عرض مشاركة واحدة
  #211  
قديم 14-12-2025, 03:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر

صـــ 112 الى صـــ 121
(211)




وإن ولدت بأرض الحرب ثم سبيت ، ومعها ولدها كان ولدها فيئا معها ; لأن ولدها بمنزلتها ، وهي حربية تسترق فكذلك ولدها .
وإذا رفعت المرتدة إلى الإمام فقالت ما ارتددت ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذا توبة منها لما بينا أن توبة المرتد بالإقرار بكلمة الشهادتين ، والتبري عما كان انتقل إليه ، وقد حصل ذلك ، فإنه بالإنكار يحصل نهاية التبري فلهذا كان ذلك توبة من الرجل والمرأة جميعا .
ويقتل المملوك على الردة ; لأنه محارب كالحر ، وكسبه إذا قتل لمولاه ; لأنه بملك الرقبة يخلفه في ملك الكسب ، ولا تقتل المملوكة وتحبس ; لأنها ليس لها بنية صالحة للقتال كالحرة ، وإذا كان أهلها يحتاجون إلى خدمتها دفعتها إليهم ، وأمرتهم بإجبارها على الإسلام ; لأن حق العبد في المحل مقدم على حق الله تعالى لحاجة العبد ، ولأن الجمع بين الحقين ممكن فإن حق الله تعالى في إجبارها على الإسلام ، ومولاها ينوب في ذلك عن الإمام فتدفع إليه ليستخدمها ، ويجبرها على الإسلام ، وجناية الأمة والمكاتب في الردة كجنايتهم في غير الردة ; لأن الملك فيهم باق بعد الردة ، والمكاتب أحق بكسبه بعد الردة يدا وتصرفا كما كان قبله فيكون موجب جنايته في كسبه .
والجناية على المماليك في الردة هدر أما في الذكور منهم فلاستحقاق قتلهم بالردة ، ومن استوفى قتلا مستحقا يكون محسنا لا جانيا ، وفي الإناث قتل المملوكة بعد الردة كقتل الحرة ، ومن قتل حرة مرتدة لم يضمن شيئا ، وإن ارتكب ما لا يحل ، ويؤدب على ذلك فكذلك الأمة قال : لأن بعض الفقهاء يرى عليها القتل ، ولأنها كالحربية ، والحربية لا تقتل ، ولو قتلها قاتل لا يلزمه شيء فكذلك المرتدة .

( فإن قيل ) فلماذا لا تسترق في دارنا . ؟ قلنا : لبقاء [ ص: 113 ] الإحراز ، ومن ضرورة تأكد الحرمة بالإحراز منع الاسترقاق ، وليس من ضرورته تقوم الدم كما في المقضي عليها بالرجم ، وإذا كان هدر الدم مما يثبت مع الإحراز يثبت ذلك في حق المرتدة فكانت فيه كالحربية .

وإذا باع الرجل عبده المرتد أو أمته المرتدة فالبيع جائز لبقاء صفة المملوكية ، والرق فيه بعد الردة .

( فإن قيل ) جواز البيع باعتبار المالية والتقوم ، ولا مالية فيهما حتى لا يضمن قاتلهما . ( قلنا ) لا كذلك بل المالية في الآدمي بسبب المملوكية ، وهو ثابت على الإطلاق والتقوم بالإحراز وهو باق فيهما ، وإن كان لا يجب على المتلف الضمان لعارض وهو الردة ، ألا ترى أن غاصبهما يكون ضامنا وأن الردة عيب فيهما ، والعيب لا يعدم المالية والتقوم ، ولهذا لو كان البائع أعلم المشتري فالبيع لازم لانتفاء التدليس حين أعلمه العيب .

