عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 14-12-2025, 04:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,784
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 22 الى صـــ 31
(224)






وإذا أعتقه المولى في إباقه جاز ذلك ; لأن نفوذ هذا التصرف يعتمد الملك دون القدرة على التسليم حتى ينفذ في المرهون والمؤاجر والجنين في البطن والمبيع قبل القبض فكذلك ينفذ في الآبق ; لأن الإباق لا يزيل ملكه ، وإنما يعجزه عن التسليم ، ولهذا لو باعه لم يجز ; لأن البيع لا يصح إلا فيما هو مقدور التسليم للعاقد ، وقدرته على التسليم تنعدم بالإباق ، ولأن في بيعه معنى الغرر ; لأنه لا يعلم بقاؤه في الحال حقيقة ولا عودة ليقدر على التسليم { ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر } فالغرر لا يمنع نفوذ العتق والتدبير ، فلهذا صح منه إذا ظهر أنه كان قائما وقت العتق ، ولو وهبه لرجل لم يجز ; لأن الهبة لا تتم إلا بالتسليم ، وهو غير قادر على تسليمه ، فإن وهبه لابن له صغير في عياله فالهبة جائزة ، وإعلامه بمنزلة القبض ; لأنه باق في يد مولاه حكما فيصير قابضا للصغير باليد الحكمي الذي بقي له ، وحق القبض فيما يوهب للصغير إليه ، وسواء كان الصغير في عياله أو لم يكن ; لأن الولاية ثابتة له بالأبوة ، فلا تنعدم بكونه في عيال غيره ، وإنما ذكر قوله في عياله على سبيل العادة لا للشرط ، وإنما قلنا : إنه في يده حكما ; لأن اليد الحكمي كان له باعتبار ملكه ، فلا ينعدم [ ص: 23 ] إلا باعتراض يد أخرى على يده ، وبالإباق لا يوجد ذلك ، وعلى هذا الطريق لا فرق بين أن يكون مترددا في دار الإسلام أو في دار الحرب .

ووجه آخر فيه وهو أن اليد الحكمي باعتبار تمكنه من الأخذ لأنه لو قدر عليه ، وذلك باق ما دام في دار الإسلام بقوة الإمام والمسلمين ، وعلى هذا الطريق لو أبق إلى دار الحرب ثم وهبه لابنه الصغير لا يجوز كما رواه قاضي الحرمين عن أبي حنيفة رحمه الله ; لأن اليد الحكمي ليس بثابت له في دار الحرب .
وإذا أبق العبد المأذون ثم اشترى وباع لم يجز ، وقد صار محجورا عليه استحسانا ، وفي القياس لا يصير محجورا عليه ، وهو قول زفر رحمه الله ; لأن ما به صح إذن المولى وهو قيام ملكه في رقبته لا ينعدم بالإباق ; لأن الإباق لا ينافي ابتداء الإذن ، فلا ينافي البقاء بطريق الأولى .

وجه الاستحسان أن المولى إنما يرضى بتصرفه ما دام تحت طاعته ولا يرضى به بعد تمرده وإباقه ، فإما أن يتقيد الإذن المطلق بما قبل الإباق لدلالة العرف أو يصير محجورا بعد الإباق لدلالة الحجر ، فإن المولى لو ظفر به أدبه وحجر عليه ، ودلالة الحجر كالتصريح بالحجر ، كما أن دلالة الإذن كالتصريح بالإذن ، ولهذا صح إذن الآبق ابتداء ; لأن الدلالة يسقط اعتبارها عند التصريح بخلافها ، ألا ترى أن تقديم المائدة بين يدي إنسان يكون إذنا له في التناول دلالة ، فإن قال : لا يأكل بطل حكم ذلك الإذن للتصريح بخلافه ، ثم المولى لو ظفر به أدبه وحبسه وحجر عليه ، فهو وإن عجز عن تأديبه فالشرع ينوب عنه في الحجر عليه كالمرتد اللاحق بدار الحرب . يموته الإمام حكما فيقسم ماله بين ورثته ; لأنه لو قدر عليه قتله ، فإذا عجز عن ذلك جعله الشرع ميتا حكما فهذا مثله ، والحكم في جناية الآبق والجناية عليه وفي حدوده كالحكم فيها في المصر ; لأن الرق فيه باق بعد الإباق ، وملك المولى قائم فيه ، وباعتباره يخاطب بالدفع أو الفداء عند قدرته عليه ، فإذا قامت البينة عليه بالسرقة لم يقطعه الإمام حتى يحضر مولاه ، فإذا حضر قطعه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله يقطعه ، ولا ينتظر حضور مولاه ، وكذلك إذا قامت البينة عليه بسائر الأسباب الموجبة للعقوبة من حد أو قصاص فهو على هذا الخلاف .

وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن العبد في الأسباب الموجبة للعقوبة كالحر بدليل أنه يصح إقراره بها على نفسه ، ولا يصح إقرار المولى عليه بذلك ، وفيما كان هو بمنزلة الحر لا يشترط حضور المولى للقضاء عليه بالبينة كالطلاق ، وهذا لأن التزام العقوبة باعتبار معنى النفسية دون المالية ، وحق المولى في ملك المالية فبقي هو في النفسية على أصل الحرية [ ص: 24 ] لأن العقوبة تثبت عليه بالبينة تارة وبالإقرار تارة ، ثم فيما يثبت بإقراره لا يشترط حضور المولى للاستيفاء فكذلك فيما يثبت بالبينة بل أولى ; لأن البينة حجة متعدية إلى الناس كافة ، والإقرار حجة قاصرة في حق المقر خاصة . وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن في إقامة الحد عليه تفويت حق المولى ، فلا يجوز إلا بمحضر منه ; لأن العبد ليس بخصم عنه ، والقضاء على غير خصم حاضر بتفويت حقه لا يجوز ، وبيان هذا أن للمولى حق الطعن في الشهود حتى لو كان حاضرا كان طعنه مسموعا ، ففي إقامة العقوبة تفويت حق المطعون عليه ، والدليل عليه أن العبد لو كان كافرا ومولاه مسلما لم تقبل شهادة الكفار عليه بالأسباب الموجبة للعقوبة ، ولو لم يكن للمولى حق في هذه البينة لكان لا يعتبر دينه في ذلك ، والعبد ليس بخصم عن المولى ; لأنه خصم باعتبار معنى النفسية ، ولا حق للمولى في ذلك ، فلا ينتصب خصما عنه ، وبه فارق الإقرار ، فإنه ليس للمولى حق الطعن في إقراره ، فلا يكون في إقامة العقوبة عليه بالإقرار تفويت حق المولى ، ولأن وجوب العقوبة عليه باعتبار معنى النفسية ، ولكن في الاستيفاء إتلاف مالية المولى ، والبينة لا توجب شيئا بدون القضاء ، والاستيفاء في العقوبات من تتمة القضاء ، ألا ترى أن المعترض بعد القضاء قبل الاستيفاء يجعل كالمقترن بأصل القضاء حتى يمتنع الاستيفاء به ، فإذا كان تمام قضائه متناولا حق المولى يشترط حضور المولى في ذلك ، بخلاف الإقرار فإنه موجب بنفسه قبل قضاء القاضي .

وولاية الاستيفاء تثبت بتقرر الوجوب فلا يشترط فيه حضور المولى ، وإذا أخذ العبد الآبق ، وحبس في بلد فتقدم مولاه إلى قاضي بلدته ، وأقام عليه شاهدين ، وطلب أن يكتب به إلى قاضي البلد الذي هو فيه لم يجبه إلى ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ولو فعل لم يقض القاضي المكتوب إليه بذلك الكتاب ، وعلى قول أبي يوسف يجيبه إلى ذلك بطريق يذكره ، وهو قول ابن أبي ليلى ، والحاصل أن كتاب القاضي إلى القاضي في الديون صحيح بالاتفاق ، وكذلك في العقار ; لأن إعلامها في الدعوى والشهادة تذكر الحدود دون الإشارة إلى العين ، وفي العروض من الدواب والثياب لا يجوز كتاب القاضي إلى القاضي بالاتفاق ; لأنه لا بد من إشارة الشهود إلى العين للقضاء بشهادتهم ، وذلك ينعدم في كتاب القاضي إلى القاضي ، فأما في العبيد والجواري فلا يجوز كتاب القاضي عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أيضا وهو القياس ; لأنه لا بد من إشارة الشهود إلى العين ليثبت الاستحقاق بشهادتهم ; ولهذا لو كان حاضرا في البلدة لا يسمع الدعوى والشهادة إلا بعد [ ص: 25 ] إحضاره ، فلا يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي كما في سائر العروض ، ولكن استحسن أبو يوسف في العبيد قال : العبد قد يأبق من مولاه ، وقد يرسله مولاه في حاجة من بلد إلى بلد فيمتنع من الرجوع إليه ، ويتعذر على المولى الجمع بين شهوده وبينه في مجلس القاضي ، فلو لم يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي أدى إلى إتلاف أموال الناس ، فكان قبول البينة بهذه الصفة أرفق بالناس ، وما كان أرفق بالناس فالأخذ به أولى ; لأن الحرج مدفوع ، وكان يقول مرة في الجارية أيضا : يقبل كتاب القاضي إلى القاضي ، ثم رجع فقال : لا يقبل في الجارية ; لأن باب الفروج مبني على الاحتياط ، ولأن هذه البلوى تقل في الجواري فالمولى لا يرسلها من بلد إلى بلد عادة ، والإباق في الجواري يندر أيضا .

