عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 14-12-2025, 04:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,784
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 2 الى صـــ 11
(222)




[ ص: 2 ] كتاب اللقيطة

( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي الفضل السرخسي اختلف الناس فيمن وجد لقطة فالمتفلسفة يقولون : لا يحل له أن يرفعها ; لأنه أخذ المال بغير إذن صاحبه ، وذلك حرام شرعا ، فكما لا يحل له أن يتناول مال الغير بغير إذن صاحبه لا يحل له إثبات اليد عليه ، وبعض المتقدمين من أئمة التابعين كان يقول : يحل له أن يرفعها والترك أفضل ; لأن صاحبها إنما يطلبها في الموضع الذي سقطت منه ، فإذا تركها وجدها صاحبها في ذلك الموضع ، ولأنه لا يأمن على نفسه أن يطمع فيها بعد ما يرفعها فكان في رفعها معرضا نفسه للفتنة ، والمذهب عند علمائنا رحمهم الله وعامة الفقهاء أن رفعها أفضل من تركها ; لأنه لو تركها لم يأمن أن تصل إليها يد خائنة فيكتمها عن مالكها ، فإذا أخذها هو عرفها حتى يوصلها إلى مالكها ، ولأنه يلتزم الأمانة في رفعها ; لأنه يحفظها ويعرفها ، والتزام أداء الأمانة يفرض بمنزلة الثواب ; لأنه يثاب على أداء ما يلتزمه من الأمانة ، فإنه يمتثل فيه الأمر قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } وامتثال الأمر سبب لنيل الثواب ، ثم ما يجده نوعان :

( أحدهما ) ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى .

( والثاني ) ما يعلم أن مالكه يطلبه . فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به إلا أن صاحبه إذا وجده في يده بعد ما جمعه كان له أن يأخذه منه ; لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع به للواحد ولم يكن تمليكا من غيره ، فإن التمليك من المجهول لا يصح ، وملك المبيح لا يزول بالإباحة ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح ، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه قال صلى الله عليه وسلم : { من وجد عين ماله فهو أحق به } وإن وجد ذلك مجتمعا لم يحل له أن ينتفع به ; لأن الظاهر أن المالك ما ألقاه بعد ما جمعه ولكنه سقط منه فكان هذا من النوع الثاني ، وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله أن من ألقى شاة ميتة له فجاء آخر وجز صوفها كان له أن ينتفع به ولو وجده صاحب [ ص: 3 ] الشاة في يده كان له أن يأخذه منه ، ولو سلخها ودبغ جلدها كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعد ما يعطيه ما زاد الدباغ فيه ; لأن ملكه لم يزل بالإلقاء ، والصوف مال متقوم من غير اتصال شيء آخر به ، فله أن يأخذه مجانا ، فأما الجلد لا يصير مالا متقوما إلا بالدباغ ، فإذا أراد أن يأخذه كان عليه أن يعطيه ما زاد الدباغ فيه .

فأما ( النوع الثاني ) وهو ما يعلم أن صاحبه يطلبه فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرفه ليوصله إلى صاحبه ، وبدأ الكتاب به ورواه عن إبراهيم قال في اللقطة : يعرفها حولا ، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها ، فإن جاء صاحبها فهو بالخيار إن شاء أنفذ الصدقة ، وإن شاء ضمنه ، وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم ; لأن أبا حنيفة رحمه الله كان لا يرى تقليد التابعين ، وكان يقول هم رجال ونحن رجال ، ولكن ظهر عنده أن إبراهيم فيما كان يفتى به يعتمد قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما ، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما ، فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم ، وفي هذا الحديث بيان أن الملتقط ينبغي له أن يعرف اللقطة ، والتقدير بالحول ليس بعام لازم في كل شيء ، وإنما يعرفها مدة يتوهم أن صاحبها يطلبها وذلك يختلف بقلة المال وكثرته حتى قالوا في عشرة دراهم فصاعدا : يعرفها حولا ; لأن هذا مال خطير يتعلق القطع بسرقته ويتملك به ما له خطر ، والتعريف لإيلاء العذر والحول الكامل لذلك حسن قال القائل :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وفيما دون العشرة إلى ثلاثة يعرفها شهرا ، وفيما دون ذلك إلى الدرهم يعرفها جمعة ، وفي دون الدرهم يعرف يوما ، وفي فلس أو نحوه ينظر يمنة ويسرة ثم يضعه في كف فقير ، وشيء من هذا ليس بتقدير لازم ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ولكنا نعلم أن التعريف بناء على طلب صاحب اللقطة ، ولا طريق له إلى معرفة مدة طلبه حقيقة فيبنى على غالب رأيه ، ويعرف القليل إلى أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه بعد ذلك ، فإذا لم يجئ صاحبها بعد التعريف تصدق بها ; لأنه التزم حفظها على مالكها ، وذلك باتصال عينها إليه إن وجده وإلا فباتصال ثوابها إليه ، وطريق ذلك التصدق بها .

