
14-12-2025, 04:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,796
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر
صـــ 12 الى صـــ 21
(223)
( أحدهما ) أن مطلق فعل المسلم محمول على ما يحل شرعا قال صلى الله عليه وسلم : { لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا } والذي يحل له شرعا الأخذ للرد لا لنفسه فيحمل مطلق فعله عليه ، وهذا الدليل الشرعي قائم مقام الإشهاد منه .
( والثاني ) أن صاحبها يدعي عليه سبب الضمان ووجوب القيمة في ذمته ، وهو منكر لذلك فالقول قوله كما لو ادعى عليه الغصب ، وهما يقولان كل حر عامل لنفسه ما لم يظهر منه ما يدل على أنه عامل لغيره ، ودليل كونه عاملا لغيره الإشهاد هنا ، فإذا تركه كان آخذا لنفسه باعتبار الظاهر ، هذا إذا وجدها في موضع يتمكن من الإشهاد ، فإن لم يكن متمكنا من الإشهاد لعدم من يشهد أو لخوفه على أن يأخذ منه ذلك ظالم فالقول قوله ولا ضمان عليه ، والثاني أن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب موجب للضمان عليه إلا عند وجود الإذن شرعا ، والإذن شرعا مقيد بشرط الإشهاد عليه والإظهار ، فإذا ترك ذلك كان أخذه سببا للضمان عليه شرعا ، فلا يصدق في دعوى المسقط بعد ظهور سبب الضمان ، كمن أخذ مال الغير وهلك في يده ، ثم ادعى أن صاحبه أودعه لم يصدق في ذلك إلا بحجة ، وإن قال : قد التقطت لقطة أو ضالة أو قال : عندي شيء فمن سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي ، فلما جاء صاحبها قال : قد هلكت فهو مصدق على ذلك ولا ضمان عليه ; لأنه أظهرها بما قال ، وتبين أن أخذها للرد فكان أمينا فيها ، ولا يضره أن لا يسمي جنسها ولا صفتها في التعريف ; لأنه إنما امتنع من ذلك لتحقيق الحفظ على المالك كي لا يسمع إنسان ذلك منه فيدعيها لنفسه ويخاصمه إلى قاض يرى الاستحقاق لمصيب العلامة ، فقد بينا أن في هذا اختلافا ظاهرا ، وما يرجع إلى تحقيق الحفظ على المالك لا يكون سببا للضمان عليه ، وكذلك لو وجد لقطتين فقال : من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي ، وإن لم يقل : عندي لقطتان ثم هلكتا [ ص: 13 ] عنده ، ثم جاء صاحبهما فلا ضمان عليه فيهما ; لأنه أظهرهما بما ذكر من التعريف ، فاللقطة اسم جنس يتناول الواحد ، وما زاد عليه حتى لو قال : عندي لقطة برئ من الضمان ، وإن كانت عنده عشرة ; لأن الإشهاد بهذا اللفظ يتم منه في حق كل واحد منهما ، وإذا أخذ الرجل لقطة ليعرفها ثم أعادها إلى المكان الذي وجدها فيه ، فلا ضمان عليه لصاحبها وإن هلكت قبل أن يصل إليها صاحبها أو استهلكها رجل آخر ; لأن أخذها للتعريف لم يكن سببا لوجوب الضمان عليه .