ثم بيان مذهبه أن المدعي يقيم عند القاضي شاهدين على حليته وصفته ، وأنه مملوك له فيكتب له بذلك إلى قاضي البلد الذي هو فيه محبوس ، فإذا ثبت الكتاب عند ذلك القاضي بشهادة الشهود عليه وعلى الختم ، ووافق حلية العبد وصفته ما في الكتاب دفع إليه من غير أن يقضى له بالملك ، ويختم في عنقه بالرصاص للإعلام ، ويأخذ من المدعي كفيلا ، ثم يأتي به المدعي إلى البلد الذي فيه شهوده ، ويكتب معه كتابا إلى ذلك القاضي فإذا أتى به إلى هذا القاضي أعاد شهوده ليشهدوا بالإشارة إلى العبد أنه ملكه وحقه ، فإذا شهدوا بذلك قضى له بالعبد ، وكتب إلى ذلك القاضي بما ثبت عنده ليبرئ كفيله . وفي الجواري على قوله الأول : لا يدفعها إليه القاضي المكتوب إليه أولا ، ولكنه يبعث بها معه على يد أمين ; لأنه لو دفعها إليه لا يمتنع من وطئها ، وإن كان أمينا في نفسه ; لأنه يزعم أنها مملوكته ، ولكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا : هذا استحسان فيه بعض القبح ، فإنه إذا دفع إليه العبد يستخدمه قهرا أو يستغله فيأكل من غلته قبل أن يثبت ملكه فيه بقضاء القاضي ، وربما يظهر العبد لغيره إذا جاء به إلى القاضي الكاتب فالحلية والصفة تشتبه ، ألا ترى أن الرجلين المختلفين قد يتفقان في الحلية والصفة ، أرأيت لو كانت جارية حسناء أكان يبعث بها مع رجل لم يثبت له فيها حق هذا قبح ، فلهذا أخذنا بالقياس ، فإن كان القاضي باع العبد الآبق حين طال حبسه ، وأخذ ثمنه ، وهلك العبد عند المشتري ، ثم ادعاه الرجل ، وأقام البينة أن عبدا اسمه كذا ، وكذا عبده فوافق ذلك صفة العبد الذي باعه القاضي لم يقبل ذلك ، ولا يدفع إليه الثمن لأن شهوده لم يشهدوا على استحقاق ما في يد القاضي من الثمن ، إنما شهدوا على الاسم والحلية ، والاسم يوافق الاسم والحلية توافق الحلية إلا أن يشهدوا أن العبد [ ص: 26 ] الآبق الذي باعه القاضي من هذا الرجل هو عبد هذا فحينئذ يقضي له القاضي بالثمن ; لأنه أثبت الملك في ذلك العبد بعينه ، والبدل إنما يملك بملك الأصل .

وكذلك إن لم يبعه حتى قتل فأقام المدعي البينة أن المقتول عبده ، فإنه يقضي له بالقيمة ; لأن القيمة والثمن كل واحد منهما بدل عن العبد ، واستحقاق البدل باستحقاق الأصل .