فإن جاء صاحبها فهو بالخيار إن شاء ضمنه لأنه تصدق بماله بغير إذنه ، وذلك سبب موجب للضمان عليه ، وإن شاء أنفذ الصدقة فيكون ثوابها له وإجازته في الانتهاء بمنزلة إذنه في الابتداء ، فإن قيل : كيف يضمنها له ، وقد تصدق بها بإذن الشرع قلنا : [ ص: 4 ] الشرع أباح له التصدق بها وما ألزمه ذلك ، ومثل هذا الإذن مسقط للإثم عنه غير مسقط لحق محترم للغير ، كالإذن في الرمي إلى الصيد ، والإذن في المشي في الطريق ، فإنه يتقيد بشرط السلامة ، وحق صاحب هذا المال مرعي محترم ، فلا يسقط حقه عن هذا العين بهذا الإذن ، فله أن يضمنه إن شاء ، والإذن هنا دون الإذن لمن أصابته مخمصة في تناول ملك الغير ، وذلك غير مسقط للضمان الواجب لحق صاحب المال . وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه اشترى جارية بسبعمائة درهم أو بثمانمائة درهم فذهب صاحبها فلم يقدر عليه فخرج ابن مسعود رضي الله عنه بالثمن في صرة فجعل يتصدق بها ويقول لصاحبها ، فإن أبى فلنا وعلينا الثمن ، فلما فرغ قال : هكذا يصنع باللقطة وفي هذا اللفظ بيان أن الملتقط له أن يتصدق بها بعد التعريف على أن يكون ثوابها لصاحبها إن أجاز ، وإن أبى فله الضمان على المتصدق ، وليس مراد ابن مسعود رضي الله عنه من هذا أن حكم الثمن الواجب عليه حكم اللقطة من كل وجه ، وكيف يكون ذلك والثمن دين في ذمته وما تصدق به من الدراهم خالص ملكه ، فأما عين اللقطة فمملوكة لصاحبها والملتقط أمين فيها فعرفنا أن هذا ليس في معنى اللقطة ، ولا يقال : لعله كان اشتراها بمال معين ; لأنه صح من مذهبه أن النقود لا تتعين في العقد ، ولو تعينت فهي مضمونة على المشتري فعرفنا أنه ليس كاللقطة من كل وجه وأنه بالتصدق ما قصد إسقاط الثمن عن نفسه بل قصد إظهار المجاملة في المعاملة واتصال ثوابها إلى صاحبها إن رضي بصنيعه وإلا فالثمن دين عليه كما كان .

