عرض مشاركة واحدة
  #217  
قديم 14-12-2025, 04:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,555
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر

صـــ 172 الى صـــ 181
(217)






( فإن قيل ) الحل والحرمة ليس بصفة للمحل حقيقة وإنما هو صفة للفعل الصادر من المخاطب وهو التناول وقد أخبره بحرمة التناول في الفصلين جميعا ( قلنا ) هذا شيء توهمه بعض أصحابنا وهو غلط عظيم فإنا لو جعلنا الحرمة صفة للفعل حقيقة ثم توصف العين به مجازا كان مشروعا في المحل من وجه وذلك ممتنع بعد ثبوت حرمة الأمهات وحرمة الميتة بالنص ولكن نقول الحرمة صفة العين حقيقة باعتبار أنه خرج شرعا من أن يكون محلا للفعل الحلال وكذلك حقيقة موجبه النفي والنسخ ثم ينتفي الفعل باعتبار انعدام المحل لأن الفعل لا يتصور إلا في المحل كالقتل لا يتصور في الميت وكان هذا إقامة العين مقام الفعل في أن صفة الحرمة تثبت له حقيقة ويتضح ذلك بالتأمل في مورد الشرع فإن الله تعالى في مال الغير نهى عن الأكل فإنه قال تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } إلى قوله { لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم } فعرفنا أن المحرم هو الأكل وفي الميتة قال تعالى { حرمت عليكم الميتة } فقد جعل الحرمة صفة للعين وكذلك قال { حرمت عليكم أمهاتكم } وبمعرفة حدود كلام صاحب الشرع يحسن الفقه وكذلك من حيث الأحكام من قال لامرأته أنت علي كالميتة كان بمنزلة قوله : أنت علي حرام بخلاف ما لو قال : أنت علي كمتاع فلان فإذا تقرر هذا قلنا : الحرمة الثابتة صفة للعين محض حق الشرع فتثبت بخبر الواحد ولهذا لا يسقط إلا بإذن الشرع وحرمة التناول في طعام الغير ثابتة لحق الغير ولهذا يسقط بإذنه وحق الغير لا يثبت بخبر الواحد فلا تثبت الحرمة أيضا

ولو أن رجلا مسلما شهد عنده رجل أن هذه الجارية التي هي في يد فلان وهي مقرة له بالرق أمة لفلان غصبها والذي هي في يده يجحد ذلك وهو غير مأمون على ما ذكر فأحب إلي أن لا يشتريها وإن اشتراها ووطئها فهو في سعة من ذلك لأن المخبر مكذب فيما أخبر به شرعا والقول قول ذي اليد أنها مملوكة له فله أن يعتمد الدليل الشرعي فيشتريها وإن احتاط فلم يشترها كان أولى له لأنه متمكن من تحصيل مقصوده بغيرها وابن مسعود رضي الله عنه كان يقول في مثله : كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام ولو أخبره أنها حرة الأصل أو أنها كانت أمة لهذا الذي [ ص: 173 ] في يده فأعتقها وهو مسلم ثقة فهذا والأول سواء لما بينا أن المخبر مكذب شرعا وإن تصادقهما على أنها مملوكة لذي اليد حجة شرعا في إثبات الملك له فللمشتري أن يعتمد الحجة الشرعية والتنزه أفضل له .

