عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 14-12-2025, 02:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,920
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر

صـــ 132 الى صـــ 141
(213)






ويكره للعادل أن يلي قتل أخيه وأبيه من أهل البغي ، أما في حق الأب لا يشكل ، فإنه يكره له قتل أبيه المشرك كما قال تعالى : { وصاحبهما في الدنيا معروفا } فالمراد في الأبوين المشركين كذلك تأويل الآية ، وهو قوله تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } { ولما استأذن حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه المشرك كره له ذلك ، وقال يكفيك ذلك غيرك } ، وكذلك { لما استأذن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه المشرك نهاه عن ذلك } ، ولا بأس بقتل أخيه إذا كان مشركا ، ويكره إذا كان باغيا ; لأن في حق الباغي اجتمع حرمتان حرمة القرابة ، وحرمة الإسلام فيمنعه ذلك من القصد إلى قتله ، وفي حق الكافر إنما وجد حرمة واحدة ، وهو حرمة القرابة ، فذلك لا يمنعه من القتل كالحرمة في حق الدين في حق الأجانب من أهل البغي .
فإن قصده أبوه المشرك أو الباغي ليقتله كان للابن أن يمتنع منه ويقتله ; لأنه يقصد بفعله الدفع عن نفسه لا قتل أبيه ، وكل واحد مأمور بأن يدفع قصد الغير عن نفسه .
وإن كان الرجل من أهل العدل في صف أهل البغي فقتله رجل لم يكن عليه فيه الدية كما لو كان في صف أهل الحرب ; لأنا أمرنا بقتال الفريقين فكل من كان واقفا في صفهم فقتاله حلال [ ص: 133 ] والقتال الحلال لا يوجب شيئا ، ولأنه أهدر دمه حين وقف في صف أهل البغي .
وإذا دخل الباغي عسكر أهل العدل بأمان فقتله رجل من أهل العدل فعليه الدية كما لو قتل المسلم مستأمنا في دارنا ، وهذا لبقاء شبهة الإباحة في دمه حين كان دخوله بأمان .

ألا ترى أنه يجب تبليغه مأمنه ليعود حربا ، فالقصاص يندرئ بالشبهات ، ووجوب الدية للعصمة ، والتقوم في دمه للحال .

( قال ) وإذا حمل العادل على الباغي في المحاربة فقال : قد تبت وألقى السلاح كف عنه ; لأنه إنما يقاتله ليتوب ، وقد حصل المقصود فهو كالحربي إذا أسلم ، ولأنه يقاتله دفعا لبغيه وقتاله ، وقد اندفع ذلك حين ألقى السلاح ، وكذلك لو قال كف عني حتى أنظر في أمري فلعلي أتابعك ، وألقي السلاح ; لأنه استأمن لينظر في أمره فعليه أن يجيبه إلى ذلك رجاء أن يحصل المقصود بدون القتال ، وفي حق أهل الحرب لا يلزمه إعطاء الأمان ; لأن الداعي إلى المحاربة هناك شركه ، ولا ينعدم ذلك بإلقاء السلاح ، وههنا أهل البغي مسلمون ، وإنما يقاتلون لدفع قتالهم ، فإذا ألقى السلاح واستمهله كان عليه أن يمهله ، ولو قال أنا على دينك ، ومعه السلاح لم يكف عنه بذلك ; لأنه صادق فيما قال ، وقد بينا أن البغاة مسلمون ، وقد كان العادل مأمورا بقتالهم مع علمه بذلك فلا يتغير ذلك بإخبار إياه بذلك ، وهذا لأنه ما دام حاملا للسلاح فهو قاصد للقتال إن تمكن منه فيقتله دفعا لقتاله .
