
14-12-2025, 03:25 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,067
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر
صـــ 72 الى صـــ 81
(207)
فأما الصبي إذا كان لا يعقل فلا إشكال أن أمانه باطل وإن كان يعقل فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أمانه باطل أيضا وهو قول الشافعي رحمه الله كما أنه لا يصح إيمانه ومحمد يقول بصحة أمانه كما يقول بصحة إيمانه فإن كان هذا الصبي مأذونا في القتال فقد قال بعض مشايخنا لا يصح أمانه أيضا لأن قوله غير معتبر فيما يضر به وإن كان مأذونا كالطلاق والعتاق ففيما يضر بالمسلمين أولى والأصح أنه يجوز أمانه إذا كان مأذونا له في القتال لأن هذا التصرف يتردد بين المضرة والمنفعة فهو نظير البيع والشراء يملكه الصبي بعد الإذن .
وإذا قال الإمام : من أصاب شيئا فهو له فأصاب رجل جارية فاستبرأها فإنه لا يطأها ولا يبيعها حتى يخرجها إلى دار الإسلام في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى : يحل له ذلك لأنه اختص بملكها فيحل له وطؤها بعد الاستبراء كالمسلم يشتري جارية في دار الحرب يحل له وطؤها بعد الاستبراء وهذا لأن ملك المنفعة سببه ملك الرقبة وقد تحقق هذا السبب في حقه حين اختص بملكها بتنفيل الإمام وهذا بخلاف اللص في دار الحرب إذا أخذ جارية واستبرأها فإنه لا يحل له وطؤها لأنه ما اختص بملكها .
ألا ترى أنه لو التحق بجيش المسلمين في دار الحرب شاركوه فيها وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا : سبب الملك في المنفل القهر فلا يتم إلا بالإحراز بدار الإسلام كما في الغنيمة في حق الجيش وهذا لما بينا أنه قبل الإحراز قاهر يدا مقهور دارا فيكون السبب ثابتا من وجه دون وجه ولا أثر للتنفيل في إتمام القهر إنما تأثير التنفيل في قطع شركة الجيش مع المنفل له فأما سبب الملك للمنفل له ما هو السبب لولا التنفيل وهو القهر فأشبه من هذا الوجه ما أخذه اللص في دار الحرب وهذا لأن لحوق الجيش به موهوم والموهوم لا يعارض الحقيقة فعرفنا أن امتناع ثبوت الحل لعدم تمام القهر بخلاف المشتراة فسبب الملك فيها تم بالعقد والقبض وعلى هذا الخلاف لو قسم الإمام الغنائم في دار الحرب فأصاب رجل جارية فاستبرأها لأن بقسمة الإمام لا ينعدم المانع من تمام القهر وهو كونهم مقهورين دارا ومن أصحابنا من يقول : لما نفذت [ ص: 73 ] القسمة من الإمام تصير هي بمنزلة المشتراة لأن من وقعت في سهمه يملك عينها بالقسمة وقد تم فينبغي أن يحل الوطء عندهم جميعا والأول أظهر .
وإذا خرج القوم من مسلحة أو عسكر فأصابوا غنائم فإنها تخمس وما بقي فهو بينهم وبين أهل العسكر سواء كان بإذن الإمام أو بغير إذن الإمام وسواء كانت لهم منعة أو لم تكن لأن أهل العسكر بمنزلة المدد للخارجين فإن المصاب صار محرزا بالدار بقوتهم جميعا إذ هم الردء لهم يستنصرونهم إذا حزبهم أمر لأنهم دخلوا دار الحرب لينصر بعضهم بعضا والإمام أذن لهم في أن يأخذوا ما يقدرون عليه من أموال المشركين لأنه أدخلهم في دار الحرب لهذا فلا حاجة إلى إذن جديد بعد ذلك وكذلك إن بعث الإمام رجلا طليعة فأصاب ذلك لأن أهل العسكر ردء له وإن كانوا خرجوا من مدينة عظيمة مثل المصيصة وملطية بعثهم الإمام سرية منها فأصابوا غنائم لم يشركهم فيها أهل المدينة لأنهم ساكنون في دار الإسلام فلا يكونون ردءا للمقاتلين في دار الحرب وهذا لأن توطنهم على قصد المقام في أهاليهم بخلاف أهل العسكر فإن توطنهم في العسكر للقتال فكانوا بمنزلة الردء للسرية .