وعن أبي سعيد مولى أسيد قال : وجدت خمسمائة درهم بالحرة وأنا مكاتب فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : اعمل بها وعرفها فعملت بها حتى أديت مكاتبتي ثم أتيته فأخبرته بذلك فقال : ادفعها إلى خزان بيت المال ، وفي هذا دليل أن للإمام ولاية الإقراض في اللقطة والدفع مضاربة ; لأن قول عمر رضي الله عنه اعمل بها وعرفها إما أن يكون بطريق المضاربة أو الإقراض مضاربة ، وقد علمنا أنه لم يرد المضاربة حتى لم يتبين نصيبه من الربح فكان مراده الإقراض منه ، وفي هذا معنى النظر لصاحب المال ; لأنه يعرض للهلاك فيهلك من صاحبه قبل الإقراض وبعد الإقراض يصير دينا في ذمة المستقرض يؤمن فيه التوى بالهلاك ، وكذلك بالجحود ; لأنه متأكد بعلم القاضي ; ولهذا كان للقاضي ولاية الإقراض في أموال اليتامى ، وربما يكون معنى النظر في الدفع إليه مضاربة أو إلى غيره فذلك كله إلى القاضي ; لأنه نصب ناظرا ، وفيه دليل على أن الملتقط إذا كان محتاجا ، فله أن ينتفع باللقطة بعد . [ ص: 5 ] التعريف ; لأن هذا المكاتب كان محتاجا إلى العمل فيها فيؤدي مكاتبته من ربحها فأذن له عمر رضي الله عنه في ذلك وفيه دليل أن للإمام أن يقبض اللقطة من الملتقط إن رأى المصلحة في ذلك ; لأنه أمره بدفعها إلى خزان بيت المال ، وكأنه إنما أمره بذلك ; لأنه كان سبيلها التصدق بها بعد التعريف فأمره بدفعها إلى من هو في يده بيت مال الصدقة ليضعها موضع الصدقة ، وذكر في الأصل عن سويد بن غفلة قال : حججت مع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فوجدنا سوطا فاحتماه القوم وكرهوا أن يأخذوه ، وكنت أحوجهم إليه فأخذته فسألت عن ذلك أبي بن كعب فحدثني بالمائة دينار التي وجدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وجدت مائة دينار { فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال : عرفها سنة فعرفتها فلم يعرفها أحد ، فأخبرته فقال : عرفها سنة أخرى فعرفتها فلم يعرفها أحد فأخبرته فقال : عرفها سنة أخرى فعرفتها فلم يعرفها أحد فأخبرته ثم قال بعد ثلاث سنين : اعرف عددها ووكاءها واخلطها بمالك ، فإن جاء طالبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها ، فإنها رزق ساقه الله إليك } .

وأما قوله : وجدنا سوطا يحتمل أن يكون ذلك مما يكسر من السياط ويعلم أن صاحبه ألقاه فتركه القوم ; لأنهم ما كانوا محتاجين إليه وأخذه سويد لينتفع به ، فإنه كان محتاجا إليه فذلك يدل على أن ما ألقاه صاحبه يباح أخذه للانتفاع به لمن شاء ، ويحتمل أن هذا كان سوطا هو مال متقوم يعلم أن صاحبه يطلبه فيكون بمنزلة اللقطة ، وفي قوله : فاحتماه القوم حجة لمن يقول : ترك اللقطة أولى من رفعها ولكنا نقول : هذا كان في ذلك الوقت ; لأن الغلبة كانت لأهل الخير والصلاح ، فإذا تركه واحد يتركه الآخر أيضا أو يأخذه ليؤدي الأمانة ، فأما في زماننا فقد غلب أهل الشر إذا ترك الأمين يأخذ الخائن فيكتم من صاحبه ، والحكم يختلف باختلاف أحوال الناس ، ألا ترى أن النساء كن يخرجن إلى الجماعات في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه ثم منعن من ذلك في زمن عمر رضي الله عنه وكان صوابا ، وفي الحديث الذي رواه أبي بن كعب رضي الله عنه دليل لما قلنا أن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم ولكنه يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها ، ألا ترى أن المائة دينار لما كانت مالا عظيما كيف أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرفها ثلاث سنين ، ثم بظاهر الحديث يستدل الشافعي رحمه الله في أن للملتقط أن ينتفع باللقطة بعد التعريف ، وإن كان غنيا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوز ذلك لأبي رضي الله عنه [ ص: 6 ] وهو كان غنيا ، وقد دل على غناه قوله عليه الصلاة والسلام اخلطها بمالك ، ولكنا نقول : يحتمل أنه لفقره وحاجته لديون عليه فأذن له في الانتفاع وخلطها بماله ، ويحتمل أنه علم أن ذلك المال لحربي لا أمان له ، وقد سبقت يده إليه فجعله أحق به لهذا .

وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال : { رزق ساقه إليك الله } ولكن مع هذا أمره بأن يعرف عددها ووكاءها احتياطا ، حتى إذا جاء طالب لها محترم تمكن من الخروج مما عليه يدفع مثلها إليه ، وذكر عن الحسن بن صباح قال : وجد رجل لقطة أيام الحاج فسأل عنها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال : عرفها في الموسم ، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها ، فإن جاء صاحبها فخيره بين الأجر وبين الثمن يعني القيمة ، فإن اختار الثمن فادفع إليه ، وإن اختار الأجر ، فله الأجر ، وفي هذا دليل على أنه ينبغي للملتقط أن يعرفها في الموضع الذي أصابها فيه ، وأن يعرفها في مجمع الناس ; ولهذا أمره بالتعريف في الموسم . وهذا لأن المقصود إيصالها إلى صاحبها ، وذلك بالتعريف في مجمع الناس في الموضع الذي أصابها حتى يتحدث الناس بذلك بينهم فيصل الخبر إلى صاحبها ، وذكر عن أبي إسحاق عن رجل قال : وجدت لقطة حين أنفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه الناس إلى صفين فعرفتها تعريفا ضعيفا حتى قدمت على علي رضي الله عنه فأخبرته بذلك فضرب يده على صدري ، وفي رواية قال لي : إنك لعريض القفا خذ مثلها فاذهب حيث وجدتها ، فإن وجدت صاحبها فادفعها إليه وإلا فتصدق بها ، فإن جاء صاحبها فخيره إن شاء اختار الأجر ، وإن شاء ضمنك ومعنى قوله : فعرفتها تعريفا ضعيفا أي عرفتها سرا وما أظهرت تعريفها في مجمع الناس فكأنه طمع في أن تبقى له ، وعرف ذلك منه علي رضي الله عنه حين ضرب يده على صدره ، وقال ما قال إنك سليم القلب تطمع في مال الغير ، وهذا من دعابة علي رضي الله عنه ، وقد كان به دعابة كما قال عمر رضي الله عنه حين ذكر عليا رضي الله عنه للخلافة ، أما إنه إن ولي هذا الأمر حمل الناس على محجة بيضاء لولا دعابة به .

وفيه دليل أن التعريف سرا لا يكفي بل ينبغي للملتقط أن يظهر التعريف كما أمر علي رضي الله عنه الرجل به ، وأنه ينبغي أن يعرفها في الموضع الذي وجدها ; لأن صاحبها يطلبها في ذلك الموضع ، وحكي أن بعض العلماء وجد لقطة وكان محتاجا إليها فقال في نفسه : لا بد من تعرفها ، ولو عرفتها في المصر ربما يظهر صاحبها فخرج من المصر حتى انتهى إلى رأس بئر فدلى رأسه في البئر وجعل يقول : وجدت كذا ، فمن سمعتموه ينشد ذلك فدلوه علي ، وبجنب البئر رجل يرقع شملة وكان صاحب اللقطة فتعلق به حتى [ ص: 7 ] أخذها منه ليعلم أن المقدور كائن لا محالة ، فلا ينبغي أن يترك ما التزمه شرعا ، وهو إظهار التعريف ، وبعد إظهار التعريف إن جاء صاحبها دفعها إليه لحصول المقصود بالتعريف ، وإن لم يجئ فهو بالخيار إن شاء أمسكها حتى يجيء صاحبها ، وإن شاء تصدق بها ; لأن الحفظ هو العزيمة والتصدق بها بعد التعريف حولا رخصة ، فيخير بين التمسك بالعزيمة أو الترخص بالرخصة ، فإن تصدق بها ثم جاء صاحبها فهو بالخيار إن شاء أجاز الصدقة ويكون له ثوابها وإن شاء اختار الضمان ، وإذا اختار الضمان يخير بين تضمين الملتقط وبين تضمين المسكين ; لأن كل واحد منهما في حقه مكتسب سبب الضمان الملتقط بتمليك ماله من غيره بغير إذنه ، والمسكين يقبضه لنفسه على طريق التمليك ، وأيهما ضمنه لم يرجع على الآخر بشيء ، أما المسكين فلأنه في القبض عامل لنفسه ، فلا يرجع بما يلحقه من الضمان على غيره ، وأما الملتقط فلأنه بالضمان قد ملك وظهر أنه تصدق بملك نفسه فله ثوابها ، ولا رجوع له على المسكين بشيء ، وإن كان الملتقط محتاجا فله أن يصرفها إلى حاجة نفسه بعد التعريف ; لأنه إنما يتمكن من التصدق بها على غيره لما فيه من سد خلة المحتاج واتصال ثوابها إلى صاحبها ، وهذا المقصود يحصل بصرفها إلى نفسه إذا كان محتاجا . فكان له صرفها إلى نفسه لهذا المعنى .