وكذلك ردها إلى مكانها ; لأنه نسخ لفعله ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان عليه ، كرد الوديعة إلى مالكها ورد المغصوب إلى صاحبه ، ولأنه بمجرد الأخذ لا يصير ملتزما للحفظ ، فقد يأخذها على ظن أنها له بأن كان سقط منه مثلها ، فإذا تأملها وعلم أنها ليست له ردها إلى مكانها ، وقد يأخذها ليعرف صفتها حتى إذا سمع إنسانا يطلبها دله عليها ، وقد يأخذها ليحفظها على المالك وهو يطمع في أن يتمكن من أداء الأمانة فيها ، فإذا أحس بنفسه عجزا أو طمعا في ذلك ردها إلى مكانها فلهذا لا يضمن شيئا ، وإنما الضمان على المستهلك لها ، وإن كان الأول أخذها لنفسه ثم أعادها إلى مكانها فهو ضامن لها إن هلكت ، وإن استهلكها غيره فلصاحبها الخيار يضمن أيهما شاء ; لأن أخذها لنفسه سبب موجب للضمان عليه ، وبعد ما وجب الضمان لا يبرأ إلا بالرد على المالك كالغاصب ، وإعادتها إلى مكانها ليس برد على المالك ، فلا يكون مسقطا للضمان عليه ، وقيل على قول زفر يبرأ عن الضمان ; لأنه نسخ فعله بما صنع فيسقط عنه حكم ذلك الفعل ، ونظائر هذه المسألة ذكرها في اختلاف زفر ويعقوب قال : إذا كانت دابة فركبها ثم نزل عنها ، وتركها في مكانها فعلى قول زفر رحمه الله لا ضمان عليه ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله هو ضامن لها ، وكذلك لو نزع الخاتم من أصبع نائم ثم أعاده إلى أصبعه بعد ما انتبه ثم نام فعند أبي يوسف رحمه الله لا يبرأ عن الضمان ، وعند زفر يبرأ عن ضمانه ، ولو أعاده إلى أصبعه قبل أن ينتبه من تلك النومة برئ بالاتفاق فزفر رحمه الله سوى بينهما باعتبار أنه نسخ فعله حين أعاده على الحال الذي أخذه وأبو يوسف رحمه الله يقول : لما انتبه صاحبه وجب عليه رده في حالة الانتباه ، فلا يكون نومه بعد ذلك مسقطا للضمان عليه بخلاف ما إذا رده قبل أن ينتبه ، وكذلك لو كان ثوبا فلبسه ثم نزعه وأعاده إلى مكانه فهو على هذا الخلاف ، هذا إذا لبسه كما يلبس ذلك الثوب عادة ، فأما إذا كان قميصا فوضعه على عاتقه ثم أعاده إلى مكانه فلا ضمان عليه ; لأن هذا حفظ وليس باستعمال فلا يصير [ ص: 14 ] به ضامنا ، وكذلك الخاتم إن لبسه في الخنصر فهو استعمال يصير به ضامنا اليد اليمنى واليسرى في ذلك سواء ; لأن بعض الناس يلبسون الخاتم في الخنصر من اليد اليمنى للتزين والاستعمال .
وإن لبسه في أصبع آخر لم يكن ضامنا ; لأن المقصود هنا الحفظ دون التزين به ، وذكر هشام عن محمد رحمهما الله إن لبسه على خاتم في خنصره لم يكن ضامنا ; لأن المقصود هو الحفظ دون التزين به قال هشام رحمه الله ، فقلت : له من السلاطين من يتختم بخاتمين للتزين فقال : يكون أحدهما للختم لا لتزين ، ثم قال : حتى أتأمل في هذا ، والحاصل أن الرجل إذا كان معروفا بأنه يلبس خاتمين للتزين فهذا يكون استعمالا منه وإلا فهو حفظ ، وكذلك إن كان سيفا فتقلد به فهذا استعمال ، وإن كان متقلدا سيفا فكذلك ; لأن المبارز قد يتقلد بسيفين إلا أن يكون متقلدا بسيفين فحينئذ تقلده بهذه اللقطة يكون حفظا ولا يكون استعمالا فلا يصير ضامنا لها ، قال : وكذلك الغاصب إذا رد الدابة إلى دار صاحبها لم يبرأ من الضمان حتى يدفعها إلى صاحبها بخلاف المستعير ، فإنه ليس بضامن لها ، فإذا ردها إلى دار صاحبها فقد أتى بما هو المعتاد في الرد ، فلا يكون ضامنا شيئا ، فأما الغاصب ضامن لها فحاجته إلى رد مسقط للضمان عليه ، ولا يحصل ذلك ما لم يدفعها إلى صاحبها .