ألا ترى أن من نوى منهم الإقامة في العسكر في دار الحرب لا تصح نيته بخلاف ساكن المدينة ولأن الإحراز ههنا حصل بالسرية خاصة وهناك الإحراز بدار الإسلام حصل بالسرية والجيش فمن هذا الوجه يقع الفرق ثم الذين خرجوا من مصر من أمصار المسلمين إما أن يكونوا قوما لهم منعة أو لا منعة لهم خرجوا بإذن الإمام أو بغير إذنه فإن كانت لهم منعة فسواء خرجوا بإذن الإمام أو بغير إذنه فإن ما أصابوه غنيمة حتى يخمس ويقسم ما بقي بينهم على سهام الفرسان والرجالة المصيب وغير المصيب فيه سواء لأن دخولهم لا يخفى على الإمام عادة وعليه أن ينصرهم ويمدهم فإنهم لو أصيبوا مع منعتهم كان فيه وهنا بالمسلمين ويجترئ عليهم المشركون فإذا كان على الإمام نصرتهم كانوا بمنزلة الداخلين بإذنه ولأن الغنيمة اسم لما أصيب بطريق فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه وذلك موجود ههنا لأن المصيبين أهل منعة يفعلون ما يفعلون جهارا فأما إذا كانوا قوما لا منعة لهم كالواحد والاثنين فإن كان دخولهما بإذن الإمام فكذلك الجواب لأن على الإمام أن ينصره ويمده إذا حزبه أمر ولأن الإمام لا يأذن للواحد في الدخول إلا أن يعلم قوته على ما بعثه لأجله وعند ذلك يكون الواحد سرية على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { بعث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه سرية وحده } { وبعث دحية الكلبي رضي الله عنه [ ص: 74 ] يوم الخندق طليعة } وقد ذكر في النوادر أنه لا يخمس ما أصاب هذا الواحد لأن أخذه ليس على طريق إعزاز الدين فإنه لا يجاهر بما يأخذ وإنما يفعله سرا إذ هو غير ممتنع من أهل الحرب فهو كالداخل بغير إذن الإمام فإن كان دخول القوم الذين لا منعة لهم بغير إذن الإمام على سبيل التلصص فلا خمس فيما أصابوا عندنا ولكن من أصاب منهم شيئا فهو له خاصة وإن أصابوا جميعا قسم بينهم بالسوية ولا يفضل الفارس على الراجل وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يخمس ما أصابوا ويقسم ما بقي بينهم قسمة الغنيمة لقوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } والغنيمة اسم مال يأخذه المسلمون من الكفرة بطريق القهر وذلك موجود ههنا فإنهم دخلوا للمحاربة والقهر لأن القهر تارة يكون بالقوة جهارا وتارة يكون بالمكر والحيلة سرا قال صلى الله عليه وسلم { : الحرب خدعة } .
ألا ترى أنهم لو دخلوا بإذن الإمام كان ما يأخذون غنيمة وصفة أحدهم لا تختلف بوجود إذن الإمام وعدمه .
( وحجتنا ) ما روي أن المشركين أسروا ابنا لرجل من المسلمين فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو ما يلقى من الوحشة { فأمره أن يستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ففعل ذلك فخرج الابن عن قليل بقطيع من الغنم فسلم ذلك له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ منه شيئا } والمعنى ما بينا أن الغنيمة اسم لمال مصاب بأشرف الجهات وهو أن يكون فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز الدين ولهذا جعل الخمس منه لله تعالى وهذا المعنى لا يحصل فيما يأخذه الواحد على سبيل التلصص فيتمحض فعله اكتسابا للمال بمنزلة الاصطياد والاحتطاب بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة وشوكة والدليل على الفرق أن الواحد من الذين لهم منعة لو أمنهم صح أمانه واللص في دار الحرب ولو أمنهم لم يصح أمانه وقد بينا اختلاف الرواية فيما إذا كان دخول الواحد بإذن الإمام ووجه الفرق على ظاهر الرواية .
وإن دخل مسلم دار الحرب بأمان فاشترى جارية كتابية واستبرأها كان له أن يطأها هناك لأن ملكه فيها تم بتمام سببه فإن الشراء في كونه سبب الملك تام لا يختلف بدار الحرب ودار الإسلام بخلاف المتلصص إذا أصاب جارية فإن سبب ملكه هناك لم يتم قبل الإحراز لكونه مقهورا في دارهم ولأنه ربما يتصل بجيش في دار الحرب فيشاركونه فيها إذا شاركوه في الإحراز .