( فإن قيل ) في هذا الموضع أخبر بحرمة المحل حين زعم أنها معتقة أو حرة فلو جعلت هذا نظير ما سبق ( قلنا ) : لا كذلك فحرمة المحل هنا لعدم الملك والملك ثابت بدليل شرعي ومع ثبوت الملك لا حرمة في المحل وفي الكتاب قال هذا بمنزلة النكاح الذي يشهد فيه بالرضاع وهو إشارة إلى ما قلنا أن حل الوطء لا يكون إلا بملك والملك المحكوم به شرعا لا يبطل بخبر الواحد فكذلك ما ينبني عليه من الحل وإذا كانت الجارية لرجل فأخذها رجل آخر وأراد بيعها لم ينبغ لمن عرفها للأول أن يشتريها من هذا حتى يعلم أنها قد خرجت من ملكه وانتقلت إلى ملك ذي اليد بسبب صحيح أو يعلم أنه وكله ببيعها لأن دليل الملك الأول ظهر عنده فلا يثبت الملك للثاني في حقه إلا بدليل يوجب النقل إليه والشراء من غير المالك لا يحل إلا بإذن المالك ولو علم القاضي ما علمه هو كان يحق عليه تقريره على ملك الأول حتى يثبت الثاني سبب الملك لنفسه فكذلك إذا علمه هذا الذي يريد شراءه فإن سأل ذا اليد فقال : إني قد اشتريتها منه أو وهبها لي أو تصدق بها علي أو وكلني ببيعها فإن كان ثقة فلا بأس بأن يصدقه على ذلك ويشتريها منه ويطأها لأنه أخبر بخبر مستقيم صالح فيكون خبره محمولا على الصدق ما لم يعارضه مانع يمنع من ذلك والمعارض إنكار الأول ولم يوجد ولو كلفناه الرجوع إلى الأول ليسأله كان في ذلك نوع حرج لجواز أن يكون غائبا أو مختفيا وإن كان غير ثقة إلا أن أكبر رأيه فيه أنه صادق فكذلك أيضا لما بينا أن في المعاملات لا يمكن اعتبار العدالة في كل خبر لمعنى الحرج والضرورة لأن الخبر غير ملزم إياه شرعا مع أن أكبر الرأي إذا انضم إلى خبر الفاسق تأيد به وقد بينا نظيره في الأخبار الدينية فههنا أولى وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم ينبغ له أن يتعرض لشيء من ذلك لأن أكبر الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين ولو تيقن بكذبه لم يحل له أن يعتمد خبره فكذلك إذا كان أكبر رأيه في ذلك .

والأصل فيه { قوله صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه ضع يدك على صدرك واستفت قلبك فيما حاك في صدرك فهو السالم وإن أفتاك الناس به } وقال صلى الله عليه وسلم { : الإثم حزاز القلوب } أي على المرء أن يترك ما حز في قلبه تحرزا عن الإثم وكذلك لو لم يعلم أن ذلك الشيء لغير الذي هو في يديه حتى أخبره الذي في يديه أنه لغيره وأنه وكله [ ص: 174 ] ببيعه أو وهبه له أو اشتراه منه لأن إقراره بالملك للغير حجة في حق المقر شرعا فهذا في حق السامع بمنزلة ما لو علم ملك الغير بأن عاينه في يده فإن كان المخبر ثقة صدقه فيما أخبر به من سبب الولاية له في بيعه وكذلك إن كان غير ثقة وأكبر رأيه أنه صادق فيه صدقه أيضا وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يقبل ذلك منه ولم يشتره وإن كان لم يخبره أن ذلك الشيء لغيره فلا بأس بشرائه منه وقبول هبته وإن كان غير ثقة لأن دليل الملك شرعا ثابت له وهو اليد والفاسق والعدل في هذا الدليل سواء حتى إذا نازعه غيره فالقول قوله ويحل لمن رآه في يده أن يشهد له بالملك والمصير إلى أكبر الرأي عند انعدام دليل ظاهر كما لا يصار إلى القياس عند وجود النص .

( قال ) إلا أن يكون مثله لا يتملك مثل ذلك العين فأحب أن يتنزه عنه ولا يتعرض له بالشراء أو غيره وذلك كدرة يراها في يد فقير لا يملك شيئا أو رأى كتابا في يد جاهل ولم يكن في آبائه من هو أهل لذلك فالذي سبق إلى قلب كل أحد أنه سارق لذلك العين فكان التنزه عن شرائه منه أفضل وإن اشترى أو قبل وهو لا يعلم أنه لغيره رجوت أن يكون في سعة من ذلك لأنه يزعم أنه مالك والقول قوله شرعا فالمشتري منه يعتمد دليلا شرعيا وذلك واسع له إلا أنه مع هذا لم يبت الجواب وعلقه بالرجاء لما ظهر من عمل الناس ولما سبق إلى وهم كل أحد أن مثله لا يكون مالكا لهذه العين فإن كان الذي أتاه به عبد أو أمة لم ينبغ له أن يشتري ولا يقبله حتى يسأله عن ذلك لأن المنافي للملك وهو الرق معلوم فيه فما لم يعلم دليلا مطلقا للتصرف في حق من رآه في يده لا يحل له الشراء منه لأنه عالم أنه لغيره واليد في حق المملوك ليس بمطلق للتصرف وإن الرق مانع له من التصرف ما لم يوجد الإذن فإن سأله فأخبره أن مولاه قد أذن له فيه وهو ثقة مأمون فلا بأس بشرائه منه وقبوله لأنه أخبر بخبر مستقيم صالح وهو محتمل في نفسه فيعتمد خبره إذا كان ثقة وإن كان غير ثقة فهو على ما يقع في قلبه فإن كان أكبر رأيه أنه صادق فيما قال صدقه بقوله وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يعرض لشيء من ذلك .