رجل جاء إلى دابة مربوطة لرجل فحلها ولم يذهب بها ثم ذهبت الدابة ، فلا ضمان على الذي حلها ، وروي عن محمد رحمه الله أنه ضامن لها ، وعلى هذا لو فتح باب القفص فطار الطير أو فتح باب الإصطبل ففرت الدابة ، وجه قول محمد أن الذي حل الرباط أو فتح الباب في الحقيقة مزيل للمانع موجد شرط الذهاب ، إلا أن ما هو علة للتلف هنا وهو فعل الطير والدابة ساقط الاعتبار شرعا ، وفي مثله يحال الإتلاف على صاحب الشرط فيصير ضامنا كحافر البئر في الطريق ، فإنه أوجد شرط السقوط بإزالة المسكة عن الأرض ، فأما العلة ثقل الماشي في نفسه ومشيه في ذلك الموضع ، ولكن لما تعذر إضافة الإتلاف إليه إذا لم يكن عالما به كان مضافا إلى الحافر حتى يكون ضامنا ، وكذلك من شق زق إنسان فسال منه مائع كان فيه فهو ضامن ، وعمله إزالة المانع فقط ، فأما علة السيلان كونه مائعا ، ولكن لما تعذر إضافة الحكم إلى ما هو العلة كان مضافا إلى الشرط ، وعلى هذا لو قطع حبل قنديل فسقط فعمل القاطع في إزالة المانع فكان ضامنا لهذا المعنى وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان : عمله في اتحاد الشرط كما قال محمد رحمه الله ، وقد طرأ على ذلك الفعل فعل فاعل معتبر حصل به التلف فيسقط اعتبار ذلك الشرط ، ويحال بالتلف على هذا [ ص: 15 ] الفعل المعتبر ، قوله بأن فعل الدابة هدر قلنا : نعم هو غير معتبر في إيجاب الضمان ، ولكنه معتبر في نسخ حكم الفعل به ، ألا ترى أن من أرسل دابته في الطريق فأصابت في سير إرساله مالا أو نفسا كان المرسل ضامنا ، ولو تيامنت أو تياسرت ثم أصابت شيئا لم يضمن المرسل ، واعتبر فعلها في نسخ حكم فعل المرسل به فكذلك هنا يعتبر فعلها في نسخ حكم فعل الذي حلها أو فتح باب الإصطبل به ، وهو نظير من حفر بئرا في الطريق فجاء حربي لا أمان له ، وألقى فيه غيره لم يضمن الحافر شيئا ، وفعل الحربي غير معتبر في إيجاب الضمان عليه ، ثم كان معتبرا في نسخ حكم فعل الحافر به .
وهذا بخلاف مسألة الزق والحبل ، فإنه ما طرأ على فعله ما ينسخه حتى إذا كان ما في الزق جامدا ، ثم ذاب بالشمس فسال لم يضمن الشاق ، فإن قيل : كيف يستقيم القول في هذه الفصول بأن عمله في اتحاد الشرط ، والشرط يتأخر عن العلة لا يسبقها قلنا : هذا شرط في معنى السبب ، فإن الحكم يوجد عند وجود الشرط وعند وجود السبب ، إلا أن السبب يتقدم ، والشرط يتأخر ، فهذا التقدم في معنى السبب ، ولكونه مزيلا للمانع هو شرط كما بينا ، وعلى هذا لو حل قيد عبد آبق فذهب العبد لم يضمن شيئا لما قلنا ، قال محمد رحمه الله إلا أن يكون العبد مجنونا فحينئذ يضمن لأن فعله في الذهاب غير معتبر شرعا فيبقى الإتلاف مضافا إلى إزالة المانع بحل القيد ، وقال أيضا : لو كان هذا المجنون مقيدا في بيت مغلق فحل إنسان قيده وفتح آخر الباب فذهب فالضمان على الفاتح ; لأن حل القيد لم يكن إزالة للمانع قبل فتح الباب وإتمام ذلك بالفاتح للباب فهو الضامن ، وعلى قول الشافعي رضي الله عنه في هذه الفصول إن ذهب في فور فتح الباب أو حل الرباط فهو ضامن ، وإن لم يذهب في فوره ذلك فلا ضمان عليه ; لأنه لما لم يذهب في فوره فقد علمنا أن الباب لم يكن مانعا له ، وإنما ذهب بقصد حدث له ، وقصد الدابة عنده معتبر ، وإذا ذهب في فوره فقد علمنا أن الباب كان مانعا ، ومن أزال هذا المانع فهو متعد فيما صنع فيكون ضامنا ، وإذا كانت اللقطة في يد مسلم فادعاها رجل ووصفها فأبى الذي في يده أن يدفعها إليه إلا ببينة ، فأقام شاهدين كافرين لم تجز شهادتهما ; لأنها تقوم على المسلم في استحقاق يده عليه ، وشهادة الكافر ليست بحجة على المسلم ، وإن كانت في يد كافر فكذلك في القياس ; لأني لا أدري لعلها ملك المسلم ، وشهادة الكافر في استحقاق ملك المسلم ليست بحجة ، ولكن في هذا الاستحسان يقضى له بشهادتهما ; لأنها تقوم لاستحقاق اليد على الملتقط ، والملتقط كافر .
