
14-12-2025, 03:33 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر
صـــ 82 الى صـــ 91
(208)
وإن لم يمت ومرت عليه سنون قبل أن يؤخذ خراج رأسه لم يؤخذ بذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلا باعتبار السنة التي هو فيها ويؤخذ في قولهما بجميع ما مضى إذا لم يكن ترك ذلك لعذر وتلقب هذه المسألة بالموانيذ وهما يقولان الموانيذ في خراج الرأس كالموانيذ في خراج الأرض ثم يستوفي جميع ذلك وإن طالت المدة فكذلك هنا وهذا لأنه ما بقي حيا مصرا على كفره فاستيفاؤه من الوجه الذي وجب ممكن بخلاف ما بعد إسلامه وموته ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى حرفان : أحدهما أن الواجب عليهم بطريق العقوبة والعقوبات التي تجب لحق الله تعالى إذا اجتمعت تداخلت كالحدود وفي حقنا خلف عن النصرة وهذا المعنى يتم باستيفاء جزية واحدة منه فلا حاجة إلى استيفاء ما مضى ولأن المقصود ليس هو المال بل المقصود استذلال الكافر واستصغاره لأن إصراره على الشرك في دار التوحيد جناية فلا ينفك عن صغار يجري عليه وهذا المقصود يحصل باستيفاء جزية واحدة فلو أخذناه بالموانيذ لم يكن ذلك إلا لمقصود المال وقد بينا أن المال غير مقصود ولهذا لا يبقى بعد موته وإسلامه .
ثم أوان أخذ خراج الرأس منه آخر السنة قبل أن يتحول وقد روي عن أبي يوسف أنه يؤخذ منه في كل شهرين بقسط ذلك وعن محمد أنه يؤخذ شهرا فشهرا ليكون أشد عليه وأقرب إلى تحصيل المنفعة للمسلمين والأصح هو الأول من أن المعتبر الحول كما في زكاة المال في حق المسلم وخراج الأراضي .
ولا يؤخذ بخراج الأرض في السنة إلا مرة واحدة وإن استغلها صاحبها مرات لحديث عمر رضي الله عنه فإنه ما أخذ الخراج من أهل الذمة في السنة إلا مرة واحدة ولأن ريع عامة الأراضي في السنة يكون مرة واحدة وإنما يبنى الحكم على العام الغالب والأراضي يكون فيها الشجر الكبير يوضع عليها من الخراج بقدر الطاقة لأن عمر رضي الله عنه فيما وظفه اعتبر الطاقة فعرفنا أن ذلك هو الأصل فإذا عطل أرضه لم يسقط عنه خراجها لأنه هو الذي اختار ترك الاستغلال والانتفاع بها وقصد بذلك إسقاط حق مصارف الخراج فرد عليه قصده [ ص: 83 ] بخلاف العشر فالواجب هناك جزء من الخراج والإيجاب بدون المحل لا يتحقق وههنا الواجب مال في ذمته باعتبار تمكنه من الانتفاع بالأرض فلم ينعدم ذلك بتعطيله الأرض .
وإن زرعها فأصاب الزرع آفة فذهب لم يؤخذ الخراج لأنه مصاب فيستحق المعونة ولو أخذناه بالخراج كان فيه استئصال ومما حمد من سير الأكاسرة إذا اصطلم الأرض آفة يردون على الدهاقين من خزائنهم ما أنفقوا في الأرض ويقولون : التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح فإن لم يرد عليه شيء فلا أقل من أن لا يؤخذ منه الخراج وهذا بخلاف الأجر فإنه يجب بقدر ما كان الأرض مشغولا بالزرع لأن الأجر عوض المنفعة فبقدر ما استوفى من المنفعة يصير الأجر دينا في ذمته فأما الخراج صلة واجبة باعتبار الأراضي فلا يمكن إيجابها بعدما اصطلم الزرع آفة لأنه ظهر أنه لم يتمكن من استغلال الأرض بخلاف ما إذا عطلها .