وإذا غلب قوم من أهل البغي على مدينة فقاتلهم قوم آخرون من أهل البغي فهزموهم فأرادوا أن يسبوا ذراري أهل المدينة لم يسع أهل المدينة إلا أن يقاتلوا دون الذراري ; لأن ذراري المسلمين لا يسبون ، فإن البغاة ظالمون في سبيهم ، وعلى كل من يقوى على دفع الظلم عن المظلوم أن يقوم به كما قال صلى الله عليه وسلم : { لا حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا } .
وإذا وادع أهل البغي قوما من أهل الحرب لم يسع لأهل العدل أن يغزوهم ; لأنهم من المسلمين ، وأمان المسلم إذا كان في فئة ممتنعة نافذ على جميع المسلمين ، فإن غدر بهم أهل البغي فسبوهم لم يشتر منهم أهل العدل شيئا من تلك السبايا ; لأنهم كانوا في موادعة وأمان من المسلمين فالذين غدروا بهم لا يملكونهم ، ولكنهم يؤمرون بإعادتهم إلى ما كانوا عليه حتى إذا تاب أهل البغي أمروا بردهم ، وكذلك إن كان أهل العدل هم الذين وادعوهم .
وإن ظهر أهل البغي على أهل العدل حتى ألجؤهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغي ; لأن حكم أهل الشرك ظاهر عليهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من [ ص: 134 ] المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر .

ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بقوم من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهرا ; لأنهم يقاتلون لإعزاز الدين ، والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب .
وإذا لم يكن لأهل البغي منعة ، وإنما خرج رجل أو رجلان من أهل مصر على تأويل يقاتلان ثم يستأمنان أخذا بجميع الأحكام ; لأنهما بمنزلة اللصوص ، وقد بينا أن التأويل إذا تجرد عن المنعة لا يكون معتبرا لبقاء ولاية الإلزام بالمحاجة ، والدليل أنهما معتقدان الإسلام فيكونان كاللصين في جميع ما أصابا .
وإذا اشتد رجل على رجل في المصر بعصا أو حجر فقتله المشدود عليه بحديدة قتل به في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : إذا اشتد عليه بشيء لو قتله به قتله فقتله المشدود عليه فدمه هدر ، وينبغي له أن يقتله ، وهذه المسألة تنبني على مسألة كتاب الديات أن القتل بالحجر والعصا لا يوجب القصاص عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما ما لا يثبت من الحجر الكبير والعصا بمنزلة السلاح في أنه يجب القصاص به ، بخلاف العصا الصغير ، ثم المشدود عليه يتمكن من دفع شر القتل عن نفسه إذا صار مقصودا بالقتل ، وإقدامه على ما هو مباح له أو مستحق عليه شرعا لا يوجب عليه شيئا ، فإذا كان عندهما الحجر الكبير كالسلاح فنقول : الشاد لو حقق مقصوده لزمه القصاص ، فبمجرد قصده يهدر دمه بل أولى ; لأن هدر الدم واباحة القتل بمجرد القصد أسرع ثبوتا حتى كان للابن أن يقتل أباه إذا قصده دفعا للضرر ، وإن كان لو حقق مقصوده لا يلزمه القود ، وكذلك الصبي والمجنون إذا قصد قتل إنسان بالسلاح يباح قتله دفعا ، وإن كان لو حقق مقصوده لا يلزمه القصاص ، ثم ما لا يثبت عندهما آلة القتل كالسلاح ، فالمقصود بالقتل دفع شر القتل عن نفسه فلا يلزمه شيء ، وعند أبي حنيفة العصا والحجر ليس بآلة القتل فهو لا يدفع القتل عن نفسه ، وإنما يدفع الأذى عن نفسه ، وبالحاجة إلى دفع الأذى لا يباح له الإقدام على القتل ، ولأن الشاد لو حقق مقصوده لا يلزمه القصاص ، فبمجرد القصد أيضا لا يهدر دمه .

