال نفاة القياس : عليه رد القيمة ; لأن حق المغصوب منه في العين والمالية ، وقد تعذر إيصال العين إليه فيجب إيصال المال إليه ، ووجوب الضمان على الغاصب باعتبار صفة المالية ، ومالية الشيء عبارة عن قيمته ، ولكنا نقول : الواجب هو المثل قال الله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وتسمية الفعل الثاني اعتداء بطريق المقابلة مجازا كما قال الله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } والمجازاة لا تكون سيئة ، وقد ثبت بالنص أن هذه الأموال أمثال متساوية قال صلى الله عليه وسلم : { الحنطة بالحنطة مثل بمثل } ولأن المقصود هو الجبران ، وذلك في المثل أتم ; لأن فيه مراعاة الجنس والمالية ، وفي القيمة مراعاة المالية فقط ، فكان إيجاد المثل أعدل إلا إذا تعذر ذلك بالانقطاع من أيدي الناس فحينئذ يصار إلى المثل القاصر ، وهو القيمة للضرورة ، ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله تعتبر القيمة وقت القضاء ; لأن التحول إليه الآن يكون ، فإن المثل واجب في الذمة ، وهو مطلوب له حتى لو صبر إلى مجيء أوانه كان له أن يطالبه بالمثل ، فإنما يتحول إلى القيمة عند تحقق العجز عن المثل ، وذلك وقت الخصومة والقضاء بخلاف ما إذا كان المغصوب أو المستهلك مما لا مثل له ; لأن الواجب هناك ، وإن كان هو المثل عند أبي حنيفة ، ولكنه غير مطالب بأداء المثل بل هو مطالب بأداء القيمة بأصل السبب فيعتبر قيمته عند ذلك وأبو يوسف رحمه الله يقول : لما انقطع المثل فقد التحق بما لا مثل له في وجوب اعتبار القيمة ، والخلف إنما يجب بالسبب الذي يجب به الأصل وذلك الغصب ، فيعتبر قيمته يوم الغصب ومحمد يقول : أصل الغصب أوجب المثل خلفا عن رد العين ، وصار ذلك دينا في ذمته ، فلا يوجب القيمة أيضا ; لأن السبب الواحد لا يوجب ضمانين ، ولكن المصير إلى القيمة للعجز عن أداء المثل ، وذلك بالانقطاع عن أيدي الناس فيعتبر قيمته بآخر يوم كان موجودا فيه فانقطع .
وإن كان المغصوب [ ص: 51 ] من العدديات المتقاربة كالجوز ، والبيض ، والفلوس فعليه ضمان المثل عندنا ، وعلى قول زفر عليه ضمان القيمة ، وهو بناء على الاختلاف بيننا وبينه في جواز السلم فيها عددا ، ثم زفر رحمه الله يقول : المثل فيما يؤدى به الضمان منصوص على اعتباره ، والمماثلة في العدديات المتقاربة غير ثابتة بالنص بل بالاجتهاد ; ولهذا لا يجري فيها الربا ; لأنها ليست بأمثال متساوية قطعا ، وما كان ثابتا بالنص فهو مقطوع به ، فلا يؤدى بما هو مجتهد فيه ، ولكن لا يصار إلى القيمة لتعذر أداء المثل كما في العدديات المتقاربة ، ولكنا نقول : المماثلة في آحاد هذه الأشياء ثابتة بالعرف فهو كالثابت بالنص فيما هو المقصود ، وهو جبران حق المغصوب منه في مراعاة الجنس والمالية عليه ، وهذا لأن آحاد هذه الأشياء لا تتفاوت في المالية إنما تتفاوت أنواعها كالمكيل والموزون . وإن كان المغصوب من العدديات المتفاوتة كالثياب والدواب .

والواجب على الغاصب ضمان القيمة عند تعذر رد العين عندنا وقال أهل المدينة : رحمهم الله الواجب هو المثل لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : { كنت في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يضرب الحجاب فأتي بقصعة من ثريد من عند بعض أزواجه فضربت عائشة رضي الله عنها القصعة بيدها فانكسرت فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من الأرض ويقول : غارت أمكم غارت أمكم ، ثم جاءت عائشة رضي الله تعالى عنها بقصعة مثل تلك القصعة فردتها ، واستحسن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغيرة } وقال علي رضي الله عنه في المغرور : يفك الغلام بالغلام ، الجارية بالجارية ولكنا نحتج بحديث معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { قال في عبد بين شريكين يعتقه أحدهما : فإن كان موسرا ضمن قيمة نصيب شريكه ، وإن كان معسرا سعى العبد في قيمة نصيب شريكه غير مشقوق عليه } فهذا تنصيص على اعتبار القيمة فيما لا مثل له .

وتأويل حديث أنس رضي الله عنه أن الرد كان على طريق المروءة ومكارم الأخلاق لا على طريق الضمان ، وقد كانت القصعتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قول علي رضي الله عنه يفك الغلام بالغلام يعني بقيمة الغلام ، فقد صح عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قضيا في ولد المغرور أنه حر بالقيمة .

ثم بدأ محمد الكتاب بحديث ابن سيرين عن شريح رحمهما الله قال : من كسر عصى فهي له ، وعليه مثله ، وذكر بعده عن الحكم عن شريح قال : من كسر عصى فهي له ، وعليه قيمتها ، فأما أن يقول : مراده بالمثل المذكور في الحديث الأول المماثلة في المالية خاصة وذلك في القيمة أو يحمل [ ص: 52 ] الحديث الأول على العصي الصغيرة ، فإنها من العدديات المتقاربة لا تتفاوت آحادها في المالية كالسهام ، وما ذكر في الحديث الثاني محمول على العصي الكبيرة ، فإنها كالعدديات المتفاوتة ; لأن آحادها تتفاوت في المالية . ثم المراد بالكسر ما يكون فاحشا حتى لا يمكن التقضي به بعد ذلك ، فأما إذا كان الكسر يسيرا فليس على الكاسر إلا ضمان النقصان ; لأنه غير مفوت للمنفعة المطلوبة من العين ، وإنما يمكن نقصانا في ماليته فعليه ضمان النقصان ، وفي الكسر الفاحش هو مستهلك من وجه لفوات المنفعة المطلوبة من العين ، فكان لصاحبها حق تضمين القيمة إن شاء ، وهذا الحكم في كل عين إلا في الأموال الربوية ، فإن التعييب هناك فاحشا كان أو يسيرا يثبت لصاحبها الخيار بين أن يمسك العين ولا يرجع على الغاصب بشيء ، وبين أن يسلم العين إليه ويضمنه مثله عندنا ; لأن تضمين النقصان متعذر ، فإنه يتعدى إلى الربا ; لأنه يسلم له قدر ملكه وزيادة ، وعلى قول الشافعي رحمه الله له أن يضمنه النقصان ، وهو بناء على أن من مذهبه أن للجودة في هذه الأموال قيمة كما في سائر الأموال ، ألا ترى أن لها قيمة إذا قوبلت بخلاف جنسها ، ولها قيمة في إثبات الخيار لصاحبها عند تفويت الغاصب الجودة ، وما لا يتقوم شرعا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.69 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]