ورجل أخذ عبدا آبقا فباعه بغير إذن القاضي ، ثم أقام المولى بينة أنه عبده ، فإنه يسترده من المشتري ، والبيع باطل لأن الآخذ باعه بغير ولاية له ، فإن ولاية تنفيذ البيع له في ملك الغير إنما تثبت بإذن المولى أو بإذن القاضي بعد ما تثبت الولاية له ، فإذا باعه بدون إذن القاضي كان البيع باطلا ، وإن كان العبد هلك عند المشتري فللمستحق أن يضمن قيمته أيهما شاء ; لأن البائع متعد في حقه بالبيع والتسليم ، والمشتري بالقبض لنفسه ، فإذا ضمن المشتري قيمته رجع على البائع بالثمن ; لأن المبيع لم يسلم من جهته ، واسترداد القيمة منه كاسترداد العين ، وإن ضمن البائع قيمته نفذ البيع من جهته ; لأنه ملكه بالضمان فيكون الثمن له ، ولكنه يتصدق بما فضل من القيمة على الثمن ; لأنه ربح حصل لا على ملكه بكسب خبيث .
رجل أقام البينة عند قاض من القضاة بأن العبد الذي باعه قاضي بلد كذا من فلان فهو عبده ، وأخذ كتابه إلى ذلك القاضي الذي باعه الآبق ، فهذا جائز ويدفع ذلك القاضي إليه الثمن إذا ثبت كتاب القاضي عنده بالبينة ; لأن المدعي بهذه البينة لا يريد أخذ عين العبد ، فإن بيع القاضي قد نفذ فيه ، ألا ترى أنه لو أقام البينة عنده دفع إليه الثمن ، ولم يمكنه من أخذ العبد فعرفنا أن مقصوده إثبات حق أخذ الثمن لنفسه ، فهذا والبينة التي يقيمها على الدين سواء ; فلهذا يكتب القاضي له بذلك ، ويقضي المكتوب إليه بخلاف ما سبق .

( فإن قيل : ) الثمن عين في يد ذلك القاضي كالعبد . ( قلنا : ) نعم ، ولكنه معلوم بذكر مقداره فلا تقع الحاجة إلى الإشارة من الشهود إلى عينه للاستحقاق بخلاف العبد ، وإذا وجد الرجل عبدا أو أمة آبقا وهو يقدر على أخذه فإنه يسعه تركه ، وأحب إلي أن يأخذه ليرده على صاحبه ، ومن العلماء من يقول : لا يسعه تركه ; لأن النهي عن المنكر فرض على كل من يقدر عليه ، ولأن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه ، ولو رأى إنسانا يغرق لم يسعه إلا أن يخلصه إذا قدر عليه فكذلك إذا رأى ماله يتوى ، ولكنا نقول : هو يحتاج في رده إلى معالجة ومؤنة فكان في سعة من أن لا يلتزم ذلك ، وإن كان الأولى أن يلتزمه ، ولأنه في الترك يعتمد ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يأوي الضالة إلا ضال } ، وقال : { ضالة المؤمن حرق النار } [ ص: 27 ] وبظاهر الحديث يقول جهال أهل التقشف ، وحمقى أهل التصرف لا يسعه أن يأخذه ، فلا أقل من أن يسعه الترك لظاهر الحديث .

( وإذا ) أخذ عبدا آبقا فادعاه رجل ، وأقر له العبد فدفعه إليه بغير أمر القاضي فهلك عنده ، ثم استحقه آخر ببينة أقامها فله أن يضمن أيهما شاء لكون كل واحد منهما خائنا في حقه ، فإن ضمن الدافع رجع به على القابض ; لأنه أخذ العبد منه لنفسه ، وقد تبين أنه كان غاصبا لا مالكا ، وللغاصب الأول حق الرجوع على الثاني بما يضمن ، ولأنه لم يسبق إقرار من الدافع للقابض بالملك ، ولو كان أقر له بذلك فسقط اعتبار إقراره لما صار مكذبا شرعا ، فإذا لم يسبق إقراره أولى ، وإن كان لم يدفع إلى الأول حتى شهد شاهدان عنده فدفعه إليه بغير حكم ، ثم أقام آخر البينة عند القاضي ، فإنه يقضي به لهذا ; لأن البينة الأولى أقامها صاحبها في غير مجلس الحكم ، فلا تكون معارضة للبينة التي قامت في مجلس الحكم ; لأن وجوب الحكم يختص ببينة تقوم في مجلس القضاء ، وإن أعاد الأول بينته لم ينفعه أيضا ; لأن اليد في العبد له ، وبينة ذي اليد في الملك المطلق لا تعارض بينة الخارج ، وما يكتسبه العبد الآبق بالبيع والشراء والإجارة وغير ذلك لمولاه ; لأنه مالك لرقبته بعد إباقه ، وإذا لم يكن المكتسب أهلا للملك فمولاه يخفه في ملك الكسب لملكه رقبته ، وإن أجره الذي أخذه وأخذ أجرته فهو للذي أجره قال : لأنه في ضمانه ، وكأنه أشار بهذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : { الخراج بالضمان } ولأنه بعقده صير ما ليس بمال مالا ، فإن المنافع لا تأخذ حكم المالية إلا بالعقد عندنا كما بينه في الغصب ، ومن صير ما ليس بمال من ملك الغير مالا بفعله كان ذلك المال له كمن اتخذ كوزا من تراب غيره وباعه ، ولكن ينبغي له أن يتصدق به ; لأنه حصل بكسب خبيث ، وإن دفعه إلى المولى مع العبد ، وقال : هذا المال غلة عبدك ، وقد سلمته لك فهو للمولى ; لأنه أخذ بالاحتياط فيما صنع ، وتحرز عن اختلاف العلماء ، فإن عند الشافعي رضي الله عنه هذا المال للمولى ، وعندنا هو للأجير ، ولا يمنعه من تمليك مال نفسه منه طوعا ، ثم يحل للمولى أكله استحسانا .