وإذا أسلم الذمي على أرضه كان عليه خراجها كما كان عندنا وقال مالك رحمه الله تعالى : يسقط ذلك وكذلك إذا باعها من مسلم واعتبر خراج الأرض بخراج الرأس فكما لا يجب على المسلم بعد إسلامه خراج الرأس فكذلك خراج الأرض ولكنا نقول الخراج مؤنة الأرض النامية كالعشر والمسلم من أهل التزام المؤنة وهذا لأنه بعد الإسلام لا يخلي أرضه عن مؤنة فإبقاء ما تقرر واجبا أولى لأنا إن أسقطنا ذلك احتجنا إلى إيجاب العشر بخلاف خراج الرأس فإنا لو أسقطنا ذلك عنه بعد إسلامه لا نحتاج إلى إيجاب مؤنة أخرى عليه ولا يكره للمسلم أداء خراج الأرض لما روي عن ابن مسعود والحسن بن علي وشريح رضي الله عنهم أنه كانت لهم أرضون بالسواد يؤدون خراجها فبهذا تبين أن خراج الأرض لا يعد من الصغار وإنما الصغار خراج الإعتاق بخلاف ما يقوله المتقشفة ويستدلون بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيئا من آلات الحراثة فقال : ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا } ظنوا أن المراد الذل بالتزام الخراج وليس كذلك بل المراد أن المسلمين إذا اشتغلوا بالزراعة واتبعوا أذناب البقر وقعدوا عن الجهاد كر عليهم عدوهم فجعلوهم أذلة .
تغلبي اشترى أرضا من أرض الخراج فعليه الخراج كما كان لأنه إنما يضعف عليه ما يبتدأ المسلم بالإيجاب عليه هكذا جرى الصلح بيننا وبينهم ولا يبتدأ المسلم بتوظيف الخراج على أرضه .
ألا ترى أن أهل بلدة لو أسلموا طوعا يجعل على أراضيهم العشر دون الخراج فلهذا لا يضعف الخراج على التغلبي وإن اشترى أرضا من أرض العشر ضوعف عليه العشر لأن [ ص: 84 ] العشر يبتدأ به المسلم فيضعف على التغلبي كالزكاة والرجل والمرأة والصبي منهم في ذلك سواء وقد بينا تمام هذه الفصول في كتاب الزكاة وذكرنا قول محمد أن التضعيف عليهم في الأراضي التي وقع الصلح عليها فأما فيما اشتراها من مسلم لا تتغير الوظيفة بتغير المالك كما لا تتغير وظيفة الخراج إذا اشترى مسلم أرضا خراجية وكما لا تتغير وظيفة العشر إذا اشتراها مكاتب أو صبي .
( قال ) : أرأيت لو أن أرضا بمكة في الحرم اشتراها ذمي أو تغلبي كانت تصير خراجية أو تتحول عن العشر الذي كان عليها قبل ذلك .
وإذا دخل الحربي دار الإسلام مستأمنا فتزوج امرأة ذمية لم يصر ذميا لأن الرجل ليس بتابع لامرأته في السكنى فهو بالنكاح لم يصر راضيا بالمقام في دارنا على التأبيد وإنما استأمن إلينا للتجارة والتاجر قد يتزوج في موضع لا يقصد التوطن فيه فلهذا لا يصير ذميا فإن أطال المقام وأوطن فحينئذ توضع عليه الجزية وينبغي للإمام أن يتقدم إليه ويأمره بالخروج إلى دار الحرب على سبيل الإنذار والإعذار وفي التقدم إليه إن بين مدة فقال : إن خرجت إلى وقت كذا وإلا جعلتك ذميا فإن خرج إلى ذلك الوقت تركه ليذهب وإن لم يخرج لم يمكنه من الخروج بعد ذلك وجعله ذميا لأن مقامه بعد التقدم إليه حتى مضت المدة رضا منه بالمقام في دارنا على التأبيد وإن لم يقدر له مدة فالمعتبر هو الحول فإذا أقام في دارنا بعد ذلك حولا لا يمكنه من الخروج لأن هذا لإبلاء العذر والحول لذلك حسن كما في أجل العنين ونحوه وإن اشترى أرض خراج فزرعها يوضع عليه خراج الأرض والرأس أما خراج الأرض فلأنه مؤنة الأرض النامية وقد تقرر ذلك في حقه حين استغل الأرض ثم بالتزام خراج الأرض صار راضيا بالتزام أحكام دار الإسلام فيكون بمنزلة الذمي لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات والالتزام تارة يكون نصا وتارة يكون دلالة .