وكذلك إن كان لا رأي له فيما قال لأن الحاجز له عن التصرف ظاهر فلا يكون له أن يتصرف معه بمجرد خبره ما لم يترجح جانب الصدق فيه بنوع دليل ولم يوجد ذلك الغلام الذي لم يبلغ حرا كان أو عبدا فيما يخبر أنه أذن له في بيعه أو أن فلانا بعث معه إليه هدية أو صدقة فإن كان أكبر رأيه أنه صادق وسعه أن يصدقه وهذا للعادة الظاهرة في بعث الهدايا على أيدي المماليك والصبيان وفي [ ص: 175 ] التورع عنه من الحرج ما لا يخفى وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم ينبغ له أن يقبل شيئا لأن أكبر الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين
( قال ) : وكان شيخنا الإمام رحمه الله تعالى يقول : الصبي إذا أتى بقالا بفلوس يشتري منه شيئا وأخبره أن أمه أمرته بذلك فإن طلب الصابون ونحوه فلا بأس ببيعه منه وإن طلب الزبيب وما يأكله الصبيان عادة فينبغي له أن لا يبيعه لأن الظاهر أنه كاذب فيما يقول وقد عثر على فلوس أمه فيريد أن يشتري بها حاجة نفسه وإن قال الصبي : هذا لي وقد أذن لي أبى في أن أهبه لك أو أتصدق به عليك لم ينبغ له أن يقبله منه لأنه ليس للأب ولاية الإذن بهذا التصرف لولده بخلاف ما إذا قال أبي بعثه إليك على يدي صدقة أو هبة لأن للأب هذه الولاية في مال نفسه فكان ما أخبره مستقيما وكذلك الفقير إذا أتاه عبد أو أمة بصدقة من مولاه

ولو أن رجلا علم أن جارية لرجل يدعيها ثم رآها في يد رجل آخر يبيعها ويزعم أنها كانت في يد فلان وذلك الرجل يدعي أنها له وكانت مقرة له بالملك غير أنه زعم أنها كانت في يد فلان وذلك الرجل يدعي أنها له وكانت مقرة له بالملك غير أنه زعم أنها كانت لي وإنما أمرته بذلك الأمر خفية وصدقته الجارية بذلك والرجل ثقة مسلم فلا بأس بشرائها منه لأنه أخبر بخبر مستقيم محتمل ولو كان ما أخبر به معلوما للسامع كان له أن يشتريها منه فكذلك إذا أخبره بذلك ولا منازع له فيه وإن كان في رأيه أنه كاذب لم ينبغ له أن يشتريها ولا يقبلها لأنه ثبت عنده أنها مملوكة للأول فإن إقرار ذي اليد بأن الأول كان يدعي أنها مملوكته حين كانت في يده يثبت الملك له وكذلك سماع هذا الرجل منه أنها له دليل في حق إثبات الملك له والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولو لم يقل هذا ولكنه قال : ظلمني وغصبني وأخذتها منه لم ينبغ له أن يتعرض لشراء ولا قبول إن كان المخبر ثقة أو غير ثقة والفرق من وجهين : أحدهما أنه أخبر هناك بخبر مستنكر فإن الظلم والغصب مما يمنع كل أحد عنه عقله ودينه فلم يثبت له بخبره غصب ذلك الرجل بقي قوله أخذتها منه وهذا أخذ بطريق العدوان .