وفي القياس لا يحل ; لأن حق الفقير أثبت فيه حين وجب التصدق به ، فلا يملك الآخذ إسقاط حق الفقراء ، ولكنه استحسن ، وقال : وجوب التصدق به كان لخبث دخل فيه لعدم رضى المولى به ، فإنما يظهر ذلك في حق الآخذ لا في حق المولى بل بالتسليم إلى المولى يزول ذلك الخبث ، فكان له أن يأكله استحسانا ; لأنه كسب عبده ، وفي القياس لا يجب الأجر ; لأن المستأجر ضامن للعبد باستعماله ، والأجر مع الضمان لا يجتمعان ، ولكنه [ ص: 28 ] استحسن فقال : العبد غير محجور عن الاكتساب وتحصيل المنافع ، ألا ترى أنه يصح منه قبول الهبة والصدقة ، فإذا سلم من العمل نمحض ذلك العقد منفعة ; لأنه لو لم يسبق العقد لم يجب على المستعمل له شيء ، فلهذا أنفذنا ذلك العقد ، بخلاف ما إذا تلف ; لأنه لو نفذ العقد لم يكن للمولى حق تضمين المستأجر فيتضرر به ، فإذا ثبت نفوذ العقد عند سلامة العبد كان حق قبض الأجر إليه ; لأنه وجب بعقده بأخذها فيدفعها إلى المولى ، وإباق المكاتب لا يبطل مكاتبته وإذنه بخلاف إباق المأذون ; لأن المولى يقدر على أن يحجر على المأذون ، ولا يستطيع أن يحجر على المكاتب ، ولأن حق المكاتب في نفسه لازم ; ولهذا لا يملك المولى بيعه بخلاف المأذون .

وحقيقة المعنى أن الإباق لا يتحقق من المكاتب ، فإن له أن يخرج في الاكتساب إلى حيث يشاء ، وليس للمولى أن يمنعه من ذلك ، بخلاف المأذون فإن للمولى أن يمنعه من الخروج ، فإذا خرج بغير إذنه كان فعله إباقا ، وبهذا الطريق لا جعل لراد المكاتب ; لأنه ليس بآبق بخلاف المأذون ، ولأن الراد إنما يستوجب الجعل بإحيائه مالية الرقبة برده ، وذلك لا يوجد في المكاتب ، فإن حق المولى في بدل الكتابة في ذمته خاصة ، ولم يصر مشرفا على الهلاك بإباقه حتى يكون في الرد إحياؤه بخلاف العبد ; لأن مالية رقبته حق المولى ، وقد أشرف على التوى بإباقه فيكون الراد محييا له .

ويجوز عتق الآبق عن الظهار إذا كان حيا ; لأنه باق على ملك المولى حقيقة فينفذ عتقه فيه على الوجه الذي ينفذ حال كونه في يده .