والحربية المستأمنة إذا تزوجت مسلما أو ذميا فقد توطنت وصارت ذمية لأن المرأة في السكنى تابعة للزوج .
ألا ترى أنها لا تملك الخروج إلا بإذنه فجعلها نفسها تابعة لمن هو من دارنا رضي بالتوطن في دارنا على التأبيد فرضاها بذلك دلالة كالرضا بطريق الإفصاح فلهذا صارت ذمية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
[ ص: 85 ] باب صلح الملوك والموادعة
( قال ) رضي الله عنه : ملك من ملوك أهل الحرب له أرض واسعة فيها قوم من أهل مملكته هم عبيد له يبيع منهم ما شاء صالح المسلمين ، وصار ذمة لهم ، فإن أهل مملكته عبيد له كما كانوا يبيعهم أنى شاء ; لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام في حكم الإحراز ، ولو أسلم كانوا عبيدا له لقوله صلى الله عليه وسلم { من أسلم على مال فهو له } فكذلك إذا صار ذميا ، وهذا لأنه كان مالكا لهم بيده القاهرة ، وقد استقرت يده ، وازدادت وكادة بعقد الذمة ، فإن ظهر عليهم عدو غيرهم ثم استنقذهم المسلمون من أيدي أولئك ، فإنهم يردون على هذا الملك بغير شيء قبل القسمة ، وبالقيمة بعد القسمة بمنزلة سائر أموال أهل الذمة ، وهذا لأن على المسلمين القيام بدفع الظلم عن أهل الذمة كما عليهم ذلك في حق المسلمين .
وعلى هذا لو أسلم الملك وأهل أرضه ، أو أسلم أهل أرضه دونه فهم عبيد له كما كانوا ; لأنه كان محرزا لهم بعقد الذمة فيزداد ذلك قوة بإسلامه ، وإسلام مملوكه الذمي لا يبطل ملكه عنه .
وإن كان طلب الذمة على أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء من قتل أو صلب أو غيره مما لا يصلح في دار الإسلام لم يجب إلى ذلك ; لأن التقرير على الظلم مع إمكان المنع منه حرام ، ولأن الذمي من يلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات فشرطه بخلاف موجب العقد باطل ، كما لو أسلم بشرط أن يرتكب شيئا من الفواحش كان الشرط باطلا ، والأصل فيه ما روي أن وفد ثقيف جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نؤمن بشرط أن لا ننحني للركوع والسجود فإنا نكره أن تعلونا أستاهنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا خير في دين لا صلاة فيه ، ولا خير في صلاة لا ركوع فيها ولا سجود } ، فإن أعطي الصلح ، والذمة على هذا بطل من شروطه ما لا يصلح في الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم { كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل } ، فإن رضي بما يوافق حكم الإسلام ، فإنه أبلغ مأمنه هو ، وأصحابه ; لأن عقد الذمة يعتمد الرضى ، وما تم رضاه بدون هذا الشرط ، وقد تعذر الوفاء بهذا الشرط فإذا أبى أن يرضى بدون هذا الشرط يبلغ مأمنه كغيره من المستأمنين ، فإن التحرز عن الغدر واجب قال صلى الله عليه وسلم { : في العهود ، وفاء لا غدر فيه } بخلاف ما لو أسلم بشرط أن لا يصلي ، فإن الإسلام صحيح بدون تمام الرضى كما لو أسلم مكرها ، ولا يترك بعد صحة إسلامه ليرتد فيرجع إلى الكفر .