( فإن قيل ) إن كان لا يخاف على نفسه من جهة القتل بخلاف الجرح ، وحرمة أطرافه لا تكون دون حرمة ماله ، ولو قصد ماله كان له أن يقتله دفعا فهنا أولى . ( قلنا ) بناء هذا الحكم على قصده ، وقصده ههنا النفس لا الطرف ، والمشدود عليه لا يخاف القتل من جهة ; لأنه في المصر بالنهار فيلحقه الغوث قبل أن يأتي على نفسه ، فلهذا [ ص: 135 ] لا يباح الإقدام على قتله ، بخلاف ما إذا كان بالليل أو كان بالليل أو كان بالمفازة ; لأن الغوث بالبعد منه عادة ، فإلى أن ينتبه الناس ، ويخرجوا ربما يأتي على نفسه فكان هو دافعا شر القتل عن نفسه ، وبخلاف السلاح فإنه آلة القتل من حيث إنه جارح ، فالظاهر أنه يأتي على نفسه قبل أن يلحقه الغوث فيباح له أن يقتله دفعا فلا يلزمه به شيء ، ولا يفصل بين قصده إلى المال أو إلى النفس بل هو على التقسيم الذي قلنا سواء أراد نفسه أو ماله ، ومقصوده من إيراد هذه المسألة ههنا الفرق بين اللصوص ، وبين أهل البغي ، فإن في حق اللصوص المنعة تجردت عن تأويل ، وقد بينا أن في حق أهل البغي أن المغير للحكم اجتماع المنعة والتأويل ، وأنه إذا تجرد أحدهما عن الآخر لا يتغير الحكم في حق ضمان المصاب ، والعبد في جميع ما ذكرنا كالحر ، وعلى هذا لو أن لصوصا غير متأولين غلبوا على مدينة فقتلوا الأنفس واستهلكوا الأموال ، ثم ظهر عليهم أهل العدل أخذوا بجميع ذلك لتجرد المنعة عن التأويل .

وإذا غلب أهل البغي على مدينة فاستعملوا عليها قاضيا فقضى بأشياء ، ثم ظهر أهل العدل على تلك المدينة فرفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل ، فإنه ينفذ منها ما كان عدلا ; لأنه لو نقضها احتاج إلى إعادة مثلها ، والقاضي لا يشتغل بما لا يفيد ، ولا ينقض شيئا ليعيده ، وكذلك إن قضى بما رآه بعض الفقهاء ; لأن قضاء القاضي في المجتهدات نافذ فلا ينقض ذلك قاضي أهل العدل من قضايا من تقلد من أهل البغي ، وإن كان مخالفا لرأيه .
وإذا اجتمع عسكر أهل العدل والبغي على قتال أهل الحرب فغنموا غنيمة اشتركوا فيها ; لأنهم مسلمون اشتركوا في القتال لإعزاز الدين ، وفي إحراز الفيء بدار الإسلام ، وهو معنى قول علي رضي الله عنه لن نمنعكم الفيء مادام أيديكم مع أيدينا ، ويأخذ خمسها أهل العدل ليصرفوا ذلك إلى المصارف ، فإن أهل البغي لا يفعلون ذلك ; لأنهم يستحلون أموالنا ، فالظاهر أنهم لا يصرفون الخمس إلى مصارفه ، ولأن أهل العدل يؤمرون بأن يتكلفوا لتكون الراية لهم ، وإنما يظهر ذلك إذا كانوا هم الذين أخذوا الخمس ، وكذلك إن غنم أحد الفريقين دون الآخر اشتركوا فيها ; لأن بعضهم ردء البعض ، وقد اشتركوا في الإحراز .
وكذلك إذا غزا الإمام بجند المسلمين فمات في أرض الحرب ، واختلف الجند فيمن يستخلفونه ، ثم غنموا أو غنمت طائفة منهم اشتركوا فيها ; لأنهم مع هذا الاختلاف يجتمعون على قتال أهل الحرب لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز الدين فيشتركون في المصاب ، وقد بينا أن جيشا لهم منعة لو دخلوا دار الحرب من غير إذن الإمام خمس ما أصابوا وقسم ما بقي بينهم على سهام الغنيمة [ ص: 136 ] فكذلك حال الذين قاتلوا بعد ما مات الإمام قبل أن يستخلفوا غيره .