فأما إذا كان غنيا فليس له أن يصرف اللقطة إلى نفسه عندنا ، وقال الشافعي له ذلك على أن يكون ذلك دينا عليه إذا جاء صاحبها لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه كما روينا ولما روي عن علي رضي الله عنه أنه وجد دينارا فاشترى به طعاما بعد التعريف فأكل من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ، ولو كان سبيله التصدق ولم يكن للملتقط صرفها إلى منفعة نفسه لما أكلوا من ذلك ، فإن الصدقة ما كانت تحل لهم ، والمعنى فيه أن للملتقط أن يصرفها إلى نفسه إذا كان محتاجا بسبب الالتقاط ، وما يثبت له بسبب الالتقاط يستوي فيه أن يكون غنيا أو فقيرا ، كالحفظ والتعريف والتصدق به على غيره ، وهذا لأن في الصرف إلى نفسه معنى النظر له ولصاحبها أظهر ; لأنه يتوصل إلى منفعته ببدل يكون دينا عليه لصاحبها إذا حضر ، فكان منفعة كل واحد في هذا أظهر ، وحجتنا في ذلك ما روينا من الآثار الموجبة للتصدق باللقطة بعد التعريف ، ولأن المقصود اتصال ثوابها إلى صاحبها ، وهذا المقصود لا يحصل بصرفها إلى نفسه إذا كان غنيا بل يتبين به أنه في الأخذ كان عاملا لنفسه ، ولا يحل له شرعا أخذ اللقطة لنفسه فكما يلزمه أن يتحرز عن هذه النية في الابتداء فكذلك [ ص: 8 ] في الانتهاء يلزمه التحرز عن إظهار هذا ، وقد بينا تأويل حديث أبي ، فأما حديث علي رضي الله عنه فقد قيل : ما وجده لم يكن لقطة ، وإنما ألقاها ملك ليأخذه علي رضي الله عنه فقد كانوا لم يصيبوا طعاما أياما وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بطريق الوحي ، فلهذا تناولوا منه على أن الصدقة الواجبة كانت لا تحل لهم ، وهذا لم يكن من تلك الجملة فلهذا استجاز علي رضي الله عنه الشراء بها لحاجته ، وإذا وجد الرجل اللقطة وهي دراهم أو دنانير فجاء صاحبها وسمى وزنها وعددها ووكاءها فأصاب ذلك كله ، فإن شاء الذي في يده دفعها إليه .

وإن شاء أبى حتى يقيم البينة عندنا ، وقال مالك يجبر على دفعها إليه ; لأنه لما أصاب العلامات فالوهم الذي سبق إلى وهم كل واحد أنه صاحبه والاستحقاق بالظاهر يثبت خصوصا عند عدم المنازع كما يثبت الاستحقاق لذي اليد باعتبار الظاهر يثبت والملتقط غير منازع له ; لأنه لا يدعيها لنفسه ، ولأنه يتعذر على صاحبها إقامة البينة ، فإنه ما أشهد أحدا عند سقوطها منه ، ولو تمكن من ذلك لما سقطت منه فسقط اشتراط إقامة البينة للتعذر وتقام العلامة مقام ذلك كما يقام شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال مقام شهادة الرجال ، ولكنا نقول : إصابة العلامة محتمل في نفسه فقد يكون ذلك جزافا ، وقد يعرف الإنسان ذلك من ملك غيره ، وقد يسمع من مالكه ينشد ذلك ويذكر علاماته ، والمحتمل لا يكون حجة للإلزام .