فإن صار ذمة ثم وقفت منه على أنه يخبر المشركين بعورة المسلمين ، ويقري عيونهم لم يكن هذا منه نقضا للعهد ، ولكن يعاقب [ ص: 86 ] على هذا ويحبس ، وقال مالك رحمه الله تعالى هو ناقض للعهد بما صنع فيقتل ، وكذلك إن كان لا يزال يغتال رجلا من المسلمين فيقتله أو يفعل ذلك أهل أرضه لم يكن هذا نقضا للعهد عندنا ، وقال مالك رحمه الله تعالى هو نقض ; لأنه خلاف موجب العقد ، فإن الذمي من ينقاد لحكم الإسلام في المعاملات ، ويكون مقهورا في دار الإسلام تحت يد المسلمين ، ومباشرة ما كان يخالف موجب العقد يكون نقضا للعهد ، ولكنا نقول لو فعل هذا مسلم لم يكن به ناقضا لإيمانه فكذلك إذا فعله ذمي لا يكون ناقضا لأمانه ، والأصل فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة ، وفيه نزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ، وعدوكم أولياء } ، وقصته فيما صنع معروفة في المغازي ، وقد سماه الله تعالى مؤمنا مع ذلك ، وحديث أبي لبابة بن المنذر ، وفيه نزل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ، والرسول } ، وقصته فيما أخبر به بني قريظة معروفة ، وقد سماه الله مؤمنا فعرفنا أن مثل هذا لا يكون نقضا للإيمان ، ولا للذمة ، ولكن من ثبت عليه القتل بالبينة يقتص منه ، فإن لم يعرف القاتل ، ووجد القتيل في قرية من قراهم ففيه القسامة ، والدية كما { قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتيل الموجود بخيبر } فيحلف الملك خمسين يمينا بالله ما قتلت ، ولا عرفت قاتله ثم يغرم الدية ، ولا يحلف بقية أهل مملكته ; لأنهم عبيده ، والعبيد لا يزاحمون الأحرار في القسامة ، والدية ، فإن كانوا أحرارا فعليهم القسامة ، والدية ; لأنهم يساوونه في الحرية ، والسكنى في القرية فيشاركونه في القسامة ، والدية .
إذا طلب قوم من أهل الحرب الموادعة سنين بغير شيء نظر الإمام في ذلك ، فإن رآه خيرا للمسلمين لشدة شوكتهم أو لغير ذلك فعله لقوله تعالى { ، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } { ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين } فكان ذلك نظرا للمسلمين لمواطئة كانت بين أهل مكة ، وأهل خيبر ، وهي معروفة ، ولأن الإمام نصب ناظرا ، ومن النظر حفظ قوة المسلمين أولا ، فربما يكون ذلك في الموادعة إذا كانت للمشركين شوكة أو احتاج إلى أن يمعن في دار الحرب ليتوصل إلى قوم لهم بأس شديد فلا يجد بدا من أن يوادع من على طريقه .
وإن لم تكن الموادعة خيرا للمسلمين فلا ينبغي أن يوادعهم لقوله تعالى { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } ، ولأن قتال المشركين فرض ، وترك ما هو الفرض من غير عذر لا يجوز ، فإن رأى الموادعة خيرا فوادعهم ثم نظر فوجد موادعتهم شرا للمسلمين نبذ إليهم الموادعة وقاتلهم ; لأنه ظهر في الانتهاء [ ص: 87 ] ما لو كان موجودا في الابتداء منعه ذلك من الموادعة فإذا ظهر ذلك في الانتهاء منع ذلك من استدامة الموادعة ، وهذا ; لأن نقض الموادعة بالنبذ جائز قال صلى الله عليه وسلم { يعقد عليهم أولاهم ، ويرد عليهم أقصاهم } ، ولكن ينبغي أن ينبذ إليهم على سواء قال تعالى { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } أي على سواء منكم ، ومنهم في العلم بذلك فعرفنا أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ ، وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا عليه من التحصن ، وكان ذلك للتحرز عن الغدر .
فإن حاصر العدو المسلمين ، وطلبوا الموادعة على أن يؤدي إليهم المسلمون شيئا معلوما كل سنة فلا ينبغي للإمام أن يجيبهم إلى ذلك لما فيه من الدينة والذلة بالمسلمين إلا عند الضرورة ، وهو أن يخاف المسلمون الهلاك على أنفسهم ، ويرى الإمام أن هذا الصلح خير لهم فحينئذ لا بأس بأن يفعله لما روي أن المشركين أحاطوا بالخندق ، وصار المسلمون كما قال الله تعالى { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبيدة بن حصن ، وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة فأبي إلا النصف فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام سيدا الأنصار سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة رضي الله عنهما ، وقالا يا رسول الله إن كان هذا عن وحي فامض لما أمرت به ، وإن كان رأيا رأيته فقد كنا نحن وهو في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى ، فإذا أعزنا الله بالدين وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية لا نعطيهم إلا السيف فقال صلى الله عليه وسلم إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فأحببت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم ذلك فأنتم وأولئك اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف } فقد مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين فحين رأى القوة فيهم بما قاله السعدان رضي الله عنهما امتنع من ذلك وقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الصدقة لدفع ضررهم عن المسلمين } فدل على أنه لا بأس بذلك عند خوف الضرر ، وهذا لأنهم إن ظهروا على المسلمين أخذوا جميع الأموال ، وسبوا الذراري ، فدفع بعض المال ليسلم المسلمون في ذراريهم ، وسائر أموالهم أهون وأنفع .