وإذا استعان قوم من أهل البغي بقوم من أهل الحرب على قتال أهل العدل ، وقاتلوهم فظهر عليهم أهل العدل قال يسبى أهل الحرب ، وليست استعانة أهل البغي بهم بأمان لهم ; لأن المستأمن يدخل دار الإسلام تاركا للحرب ، وهؤلاء ما دخلوا دار الإسلام إلا ليقاتلوا المسلمين من أهل العدل فعرفنا أنهم غير مستأمنين ، ولأن المستأمنين لو تجمعوا ، وقصدوا قتال المسلمين ، وناجزوهم كان ذلك منهم نقضا للأمان ، فلأن يكون هذا المعنى مانعا ثبوت الأمان في الابتداء أولى .
وكذلك أهل البغي إذا دعوا قوما من أهل الحرب فأعان أولئك القوم من أهل الحرب على أهل العدل فقاتلوهم فظهر عليهم أهل العدل ، فإنهم يسبونهم لما بينا أن موادعة أهل البغي وإن كانت عاملة في حق أهل العدل فهم بالقصد إلى مال أهل العدل صاروا ناقضين لتلك الموادعة ، والتحقوا بمن لا موادعة لهم ، من أهل الحرب في حكم السبي من لحق بعسكر أهل البغي وحارب معهم لم يكن فيه حكم المرتد حتى لا يقسم ماله بين ورثته ، ولا تنقطع العصمة بينه وبين امرأته ، فإن عليا رضي الله تعالى عنه لم يفعل ذلك في حق أحد ممن التحق من أهل عسكره بمن خالف ، ولما قال للذي أتاه بعد ذلك يخاصم في زوجته : أنت الممالئ علينا عدونا . قال : أو يمنعني ذلك عدلك . فقال : لا ، وقضى له بزوجته ، ولأن الموت الحكمي إنما يثبت بتباين الدارين حقيقة وحكما ، وذلك لا يوجد ههنا فمنعة أهل البغي وأهل العدل كلها في دار الإسلام ، فلهذا لا يقسم ماله بين ورثته ، ولا تنقطع العصمة بينه وبين زوجته ، والله أعلم .
باب آخر في الغنيمة

( قال ) قال أبو حنيفة رحمه الله المقطوع في الحرب وصاحب الديون في الغنيمة سواء ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الغنيمة قال : { لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم ، فقال السائل : فهل أحد أحق بشيء من غيره . ؟ قال : لا حتى لو رميت بسهم في جنبك فاستخرجته لم تكن أحق به من صاحبك } ، ولأن السبب هو القهر على وجه يكون فيه إعزاز الدين ، والمتطوع في ذلك كصاحب الديون .
ومن دخل دار الحرب للتجارة وهو في عسكر المسلمين فلا حق له في الغنيمة إلا أن يلقى المسلمون العدو فيقاتل معهم فيشاركهم حينئذ ; لأن التاجر ما كان [ ص: 137 ] قصده عند الانفصال إلى دار الحرب القتال لإعزاز الدين ، وإنما كان قصده التجارة فلا يكون هو من الغزاة ، وإن كان فيهم إلا أن يقاتل فحينئذ يتبين بفعله أن مقصوده القتال ، ومعنى التجارة تبع فلا يحرمه ذلك سهمه ، وقيل : نزل قوله عز وجل { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } يعني التجارة في طريق الحج فكذلك في طريق الغزو .

وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن قتل النساء ، والصبيان ، والشيخ الكبير الذي لا يطيق القتال ، والذين بهم زمانة لا يطيقون القتال فنهى عن ذلك وكرهه ، والأصل فيه { قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى امرأة مقتولة ها ما كانت هذه تقاتل } فهذا تنصيص على أنها لا تقتل ، والشيخ الكبير ومن به زمانة بهذه الصفة ، قالوا : وهذا إذا كان لا يقاتل برأيه ، وأما إذا كان يقاتل برأيه ففي قتله كسر شوكتهم فلا بأس بذلك ، فإن دريد بن الصمة قتل يوم حنين ، وكان ابن مائة وستين سنة وقد عمي ، وكان ذا رأي في الحرب .