وشهادة الكافر حجة على الكافر ، ثم كما [ ص: 16 ] يتوهم أنها لمسلم يتوهم أنها لكافر فتقابل الموهومات مع أن الموهوم لا يعارض المعلوم ، وإن كانت في يدي مسلم وكافر لم تجز شهادتهما في القياس على واحد منهما ، وفي الاستحسان يجوز على الكافر منهما فيقضي له بما في يد الكافر لما قلنا ، وإذا أقر الملتقط بلقطة لرجل وأقام آخر البينة أنها له قضيت بها للذي أقام البينة لما قلنا أن البينة حجة في حق الكل ، والإقرار ليس بحجة في حق الغير ، والضعيف لا يعارض القوي ، فإن أقر بها لأحدهما أولا ، ودفعها إليه بغير حكم فاستهلكها ، ثم أقام آخر البينة فله أن يضمن إن شاء الدافع ، وإن شاء القابض ; لأنه أثبت ملكه بالحجة ، وكل واحد منهما متعد في حقه ، فإن ضمن الدافع ولم يرجع على القابض ; لأنه مقر أن القابض أخذ ملك نفسه ، وأنه ليس بضامن شيئا ، وإقراره حجة عليه في إسقاط حقه ، وإن ضمن القابض لم يرجع على الدافع أيضا ; لأنه في القبض كان عاملا لنفسه ، وإن دفع بقضاء القاضي فله أن يضمن القابض إن شاء لما قلنا ، وإن أراد أن يضمن الدافع فقد قال مرة في آخر هذا الكتاب : ليس له أن يضمن الدافع ، وقال مرة أخرى : له أن يضمن الدافع ، وحيث قال له أن يضمن الدافع فهو قول محمد رحمه الله ، وما قال ليس له أن يضمن الدافع فهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وأصله مسألة الوديعة إذا قال : هذا العين في يدي لفلان أودعنيه فلان لرجل آخر ، فإن دفعه إلى المقر له الأول بغير قضاء القاضي ضمن للمقر له الوديعة بالاتفاق ، وإن دفعه بقضاء القاضي فكذلك عند محمد ; لأنه بإقراره سلط القاضي على القضاء ، فهو كما لو دل إنسانا على سرقة الوديعة ، وعند أبي يوسف رحمه الله لا ضمان عليه لأن بإقراره لم يتلف شيئا على صاحب الوديعة ، والدفع كان بقضاء القاضي ، فلا يكون موجبا للضمان عليه فكذلك هنا الملتقط أمين كالمودع ، فإذا دفع إلى المقر له بقضاء القاضي لم يضمن في قول أبي يوسف شيئا لمن يقيم البينة ، وهو ضامن له في قول محمد ، والله أعلم .
كتاب الإباق
( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد : رحمه الله اعلم بأن الإباق تمرد في الانطلاق وهو من سوء الأخلاق ، ورداءة في الأعراق يظهر العبد عن سيده فرارا ليصير ماله ضمارا ، فرده إلى مولاه وإعادته إلى مثواه إحسان وامتنان ، وإنما جزاء الإحسان إلا الإحسان ، فالكتاب لبيان الجزاء المستحق للراد في الدنيا مع ما له من الأجر في العقبى بإغاثة اللهفان ومنع المعتدي [ ص: 17 ] عن العدوان ; ولهذا بدأ بحديث سعيد بن المرزبان عن أبي عمرو الشيباني قال : كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فجاء رجل فقال : إن فلانا قدم بإباق من القوم ، فقال القوم : لقد أصاب أجرا ، فقال عبد الله رضي الله عنه وجعلا إن شاء من كل رأس أربعين درهما وفي هذا الحديث بيان أن الراد مثاب ; لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لم ينكر عليهم إطلاق القول بأنه أصاب أجرا ، وفيه دليل على أنه يستحق الجعل على مولاه ، وهو استحسان أخذ به علماؤنا رحمهم الله . وفي القياس لا جعل له ، وهو قول الشافعي رضي الله عنه ; لأنه تبرع بمنافعه في رده على مولاه ، ولو تبرع عليه بعين من أعيان ماله لم يستوجب عليه عوضا بمقابلته فكذلك إذا تبرع بمنافعه ، ولأن رد الآبق نهي عن المنكر ; لأن الإباق منكر ، والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم ، فلا يستوجب بإقامة الفرض جعلا ، ولكنا تركنا هذا القياس لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم ، فقد اتفقوا على وجوب الجعل ; لأن ابن مسعود رضي الله عنه قال في مجلسه ما قال ، وقد اشتهر عنه ذلك لا محالة ، ولم ينكر عليه أحد من أقرانه ، وقد عرض قوله عليهم لا محالة . والسكوت بعد ذلك عن إظهار الخلاف لا يحل لمن يعتقد خلافه ، فمن هذا الوجه يثبت الإجماع منهم ثم هم اتفقوا على أصل وجوب الجعل ، وإن اختلفوا في مقداره فقال عمر رضي الله عنه دينار أو اثنا عشر درهما ، وقال علي رضي الله عنه دينار أو عشرة دراهم ، وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه إذا أخذه في المصر فله عشرة دراهم أو دينار ، وإن أخذه في غير المصر فله أربعون درهما فقد اتفقوا على وجود أصل الجعل ، وكفى بإجماعهم حجة ، والأصل أن الصحابة رضي الله عنهم متى اختلفوا في شيء فالحق لا يعدوهم ، وليس لأحد أن يترك جميع أقاويلهم برأيه ، ولكن يرجح قول البعض على البعض ، فنحن أخذنا بقولهم في إيجاب أصل الجعل ، ورجحنا قول ابن مسعود رضي الله عنه في مقداره .