ألا ترى أن القاضي لو عاين ذلك منه أمره برده عليه حتى يثبت ما يدعيه وإذا سقط اعتبار يده بقي دعواه الملك فيما ليس في يده وذلك لا يطلق الشراء منه وفي الأول أخبر بخبر مستقيم كما قررنا فإن دينه وعقله لا يمنعه من التلجئة عند الخوف والثاني أن خبر الواحد عند المسألة حجة وعند المنازعة لا يكون حجة لأنه يحتاج فيه إلى الإلزام وذلك لا يثبت بخبر الواحد وفي الفصل الثاني [ ص: 176 ] أخبر عن حال منازعة بينهما في غصب الأول منه واسترداد هذا فلا يكون خبره حجة وفي الأول أخبر عن حال مسالمة ومواضعة كان بينهما فيعتمد خبره إن كان ثقة وإن قال : إنه كان ظلمني وغصبني ثم رجع عن ظلمه فأقر لي بها ودفعها إلي فإن كان عنده ثقة فلا بأس بشرائها وقبولها منه لأنه أخبر عن مسالمة وهو إقراره له بها ودفعها إليه ولأن القاضي لو عاين ما أخبره به قضى بالملك له فيجوز للسامع أن يعتمد خبره إن كان ثقة وفي الأول لو عاين القاضي أخذها منه قهرا أو أمره بالرد ولم يلتفت إلى قوله كان غصبني وكذلك إن قال : خاصمته إلى القاضي فقضى لي بها ببينة أقمتها عليه أو بنكوله عن اليمين لأنه أخبر بخبر مستقيم وهو إثباته ملك نفسه بالحجة ثم الأخذ بقضاء القاضي وذلك أقوى من الأخذ بتسليم من كان في يده إليه بعد إقراره له بها وإن كان غير ثقة وأكبر رأيه أنه كاذب لم يشترها منه في جميع هذه الوجوه لأن أكبر الرأي في هذا كاليقين .

وإن قال : قضى لي بها القاضي وأخذها منه فدفعها إلي أو قال : قضى لي بها وأخذتها من منزله بإذنه أو بغير إذنه فهذا وما سبق سواء لأنه أخبر أن أخذه كان بقضاء القاضي أو أن القاضي دفعها إليه وهذا خبر مستقيم صالح وهو بمنزلة حالة المسالمة معنى لأن كل ذي دين يكون مستسلما لقضاء القاضي وإن قال : قضى لي بها فجحدني قضاه فأخذتها منه لم ينبغ له أن يشتريها منه لأنه لما جحد القضاء فقد جاءت المنازعة فإنما أخبر بالأخذ في حالة المنازعة وخبر الواحد في هذا لا يكون حجة لما فيه من الإلزام ولأن القضاء سبب مطلق للأخذ له كالشراء ولو قال : اشتريتها ونقدته الثمن ثم جحدني الشراء فأخذتها منه لم يجز له أن يعتمد خبره وكذلك إذا قال : جحدني القضاء وهذا لأن الشرع جعل القول قول الجاحد فيكون سبب استحقاقه عند جحود الآخر كالمعدوم ما لم يثبته بالبينة يبقى قوله أخذتها منه ولو قال : اشتريتها من فلان وقبضتها بأمره ونقدته الثمن وكان ثقة عنده مأمونا فقال له رجل آخر : إن فلانا جحد هذا الشراء وزعم أنه لم يبع منه شيئا والذي قال هذا أيضا ثقة مأمون لم ينبغ له أن يتعرض لشيء من ذلك بشراء ولا غيره لأن الأول لو أخبر أنه جحد الشراء لم يكن له أن يشتريها فكذلك إذا أخبره غيره وهذا لأن المعارضة تحققت بين الخبرين في الأمر بالقبض وعدم الأمر والجحود والإقرار فالأصل فيه الجحود .

وإن كان الذي أخبره الثاني غير ثقة إلا أن أكبر رأيه أنه صادق فكذلك الجواب لأن خبر الفاسق يتأيد بأكبر رأي السامع وإن كان رأيه [ ص: 177 ] أنه كاذب وهو غير ثقة فلا بأس بشرائها منه لأن خبره غير معتبر إذا كان أكبر رأي السامع بخلافه فكان المعنى فيه أن خبر العدل كان مقبولا لترجح جانب الصدق فيه بأكبر الرأي لا بطريق اليقين فإن العدل غير معصوم من الكذب فإذا وجد مثله في خبر الفاسق كان خبره كخبر العدل وإن كانا جميعا غير ثقة وأكبر رأيه أن الثاني صادق لم يتعرض لشيء من ذلك بمنزلة ما لو كان الثاني ثقة وفي الكتاب قال : لأن هذا من أمر الدين وعليه أمور الناس وهو إشارة إلى أن كل ذي دين معتقد لما هو من أمور الدين فتتم الحجة بخبر الثقة لوجود الالتزام من السامع اعتقادا والتعامل الظاهر بين الناس اعتماد هذه الأخبار ولو لم يعمل في مثل هذه إلا بشاهدين لضاق الأمر على الناس فلدفع الحرج يعتمد فيه خبر الواحد كما جعل الشرع شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة تامة لدفع الضيق والحرج