( قال ) وسألته عن أصحاب الصوامع ، والرهبان فرأى قتلهم حسنا ، وفي السير الكبير مروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنهم لا يقتلون ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله ، وقيل لا خلاف في الحقيقة ، فإنهم إن كانوا يخالطون الناس يقتلون عندهم جميعا ; لأن المقاتلة يصدرون عن رأيهم ، وهم الذين يحثونهم على قتال المسلمين ، وإن كانوا طينوا على أنفسهم الباب ، ولا يخالطون الناس أصلا ، فإنهم لا يقتلون ; لأنهم لا يقاتلون بالفعل ، ولا بالحث عليه ، وقيل : بل في المسألة خلاف فهما استدلا بوصية أبي بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان حيث قال : وستلقى أقواما من أصحاب الصوامع ، والرهبان زعموا أنهم فرغوا أنفسهم للعبادة فدعهم وما فرغوا أنفسهم له ، والمعنى فيه أنهم لا يقاتلون ، والقتل لدفع القتال فكانوا هم في ذلك كالنساء ، والصبيان وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هؤلاء من أئمة الكفر قال تعالى { فقاتلوا أئمة الكفر } فمعنى هذا الكلام أنهم فرغوا أنفسهم للإصرار على الكفر ، والاشتغال بما يمنع عنه في الإسلام ، والظاهر أن الناس يقتدون بهم فهم يحثون الناس على القتال فعلا ، وإن كانوا لا يحثونهم على ذلك قولا ، ولأنهم بما صنعوا لا تخرج بنيتهم من أن تكون صالحة للمحاربة ، وإن كانوا لا يشتغلون بالمحاربة كالمشغولين بالتجارة والحراثة منهم ، بخلاف النساء والصبيان .
( قال ) وسألته عن الرجل يأسر الرجل من أهل العدو هل يقتله أو يأتي به الإمام . ؟ قال : أي ذلك فعل فحسن ; لأن بالأسر ما تسقط الإباحة من دمه حتى يباح للإمام أن يقتله فكذلك يباح لمن أسره كما قبل أخذه [ ص: 138 ] ولما قتل أمية بن خلف بعد ما أسر يوم بدر لم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قتله ، وإن أتي به الإمام فهو أقرب إلى تعظيم حرمة الإمام ، والأول أقرب إلى إظهار الشدة على المشركين ، وكسر شوكتهم فينبغي أن يختار من ذلك ما يعلمه أنفع وأفضل للمسلمين .
( قال ) وسألته عن الرجل من أهل الحرب يقتله المسلمون هل يبيعون جيفته من أهل الحرب قال : لا بأس في ذلك بدار الحرب في غير عسكر المسلمين ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى أكره ذلك ، وأنهى عنه ، وأصل الخلاف في عقود الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب ، وقد بيناه ، وأشار إلى المعنى ههنا فقال : أموال أهل الحرب تحل للمسلمين بالغصب فبطيب أنفسهم أولى ، معناه أن غير عسكر المسلمين لا أمان لهم في المال الذي جاءوا به ، فإن للمسلمين أن يأخذوه بأي طريق يتمكنون من ذلك ، ولا يكون هذا أخذا بسبب بيع الميتة والدم بل بطريق الغنيمة ، ولهذا يخمس ويقسم ما بقي بينهم على طريق الغنيمة .
وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب قال لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر الغالب ; لأن قتالهم بهذه الصفة لإعزاز الدين ، والاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب ، ولكن يرضخ لأولئك ، ولا يسهم ; لأن السهم للغزاة ، والمشرك ليس بغاز ، فإن الغزو عبادة ، والمشرك ليس من أهلها ، وأما الرضخ لتحريضهم على الإعانة إذا احتاج المسلمون إليهم بمنزلة الرضخ للعبيد والنساء .