مدبرة أو أم ولد ارتدت ولحقت بدار الحرب فمات مولاها في دار الإسلام ثم أخذت أسيرة فهي فيء ، بخلاف ما لو أسرت قبل موت المولى فإنها ترد عليه لقيام ملكه ، فأما بعد موت المولى فقد عتقت ; لأن عتقها كان تعلق بموت ، وتباين الدارين لا يمنع نزول العتق عند وجود شرطه ، وإذا عتقت فهي حرة مرتدة أسرت من دار الحرب فتكون فيئا .
عبد ارتد مع مولاه ، ولحقا بدار الحرب فمات المولى هناك وأسر العبد فهو فيء ; لأنه مال حربي فقد أحرزه مع نفسه بدار الحرب ، وذلك مانع من ثبوت حق ورثته المسلمين فيه فيكون فيئا ، ويقتل إن لم يسلم لردته .
وكذلك كل ما ذهب به المرتد من ماله مع نفسه فهو فيء ، فإن كان خرج من دار الحرب مغيرا فأخذ مالا من ماله قد قسم بين ورثته ، وذهب به ثم قتل مرتدا ، وأصيب ذلك المال فهو لورثته بغير قيمة قبل القسمة ، وبالقيمة بعد القسمة ; لأنهم ملكوا ذلك المال حين قسمه القاضي بينهم فهذا حربي أحرز مال المسلم بدار الحرب ثم ظهر المسلمون عليه ، وقد بينا الحكم فيه .
ولو ارتد العبد وأخذ مال مولاه فذهب به إلى دار الحرب ثم أخذ مع ذلك المال لم يكن فيئا ، ويرد على مولاه ; لأن العبد باق على ملكه فلا يكون محرزا نفسه بدار الحرب ، ألا ترى أنه لو أبق منه غير مرتد فدخل دار الحرب لم يكن محرزا نفسه عليه فكذلك إذا أبق مرتدا ، وكذلك لا يكون محرزا لما معه من المال فيرد ذلك كله على المولى ثم هذا لا يشكل على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما هو مذهبه في الآبق ، وكذلك عندهما ; لأن أهل الحرب لم يأخذوه ، وإنما يزول ملك المولى عندهما بإحراز المشركين إياه بالأخذ ، فإذا لم يوجد ذلك بقي على ملك مولاه .
قوم ارتدوا عن الإسلام وحاربوا المسلمين ، وغلبوا على مدينة من [ ص: 114 ] مدائنهم في أرض الحرب ، ومعهم نساؤهم وذراريهم ثم ظهر المسلمون عليهم ، فإنه تقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم وذراريهم ، والحاصل أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إنما تصير دارهم دار الحرب بثلاث شرائط : أحدها : أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين ، والثاني : أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ، ولا ذمي آمن بأمانه ، والثالث : أن يظهروا أحكام الشرك فيها ، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب ; لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة ، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب ، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر تمام القهر والقوة ; لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين ، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث ; لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من كل جانب ، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن فذلك دليل عدم تمام القهر منهم ، وهو نظير ما لو أخذوا مال المسلم في دار الإسلام لا يملكونه قبل الإحراز بدارهم لعدم تمام القهر ، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين .

وهذه الدار كانت دار إسلام في الأصل فإذا بقي فيها مسلم أو ذمي فقد بقي أثر من آثار الأصل فيبقى ذلك الحكم ، وهذا أصل لأبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى قال : إذا اشتد العصير ، ولم يقذف بالزبد لا يصير خمرا لبقاء صفة السكون ، وكذلك حكم كل موضع معتبر بما حوله فإذا كان ما حول هذه البلدة كله دار إسلام لا يعطى لها حكم دار الحرب كما لو لم يظهر حكم الشرك فيها ، وإنما استولى المرتدون عليها ساعة من نهار ، ثم في كل موضع لم تصر الدار دار حرب ، فإذا ظهر المسلمون عليها قتلوا الرجال ، وأجبروا النساء والذراري على الإسلام ، ولم يسب واحد منهم ، وفي كل موضع صار دار حرب فالنساء ، والذراري ، والأموال فيء فيه الخمس ، ويجبرون على الإسلام لردتهم فلا يحل لمن وقعت امرأة منهم في سهمه أن يطأها ما دامت مرتدة ، وإن كانت متهودة أو متنصرة ; لأن الردة تنافي الحل ، وإنما يحل بملك اليمين من يحل بالنكاح ، فإن كان عليها دين فقد بطل بالسبي ; لأنها صارت أمة ، وما كان من الدين على حرة لا يبقى بعد أن تصير أمة ; لأن بالرق تتبدل نفسها ، ولأن الدين لا يجب على المملوك إلا شاغلا مالية رقبته [ ص: 115 ] وهذه مالية حادثة بالسبي فتخلص للسابي ; فلهذا لا يبقى الدين عليها .
وإذا ارتد الزوجان ، وذهبا إلى دار الحرب بولدهما الصغير ، ثم ظهر عليهما المسلمون فالولد فيء ; لأنه خرج من أن يكون مسلما حين لحقا به إلى دار الحرب فإن ثبوت حكم الإسلام للصغير باعتبار تبعية الأبوين والدار فقد انعدم كل ذلك حين ارتدا ولحقا به بدار الحرب ; فلهذا كان الولد فيئا يجبر على الإسلام إذا بلغ كما تجبر الأم عليه ، وإن كان الأب ذهب به وحده ، والأم مسلمة في دار الإسلام لم يكن الولد فيئا ; لأنه بقي مسلما تبعا لأمه .

( فإن قيل ) كيف يتبعها بعد تباين الدارين ( قلنا ) تباين الدارين يمنع الاتباع في الإسلام ابتداء لا في إبقاء ما كان ثابتا ألا ترى أن الحربي لو أسلم في دار الحرب ، وله ولد صغير ثم خرج إلى دارنا بقي الولد مسلما بإسلامه حتى إذا وقع الظهور عليه لا يكون فيئا ، بخلاف ما لو أسلم في دارنا وله ولد في دار الحرب فههنا قد كان الولد مسلما فيبقى كذلك ببقاء الأم مسلمة ، وإن كانت في دار الإسلام ، وكذلك إن كانت الأم ماتت مسلمة ; لأن إسلامها يتأكد بموتها ولا يبطل ، وكذلك إن كانت الأم نصرانية ذمية ; لأنها من أهل دارنا ، وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا توفيرا للمنفعة على الولد ، ولأنه لا يتم إحراز الولد بدار الحرب ; لأن اعتبار جانب الأب يوجب أن يكون الولد حربيا ، واعتبار جانب الأم يوجب أن يكون الولد من أهل دار الإسلام فيترجح هذا الجانب عند المعارضة توفيرا للمنفعة على الولد ، وإذا بقي من أهل دار الإسلام فكأنه من أهل دارنا حقيقة فلا يسترق ، وكذلك إن كان الأب ذميا نقض العهد فهو كالمسلم يرتد في أنه يصير من أهل دار الحرب إذا التحق بهم .

وإذا ولد للمرتدين في دار الحرب ولد ثم ولد لولدهما ولد ثم وقع الظهور عليهم ، أجبر ولدهما على الإسلام ، ولم يجبر ولد ولدهما على الإسلام ; لأن حكم الإسلام قد ثبت لولدهما باعتبار أن الأبوين كانا مسلمين في الأصل ، والولد تابع لهما فكذلك يجبر على الإسلام ، فأما ولد الولد لم يثبت له حكم الإسلام ; لأنه تابع لأبيه في الدين لا لجده ، وأبوه ما كان مسلما قط .

ألا ترى أنه لو أسلم الجد لا يصير ولد الولد مسلما بإسلامه فكذلك لا يجبر على الإسلام بإسلام جده ، وهذا لأنه لو اعتبر إسلام جده في حق النافلة كان الجد الأعلى والأدنى في ذلك سواء ، فيؤدي إلى أن يكون الكفار كلهم مرتدين يجبرون على الإسلام بإسلام جدهم آدم أو نوح عليهما السلام ، وذكر في النوادر أنهما إذا ارتدا أو لحقا بولد صغير لهما بدار الحرب فولد لذلك الولد بعدما كبر ثم ظهر المسلمون على ولد الولد فهو [ ص: 116 ] يجبر على الإسلام في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ، ولا يجبر عليه في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ; لأن هذا الولد ما كان مسلما بنفسه ، وإنما ثبت حكم الإسلام في حقه تبعا فهو والمولود في دار الحرب بعد ردتهما سواء ، وهما يقولان قد كان هذا الولد محكوما بإسلامه تبعا لأبويه أو لدار الإسلام ، والولد يتبع أباه في الدين فإذا كان الأب مسلما في وقت يثبت لولده حكم الإسلام ، فيجبر على الإسلام ، بخلاف ما إذا ولد في دار الحرب بعد ردتهما ; لأن هذا الولد لم يكن مسلما قط .