( قال ) : وأكره للرجل أن يطأ أمته أو امرأته في دار الحرب مخافة أن يكون له فيها نسل لأنه ممنوع من التوطن في دار الحرب قال صلى الله عليه وسلم { : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك } [ ص: 75 ] وإذا خرج ربما يبقى له نسل في دار الحرب فيتخلق ولده بأخلاق المشركين ولأن موطوءته إذا كانت حربية فإذا علقت منه ثم ظهر المسلمون على الدار ملكوها مع ما في بطنها ففي هذا تعريض ولده للرق وذلك مكروه .
ولا بأس بأن يعطي الإمام أبا الغازي شيئا من الخمس إذا كان محتاجا لأنه لو عرف حاجة الغازي إلى ذلك جاز له أن يضعه فيه ففي أبيه أولى وهذا لأن المقصود سد خلة المحتاج بخلاف الزكاة فإنها تجب على صاحب المال والواجب فعل الإيتاء فإنما يتم ذلك إذا جعله لله خالصا بقطع منفعته منه من كل وجه وههنا الخمس ليس بواجب على الغزاة بل خمس ما أصابوه لله تعالى يصرف إلى المحتاجين بأمر الله تعالى والغازي وأبوه في ذلك كغيره .
وإذا غزا أمير الشام في جيش عظيم فإنه يقيم الحدود في العسكر وقد بينا هذا في كتاب الحدود وفرقنا بينه وبين أمير الجيش الذي فوض إليه الحرب خاصة .
فإن حاصر أمير الشام مدينة مدة طويلة لم يتم الصلاة ولم يجمع لأنه مسافر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أقام بتبوك عشرين ليلة وكان يقصر الصلاة } وابن عمر رضي الله عنهما أقام بأذربيجان ستة أشهر وكان يقصر الصلاة وقد بينا في كتاب الصلاة أن نية المحارب في دار الحرب الإقامة لا تصح لأنه لا يتمكن من التوطن فإنه بين أن يهزم عدوه فيقر أو ينهزم فيفر .
وإذا أراد قوم من المسلمين أن يغزوا أرض الحرب ولم تكن لهم قوة ولا مال فلا بأس بأن يجهز بعضهم بعضا ويجعل القاعد للشاخص وقد بينا ذلك في حديث عمر رضي الله عنه والمعنى فيه أن الجهاد بالنفس تارة وبالمال أخرى والقادر على الخروج بنفسه يحتاج إلى مال كثير ليتمكن به من الخروج وصاحب المال يحتاج إلى مجاهد يقوم بدفع أذى المشركين عنه وعن ماله فلا بأس بالتعاون بينهما والتناصر ليكون القاعد مجاهدا بما له والخارج بنفسه { والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا } ثم دافع المال إلى الخارج ليغزو بما له يعينه على إقامة الفرض وذلك مندوب إليه في الشرع وإن كانت عندهم قوة أو عند الإمام كرهت ذلك أما إذا كان في بيت المال فذلك المال في يد الإمام معد لمثل هذه الحاجة فعليه أن يصرفه إليها ولا يحل له أن يأخذ من المسلمين شيئا لاستغنائه عن ذلك بما في يده وكذلك إن كان الغازي صاحب مال فلا حاجة به إلى الأخذ من غيره وتمام الجهاد بالمال والنفس ولأنه لو أخذ من غيره مالا فعمله في الصورة كعمل من يعمل بالأجرة فلا يكون ذلك لله تعالى خالصا .
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لذلك [ ص: 76 ] الأجير بكم استؤجرت ؟ قال : بدينارين قال { : إنما لك دينارك في الدنيا والآخرة } ولأن الاشتراك ينفي معنى العبادة قال صلى الله عليه وسلم فيما يؤثر عن ربه { من عمل لي عملا وأشرك فيه غيري فهو كله لذلك الشريك وأنا منه بريء } فلهذا يكره له الإشراك بأخذ المال من غيره إذا كان مستغنيا عنه وإذا وجد من يكفيه الحرس فالصلاة بالليل أفضل له من الحرس وكل واحد منهما طاعة أما الصلاة بالليل فظاهر وأما الحرس فلقوله صلى الله عليه وسلم { ثلاث أعين لا تمسها نار جهنم عين غضت من محارم الله تعالى وعين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله } إلا أنه إذا كان له من يكفيه الحرس فالصلاة أولى لأنها عبادة بجميع البدن فهي تنهى عن الفحشاء وتدفع الخواطر الردية وتمنع اللغو فالاشتغال بها أولى وإن لم يجد من يكفيه الحرس فإن أمكنه أن يجمع بين الصلاة والحرس فالجمع بينهما أفضل وقد ذكر محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير عن بعض الصحابة أنه كان يجمع بينهما وإذا تعذر عليه الجمع بينهما فالحرس أفضل لأنه أعم نفعا وقال صلى الله عليه وسلم { : خير الناس من ينفع الناس } ولأن الصلاة بالليل ممكن إذا رجع إلى أهله ولا يتمكن من الحرس إلا في هذا الموضع فالاشتغال في هذا الموضع بما هو متعين أولى وهو كالطواف بالبيت للغرباء أفضل من الصلاة بخلاف أهل مكة .