ثم الملتقط أمين ويصير بالدفع إلى غير المالك ضامنا فيكون له أن يتحرز عن اكتساب سبب الضمان بأن لا يدفع إليه حتى يقيم البينة فيثبت استحقاقه بحجة حكمية ، وله أن يتوسع فيدفع إليه باعتبار الظاهر ، فإن دفعها إليه أخذ منه بها كفيلا نظرا منه لنفسه ، فلعله يأتي مستحقها فيضمنها إياه ، ولا يتمكن من الرجوع على الأخذ منه ; لأنه يخفي شخصه فيحتاط فيها بأخذ الكفيل منه ، وإن صدقه ودفعها إليه ثم أقام آخر البينة أنها له ، فله أن يضمن الملتقط ، أما بعد التصديق يؤمر بالدفع إليه ; لأن الإقرار حجة في حق المقر ، لكن الإقرار لا يعارض بينة الآخر ; لأن البينة حجة متعدية إلى الناس كافة فيثبت الاستحقاق بها للذي أقام البينة ، ويتبين أن الملتقط دفع ملكه إلى غيره بغير أمره ، فله الخيار إن شاء ضمن القابض بقبضه ، وإن شاء ضمن الملتقط بدفعه ، فإن ضمن الملتقط رجع على المدفوع إليه ، وإن صدقه بإصابته العلامة فقد كان ذلك منه اعتمادا على الظاهر ، ولا بقاء له بعد الحكم بخلافه ، والمقر إذا صار مكذبا في إقراره يسقط اعتبار إقراره كالمشتري إذا أقر بالملك للبائع ثم استحقه إنسان من يده رجع على البائع بالثمن ، والرواية محفوظة في وكيل المودع إذا جاء إلى المودع وقال : أنا وكيله [ ص: 9 ] في استرداد الوديعة منك فصدقه لا يجبر على الدفع إليه إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله ، بخلاف وكيل صاحب الدين ; لأن المديون إنما يقضي الدين بملك نفسه ، وإقراره في ملك نفسه ملزم ، فأما المودع يقر له بحق القبض في ملك الغير ، وإقراره في ملك الغير ليس بملزم ، فعلى هذا قال بعض مشايخنا رحمهم الله في اللقطة كذلك لا يجبر على دفعها إليه وإن صدقه .

ومنهم من فرق فقال : هناك الملك لغير الذي حضر ظاهر في الوديعة وهنا ليس في اللقطة ملك ظاهر لغير الذي حضر فينبغي أن يكون إقرار الملتقط ملزما إياه الدفع إليه ، ثم في الوديعة إذا دفع إليه بعد ما صدقه وهلك في يده ثم حضر المودع وأنكر الوكالة وضمن المودع فليس له أن يرجع على الوكيل بشيء ، وهنا للملتقط أن يرجع على القابض ; لأن هناك في زعم المودع أن الوكيل عامل للمودع في قبضه له بأمره ، وأنه ليس بضامن بل المودع ظالم في تضمينه إياه ، ومن ظلم فليس له أن يظلم غيره ، وهنا في زعمه أن القابض عامل لنفسه ، وأنه ضامن بعد ما يثبت الملك لغيره بالبينة فكان له أن يرجع عليه بعد ما ضمن ; لهذا يوضحه أن هناك المودع منكر الوكالة ، والقول فيه قوله مع يمينه ، فلا حاجة به إلى البينة ، وإنما يقضي القاضي على المودع بالضمان باعتبار الأصل وهو عدم الوكالة ، فلا يصير المودع مكذبا في زعمه حكما ، وهنا إنما يقضى بالضمان على الملتقط بحجة البينة فيصير هو مكذبا في زعمه حكما ، فإن كانت اللقطة مما لا يبقى إذا أتى عليه يوم أو يومان عرفها حتى إذا خاف أن تفسد تصدق بها ; لأن المقصود من التعريف إيصالها إلى صاحبها ، فتقيد مدة التعريف بالوقت الذي لا يفسد فيه ; لأن بعد الفساد لا فائدة لصاحبها في إيصالها إليه ، وقد بينا أن التصدق بها طريق لحفظها على صاحبها من حيث الثواب فيصير إلى ذلك إذا خاف أن تفسد العين ، وإذا وجد شاة أو بعيرا أو بقرة أو حمارا فحبسه ، وعرفه ، وأنفق عليه ، ثم جاء صاحبها ، وأقام البينة أنه له لم يرجع عليه بما أنفق ; لأنه متبرع في الإنفاق على ملك الغير بغير أمره إلا أن يكون أنفق بغير أمر القاضي ، فأما أمر القاضي بمنزلة أمر صاحبها لما للقاضي على صاحبها من ولاية النظر عند عجزه عن النظر بنفسه ، والأمر بالإنفاق من النظر ; لأنه لا بقاء للحيوان بدون النفقة عادة ، فإن رفعها إلى القاضي ، وأقام البينة أنه التقطها أمره بأن ينفق عليها على قدر ما يرى ، وقد بينا طريق قبول هذه البينة ، والأمر بالإنفاق بعدها في اللقيط .