وإذا نقض قوم من أهل الذمة العهد ، وغلبوا على مدينة فالحكم فيها كالحكم في المرتدين إلا أن للإمام أن يسترق رجالهم بخلاف المرتدين ; لأنهم كفار في الأصل ، وإنما كانوا لا يسترقون لكونهم من أهل دارنا ، وقد بطل ذلك حين نقضوا العهد ، وصارت دارهم دار الحرب ، فأما المرتدون كانوا مسلمين في الأصل فلا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام ، وكذلك إن رجع الذين كان نقضوا العهد إلى الصلح والذمة قبل ذلك منهم بخلاف المرتدين ; لأنهم لما نقضوا العهد التحقوا بالحربيين ، وأهل الحرب إذا انقادوا للذمة قبل ذلك منهم بخلاف المرتدين ، والأصل أن من جاز استرقاقه جاز إبقاؤه على الكفر بالجزية ; لأن القتال ينتهي بكل واحد من الطريقين ، وفيه منفعة للمسلمين ، ثم إذا عادوا إلى الذمة أخذوا بالحقوق التي كانت قبل نقض الذمة عليهم من القصاص والمال لبقاء نفوسهم وذممهم على ما كانت قبل نقض العهد ، ونقض العهد كان عارضا ، فإذا انعدم صار كأن لم يكن ، ولم يؤخذوا بما أصابوا في المحاربة ; لأنهم أهل حرب حين باشروا السبب ، وقد بينا أن أهل الحرب لا يضمنون ما أتلفوا من النفوس والأموال في حال حربهم إذا تركوا المحاربة بالإسلام أو الذمة ، وكذلك المرتدون في هذا هم بمنزلة أهل الذمة ; لأن القصاص المستحق عليهم عقوبة ثابتة لحق المسلم والردة ، ونقض العهد لا ينافيهما ، وإن تعذر استيفاؤها لقصور يد صاحب الحق عمن عليه ، والمال كذلك ، فإذا تمكن من الاستيفاء كان له أن يستوفي حقه .
وإذا نقض الذمي العهد مع امرأته ، ولحقا بأرض الحرب ثم عادا على الذمة فهما على نكاحهما ; لأنه لم يتباين بهما دين ولا دار ، ولو ارتد المسلمان ثم أسلما كانا على نكاحهما فالذميان أولى بذلك ، وإن كان خلف في دار الإسلام امرأة ذمية بانت منه بتباين الدار حقيقة وحكما ، والتي بقيت في دارنا من أهل دارنا .
وكذلك المرتد إذا لحق بدار الحرب ، وخلف امرأته المرتدة معه في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما ; لأن المرأة من أهل دارنا ، وإن كانت مرتدة فقد تباينت بينهما الدار حقيقة ، وذلك قاطع للعصمة بينهما .