( قال ) : ألا ترى لو أن تاجرا قدم بلدا بجوار وطعام وثياب فقال : أنا مضارب فلان أو أنا مفاوضه وسع الناس أن يشتروا منه ذلك وكذلك العبد يقدم بلدا بتجارة ويدعي أن مولاه قد أذن له في التجارة فإن الناس يعتمدون خبره ويعاملونه ولو لم يطلق لهم ذلك كان فيه من الحرج ما لا يخفى واستدل عليه بحديث رواه عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى عن أبي الهيثم أن عاملا لعلي رضي الله عنه أهدى إليه جارية فسألها أفارغة أنت فأخبرته أن لها زوجا فكتب إلى عامله أنك بعثت بها إلي مشغولة قال : أفترى أنه كان مع الرسول شاهدان أن عاملك أهدى هذه إليك وقد سألها علي رضي الله عنه أيضا فلما أخبرته أن لها زوجا صدقها وكف عنها ولم يسألها عن ذلك إلا أنها لو أخبرته أنها فارغة لم ير بأسا بوطئها
( قال ) : وأكبر الرأي والظن مجوز للعمل فيما هو أكبر من هذا كالفروج وسفك الدماء فإن من تزوج امرأة ولم يرها فأدخلها عليه إنسان وأخبره أنها امرأته وسعه أن يعتمد خبره إذا كان ثقة أو كان في أكبر رأيه أنه صادق فيغشاها وكذلك لو دخل على غيره ليلا وهو شاهر سيفه أو ماد رمحه يشتد نحوه ولا يدري صاحب المنزل أنه لص أو هارب من اللصوص فإنه يحكم رأيه فإن كان في أكبر رأيه أنه لص قصده ليأخذ ماله ويقتله إن منعه وخافه إن زجره أو صاح به أن يبادره بالضرب فلا بأس بأن يشد عليه صاحب البيت بالسيف فيقتله وإن كان في أكبر رأيه أنه هارب من اللصوص لم ينبغ له أن يعجل عليه ولا يقتله وإنما أورد هذا لإيضاح ما تقدر أن أهم الأمور الدماء والفرج فإن الغلط إذا وقع فيهما [ ص: 178 ] لا يمكن التدارك ثم جاز العمل فيهما بأكبر الرأي عند الحاجة ففيما دون ذلك أولى وإنما يتوصل إلى أكبر الرأي في حق الداخل عليه بأن يحكم رأيه وهيئته فإن كان قد عرفه قبل ذلك بالجلوس مع أهل الخير فيستدل به على أنه هارب من اللصوص وإن عرفه بالجلوس مع السراق استدل عليه أنه سارق وإذا قال الرجل : إن فلانا أمرني ببيع جاريته التي هي في منزله ودفعها إلى مشتريها فلا بأس بشرائها منه وقبضها من منزل مولاها بأمر البائع أو بغير أمره أو إذا أوفاه ثمنها وكان البائع ثقة أو كان غير ثقة ووقع في قلبه أنه صادق لأن الجارية لو كانت في يده جاز شراؤها منه لا باعتبار يده بل بإخباره أنه وكيل بالبيع فإن هذا خبر مستقيم صالح وهذا موجود وإن لم تكن في يده وبعد صحة الشراء له أن يقبضها إذا أوفى الثمن من غير أن يحتاج إلى إذن أحد في ذلك .