وإن أراد قوم من أهل الحرب من المسلمين الموادعة سنين معلومة على أن يؤدي أهل الحرب الخراج إليهم كل سنة شيئا معلوما على أن لا تجري أحكام الإسلام عليهم في بلادهم لم يفعل ذلك إلا أن يكون في ذلك [ ص: 88 ] خير للمسلمين ; لأنهم بهذه الموادعة لا يلتزمون أحكام الإسلام ، ولا يخرجون من أن يكونوا أهل حرب ، وقد بينا أن ترك القتال مع أهل الحرب لا يجوز إلا أن يكون خيرا للمسلمين ، فإذا رأى الإمام منفعة في ذلك فصالحهم ، فإن كان قد أحاط مع الجيش ببلادهم فما يأخذ منهم يكون غنيمة يخمسها ، ويقسم ما بقي بينهم ; لأنه توصل إليها بقوة الجيش فهو كما لو ظهر عليهم بالفتح ، فإن لم ينزل مع الجيش بساحتهم ، ولكنهم أرسلوا إليه ، وادعوه على هذا فما يأخذ منهم ، بمنزلة الجزية لا خمس فيها بل يصرف مصارف الجزية ، وإن وقع الصلح على أن يؤدوا إليهم كل سنة مائة رأس ، فإن كانت هذه المائة الرأس يؤدونها من أنفسهم وأولادهم لم يصح هذا لأن الصلح وقع على جماعتهم فكانوا جميعا مستأمنين ، واسترقاق المستأمن لا يجوز .
ألا ترى أن واحدا منهم لو باع ابنه بعد هذا الصلح لم يجز ، وكذلك لا يجوز تمليك شيء من نفوسهم وأولادهم بحكم تلك الموادعة ; لأن حريتهم تأكدت بها .
وإن صالحوهم على مائة رأس بأعيانهم أول السنة ، وقالوا أمنونا على أن هؤلاء لكم ، ونصالحكم ثلاث سنين مستقبلة على أن نعطيكم كل سنة مائة رأس من رقيقنا فهذا جائز ; لأن المعينين في السنة الأولى لا تتناولهم الموادعة ، وباعتباره يثبت الأمان فإذا جعلوهم مستثنين من الموادعة بجعلهم إياهم عوضا للمسلمين صاروا مماليك للمسلمين بالموادعة ثم شرطوا في السنين المستقبلة مائة رأس من رقيقهم في كل سنة ، ورقيقهم قابل للملك والتملك بالبيع فكذا بالموادعة ، وهذا لأن الموادعة ليست بمال في نفسها ، واشتراط الحيوان دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال صحيح إذا كان معلوم الجنس كما في النكاح ، والخلع ، وإذا وقع الصلح على هذا ثم سرق منه مسلم شيئا لم يصح شراء ذلك منه ; لأنهم استفادوا الأمان في أنفسهم وأموالهم ، ومال المستأمن لا يملك بالسرقة ، وإذا لم يملكه السارق لم يحل شراؤه منه ، ولأن ما صنعه غدر يؤدبه الإمام على ذلك إذا علمه منه ، وفي الشراء منه إغراء له هذا الغدر ، وتقرير ذلك لا يحل ، فإن أغار عليهم قوم من أهل الحرب جاز أن يشتري منهم ما أخذوا من أموالهم ورقيقهم ; لأنهم تملكوها عليهم بالإحراز ، ولو تملكوا ذلك من أموال المسلمين جاز شراؤها منهم فمن أموال أهل الحرب أولى ، ثم لا يرد عليهم شيء من ذلك مجانا ، ولا بالثمن ; لأنهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب حين لم ينقادوا لحكم الإسلام فلا يجب على المسلمين القيام بنصرتهم ، وبه فارق مال المسلمين ، وأهل الذمة ، ولا يمنع التجار من حمل التجارات إليهم إلا الكراع ، والسلاح ، والحديد ; لأنهم أهل حرب [ ص: 89 ] وإن كانوا موادعين . ألا ترى أنهم بعد مضي المدة يعودون حربا للمسلمين .