( فإن قيل : ) الآبق في حكم المستهلك ، وإعتاق المستهلك حكما عن الظهار لا يجوز كالأعمى ( قلنا : ) المستهلك منه حكما ماليته لا ذاته ، والكفارة إنما تتأدى بتحرير مبتدإ ، وذلك يرجع إلى الذات دون المالية ، فإن الله تعالى قال : { فتحرير رقبة } ، والرقبة اسم للذات حقيقة ، والذات المرقوق عرفا ، وليس في النص تعريض لصفة المالية ; ولهذا كان قليل القيمة وكثير القيمة في جواز التكفير به سواء ، بخلاف الأعمى فالمستهلك هناك الذوات حكما لفوات منفعة الجنس منه ، وبخلاف المدبر وأم الولد فعتقهما ليس بتحرير مبتدإ بل هذا من وجه تعجيل لما استحقاه مؤجلا ، ويجوز بيع الآبق ممن أخذه ; لأن امتناع جواز بيعه من غيره لعجزه عن التسليم إليه ، ولا يوجد ذلك هنا ; لأنه بنفس العقد يصير مسلما إلى المشتري لقيام يده فيه فلهذا جاز بيعه منه .

وإذا أبق عبد الرهن فرده رجل في حياة الراهن أو بعد موته فهو رهن على حاله ; لأن ماليته قد أشرفت على التوى بالإباق ، ثم قد حي بالرد فهو كما لو أشرف على الهلاك ، ثم برئ فيكون [ ص: 29 ] رهنا على حاله ، والمرتهن أحق به من سائر غرماء الراهن بعد موته ، والجعل على المرتهن إن كان قيمته مثل الدين ; لأن وجوب الجعل للراد بإحيائه مالية العبد ومالية حق المرتهن ; لأن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن من مالية ، ألا ترى أنه لو لم يرده حتى يتحقق التوى سقط دين المرتهن ، فعرفنا أنه في الرد عمل له فكان الجعل عليه ، وهو نظير تخليصه من الجناية بالفداء ، وذلك على المرتهن بقدر المضمون منه فكذلك الجعل ، وهذا بخلاف النفقة فإنه لإبقاء الملك لا لإحياء المالية ، ألا ترى أن المرتهن إذا امتنع من الإنفاق تمكن من رده ، ويبقى جميع دينه فعرفنا أن النفقة لإبقاء الملك والملك للراهن ، والجعل لإحياء المالية فيكون على المرتهن ، ألا ترى أن المالية لو انتقصت بقرحة خرجت به كان دواء ذلك ، ومعالجته على المرتهن بخلاف النفقة فكذلك جعل الآبق ، وللذي جاء به أن يمسكه حتى يأخذ الجعل ; لأنه إنما يستوجب الجعل بإحياء ماليته فكان لما يستوجب تعلقا بماليته فيحتبس به ، كما يحبس البائع المبيع بثمنه .

وإن مات العبد في يده بعد ما قضى القاضي بإمساكه ، فلا ضمان عليه ; لأنه محق في حبسه ولا جعل له ; لأن وجوب الجعل باعتبار إحيائه ماليته ، ولم يتم ذلك حين لم تصل إليه يد مولاه ، وهو نظير المبيع يتلف في يد البائع ، فإن حقه في الثمن يسقط سواء حبسه أو لم يحبسه ، فهنا يسقط حقه في الجعل بموته في يده سواء حبسه أو لم يحبسه .

( عبد ) أبق وذهب معه بمال فجاء به رجل فقال : لم أجد معه شيئا فالقول قوله ، ولا شيء عليه ; لأن وصول يده إلى العبد لا يكون دليل وصول المال إليه ما لم يعلم كونه في يد العبد حين أخذه ، والمولى يدعي عليه ذلك ، وهو منكر ، كما لو ادعى عليه أنه غصبه مالا وأنكره ، وإن اتهمه رب المال فله أن يستحلفه على ذلك وهو منكر كما لو ادعى ; لأنه يدعي عليه ما لو أقر به لزمه ، فإذا أنكر يستحلف لرجاء نكوله حتى يقام ذلك مقام إقراره .

ولو أن أمة أبقت من مولاها فالتحقت بأرض الحرب ثم أصابها المسلمون فاشتراها رجل منهم فوطئها فولدت له ثم جاء مولاها ، فإنه يأخذها وعقرها وقيمة ولدها في قول أبي حنيفة ، وكذلك لو كان الواطئ اشتراها من المشركين وعندهما أم ولد لمن استولدها ، ولا سبيل لمولاها عليها ، وهذا بناء على أن الآبق إلى دار الحرب لا يملكه المشركون بالأخذ في قول أبي حنيفة ; لأنهم لم يحرزوه لكونه في يد نفسه ، وهي يد محترمة ، فإذا لم يملكها المشتري منهم ولا المسلمون بالاستيلاء أيضا ، فمن اشتراها فوطئها فهو بمنزلة المغرور ; لأنه في الاستيلاء اعتمد ظاهر الشراء ، وولد المغرور حر [ ص: 30 ] بالقيمة ، وللمستحق أن يأخذ الجارية وعقرها وقيمة ولدها ، وبه قضى عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما وعندهما هم يملكون الآبق إليهم بالأخذ ، فإذا ملكوها ملكها المشتري أيضا ، وقد استولدها فكانت أم ولد له ، ولا حق للمولى في استردادها ، والجعل واجب في رد المدبر وأم الولد ; لأنهما مملوكان يستكسبهما بمنزلة القن .