وإن كان وقع في قلبه أنه كاذب قبل الشراء أو بعده قبل أن يقبض لم ينبغ له أن يتعرض لشيء حتى يستأمر مولاها في أمرها لأن أكبر الرأي بمنزلة اليقين في حقه فإن ظهر كذبه قبل الشراء فهو مانع له من الشراء وإن ظهر بعد الشراء فهو مانع له من القبض بحكم الشراء لأن ما يمنع العقد إذا اقترن به يمنع القبض بحكمه أيضا كالتخمر في العصير وكذلك لو قبضها ووطئها ثم وقع في قلبه أن البائع كذب فيما قال وكان عليه أكبر ظنه فإنه يعتزل وطأها حتى يتعرف خبرها لأن كل وطأة فعل مستأنف من الواطئ ولو ظهر له هذا قبل الوطأة الأولى لم يكن له أن يطأها فكذلك بعدها وهكذا أمر الناس ما لم يجئ التجاحد من الذي كان يملك الجارية فإذا جاز ذلك لم يقربها وردها عليه لأن الملك له فيها ثابت بتصادقهم وتوكيله لم يثبت بقول البائع فعليه أن يردها ويتبع البائع بالثمن لبطلان البيع بينهما عند جحود التوكيل وينبغي للمشتري أن يدفع العقر إلى مولى الجارية لأنه وطئها وهي غير مملوكة له وقد سقط الحد بشبهة فيلزمه العقر وإنكان المشتري حين اشتراها شهد عنده شاهدا عدل أن مولاها قد أمره ببيعها ثم حضر مولاها فجحد أن يكون أمره ببيعها فالمشتري في سعة من إمساكها والتصرف فيها حتى يخاصمه إلى القاضي لأن شهادة الشاهدين حجة حكمية ولو شهدا عند القاضي لم يلتفت القاضي إلى جحود المالك وقضى بالوكالة وبصحة البيع فكذلك إذا شهدا عنده فإذا خاصم إلى القاضي فقضى له بها لم يسعه إمساكها بشهادة الشاهدين لأن قضاء القاضي أنفذ من الشهادة التي لم يقض بها ومعنى هذا أن الشهادة لم تكن ملزمة بدون القضاء وقضاء القاضي يلزمه بنفسه والضعيف لا يظهر [ ص: 179 ] في مقابلة القوي

رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى غاب عنها فأخبره مخبر أنها قد ارتدت عن الإسلام والمخبر ثقة عنده وهو حر أو مملوك أو محدود في قذف وسعه أن يصدقه ويتزوج أربعا سواها لأنه أخبره بأمر ديني وهو حل نكاح الأربع له وهذا أمر بينه وبين ربه وكذلك إن كان غير ثقة وكان أكبر رأيه أنه صادق لأن خبر الفاسق يتأكد بأكبر الرأي ولأن هذا الخبر غير ملزم إياه شيئا والمعتبر في مثله التمييز دون العدالة وإنما اعتبار العدالة في خبر ملزم وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يتزوج أكثر من ثلاث لأن خبر الفاسق يسقط اعتباره بمعارضة أكبر الرأي بخلافه ولو كان المخبر أخبر المرأة أن زوجها قد ارتد فلها أن تتزوج بزوج آخر في رواية هذا الكتاب أيضا وفي السير الكبير يقول : ليس لها ذلك حتى يشهد عندها بذلك رجلان أو رجل وامرأتان قال : لأن ردة الزوج أغلظ حتى يتعلق بها استحقاق القتل بخلاف ردة المرأة وما ذكر هنا أصح لأن المقصود الإخبار بوقوع الفرقة لا إثبات موجب الردة .

ألا ترى أنها تثبت بشهادة رجل وامرأتين والقتل بمثله لا يثبت وكذلك إن كانت صغيرة فأخبر أنها قد رضعت من أمه أو أخته لو أخبر أنه تزوجها يوم تزوجها وهي مرتدة أو أخته من الرضاعة والمخبر ثقة لم ينبغ له أن يتزوج أربعا سواها ما لم يشهد بذلك عنده شاهدا عدل لأنه أخبر بفساد عقد حكمنا بصحته ولا يبطل ذلك الحكم بخبر الواحد وفي الأول ما أخبر بفساد أصل النكاح بل أخبر بوقوع الفرقة بأمر محتمل يوضحه أن إخباره بأن أصل النكاح كان فاسدا مستنكر لأن المسلم لا يباشر العقد الفاسد عادة فأما إخباره بوقوع الفرقة بسبب عارض غير مستنكر وإن شهد عنده شاهدا عدل بذلك وسعه أن يتزوج أربعا لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي حكم ببطلان النكاح فكذلك إذا شهدا به عند الزوج وعلى هذا لو أن امرأة غاب عنها زوجها فأخبرها مسلم ثقة أن زوجها طلقها ثلاثا أو مات عنها أو كان غير ثقة فأتاها بكتاب من زوجها بالطلاق ولا تدري أنه كتابه أم لا إلا أن أكبر رأيها أنه حق فلا بأس بأن تعتد وتتزوج ولو أتاها فأخبرها أن أصل نكاحها كان فاسدا وأن زوجها كان أخاها من الرضاعة أو مرتدا لم يسعها أن تتزوج بقوله وإن كان ثقة لأنه في هذا الفصل أخبرها بخبر مستنكر وقد ألزمها الحكم بخلافه وفي الأول أخبرها بخبر محتمل وهو أمر بينها وبين ربها فلها أن تعتمد ذلك الخبر وتتزوج وهي نظير امرأة قالت لرجل قد طلقني زوجي ثلاثا وانقضت [ ص: 180 ] عدتي ووقع في قلبه أنها صادقة فلا بأس بأن يتزوجها بقولها وكذلك المطلقة ثلاثا إذا قالت لزوجها الأول انقضت عدتي وتزوجت بزوج آخر ودخل بي ثم طلقني وانقضت عدتي فلا بأس على زوجها الأول أن يتزوجها إذا كانت عنده ثقة أو وقع في قلبه أنها صادقة لأنها أخبرت بحلها له بأمر محتمل وفي هذا بيان أنها لو قالت لزوجها الأول : حللت لك لا يحل له أن يتزوجها ما لم يستفسرها لاختلاف بين الناس في حلها له بمجرد العقد قبل الدخول فلا يكون له أن يعتمد مطلق خبرها بالحل حتى تفسره