( قال ) وسألته عن الأسير يقتل أو يفادى قال لا يفادى ، ولكنه يقتل أو يجعل فيئا أي ذلك كان خيرا للمسلمين فعله الإمام .
والكلام ههنا في فصول : ( أحدها : ) مفاداة الأسير بمال يؤخذ من أهل الحرب ، فإن ذلك لا يجوز عنده ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجوز بالمال العظيم ، وذكر محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير أن ذلك يجوز إذا كان بالمسلمين حاجة إلى المال لقوله تعالى { فإما منا بعد وإما فداء } ، والمراد به الأسارى بدليل أول الآية فشدوا الوثاق { ، ولما شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم في الأسارى يوم بدر أشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك } لما رأى من حاجة أصحابه إلى المال في ذلك الوقت ، والمعنى فيه أن استرقاق الأسير جائز ، وفيه منفعة للمسلمين من حيث المال ، فإذا فادوه بمال عظيم فمنفعة المسلمين من حيث المال في ذلك أظهر فيجوز ذلك ، ولا يجوز قتله ، وفيه إبطال الغانمين عنه بغير عوض ، فلأن يجوز بعوض ، وهو المال [ ص: 139 ] الذي يفادى به كان أولى .

( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } فبهذا تبين أن قتل المشرك عند التمكن منه فرض محكم ، وفي المفاداة ترك إقامة هذا الفرض ، وسورة براءة من آخر ما نزل فكانت هذه الآية قاضية على قوله تعالى { فإما منا بعد وإما فداء } على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفاداة الأسارى يوم بدر كيف وقد قال تعالى { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } ، وقال صلى الله عليه وسلم : { لو نزل العذاب ما نجا منه إلا عمر } ، فإنه كان أشار بقتلهم واستقصى في ذلك ، وقال تعالى : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } فما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة على وجه الإنكار عليهم ففائدتنا أن لا نفعل مثل ما فعلوا ، وحديث أبي بكر رضي الله عنه في الأسير حيث قال لا تفادوه ، وإن أعطيتم به مدين من ذهب ، ولأنه صار من أهل دارنا فلا يجوز إعادته إلى دار الحرب ليكون حربا علينا بمال يؤخذ منه كأهل الذمة ، وبه فارق الاسترقاق ; لأن في ذلك تقرير كونه من أهل دارنا لا لمقصود المال كأخذ الجزية من أهل الذمة ، ولأن تخلية سبيل المشرك ليعود حربا للمسلمين معصية ، وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز ، وقتل المشرك فرض ، ولو أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة إلى المال فكذلك لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة ، يوضحه أن في هذا تقوية المشركين بمعنى يختص بالقتال ، وذلك لا يجوز لمنفعة المال كما لا يجوز بيع الكراع والسلاح منهم بل أولى ; لأن قوة القتال بالمقاتل أظهر منه بآلة القتال ، وعن محمد رحمه الله تعالى قال : لا يجوز المفاداة للشيخ الكبير الذي لا يرجى له نسل ، ولا رأي له في الحرب بالمال ; لأن مثله لا يقتل ، وليس في المفاداة ترك القتل المستحق ، ولا تقوية المشركين بإعادة المقاتل إليهم فهو كبيع الطعام وغيره من الأموال منهم .