( فإن قيل : ) كان ينبغي أن يؤخذ بالأقل في المقدار ; لأنه متيقن به . ( قلنا : ) إنما لم يؤخذ بالأقل ; لأن التوفيق بين أقاويلهم ممكن بأن يحمل قول من أفتى بالأقل على ما إذا رده مما دون مسيرة سفر ، وقول من أفتى بالأكثر على ما إذا رده من مسيرة سفر كما فسره عمار بن ياسر رضي الله عنه ، فإن قوله إن أخذه في المصر كناية عما دونه مسيرة سفر ، وإن أخذه خارج المصر كناية عن مسيرة سفر ، ومتى أمكن التوفيق بين أقاويلهم وجب المصير إليه ، ثم الأخذ بالأقل إنما يكون فيما يقولونه بآرائهم ، ونحن نعلم أنهم ما قالوا هذا بالرأي ; لأنه خلاف القياس ; ولأن نصب [ ص: 18 ] المقادير بالرأي لا يكون ، ولا طريق لما ثبت عنهم من الفتوى إلا الرأي أو السماع ممن ينزل عليه الوحي ، فإذا انتفى أحدهما هنا تعين الآخر ، وصار كأن كل واحد منهم روى ما قاله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمثبت للزيادة من الأخبار عند التعارض أولى فلهذا أخذنا بالأكثر هذا هو النهاية في التمسك بالسنة ، والأخذ بأقاويل الصحابة رضي الله عنهم ، فقد قامت الشريعة بفتواهم إلى آخر الدهر ، وليس لأحد أن يظن بهم إلا أحسن الوجوه ، ولكنه بحر عميق لا يقطعه كل سابح ، ولا يصيبه كل طالب ، وليس في هذا الباب شيء من المعنى سوى ما ذكره عن إبراهيم قال : كي يرد بعضهم على بعض ، معناه أن الراد يحتاج إلى معالجة ومؤنة في رده ، وقلما يرغب الناس في التزام ذلك خشية ، ففي إيجاب الجعل للراد ترغيب له في رده وإظهاره الشكر في المردود عليه لإحسانه إليه ، إلا أن إبراهيم كان يستحب ذلك ، ولا يوجبه على ما روي عنه ، أنه كان يستحب أن يرضخ للذي يجيء بالآبق ، ولم نأخذ بقوله في هذا ، وإنما نأخذ بقول شريح والشعبي رحمهما الله فقد قال الشعبي رحمه الله للراد دينار إذا أخذه خارجا من المصر ، وقال شريح رحمه الله له أربعون درهما فنأخذ بذلك ، ويحمل ما نقل عن الشعبي على ما إذا رده مما دون مسيرة السفر ، ويستقيم الاحتجاج بقول شريح رحمه الله في هذا ونحوه ; لأن الصحابة رضي الله عنهم قلدوه القضاء وسوغوا له المزاحمة معهم في الفتوى ، ألا ترى أنه خالف عليا رضي الله عنه في رد شهادة الحسن رضي الله عنه ، وأن مسروقا رحمه الله خالف ابن عباس رضي الله عنهما في موجب النذر بذبح الولد ، ورجع ابن عباس رضي الله عنهما إلى قوله ، فعرفنا أن من كان بهذه الصفة فقوله كقول الصحابي ثم الشافعي استحسن برأيه في هذه المسألة من وجه فقال : لو كان المولى خاطب قوما فقال : من رد منكم عبدي فله كذا فرده أحدهم استوجب ذلك المسمى ، وهذا شيء يأباه القياس ; لأن العقد مع المجهول لا ينعقد ، وبدون القبول كذلك ، ولا شك أن الاستحسان الثابت باتفاق الصحابة رضي الله عنهم خير من الاستحسان الثابت برأي الشافعي رضي الله عنه ، ولا حجة له في قوله تعالى : { ولمن جاء به حمل بعير } لأن ذلك كان خطابا لغير معين ، وهو لا يقول به ، فإنه لو قال : من رده فله كذا ولم يخاطب به قوما بأعيانهم فرده أحدهم لا يستحق شيئا ، ثم هذا تعليق استحقاق المال بالخطر وهو قمار ، والقمار حرام في شريعتنا ، ولم يكن حراما في شريعة من قبلنا .