( فإن قيل : ) فأين ذهب قولكم إنه يستوجب الجعل بإحياء المالية في أم الولد خصوصا عند أبي حنيفة ( قلنا : ) نعم ليس له فيها مالية باعتبار الرقبة ، ولكن له مالية باعتبار كسبها بخلاف المكاتب ، فإنه أحق بمكاسبه ، فلا يكون راده محييا للمولى مالية باعتبار الرقبة ولا باعتبار الكسب ، فإن مات المولى قبل أن يوصلهما الراد إليه فلا جعل له ; لأنهما عتقا بموته ، وراد الحر لا يستوجب الجعل ، وكذلك إن كان على المدبر سعاية بأن لم يكن للمولى مال سواه فرده على الورثة لم يستوجب الجعل ; لأن المستسعى بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة وعندهما هو حر عليه دين ، ولا جعل لراد المكاتب أو الحر ، فأما إذا وصلهما إلى المولى فقد تقرر حقه في الجعل ، فلا يسقط بموت المولى وعتقهما بعد ذلك ، وإن كان الآبق بين رجلين أثلاثا فالجعل بينهما على قدر أنصبائهما ، وجوبه باعتبار إحياء ماليتهما ، والمالية لصاحب الكثير أكثر منها لصاحب القليل ، وراد الصغير إذا كان آبقا يستوجب الجعل كراد الكبير ، غير أنه إن جاء به من مسيرة سفر فله أربعون درهما ، وإن جاء به مما دون ذلك يرضخ له على قدر عنائه ، وعناؤه في رد الكبير أكثر منه في رد الصغير ، فالرضخ يكون بحسب ذلك .

وإذا انتهى الرجل بالعبد الآبق إلى مولاه فلما نظر إليه أعتقه فالجعل واجب عليه ; لأنه صار قابضا له بإعتاقه ، ألا ترى أن المشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض يصير به قابضا ، وكذلك إن باعه مولاه من الذي أتاه به ; لأنه صار قابضا له لما نفذ تصرفه فيه بالتمليك من غيره ، ولأن سلامة الثمن له باعتبار رد هذا الراد ، فيكون بمنزلة سلامة العين له ، وإن سلمه الراد إلى مولاه فأبق منه ، ثم جاء به رجل آخر من مسيرة ثلاثة أيام فعلى الولي جعل تام لكل واحد منهما ; لأن السبب وهو إحياء المالية بالرد على المولى فقد تقرر من كل واحد منهما بكماله ، وإن كان الأول أدخله المصر ، ثم أبق منه قبل أن ينتهي به إلى مولاه فالجعل للآخر إن جاء به من مسيرة ثلاثة أيام ، ويرضخ له إن كان دون ذلك ، ولا شيء للأول ; لأن تمام السبب بإيصاله إلى المولى ، والأول ما أوصله إلى المولى فانتقص السبب في حقه بإباق العبد منه قبل تمامه بالإيصال إلى المولى فلا جعل له ، وأما الثاني فقد [ ص: 31 ] أتم السبب بإيصاله إلى المولى فيستوجب الجعل بحسب عمله ، وإن أخذه الأول مع الثاني ورداه من مسيرة يوم فالأول نصف الجعل تاما ، ويرضخ للثاني على قدر عنائه لأنهما تمما السبب بإيصاله إلى المولى ، إلا أن الأول قد ضم فعله الثاني إلى الفعل الأول ، وباعتبار هذا الضم يكون رادا له من مسيرة سفر فله نصف الجعل تاما ، والثاني إنما رده من مسيرة يوم فيجعل في حقه كأنهما رداه من مسيرة يوم فلهذا استحق الرضخ على قدر عنائه ، وإن رداه من مسيرة ثلاث فالجعل بينهما سواء ; لأنهما استويا في سبب الاستحقاق للجعل ، وهو الإيصال إلى المولى بعد الرد من مسيرة ثلاث فيستويان في استحقاق الجعل ، وإن كان أحد الرادين عبدا محجورا أو مأذونا فهو مثل الحر في استحقاق الجعل ; لأن هذا اكتساب للمال ، والعبد غير محجور عن اكتساب المال بطريق هو محض منفعة في حق المولى ، وإن كان العبد الآبق لمكاتب أو عبد تاجر فعليهما الجعل للراد ; لأن حقهما في كسبهما بمنزلة حق الحر فيما يرجع إلى ملك التصرف ، والراد أحيا مالية العبد بالرد لهما فيستوجب الجعل عليهما ، وكذلك إن كان الآبق لصبي فالجعل في ماله يؤدي عنه أبوه أو وصيه ; لأن منفعة إحياء المالية حصلت له .