ثم إنما يأمر بالإنفاق نظرا منه لصاحبها ، فلا يأمر إلا في مدة يتحقق فيها معنى النظر له من يومين أو ثلاثة ; لأنه لو أمر بالإنفاق في مدة طويلة ربما يأتي ذلك على [ ص: 10 ] قيمتها ، فلا يكون فيها نظر لصاحبها ، فأما في المدة اليسيرة تقل النفقة ، ومعنى النظر لحفظ عين ملكه عليه يحصل ، فإن لم يجئ صاحبها باع الشاة ونحوها ; لأن في البيع حفظ المالية عليه بالثمن ، وله ولاية الحفظ عليه بحسب الإمكان ، فإذا تعذر حفظ العين لعوز النفقة صار إلى حفظ المال عليه بالبيع ، وأما الغلام والدابة فنؤاجره وننفق عليه من أجره ; لأن بهذا الطريق يتوصل إلى حفظ عين ملكه ، والمنفعة لا تبقى له بعد مضي المدة فإجارته والإنفاق عليه بمحض نظر له ، فإذا باعها أعطاه القاضي من ذلك الثمن ما أنفق عليه بأمره في اليومين أو الثلاثة ; لأن الثمن مال صاحبها ، والنفقة دين واجب للملتقط على صاحبها ، وهو معلوم للقاضي فيقضي دينه بماله ; لأن صاحب الدين لو ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه فكذلك القاضي بعينه على ذلك ، فإن لم يبعها حتى جاء صاحبها ، وأقام البينة أنها له قضى له بها القاضي ، وقضى عليه بنفقة الملتقط ، فإن قال الملتقط : لا أدفعها إليك حتى تعطيني النفقة كان له ذلك ; لأن ملكه في الدابة حي ، وبقي تملك النفقة فكانت تلك النفقة متعلقة بمالية الدابة من هذا الوجه فيحبسها كما يحبس البائع المبيع بالثمن ، ولم يذكر في الكتاب أن الملتقط إذا لم يقم البينة هل يأمر القاضي بالإنفاق أم لا ، والصحيح أنه ينبغي للقاضي أن يقول : إن كنت صادقا فقد أمرتك بالإنفاق عليه ; لأن في هذا معنى النظر لهما ، ولا ضرر فيه على أحد ، فإنه إن كان غاصبا للدابة لم يخرج من ضمانه ، ولا يستوجب الرجوع بالنفقة على مالكها بالأمر لما قيده بكونه صادقا فيه .

وإذا التقط الرجل لقطة أو وجد دابة ضالة أو أمة أو عبدا أو صبيا حرا ضالا فرده على أهله لم يكن في شيء من ذلك جعل ; لأنه متبرع بمنافعه في الرد ، ووجوب الجعل لرد الآبق حكم ثبت نصا ، بخلاف القياس بقول الصحابة رضي الله عنهم فلا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه ، والضال ليس في معنى الآبق فالآبق لا يزال يتباعد من المولى حتى يفوته ، والضال لا يزال يقرب من صاحبه حتى يجده ، فلهذا أخذنا فيه بالقياس ، وإن عوضه صاحبه شيئا فهو حسن ; لأنه يحسن إليه في إحياء ملكه ورده عليه ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، ولأنه منعم عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : { من أزالت إليه نعمة فليشكرها } وذلك بالتعويض ، وأدنى درجات الأمر الندب ، وإذا وجد الرجل بعيرا ضالا أخذه يعرفه ، ولم يتركه يضيع عندنا ، وقال مالك رحمه الله تركه أولى للحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم { سئل عن ضالة الغنم فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب } فلما { سئل عن ضالة الإبل غضب حتى احمرت وجنتاه ، وقال : مالك [ ص: 11 ] ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعي الشجر حتى يلقاها ربها } وتأويله عندنا أنه كان في الابتداء فإن الغلبة في ذلك الوقت كان لأهل الصلاح والخير لا تصل إليها يد خائنة إذا تركها واجدها ، فأما في زماننا لا يأمن واجدها وصول يد خائنة إليها بعده ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها فهو أولى من تضييعها كما قررنا في سائر اللقطات ، وإذا باع اللقطة بأمر القاضي لم يكن لصاحبها إذا حضر إلا الثمن كما لو باعها القاضي بنفسه ، وهذا لأن البيع نفذ بولاية شرعية فهو كبيع ينفذ بإذن المالك .