ولو أن جارية صغيرة لا تعبر عن نفسها في يد رجل يدعي أنها له فلما كبرت لقيها رجل من بلد آخر فقالت : أنا حرة الأصل لم يسعه أن يتزوجها لأنه علم أنها كانت مملوكة لذي اليد فإن اليد فيمن لا يعبر عن نفسه دليل الملك والقول قول ذي اليد أنها مملوكته فإخبارها بخلاف المعلوم لا يكون حجة له وهو خبر مستنكر وإن قالت : كنت أمة له فأعتقني وكانت عنده ثقة أو وقع في قلبه أنها صادقة لم أر بأسا بأن يتزوجها لأنها أخبرت بحلها له بسبب محتمل لم يعلم هو خلافه فيجوز له أن يعتمد خبرها وكذلك الحرة نفسها لو تزوجت رجلا ثم أتت غيره فأخبرته أن نكاحها الأول كان فاسدا وأن زوجها كان على غير الإسلام لم ينبغ لهذا أن يصدقها ولا يتزوجها لأنها أخبرته بخبر مستنكر يعلم هو خلاف ذلك وإن قالت : إنه طلقني بعد النكاح أو ارتد عن الإسلام وسعه أن يعتمد خبرها ويتزوجها لأنها أخبرت بحلها له بسبب محتمل فمتى أقرت بعد النكاح أنه كان مرتدا حين تزوجني أو أني كنت أخته من الرضاعة لا يعتمد خبرها لأنه خلاف المعلوم وإذا أخبرت بالحرمة بسبب عارض بعد النكاح من رضاع أو غير ذلك وثبتت على ذلك فإن كانت ثقة مأمونة أو غير ثقة إلا أن أكبر رأيه أنها صادقة فلا بأس بأن يتزوجها وفيه شبهة فإن الملك الثابت للغير فيها لا يبطل بخبرها وقيام الملك للغير يمنعه من أن يتزوج بها ولكن قيام الملك للغير في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال فما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه وخبر الواحد أقوى من استصحاب الحال فأما صحة النكاح في الابتداء بدليل موجب له وهو العقد الذي عاينه فلا يبطل ذلك بخبر الواحد واستدل بحديث { بريرة أنها أتت عائشة رضي الله عنها بهدية إليها فأخبرتها أنها صدقة تصدق بها عليها فكرهت عائشة رضي الله عنها أن تأكله حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم هي لها صدقة ولنا هدية } فقد صدق بريرة بقولها وقد علم أن العين كان مملوكا لغيرها وصدق [ ص: 181 ] عائشة رضي الله عنها بقولها أيضا حين تناول منها والله سبحانه وتعالى : أعلم بالصواب
باب الرجل يرى الرجل يقتل أباه أو يره