ولا يمنع التجار من دخول دار الحرب بالتجارات ما خلا الكراع ، والسلاح ، فإنهم يتقوون بذلك على قتال المسلمين فيمنعون من حمله إليهم ، وكذلك الحديد ، فإنه أصل السلاح قال الله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } .
ومن دخل منهم دار الإسلام بغير أمان جديد سوى الموادعة لم يتعرض له ; لأنه آمن بتلك الموادعة ، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يتعرضوا له في داره فكذلك إذا دخل دار الإسلام ، وقد دخل أبو سفيان رضي الله عنه المدينة في زمن الهدنة ، ولم يتعرض له أحد بشيء ، وكذلك لو دخل رجل منهم دار حرب أخرى فظهر المسلمون عليهم لم يتعرضوا له ; لأنه في أمان المسلمين حيث كان بمنزلة ذمي يدخل دار الحرب ثم يظهر المسلمون على تلك الدار .
وإذا اشترى الحربي المستأمن في دار الإسلام عبدا مسلما أو ذميا أو أسلم بعض عبيده الذين أدخلهم لم يترك ليرده إلى دار الحرب ; لأنه مسلم ، ولا يترك في ملك الكافر ليستذله ، ولكن يجبر على بيعه من المسلمين بمنزلة الذمي يسلم عبده
( فإن قيل ) الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، والمستأمن غير ملتزم لذلك ( قلنا ) المستأمن ملتزم ترك الاستخفاف بالمسلمين ، إلا ما أعطيناه الأمان ليستذل المسلم إذ لا يجوز إعطاء الأمان على هذا ، فلهذا يجبر على بيعه .
وإن رجع المستأمن إلى دار الحرب ، وقد أدان في دار الإسلام وأودع ودبر ثم أسر وظهر على تلك الدار وقتل ، فنقول : أما مدبروه وأمهات أولاده فهم أحرار إن قتل فغير مشكل ، وكذلك إذا استرق ; لأنه صار مملوكا ، والرق إتلاف له حكما ، ولأنهم خرجوا من ملكه لوجود المنافي ، ولا يصيرون في ملك غيره ; لأن المدبر وأم الولد لا يحتمل ذلك فلهذا كان حرا ، وأما الدين فهو يسقط عمن عليه لخروجه من أن يكون أهلا للملك ، ولأن الدين لا يرد عليه القهر ليصير مملوكا للسابي إذ هو في ذمة من عليه ، ويده إلى ما في ذمته أسبق من يد غيره فصار محرزا له ، والودائع فيء ; لأنها تدخل تحت القهر ، ويد المودع كيد المودع ، ولو كانت في يده حين سبي كان ذلك فيئا فكذلك إن كان في يد مودعه ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها مملوكة للمودعين ; لأن أيديهم إليها أسبق حين سقط عنها يد الحربي بالأسر فصاروا محرزين لها دون الغانمين ، وهذا كله ; لأن بقاء حكم الأمان له في هذه الأموال ما لم يتقرر المنافي ، وقد تقرر ذلك حين أسر ، وظهر المسلمون على الدار .
وإن دخل بعبده المسلم الذي اشتراه أو أسلم في يده في دار الحرب عتق في قول أبي حنيفة رحمه الله ، ولم يعتق في قول [ ص: 90 ] أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حتى يظهر المسلمون على الدار أو يخرج مراغما لمولاه ; لأنه كان قاهرا له في دارنا حكما بعقد الأمان ، وفي دار الحرب حسا بقوته فيبقى مملوكا له حتى يصير العبد قاهرا له ، وذلك بخروجه مراغما أو ظهور المسلمين عليه .