وإذا طعن المسلم بالرمح في جوفه لم يكن له أن يمشي إلى صاحبه والرمح في جوفه حتى يضربه بالسيف ولا يكون به معينا على نفسه لأن المسلم مندوب إلى بذل نفسه في قهر المشركين وإعزاز الدين وليس في هذا أكبر من بذل النفس لهذا المقصود ولكن هذا إذا كان يعلم أنه يصيب من قرنه إذا فعل ذلك وهو نظير ما لو حمل الواحد على جمع عظيم من المشركين فإن كان يعلم أنه يصيب بعضهم أو ينكي فيهم نكاية فلا بأس بذلك وإن كان يعلم أنه لا ينكي فيهم فلا ينبغي له أن يفعل ذلك لقوله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { رأى يوم أحد كتيبة من اليهود فقال : من لهذه الكتيبة فقال وهب بن قابوس : أنا لها يا رسول الله فحمل عليهم حتى فرقهم ثم رأى كتيبة أخرى فقال : من لهذه الكتيبة ؟ فقال وهب : أنا لها فقال صلى الله عليه وسلم : أنت لها وأبشر بالشهادة فحمل عليهم حتى فرقهم وقتل هو } فذلك دليل على أنه إذا كان ينكي فعله فيهم فلا بأس بأن يحمل عليهم .
وإذا كان المسلمون في سفينة فألقيت إليهم النار لم يضيق على أحد منهم أن يصبر على النار أو يلقي نفسه في البحر أما إذا كان [ ص: 77 ] يرجو النجاة في أحد الجانبين تعين عليه ذلك لأنه مأمور بدفع الهلاك عن نفسه بما يقدر عليه وذلك في الميل إلى الطريق الذي يرجو النجاة فيه وإن كان يرجو النجاة في الجانبين يخير لاختلاف أحوال الناس فمنهم من يصبر على الماء فوق ما يصبر على النار ومنهم من يكون صبره على الدخان والنار أكثر على غم الماء وإن كان لا يرجو النجاة في واحد من الجانبين فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يتخير وعلى قول محمد رحمه الله تعالى ليس له أن يلقي نفسه في الماء لأنه لو صبر على النار كان هلاكه بفعل العدو ولو ألقى نفسه كان هلاكه بفعل نفسه فيتعين عليه الصبر لذلك ولأنه إنما يجوز له أن يلقي في نفسه الماء لدفع الهلاك وذلك عند رجاء النجاة فيه فإذا كان لا يرجو النجاة لم يكن فعله دفعا للهلاك عن نفسه وهما يقولان أن طبائع الناس تختلف فمنهم من يختار غم الماء على ألم النار فهو بالإلقاء يدفع ألم النار عن نفسه لعلمه أنه لا يجد الصبر عليه فكان في سعة من ذلك لأنه مضطر ومن ابتلي ببليتين يختار أهونهما عليه ثم هو وإن ألقى نفسه مدفوع بفعل المشركين فقد ألجئوه إلى ذلك وأفسدوا عليه اختياره فلا يبقى فعله معتبرا بعد ذلك في إضافة الفعل إليه فلهذا يخير والله أعلم بالصواب .