وإن كان باعها بغير أمر القاضي فالبيع باطل لحصوله ممن لا ولاية له على المالك بغير أمر معتبر شرعا ، ثم إن حضر صاحبها واللقطة قائمة في يد المشتري يخير بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن ، وبين أن يبطل البيع ويأخذ عين ماله ; لأن البيع كان موقوفا على إجازته كما لو كان حاضرا حين باعه غيره بغير أمره ، فإن كان قد هلكت اللقطة في يد المشتري فصاحبها بالخيار إن شاء ضمن البائع القيمة لوجود البيع والتسليم منه بغير إذنه ، وإن شاء ضمن المشتري بقبضه ملكه بنفسه بغير رضاه ، فإن ضمن البائع كان الثمن للبائع لأنه ملكه بالضمان فينفذ البيع من جهته ، ولكن يتصدق بما زاد على القيمة من الثمن ; لأنه حصل له بكسب خبيث فإن قيل : الضمان إنما يلزمه بالتسليم ، والبيع كان سابقا عليه كيف ينفذ البيع من جهته بأداء الضمان . ؟ قلنا : لا كذلك بل كما رفعه ليبعه بغير أمر القاضي صار ضامنا بمنزلة المودع يبيع الوديعة ، ثم يضمن قيمتها ، فإن البيع ينفذ من جهته بهذا الطريق ، وهو أنه كما رفعها إلى البيع صار ضامنا فيستند ملكه إلى تلك الحالة ، فإن ضمن المشتري قيمتها رجع بالثمن على البائع ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين فيبطل البيع به ، وليس له أن يجيز البيع بعد هلاك السلعة ; لأن الإجازة في حقه بمنزلة ابتداء التمليك ، فلا يصح إلا في حالة بقاء المعقود عليه ، ولو كان المعقود عليه قائما في يده ، وقد قبض الملتقط الثمن ، وقد هلك في يده ، ثم أجاز البيع نفذ لقيام المعقود عليه ، وكان الملتقط أمينا في الثمن ; لأن إجازته في الانتهاء كإذنه في الابتداء .

وإذا أخذ عبدا فجاء به إلى مولاه فقال : هذا عبد آبق فقد وجب لي الجعل عليك ، وقال مولى العبد : بل هو الضال . أو قال : أنا أرسلته في حاجة لي فالقول قول المولى ; لأن الراد يدعي لنفسه عليه الجعل ، والمولى ينكر ذلك ، ولأنه يدعي أن ملكه تغيب بالإباق ، والمولى منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، وإذا هلكت اللقطة عند الملتقط فهو على ثلاثة أوجه إن كان حين أخذها قال : أخذتها لأردها على مالكها وأشهد على ذلك شاهدين فلا ضمان [ ص: 12 ] عليه ; لأنه مأذون في أخذها للرد على المالك مندوب إلى ذلك شرعا ، فكان هذا الأخذ نظير الأخذ بإذن المالك فلا يكون سببا للضمان ، وإن كان أخذها لنفسه وأقر بذلك فهو ضامن لها ; لأنه ممنوع من أخذها فكان متعديا في هذا الأخذ فيكون ضامنا كالغاصب ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم : { على اليد ما أخذت حتى ترد } أي ضمان ما أخذ ، والآخذ مطلقا من يكون عاملا لنفسه ، وإن لم يكن أشهد عند الالتقاط ولكنه ادعى أنه أخذها للرد ويدعي صاحبها أنه أخذها لنفسه فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله القول قول صاحبها والملتقط ضامن ، وعند أبي يوسف رحمه الله القول قول الملتقط مع يمينه لوجهين :

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]