ألا ترى أنه لو كان في دار الحرب حين أسلم عبده لم يعتق إلا بأحد هذين الوجهين فكذلك إذا أدخله دار الحرب ، وقد بينا طريق أبي حنيفة رحمه الله لهذه المسألة في كتاب العتاق ، وفيه طريق آخر نذكره ههنا ، وهو أنه حين انتهى به إلى آخر جزء من أجزاء دار الإسلام فقد ارتفع حكم الأمان الذي بيننا وبينه ، وبقاء ملكه بعد إسلام العبد كان بحكم الأمان ، فإذا ارتفع زال ذلك الملك ، وحصل العبد في يد نفسه فيعتق ، وهي يد محترمة فتكون دافعة لقهره ، وإن أدخله دار الحرب فلا يثبت له باعتبار هذا القهر الملك في دار الحرب
( فإن قيل ) بارتفاع الأمان زال صفة الحظر لا أصل الملك كمن أباح لغيره شيئا لا يزول أصل ملكه به فملكه المباح في دار الحرب إبقاء ما كان من الملك لا إثبات ملك له فيه ابتداء . ( قلنا ) ما كان ملكه بعد إسلام العبد في دار الإسلام إلا باعتبار صفة الحظر ، فإنه لو لم يكن مستأمنا لكان العبد المسلم قاهرا له في دار الإسلام ، وكان حرا ، فإذا زال الحظر بزوال الأمان زال أصل الملك ( قال ) .
ألا ترى أنه في دار الحرب لو قتل مولاه ، وأخذ ماله ، وخرج إلينا كان حرا ، وكان ما خرج به من المال له ، وهذا إشارة إلى ما بينا أنه ظهرت يده في نفسه ، وهي يد محترمة ، وكذلك لو كان هذا العبد الذي اشتراه وأدخله ذميا ; لأن للذمي يدا محترمة في نفسه كما للمسلم .
ولو أسلم عبد الحربي في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار فالعبد حر لإحرازه نفسه بمنعة المسلمين ، وإن أسلم مولاه قبل أن يظهر المسلمون عليه فهو عبد له ماله ; لأن بإسلام العبد لم يزل ملكه عنه ، ومن أسلم على مال فهو له .
ولو كان حين أسلم عبده باعه من مسلم أو ذمي أو حربي فهو حر في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن العبد المسلم متى زال ملك الحربي عنه يزول إلى العتق كما لو خرج مراغما ، وكان أبو بكر الرازي يقول بمجرد البيع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يعتق ما لم يخرجه من يده بالتسليم ، فإذا أخرجه ثم زال قهره عنه فحينئذ يعتق ، ولا يثبت عليه قهر المشتري ; لأنه مسلم في يد نفسه ، ويده دافعة للقهر عنه سواء كان من مسلم أو ذمي أو حربي ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يعتق ; لأن ملك المشتري ويده كملك البائع ويده ، وقبل البيع كان مملوكا للبائع باعتبار يده فكذلك بعد البيع ، وقد بينا هذه [ ص: 91 ] المسألة مع أخواتها في كتاب العتاق .
وإذا مات المستأمن في دار الإسلام عن مال ، وورثته في دار الحرب وقف ماله حتى يقدم ورثته ; لأنه وإن كان في دارنا صورة فهو في الحكم كأنه في دار الحرب فيخلفه ورثته في دار الحرب في أملاكه ، وبموته في دارنا لا يبطل حكم الأمان الذي كان ثبت له بل ذلك باق في ماله فيوقف لحقه حتى يقدم ورثته ، وإذا قدموا فلا بد من أن يقيموا البينة ليأخذوا المال ; لأنهم بمجرد الدعوى لا يستحقون شيئا ، فإن أقاموا بينة من أهل الذمة ففي القياس لا تقبل هذه البينة ; لأن المال في يد إمام المسلمين ، وحاجتهم إلى استحقاق اليد على المسلمين ، وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في الاستحقاق على المسلمين ، وفي الاستحسان تقبل شهادتهم ، ويدفع المال إليهم إذا شهدوا أنهم لا يعلمون وارثا غيرهم ; لأنهم يستحقون المال على المستأمن ، فإن المال موقوف لحقه ، وشهادة أهل الذمة حجة على المستأمن ، ولأنهم لا يجدون شهودا مسلمين على وراثتهم عادة فإن أنسابهم في دار الحرب لا يعرفها المسلمون فهو بمنزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ، ويؤخذ منهم كفيل بما أدرك في المال من درك ، قيل : هو قولهما دون قول أبي حنيفة رحمهم الله تعالى كما فيما بين المسلمين ، وقيل : بل هذا قولهم جميعا ; لأن المال مدفوع إليهم بحجة ضعيفة فلا يدفع إلا بعد الاحتياط بكفيل ، ولا يقبل كتاب ملكهم في ذلك ; لأن ملكهم كافر لا أمان له ، ولو شهد لم تقبل شهادته فكيف يقبل كتابه ، وإن شهد على كتابه وختمه قوم من المسلمين فكذلك الجواب ; لأنه في حق المسلمين كواحد من العوام أو دونه ، وكتابه وختمه لا يكون حجة .