( وإن قال : ) اعتبر قول المالك لإثبات أمره بالرد للذين خاطبهم ثم المأمور من جهة الغير [ ص: 19 ] يرجع عليه بما لحقه من المؤنة في ذلك .
( قلنا : ) لو كان هذا معتبرا لرجع عليه بما لحق فيه من المؤنة دون المسمى ثم الأمر هنا ثابت أيضا بدون قوله ، ألا ترى أن العبد الهارب من مولاه ما دام بمرأى العين منه ينادي مولاه على أثره خذوه فعرفنا بهذا أنه أمر لكل من يقدر على أخذه ورده على أن يرده عليه ، والأمر الثابت دلالة بمنزلة الأمر الثابت إفصاحا ، ثم ذكر عن الشعبي في رجل أخذ غلاما آبقا فأبق منه قال : لا ضمان عليه ، وذكر بعده عن جرير بن بشير عن أشياخ من قومه قال : أخذ مولى للحي آبقا فأبق منه نحو حي فكتب إلى مولاه أن يأتي أهله فيجتعل له منهم ففعل ذلك ، ثم كتب إليه فأقبل بالعبد فأبق منه ، فاختصموا إلى شريح فضمنه إياه ، ثم اختصموا إلى علي رضي الله عنه فقال : يحلف العبد الأحمر للعبد الأسود بالله ما أبق منه ، ولا ضمان عليه ، وإنما نأخذ بحديث علي رضي الله عنه والشعبي فنقول : لا ضمان عليه إذا أخذه للرد على مولاه ; لأنه أخذه بإذن مولاه كما بينا وفي هذا دليل على أن الراد يستوجب الجعل ، وكان ذلك أمرا ظاهرا حتى لم يخف على مواليهم حين كتب الآخذ إلى مولاه أن يأتي أهله فيجتعل له منهم ، إلا أنه كان من مذهب شريح تضمين الأجير المشترك فيما يمكن التحرز عنه ، والمستوجب للجعل بمنزلة الأجير المشترك فلهذا ضمنه ، وكان من مذهب علي رضي الله عنه أنه لا يضمن الأجير المشترك كما ذكر عنه في كتاب الإجارات في إحدى الروايتين ، ولكن القول قوله مع يمينه .
( وقوله ) يحلف العبد الأحمر يريد به الراد سماه أحمر لقوته وقدرته على أخذ الآبق ، وسمى الآبق أسود لخبث فعله ، وهو من دعابة علي رضي الله عنه قال : وإذا أتي الرجل بعبد آبق فأخذه السلطان فحبسه فجاء رجل وأقام البينة أنه عبده ، فإنه يستحلف بالله ما بعته ولا وهبته ثم يدفع إليه أولا . نقول : ينبغي للراد أن يأتي به السلطان بخلاف ما سبق في اللقطة ; لأنه يقدر على حفظها بنفسه ، ولا يقدر على حفظ الآبق بنفسه عادة فرفعه إلى السلطان لهذا ; ولأنه يستوجب التعزير على إباقه فيرفعه إلى السلطان ليعزره ، ويأخذه السلطان منه ليحبسه ، وذلك نوع تعزير ، ثم من يدعيه لا يستحقه بدون البينة ، فإذا أقام البينة فقد أثبت ملكه فيه بالحجة إلا أنه يحتمل أن يكون باعه أو وهبه ولا يعرف الشهود ذلك فيستحلفه على ذلك .