وإذا منع [ ص: 117 ] المرتدون دارهم وصارت دار كفر ثم لحقوا بدار الحرب فأصابوا سبايا منهم ، وأصابوا مالا من أموال المسلمين وأهل الذمة ثم أسلموا كان ذلك كله لهم ; لأنهم ملكوا ذلك كله بالإحراز بدارهم ، ومن أسلم على مال فهو له إلا أن يكونوا أخذوا من المسلمين أو أهل الذمة حرا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد فعليهم تخلية سبيلهم ; لأن هؤلاء لا يملكون بالإحراز لتأكد حقيقة الحرية أو حقها فيهم بالإسلام ، فإن كان أهل الإسلام أصابوا من هؤلاء في حربهم مالا أو ذرية فاقتسموها على الغنيمة لم يردوا عليهم شيئا من ذلك ; لأنهم أصابوا أموال أهل الحرب وذراريهم ، وملكوها بالإحراز والقسمة فلا ترد عليهم ، وإن أسلموا بعد ذلك كما لو أصابوا ذلك من غيرهم من أهل الحرب .
وإن طلب المرتدون أن يجعلوا ذمة للمسلمين لم يفعلوا ذلك بهم ; لأنه إنما تقبل الذمة ممن يجوز استرقاقه ، ولأن المرتدين كمشركي العرب ، فإن أولئك جناة على قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء على دينه ، وكما لا تقبل الذمة من مشركي العرب عملا بقوله صلى الله عليه وسلم { لا يجتمع في جزيرة العرب دينان } فكذلك لا يقبل ذلك من المرتدين ، وإن طلبوا الموادعة مدة لينظروا في أمورهم فلا بأس بذلك إن كان ذلك خيرا للمسلمين ، ولم يكن للمسلمين بهم طاقة ; لأنهم لما ارتدوا دخلت عليهم الشبهة ، ويزول ذلك إذا نظروا في أمرهم ، وقد بينا أن المرتد إذا طلب التأجيل يؤجل إلا أن هناك لا يزاد على ثلاثة أيام لتمكن المسلمين من قتله ، وههنا لا طاقة بهم للمسلمين فلا بأس بأن يمهلوهم مقدار ما طلبوا من المدة لحفظ قوة أنفسهم ولعجزهم عن مقاومتهم ، وإن كانوا يطيقونهم ، وكان الحرب خيرا لهم من الموادعة حاربوهم ; لأن القتال معهم فرض إلى أن يسلموا قال الله تعالى : { تقاتلونهم أو يسلمون } ، ولا يجوز تأخير إقامة الفرض مع التمكن من إقامته ، فإذا وادعوهم لم يأخذ الإمام منهم في الموادعة خراجا ; لأن ذلك حينئذ يشبه عقد الذمة ، وقد بينا أنه لا تقبل منهم الذمة فكذلك لا يؤخذ منهم على الموادعة خراج بخلاف أهل الحرب ، فإن أخذ منهم مالا جاز ; لأن العصمة زالت عن مالهم ، ألا ترى أنه لو ظهر المسلمون عليهم كانت أموالهم غنيمة ، وكذلك إن أخذوا شيئا من مالهم ملكوا ذلك بأي طريق أخذوا منهم .
( قال ) ولا يقبل من مشركي العرب الصلح والذمة ، ولكن يدعون إلى الإسلام ، فإن أسلموا ، وإلا قوتلوا ، وتسترق نساؤهم وذراريهم ، ولا يجبرون على الإسلام ، وهم في ذلك بمنزلة المرتدين إلا في حكم الإجبار على الإسلام ، فإن نساء المرتدين وذراريهم كانوا مسلمين في الأصل فيجبرون على العود ، وأما النساء والذراري [ ص: 118 ] من مشركي العرب ما كانوا مسلمين في الأصل فلا يجبرون على الإسلام ، ولكنهم يسترقون { ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم سبى النساء ، والذراري بأوطاس ، وقسمهم } ، وقد بينا أن أبا بكر رضي الله عنه سبى النساء والذراري من بني حنيفة ، فإذا جاز ذلك في المرتدين ففي مشركي العرب أولى ، وأما الرجال منهم لا يسترقون عندنا ، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يسترقون ; لأن المعنى الذي لأجله جاز الاسترقاق في حق سائر الكفار موجود في حق مشركي العرب ، وهو منفعة للمسلمين في عملهم وخدمتهم ، ولأن الاسترقاق إتلاف حكمي ، ومن جاز في حقه الإتلاف الحقيقي من الكفار الأصليين يجوز الإتلاف الحكمي بطريق الأولى ; لأن فيه تحقيق معنى العقوبة بتبديل صفة المالكية بالمملوكية ، وهو الأليق بحال كل كافر ، فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى عاقبهم على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده ، وهكذا كان ينبغي في المرتدين إلا أن قتل المرتد على ردته حد فقلنا لا يترك إقامة الحد لمنفعة المسلمين ، ولأن حريته كانت متأكدة بالإسلام فلا يحتمل النقض بالاسترقاق ، وذلك لا يوجد في حق مشركي العرب ( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { تقاتلونهم أو يسلمون } قيل معناه إلى أن يسلموا ، والآية فيمن كان يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم عبدة الأوثان من العرب فدل أنهم يقتلون إن لم يسلموا .