فأما مفاداة الأسير بالأسير لا يجوز في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي رواية عنه أنه جوز ذلك ، وهو قولهما ; لأن في هذا تخليص المسلم من عذاب المشركين والفتنة في الدين ، وذلك جائز كما تجوز المفاداة في أسارى المسلمين بمال من كراع أو سلاح أو غير ذلك ، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن قتل المشركين فرض محكم فلا يجوز تركه بالمفاداة ، وهذا لأنه إذ ابتلي الأسير المسلم بعذاب أو فتنة من جهتهم فذلك لا يكون مضافا إلى فعل المسلم ، وإذا خلينا سبيل المشرك ليعود حربا لنا فذلك بفعل مضاف إلينا فمراعاة هذا الجانب أولى ، وهذا لأنا أمرنا ببذل النفوس والأموال لنتوصل إلى [ ص: 140 ] قتلهم ، فبعد التمكن من ذلك لا يجوز تركه للخوف على الأسير المسلم ، ولأن أسيرهم صار من أهل دارنا بمنزلة الذمي ، فكما لا يجوز إعادة الذمي إليهم بطريق المفاداة بأسير المسلمين فكذلك بأسيرهم ، ويستوي إن طلب مفاداة أسير أو أسيرين بأسير منهم ; لأن الظاهر أنهم إنما يطلبون ذلك لقوة قتال ذلك الأسير ، وفي المفاداة تقويتهم على قتال المسلمين ، وقد بينا أن ذلك ممتنع شرعا ، ثم قال أبو يوسف رحمه الله تعالى تجوز المفاداة بالأسير قبل القسمة ، ولا يجوز بعد القسمة ; لأن قبل القسمة لم يتقرر كونه من أهل دارنا حتى كان للإمام أن يقتله ، وقد تقرر ذلك بعد القسمة حتى ليس للإمام أن يقتله فكان بمنزلة الذي بعد القسمة ، وجعل قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } كناية عن القسمة ; لأن تحققه يكون عند ذلك ومحمد رحمه الله تعالى يجوز المفاداة بالأسير بعد القسمة ; لأن المعنى الذي لأجله جوزنا ذلك قبل القسمة الحاجة إلى تخليص المسلم من عذابهم ، وهذا موجود بعد القسمة ، وحقهم في الاسترقاق ثابت قبل القسمة ، وقد صار بذلك من أهل دارنا ، ثم تجوز المفاداة به لهذه الحاجة فكذلك بعد القسمة ، وقال : لو انفلتت إليهم دابة مسلم فأخذوها في دارهم ، ثم ظهر المسلمون عليها أخذها صاحبها قبل القسمة بغير شيء ، وبعد القسمة بالقيمة ; لأنه لا يد للدابة في نفسها فتحقق إحراز المشركين إياها بالأخذ في دارهم ، بخلاف الآبق على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقد بيناه .
وإن خرج رجل من المشركين بمال أصابه من المسلمين ليبيعه في دار الإسلام فلا سبيل للمالك القديم عليه كما لو أسلم أو صار ذميا ; لأنا أعطيناه الأمان فيما معه من المال ، وفي أخذ ذلك منه ترك الوفاء بالأمان إلا في العبد الآبق ، فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال : يأخذه مولاه حيث ما وجده بغير شيء ; لأنهم لم يملكوه ، وإنما أعطيناه الأمان فيما هو مملوك له .
وإذا أسر المشركون جارية لمسلم فأحرزوها ، ثم اشتراها منهم مسلم فعميت عندهم لم يكن لمولاها أن يأخذها إلا بجميع الثمن في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيما أعلم ; لأن الثمن الذي يعطيه المالك القديم فداء ، وليس ببدل ، والفداء بمقابلة الأصل دون الوصف .

ألا ترى أن العبد الجاني إذا عمي عند مولاه واختار الفداء لزمه الفداء بجميع الدية ، ولأن المولى إذا اختار الأخذ بالثمن يصير المشتري كالمأمور من جهته بالشراء له ، ولو كان أمره بذلك فعميت عنده لم يسقط عنه شيء من الثمن فهذا مثله ، وكذلك لو قطعت يدها فأخذ المشتري أرشها ، فإن مولاها يأخذها دون الأرش بجميع الثمن ; لأن الأرش دراهم ، ودنانير [ ص: 141 ] وهي لا تفدى ، فإذا كان حق المولى في الأرش لا يثبت كان هذا في حقه ، وما لو سقطت اليد بآفة سواء فلا يسقط شيء من الفداء عن المولى بسلامة الأرش للمشتري .