( قال ) : وإذا رأى الرجل رجلا يقتل أباه متعمدا فأنكر القاتل أن يكون قتله أو قال لابنه فيما بينه وبينه إني قتلته لأنه قتل ولي فلانا عمدا أو لأنه ارتد عن الإسلام ولا يعلم الابن مما قال القاتل شيئا ولا وارث للمقتول غيره فالابن في سعة من قتل القاتل لأنه تيقن بالسبب الموجب لحل دمه للقاتل فكان له أن يقتص منه معتمدا على قوله تعالى { فقد جعلنا لوليه سلطانا } وعلى قوله صلى الله عليه وسلم { العمد قود } وحاصل المسألة على أربعة أوجه : أحدها إذا عاين قتله والثاني إذا أقر عنده أنه قتله فهذا ومعاينة القتل سواء لأن الإقرار موجب بنفسه حتى لا يملك المقر الرجوع عن إقراره فهذا ومعاينة السبب سواء والثالث أن يقيم البينة بأنه قتل أباه فيقضي له القاضي بالقود فهو في سعة من قتله لأن قضاء القاضي ملزم فيثبت به السبب المطلق لاستيفاء القود له .

والرابع أن يشهد عنده شاهدا عدل أن هذا الرجل قتل أباه فليس له أن يقتله بشهادة لأن الشهادة لا توجب الحق ما لم يتصل بها قضاء القاضي فلا يتقرر عنده السبب المطلق لاستيفاء القود بمجرد الشهادة ما لم ينضم إليه القضاء والذي بينا في الابن كذلك في غيره إذا عاين القتل أو سمع إقرار القاتل به أو عاين قضاء القاضي به كان في سعة من أن يعين الابن على قتله لأنه يعينه على استيفاء حقه وذلك من باب البر والتقوى ولو شهد عنده بذلك شاهدان لم يسعه أن يعينه على قتله بشهادتهما حتى يقضي القاضي له بذلك وإن أقام القاتل عند الابن شاهدين عدلين أن أباه كان قتل أبا هذا الرجل عمدا فقتله به لم ينبغ للابن أن يعجل بقتله حتى ينظر فيما شهدا به لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي حكم ببطلان حقه فكذلك إذا شهدا عنده وكذلك لا ينبغي لغيره أن يعينه على ذلك إذا شهد عنده عدلان لما قلنا أو بأنه كان مرتدا حتى يتثبت فيه وهذا لأن القتل إذا وقع فيه الغلط لا يمكن تداركه فيتثبت فيه حتى يكون إقدامه عليه عن بصيرة وإن شهد بذلك عنده محدودان في قذف أو عبدان أو نسوة عدول لا رجل معهن أو فاسقان فهو في سعة من قتله لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي لم يمنعه من قتله بل يعينه على ذلك فكذلك إذا شهدوا عنده .

وإن تثبت فيه فهو خير له لأنه أقرب إلى الاحتياط فإن القتل لا يمكن تداركه إذا وقع فيه الغلط وفرق بين القصاص وحد القذف فقال القاذف [ ص: 182 ] إذا أقام أربعة من الفساق يشهدون على صدق مقالته لا يقام عليه حد القذف والقاتل إذا أقام فاسقين على العفو أو على أن قتله كان بحق لا يسقط القود عنه والفرق أن هناك السبب الموجب للحد لم يتقرر فإن نفس القذف ليس بموجب للحد لأنه خبر متمثل بين الصدق والكذب وإنما يصير موجبا بعجزه عن إقامة أربعة من الشهداء ولم يظهر ذلك العجز لأن للفساق شهادة وإن لم تكن مقبولة والموجب للقود هو القتل وقد تقرر ذلك فالعفو بعده مسقط وهذا المسقط لا يظهر إلا بقبول شهادته وليس للفاسق شهادة مقبولة وبيان هذا أن الله تعالى قال { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } والمعطوف على الشرط شرط وفي باب القتل أوجب القود بنفس القتل فقال تعالى { كتب عليكم القصاص في القتلى } ثم قال { : فمن تصدق به فهو كفارة له } فعرفنا أن العفو مسقط بعد الوجوب لا أن يكون عدم العفو مقررا سبب الوجوب وإن شهد بذلك عنده شاهد عدل ممن يجوز شهادته فقال القاتل : عندي شاهد آخر مثله ففي القياس له أن يقتله لأن المانع لا يظهر بشهادة الواحد وفي الاستحسان لا يعجل بقتله حتى ينظر أيأتيه بآخر أم لا لأنه لو أقام شاهد عدل عند القاضي وادعى أن له شاهدا آخر حاضرا أمهله إلى آخر مجلسه فكذلك الولي يمهله حتى يأتي بشاهد آخر وإن قتله كان في سعة لأن السبب المثبت لحقه مقرر والمانع لم يظهر


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]