وإذا أراد الحربي المستأمن أن يرجع إلى دار الحرب لم يترك أن يخرج معه كراعا وسلاحا أو حديدا أو رقيقا اشتراهم في دار الإسلام مسلمين أو كفارا كما لا يترك تجار المسلمين ليحملوا إليهم هذه الأشياء ، وهذا لأنهم يتقوون بها على المسلمين ، ولا يجوز إعطاء الأمان له ليكتسب به ما يكون قوة لأهل الحرب على قتال المسلمين ، وفي العبيد لا إشكال ; لأنهم مسلمون وأهل الذمة فلا يترك أن يدخل بهم ليعودوا حربا للمسلمين ، ولا يمنع أن يرجع بما جاء به من هذه الأشياء ; لأنه كان معه في دار الحرب فبإعادته لا يزدادون قوة لم تكن لهم بخلاف ما اشتراه في دار الإسلام ، ولأنا أمناه على ما في يده من المال ، وكما لا يمنع هو من الرجوع للوفاء بذلك الأمان فكذلك لا يمنع من أن يرجع بما جاء به .
فإن كان جاء بسيف فباعه ، واشترى مكانه قوسا أو رمحا أو ترسا لم يترك أن يخرج به مكان سيفه [ ص: 92 ] لأن معنى القوة يختلف باختلاف الأسلحة ، فإنما قصد بما صنع أن يزداد قوة علينا ، ولأنه قد يكثر فيهم نوع من أنواع الأسلحة ، ويعز نوع آخر خير فيقصدون تحصيل ذلك لهم بهذا الطريق ، وكذلك إذا استبدل بسيفه سيفا آخر خيرا منه ; لأن بتلك الزيادة يزدادون قوة ، ولم يكن استحق ذلك حين أمناه فيمنع من تحصيل تلك الزيادة ، ولا يمكن منعه من ذلك إلا بأن يمنع من إدخاله هذا السيف بأصله دارهم ، وإن كان هذا السيف مثل الأول أو شرا منه لم يمنع أن يدخل به ; لأنه بمنزلة الأول إذ ليس فيه زيادة قوة لهم ، وجنس المنفعة واحد فكما لو أعاد الأول إلى دار الحرب لم يمنع منه فكذلك إذا أعاد مثله ، وله أن يخرج بما شاء من الأمتعة سوى ما ذكرنا كما للتاجر المسلم أن يحمل إليهم ما شاء من سائر الأمتعة للتجارة وللشافعي رحمه الله تعالى قول أنه يمنع من ذلك أيضا ; لأنهم يزدادون قوة بما يحمل طعاما كان أو ثيابا أو سلاحا ، ولكنا نستدل بما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إلى أبي سفيان رضي الله عنه تمر عجوة حين كان بمكة حربيا ، واستهداه أدما } { ، وبعث بخمسمائة دينار إلى أهل مكة حين قحطوا لتفرق بين المحتاجين منهم } ، ولأن بعض ما يحتاج إليه المسلمون من الأدوية وغيرها يحمل من دار الحرب ، فإذا منعنا تجار المسلمين من أن يحملوا إليهم ما سوى السلاح فهم يمنعون ذلك أيضا ، وفيه من الضرر ما لا يخفى .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|