( فإن قيل : ) كيف يستحلفه وليس هنا خصيم يدعي ذلك . ؟ ( قلنا : ) يستحلفه صيانة لقضاء القاضي ، والقاضي مأمور بأن يصون قضاءه عن أسباب الخطأ بحسب الإمكان ، أو يستحقه نظرا لمن هو عاجز عن النظر لنفسه من مشتر أو موهوب له ، فإذا [ ص: 20 ] حلف دفعه إليه ، ولا أحب أن يأخذ منه كفيلا ، وإن أخذ منه كفيلا لم يكن مسيئا ، ولكن إن لم يأخذ أحب إلي ، هذه رواية أبي حفص ، وفي رواية أبي سليمان قال : أحب إلي أن يأخذ منه كفيلا ، وإن لم يأخذ منه كفيلا وسعه ذلك . من أصحابنا من قال : ما ذكر في رواية أبي حفص قول أبي حنيفة رحمه الله ، فإنه لا يرى أخذ الكفيل للمجهول كما قال في الجامع الصغير في أخذ الكفيل من الوارث ، هذا شيء احتاطه بعض القضاة وهو ظلم ، وما قاله في رواية أبي سليمان رحمه الله قولهما ; لأنهما يجوزان للقاضي أن يحتاط بأخذ الكفيل صيانة لقضاء نفسه ، أو نظرا لمن هو عاجز عن النظر لنفسه ، والأصح أن فيه روايتين ، وما ذكر في رواية أبي سليمان أقرب إلى الاحتياط ، فربما يظهر مستحق يقيم البينة على الولادة في ملكه فيكون مقدما على من أقام البينة على الملك المطلق ، أو يقيم البينة على الملك المطلق فيكون مزاحما له ، أو يقيم البينة على أنه اشتراه منه فالمستحب أن يأخذ منه كفيلا لهذا ، ولكنه موهوم لم يقم عليه دليل فكان في سعة من أن لا يأخذ منه كفيلا . وما ذكر في رواية أبي حفص أقرب إلى القياس ; لأن استحقاقه ثابت بما أقام من البينة ، واستحقاق غيره موهوم ، والموهوم لا يقابل المعلوم ، فلا يستحب للقاضي ترك العمل إلا بحجة معلومة لأمر موهوم ، أرأيت لو لم يعطه كفيلا . أو لم يجد كفيلا ، أكان يمتنع القاضي من القضاء به له ، وقد أقام البينة ، ولكنه لو أخذ منه كفيلا فهو فيما صنع محتاط مجتهد فلا يكون مسيئا ، وإن لم يكن للمدعي بينة وأقر العبد أنه عبده ، فإنه يدفعه إليه ويأخذ منه كفيلا .
أما الدفع إليه فلأن العبد في يد نفسه ، وقد أقر بأنه مملوك له ، ولو ادعى أنه حر كان قوله مقبولا ، فكذلك إذا أقر أنه مملوك له يصح إقراره في حق نفسه ; لأنه لا منازع لهما فيما قالا ، وخبر المخبر محمول على الصدق ما لم يعارضه مثله ، ولكن يأخذ منه كفيلا ; لأن الدفع إليه بما ليس بحجة على القاضي ، فلا يلزمه ذلك بدون الكفيل ، بخلاف الأول فالدفع هناك ليس بحجة ثابتة في حق القاضي ، يوضحه أن قول العبد بعد إقراره بالرق في تعيين مالكه غير مقبول ، ألا ترى أنه لو كان في يد رجلين ، وأقر بالملك لأحدهما لم يصح إقراره ، وكان بينهما فكذلك لا يصح إقراره في استحقاق اليد الثابتة للقاضي بعد ما أقر برقه ، فلا بد من أن يأخذ منه كفيلا بحق نفسه حتى إذا حضر مالكه وأراد أن يضمنه يمكن من أخذ الكفيل ليحضره فيخلصه من ذلك ، فأما إذا أقام البينة فقد أثبت استحقاق اليد على القاضي ، ولا يلحق القاضي ضمان في الدفع إليه بحجة البينة ; فلهذا لا يحتاط بأخذ الكفيل .