وقال صلى الله عليه وسلم : { لا رق على عربي } ، وقال يوم أوطاس { لو جرى رق على عربي لكان اليوم ، وإنما هو القتل أو الإسلام } ، وظاهر قوله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا } يدل على تحريم الاسترقاق كما يدل على المنع من المفاداة ; لأن المقصود بكل واحد منهما ابتغاء عرض الدنيا ، ولأنه لا يقبل منهم عقد الذمة بالاتفاق ، والاسترقاق والذمة يتقاربان في المعنى ; لأن في كل واحد من الأمرين إبقاء الكافر على كفره لمنفعة المسلمين في ذلك من مال أو عمل ، وفي الجزية معنى الصغار ، والعقوبة في حقهم كما في الاسترقاق بل أظهر ، والاسترقاق ثابت في حق النساء والصغار ، والجزية لا تجب إلا على الرجال البالغين ، فإذا لم يجز إبقاء عبدة الأوثان من العرب على الشرك بالجزية فكذلك بالاسترقاق ، وقد بينا أنهم في تغلظ جنايتهم كالمرتدين ، فكما لا يسترق المرتدون فكذلك عبدة الأوثان من العرب ، بخلاف سائر المشركين وأهل الكتاب من العرب حكمهم حكم غيرهم من أهل الكتاب حتى يجوز استرقاقهم ، وأخذ الجزية منهم ; لأنهم ليسوا من العرب في الأصل ، وإن توطنوا في أرض العرب بل هم في الأصل من [ ص: 119 ] بني إسرائيل ، ولئن كانوا في الأصل من العرب فجنايتهم في الغلظ ليست كجناية عبدة الأوثان فإن أهل الكتاب يدعون التوحيد ، ولهذا تؤكل ذبائحهم ، وتجوز مناكحة نسائهم بخلاف عبدة الأوثان ، والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من يهود تيماء ، ووادي القرى ، وكذلك من بهز ، وتنوخ ، وطيء وعمر رضي الله عنه أراد أن يوظف الجزية على نصارى بني تغلب ثم صالحهم على الصدقة المضعفة ، وقال هذه جزية فسموها ما شئتم ، وكانوا من العرب .

فأما عبدة الأوثان من العجم فلا خلاف في جواز استرقاقهم ، وإنما الخلاف في جواز أخذ الجزية منهم فعندنا يجوز ذلك ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز بمنزلة عبدة الأوثان من العرب فإن الله تعالى خص أهل الكتاب بحكم الجزية بقوله تعالى { ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وزعم الشافعي أن المجوس أهل كتاب أنه فيه أثرا عن علي رضي الله عنه أنه قال : كان لهم كتاب يقرءون إلى أن واقع ملكهم ابنته فأصبحوا وقد أسرى بكتابهم . حديث فيه طول

( وحجتنا ) في ذلك أن الجزية تؤخذ من المجوس بالاتفاق ، ولا كتاب لهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } ففي هذا تنصيص على أنه لا كتاب لهم ، وقال الله تعالى { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } ، ولو كان للمجوس كتاب لكانوا ثلاث طوائف ، والأثر بخلاف نص القرآن لا يكاد يصح عن علي رضي الله عنه فثبت أن لا كتاب للمجوس ، ومع ذلك تؤخذ منهم الجزية ، وهم مشركون ، فإنهم يدعون الاثنين ، وإن اختلفت عبارتهم في ذلك من النور والظلمة أو يزدان واهر من ، وليس الشرك إلا هذا ، فإذا جاز أخذ الجزية منهم فكذلك من غيرهم من المشركين ، وقد { أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر } ، وبهذا تبين أن ذكر أهل الكتاب في الآية ليس لتقييد الحكم بل لبيان جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب ، ومن أصلنا أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه .

قوم غزوا أرض الحرب فارتد منهم طائفة ، واعتزلوا عسكرهم ، وحاربوا ، ونابذوهم فأصاب المسلمون غنيمة ، وأصاب أولئك المرتدون غنيمة من أهل الشرك ثم تابوا قبل أن يخرجوا من دار الحرب لم يشارك أحد الفريقين الآخر فيما أصابوا ; لأن بعضهم لم يكن ردءا للبعض ، فالمسلمون لا ينصرون المرتدين ، ولا يستنصرون بالمرتدين إذا حزبهم أمر ، وإن مصاب المرتدين ليس بغنيمة إذا لم يكن قصدهم عند الإصابة إعزاز الدين ، والمرتدون في حق [ ص: 120 ] المسلمين كأهل الحرب ، فإنهم في دار الحرب ، وأهل الحرب إذا أسلموا والتحقوا بالجيش لم يشاركوهم فيما أصابوا قبل ذلك ، وكذلك المرتدون إلا أن يلقوا قتالا فيقاتلوا قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام فحينئذ يشارك بعضهم بعضا ; لأنهم قاتلوا دفعا عن ذلك المال فكأنهم أصابوه بهذا القتال ، واشتركوا في إحرازه بالدار ، فيشارك بعضهم بعضا في ذلك ، ثم هذا فيما أصابه المسلمون غير مشكل بمنزلة من أسلم من أهل الحرب ، والتحق بالجيش إذا لقوا قتالا فقاتل بعضهم ، وما أصاب المرتدون ، وإن لم يكن له حكم الغنيمة ، فإنه يأخذ حكم الغنيمة بهذا القتال كالمتلصص إذا أصاب مالا ثم لحقه جيش المسلمين ، فإن مصابه يأخذ حكم الغنيمة حتى يخمس ، ولا شيء على من قتل المرتدين قبل أن يدعوهم إلى الإسلام ; لأنهم بمنزلة كفار قد بلغتهم الدعوة ، فإن جددوها فحسن ، وإن قاتلوهم قبل أن يدعوهم فحسن .
( قال ) وإذا ارتد الغلام المراهق عن الإسلام لم يقتل ، وهنا فصلان إذا أسلم الغلام العاقل الذي لم يحتلم فإسلامه صحيح عندنا استحسانا ، وفي القياس لا يصح إسلامه في أحكام الدنيا ، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم } ، ومن كان مرفوع القلم فلا ينبني الحكم في الدنيا على قوله ، ولأنه غير مخاطب بالإسلام ما لم يبلغ فلا يحكم بصحة إسلامه كالذي لا يعقل إذا لقن فتكلم به ، وتقريره من أوجه : أحدهما : أنه لا عبرة لعقله قبل البلوغ حتى يكون تبعا لغيره في الدين والدار بمنزلة الذي لا يعقل ، وتقرير هذا أنه يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه مع كونه معتقدا للكفر بنفسه ، فإذا لم يعتبر اعتقاده ، ومعرفته في إبقاء ما كان ثابتا فكيف يعتبر ذلك في إثبات ما لم يكن ثابتا ، وبين كونه أصلا في حكم ، وتبعا فيه بعينه مغايرة على سبيل المنافاة ، والثاني : أنه لو صح إسلامه بنفسه كان ذلك منه فرضا لاستحالة القول بكونه مستقلا في الإسلام ، ومن ضرورة كونه فرضا أن يكون مخاطبا به ، وهو غير مخاطب باتفاق ، فإذا لم يمكن تصحيحه فرضا لم يصح أصلا بخلاف سائر العبادات ، فإنه يتردد بين الفرض والنفل ، وبخلاف ما إذا جعل مسلما تبعا لغيره ; لأن صفة الفرضية في الأصل تغني عن اعتباره في التبع كالإقرار باللسان ، والاعتقاد بالقلب ، ولأن اعتبار عقله قبل البلوغ لضرورة الحاجة إليه ، وذلك يختص بما لا يمكن تحصيله له من قبل غيره ، ففيما يمكن تحصيله له من جهة غيره لا حاجة إلى اعتبار عقله فلا يعتبر ، والدليل عليه أنه لو لم يصف الإسلام بعد ما عقل لا تقع الفرقة بينه وبين امرأته ، ولو صار عقله معتبرا في الدين لوقعت الفرقة إذا لم يحسن أن [ ص: 121 ] يصف كما بعد البلوغ ، ولأن أحكام الإسلام في الدنيا تنبي على قوله ، وقوله إما أن يكون إقرارا أو شهادة ، ولا يتعلق به حكم الشرع كسائر الأقارير ، والشهادات ، وأما فيما بينه ، وبين ربه إذا كان معتقدا لما يقول : فنحن نسلم أن له في أحكام الآخرة ما للمسلمين .