ألا ترى أن المشتري لو كان هو الذي قطع يدها أو فقأ عينها لم ينتقص شيء من الفداء باعتباره ، فكذلك إذا فعل ذلك غيره ; لأن سلامة البدل كسلامة الأصل ، وبه يظهر الفرق بين هذا وبين الشفعة ، فإن هناك لو هدم المشتري شيئا من البناء سقط عن الشفيع حصته من الثمن فكذا إذا فعله غيره يسلم للمشتري بدله ، وهذا لأن ما يعطيه الشفيع بدل ، وما صار مقصودا من الأوصاف يكون له حصة من البدل كما لو فقأ البائع عين المبيعة قبل القبض ، وكذلك إن ولدت عند المشتري فأعتق المشتري الأم أو الولد أخذ الباقي منهما بجميع الثمن ، وكذلك لو قتل الولد فاختار الأخذ فله أن يأخذ الأم بجميع الثمن ; لأن الولد جزء من الأصل فإتلاف الولد كإتلاف جزء منها ، وإذا بقي الولد فبقاء الجزء في حكم الفداء كبقاء الأصل ، ولم يذكر الخلاف ههنا فيما إذا أتلف الأم ، وبقي الولد ، وفي ذلك اختلاف بين أبي يوسف ومحمد ، وقد قررنا ذلك فيما أمليناه من شرح الجامع .

ولو أن رجلا باع أمة من رجل فلم يقبضها المشتري ، ولم ينقد الثمن حتى أسرها أهل الحرب فاشتراها منهم رجل لم يكن للمشتري عليها سبيل حتى يأخذها البائع ; لأن قبل الأسر كان البائع أحق بها ليحبسها بالثمن فكذلك بعد الأسر هو أحق بأن يأخذها بالثمن ليعيد حقه في الحبس ، وإذا أخذها بالثمن كان للمشتري أن يأخذها بالثمنين جميعا الثمن الأول الذي اشتراها به والثاني الذي افتكها به ; لأن قصده بما أدى من الفداء إحياء حقه ، وكان لا يتوصل إلى إحياء حقه إلا بذلك فلم يكن متبرعا فيما أدى .
وكل حر أسره أهل الحرب ، ثم أسلموا عليه فهو حر ; لأنهم لم يملكوه بالأسر فكانوا ظالمين في حبسه فيؤمرون بعد الإسلام بتخلية سبيله ، وكذلك أم الولد ، والمدبر ، والمكاتب ; لأن أهل الحرب لم يملكوهم لما ثبت فيهم من حق الحرية أو اليد المحترمة للمكاتب في نفسه ، ولهذا لا يملكون بالبيع فكذلك بالأسر ، ولو أن الحر أمر تاجرا في دارهم فاشتراه منهم كان للمشتري أن يرجع عليه بالثمن ; لأنه أمره بأن يعطي مال نفسه في عمل يباشره له فيرجع عليه بذلك كما لو أمره بأن ينفق عليه أو على عياله ، والمكاتب كذلك ; لأنه أحق بكسبه ، وأمره بالفداء صحيح في كسبه كأمر الحر ، وأما المدبر ، وأم الولد ، فإنه يرجع عليهما بالثمن إذا أعتقا ; لأن كسبهما ملك مولاهما ، وأمرهما غير معتبر في حق المولى ، ولكنه معتبر في حقهما فيكون هذا بمنزلة [ ص: 142 ] كفالة أو إقرار منهما بمال فيؤخذان به بعد العتق ، وإن اشتراهم بغير أمرهم لم يملكهم ; لأن البائع لم يكن مالكا لهم فكذلك المشتري لا يملكهم ، وبطل ماله ; لأنه متبرع فيما فدى به غير مجبر على ذلك شرعا ، ولا مأمور به من جهة من حصلت له المنفعة فلا يرجع عليه بشيء كما لو أنفق على عيال رجل بغير أمره .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.28 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]