وإن لم يكن للعبد طالب ، فإذا [ ص: 21 ] طال ذلك باعه الإمام وأمسك ثمنه حتى يجيء له طالب ويقيم البينة أنه عبده فيدفع إليه الثمن لأنه مأمور بالنظر ، وليس من النظر إمساكه بعد طول المدة ; لأنه محتاج إلى النفقة ، وربما يأتي ثمنه على نفقته ، ولأنه لا يأمن أن يأبق منه فكان حفظ ثمنه أيسر عليه من حفظ عينه وأنفع لصاحبه ، وليس لصاحبه إذا حضر أن ينقض بيع الإمام ; لأنه نفذ بولاية شرعية ، وينفق عليه الإمام في مدة حبسه من بيت المال ; لأنه محتاج إلى النفقة عاجز عن الكسب إذا كان محبوسا ، ولو أمره الإمام بأن يخرج فيكتسب فأبق ثانيا فكان النظر في الإنفاق عليه من بيت المال ; لأنه معد للنوائب ، وهذا من جملة النوائب ، ثم يأخذ ذلك من صاحبه إن حضر فرده عليه أو من ثمنه إن باعه ، وقد بينا هذا في نفقة الملتقط بأمر القاضي فكذلك في نفقة الإمام من بيت المال على الآبق ; لأن قضاءه في ذلك للمسلمين لا لنفسه ، فإن أقام مدعيه شهودا نصارى لم تجز شهادتهم ; لأن العبد في يد إمام المسلمين ، واستحقاق يد المسلم لا يكون بشهادة النصارى ، وإن أقام بينة من المسلمين ، وقد باعه الإمام فزعم أنه كان قد دبره ، أو كانت جارية فزعم أنها كانت أم ولده لم يصدق على فسخ البيع ; لأن البيع نفذ من القاضي بولاية شرعية فكأن المالك باشر بيعه بنفسه ثم ادعى شيئا من ذلك ، ولا يصدق على فسخ البيع إلا أن يكون لها ولد وقد ولدته في ملكه فيدعي أنه ولده منها ، فحينئذ يصدق ويثبت النسب ، ويفسخ البيع كما لو كان باشر البيع بنفسه ، وهذا لأن ثبوت نسب ولد حصل العلوق به في ملكه بمنزلة البينة فيما يرجع إلى إبطال حق الغير ، ألا ترى أن المريض إذا أقر لجاريته أنها أم ولده ومعها ولد يدعي نسبه كان مصدقا في إبطال حق الغرماء والورثة عنها ، بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد فهذا مثله .
وإذا وجد الرجل غلاما أو جارية آبقا بالغا أو غير بالغ فرده إلى مولاه ، فإن كان أخذه من مسيرة ثلاثة أيام أو أكثر . فله الجعل أربعون درهما ، ولا يزاد على ذلك ، وإن بعدت المسافة ; لأن تقدير الجعل بأربعين إذا رده من مسيرة سفر ثابت بفتوى ابن مسعود رضي الله عنه ، والزيادة على القدر الثابت شرعا بالرأي لا تجوز ، ولأن أدنى مدة السفر معلوم ولا نهاية لما وراء ذلك ، والحكم لا يتغير به شرعا كسائر الأحكام المتعلقة بالسفر ، وإن أخذه في المصر أو خارجا منه ولكن فيما دون مسيرة سفر في القياس لا شيء له ; لأن التقدير الثابت بالشرع يمنع أن يكون لما دون المقدر حكم المقدر ، ولأن الجعل إنما يستحقه راد الآبق ، وتمام الإباق بمسيرة السفر ففيما دونه هو كالضال ، ولهذا لا يتعلق شيء من أحكام السفر فيما [ ص: 22 ] دون مسيرة السفر ، وفي الاستحسان له الجعل على قدر المكان والعناء ; لأن في مدة السفر وجوب الجعل ليس لعين المدة بل لما يلحق من العناء والتعب في رده ، وقد وجد بعض ذلك فيستوجب من الجعل بقدره ، ألا ترى أن المالك لو استأجره بمال معلوم ليرده من مسيرة يوم استحق من المسمى بقدره فكذلك فيما هو ثابت شرعا ، وإن كان أنفق عليه أضعاف مقدار الجعل بغير أمر القاضي فليس له سوى الجعل ; لأنه متبرع فيما أنفق ، وإن مات عنده قبل أن يرده أو أبق منه ، فإن كان أشهد على ذلك حين وجده أنه إنما أخذه ليرده على صاحبه فلا ضمان عليه ، وإن أقر أنه أخذه لنفسه فهو ضامن ، وإن ادعى أنه أخذه للرد ولكن ترك الإشهاد مع الإمكان فهو على الخلاف ، وقد بينا هذا في اللقطة فكذلك في الآبق ; لأن المعنى يجمعهما ، وهذا إذا علم أنه كان آبقا ، فإن أنكر المولى أن يكون عبده آبقا . فالقول قوله ; لأن السبب الموجب للضمان قد ظهر من الأخذ ، وهو أخذه مال الغير بغير إذنه فهو يدعي ما يسقطه ، وهو الإذن شرعا لكون العبد آبقا ، ولو ادعى الإذن من المالك له في أخذه وأنكر المالك كان القول قوله فكذلك هنا ، وعلى هذا لو رده فأنكر المولى أن يكون عبده آبقا ، فلا جعل له إلا أن يشهد الشهود بأنه أبق من مولاه أو أن مولاه أقر بإباقه ، فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيجب له الجعل .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|