( وحجتنا ) في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا } ، وقد أعرب هنا لسانه شاكرا شكورا فلا نجعله كافرا كفورا ، وأن عليا رضي الله عنه أسلم وهو صبي ، وحسن إسلامه حتى افتخر به في شعره قال :
سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي
، واختلفت الروايات في سنه حين أسلم ، وحين مات فقال محمد بن جعفر : رضي الله عنهما أسلم ، وهو ابن خمس سنين ، ومات وهو ابن ثمانية وخمسين سنة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام في أول مبعثه ، ومدة البعث ثلاث وعشرون سنة ، والخلافة بعده ثلاثون انتهى بموت علي رضي الله عنه ، فإذا ضممت خمسا إلى ثلاث وخمسين فيكون ثمانية وخمسين ، وقال العتيبي : أسلم وهو ابن سبع سنين ، ومات وهو ابن ستين سنة بهذا الطريق أيضا ، وقال الجاحظ : أسلم وهو ابن عشر سنين ، ومات وهو ابن ثلاث وستين ، وهكذا ذكره محمد في السير الكبير ، والمعنى فيه أنه أتى بحقيقة الإسلام ، وهو من أهله فيحكم بإسلامه كالبالغ ، وبيان الوصف أن الإسلام اعتقاد بالقلب ، واقرار باللسان ، وهو من أهل الاعتقاد ، ومن رجع إلى نفسه علم أنه كان معتقدا للتوحيد قبل بلوغه ، ولأنه من أهل اعتقاد سائر الأشياء والمعرفة به ، ومن أهل معرفة أبويه والرجوع إليهما إذا حزبه أمر ، فعرفنا ضرورة أنه من أهل معرفة خالقه ، وقد سمعنا إقراره بعبارة مفهومة ، ونحن نرى صبيا يناظر في الدين ، ويقيم الحجج الظاهرة حتى إذا ناظر الموحدين أفهم ، وإذا ناظر الملحدين أفحم ، فلا يظن بعاقل أن يقول : إنه ليس من أهل المعرفة ، والدليل على الأهلية أنه يجعل مسلما تبعا لغيره ، وبدون الأهلية لا يتصور ذلك ، ولأنه مع الصبا أهل للرسالة قال الله تعالى : { وآتيناه الحكم صبيا } فعلم ضرورة أنه أهل للإسلام ثم بعد وجود الشيء حقيقة أنه أن يسقط اعتباره بحجر شرعي فلا يظن ذلك ههنا ، والناس عن آخرهم دعوا إلى الإسلام ، والحجر عن الإسلام كفر أولا يحكم بصحته لضرر يلحقه ، ولا تصور لذلك في الإسلام ، فإنه سبب للفوز والسعادة الأبدية فيكون محض منفعة في الدنيا والآخرة ، وإن حرم ميراث مورثه الكافر أو بانت منه زوجته الكافرة ، فإنما [ ص: 122 ] يحال بذلك على خبثها لا على إسلامه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]