( عبد ) جنى جناية ثم أبق فجاء به رجل فالمولى مخير بين الدفع والفداء إذا كان قبل إباقه ، فإن اختار الفداء فالجعل على مولاه ; لأنه طهره عن الجناية باختياره ، وتبين أن الراد عمل له في إحياء ماليته ، وإن اختار دفعه إلى أصحاب الجناية فالجعل على أصحاب الجناية ; لأنه تبين أن الراد أحيا حقهم ، فإن نفس العبد استحق لهم بالجناية إلا أن يختار المولى الفداء ; ولهذا لو هلك العبد قبل أن يختار المولى شيئا بطل حقهم فتبين باختيار الدفع أن الراد أحيا حقهم فيستوجب الجعل عليهم ، وله أن يحبسه عنهم حتى يستوفى الجعل كما كان له أن يحبسه عن المولى .

( عبد ) أبق إلى بعض البلدان فأخذه رجل فاشتراه منه رجل وجاء به فلا جعل له ; لأنه إنما رده لنفسه ، فإن المشتري قد يكون قاصدا إلى تملك المشترى فيكون هو غاصبا في حق المولى لا عاملا له ، وكذلك إن وهبه أو أوصى له أو ورثه ، فإن أشهد حين اشتراه أنه إنما يشتريه ليرده على صاحبه ; لأنه لا يقدر عليه إلا بالشراء فله الجعل له ; لأنه بهذا الإشهاد أظهر أنه يعمل للمولى في الرد ، ولكنه الطريق الذي يمكنه فيستوجب ، ولا يرجع على المولى بما أدى من الثمن قل ذلك أو كثر ; لأنه متبرع في ذلك كما كان متبرعا فيما ينفق عليه بغير أمر القاضي ، وكذلك إن كان أبق إلى دار الحرب ففي حق الراد هو والمأخوذ في دار الإسلام سواء ، وإن [ ص: 32 ] أخذ الآبق رجل فجاء به ليرده على مولاه فوجده قد مات قال : له الجعل في تركته ; لأن وارثه أو وصيه يخلفه بعد موته فالرد عليه كالرد على المولى في حياته ، وإذا استوجب الجعل عليه كان ذلك دينا في تركته كسائر الديون ، فإن كان عليه دين يحيط بماله فالراد أحق بإمساك العبد حتى يعطى الجعل ، فإن لم يكن له مال غيره بيع العبد ، ويبدأ بالجعل له من ثمنه ، ثم يقسم الباقي بين الغرماء لأن حق الغرماء في ماليته إنما ثبت من جهة الميت ، وقد كان الراد أحق به من الميت ما لم يستوف الجعل ، فكذا يكون هو أحق به من غرماء الميت أيضا ، فإن كان الذي جاء به وارث الميت وقد أخذه ، وسار به ثلاثة أيام في حياته وأوصله إلى المصر فمات المولى قبل أن يرده عليه ، وليس الوارث الراد في عياله فله الجعل في قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا جعل له ; لأن استحقاق الجعل إنما يكون بالإيصال إلى المالك ، وكذا لو أبق قبل أن يوصله إلى المالك ، فلا جعل له ، والإيصال هنا لم يوجد قبل الموت ، وبعد الموت لم يصلح سببا لوجوب الجعل له ; لأنه شريك فيه ، ومن عمل في شيء هو فيه شريك لا يستوجب الأجر بالعقد ، وإن شرط ذلك في العقد فهنا أولى أن لا يستوجب .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.60%)]