باب في توظيف الخراج ( قال ) رضي الله عنه : وإذا جعل الإمام قوما من الكفار أهل ذمة وضع الخراج على رءوس الرجال وعلى الأرضين بقدر الاحتمال أما خراج الرءوس ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وأما السنة ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وأخذ الحلل من نصارى نجران } وكانت جزية وقال { : سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } يعني في أخذ الجزية منهم وقد طعن بعض الملحدين قال : كيف يجوز تقرير الكافر على الشرك الذي هو أعظم الجرائم بمال يؤخذ منه ولو جاز ذلك جاز تقرير الزاني على الزنا يؤخذ منه ؟ والكلام في هذا يرجع إلى الكلام في إثبات الصانع وأنه حكيم وإثبات النبوة ثم نقول : المقصود ليس هو المال بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه لأنه بعقد الذمة يترك القتال أصلا ولا يقاتل من لا يقاتل ثم يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الدين ويعظه واعظ فربما يسلم إلا أنه إذا سكن دار [ ص: 78 ] الإسلام فما دام مصرا على كفره لا يخلا عن صغار وعقوبة وذلك بالجزية التي تؤخذ منه ليكون ذلك دليلا على ذل الكافر وعز المؤمن ثم يأخذ المسلمون الجزية منه خلفا عن النصرة التي فاتت بإصراره على الكفر لأن من هو من أهل دار الإسلام فعليه القيام بنصرة الدار وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة لأنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية فيشوشون علينا أهل الحرب فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة الذين يقومون بنصرة الدار .
ولهذا يختلف باختلاف حاله في الغنى والفقر فإنه معتبر بأصل النصرة والفقير لو كان مسلما كأن ينصر الدار راجلا ووسط الحال كأن ينصر الدار راكبا والفائق في الغنى يركب ويركب غلاما فما كان خلفا عن النصرة يتفاوت بتفاوت الحال أيضا والأصل في معرفة المقدار حديث عمر رضي الله عنه فإنه وضع الجزية على رءوس الرجال اثني عشر درهما وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين ونصب المقادير بالرأي لا يكون فعرفنا أنه اعتمد السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذنا به وقلنا : المعتمل الذي يكتسب أكثر من حاجته ولا مال له يؤخذ منه كل سنة اثني عشر درهما والمعتمل الذي له مال ولكنه لا يستغني بماله عن العمل يؤخذ منه أربعة وعشرون درهما في كل سنة والفائق في الغنى وهو صاحب المال الكثير الذي لا يحتاج إلى العمل يؤخذ منه ثمانية وأربعون درهما ولا يمكن أن يقدر في المال بتقدير فإن ذلك يختلف باختلاف البلدان فبالعراق من يملك خمسين ألفا يعد وسط الحال وفي ديارنا من يملك عشرة آلاف درهم يعد غنيا فيجعل ذلك موكولا إلى رأي الإمام والحسن البصري كان يقول : إنما يؤخذ ثمانية وأربعون ممن يركب البغلة الشهباء ويتختم بخاتم الذهب وقد قيل : إنه بدل عن السكنى لأنه مع الإصرار على الكفر لا يكون من أهل دار الإسلام أصلا ولا يمكن من السكنى في دار الغير إلا بكراء فالفقير يكفيه لمؤنة السكنى في كل شهر درهم ووسط الحال يحتاج إلى أكثر من ذلك فيضعف عليه وكذلك الفائق في الغنى والأصح هو الأول أنه خلف عن النصرة كما بينا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى تتقدر الجزية بدينار ولا يختلف باختلاف حاله في الفقر والغنى بناء على أصله أن وجوب هذا المال بحقن الدم وذلك لا يختلف بفقره وغناه واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه { : خذ من كل حالم وحالمة دينارا } ولكنا نقول : ثبوت الحقن ليس بالمال بل بانعدام علة الإباحة وهو القتال ولصحة إحرازه نفسه وماله في دارنا لأنه بقبول عقد الذمة يصير من أهل دارنا حتى لا يمكن من الرجوع [ ص: 79 ] إلى دار الحرب بحال وحديث معاذ رضي الله عنه في مال كان وقع الصلح عليه دون الجزية ألا ترى أنه أمر بالأخذ من النساء والجزية لا تجب على النساء .
وأما خراج الأرض فالأصل فيه حديث عمر رضي الله عنه فإنه وضع على كل أرض تصلح للزرع على الجريب درهما وقفيزا وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم واعتمد في ما صنع السنة أيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : منعت العراق قفيزها ودرهمها } فيما ذكر من أشراط الساعة بعده ثم تفاوت الواجب بتفاوت ريع الأراضي ولأن أصل الوجوب باعتبار الريع فإن الخراج مؤنة الأرض النامية فيتفاوت بتفاوت الريع وقد روي أنه بعث لذلك عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما فلما رجعا إليه قال : لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فقالا : لا بل حملناها ما تطيق ولو زدنا لأطاقت وبظاهر هذا الحديث يستدل أبو يوسف رضي الله عنه ويقول : لا تجوز الزيادة على وظيفة عمر رضي الله عنه وإن كانت الأرض تطيق الزيادة لأنهما قالا : لو زدنا لأطاقت فلم يأمرهما بالزيادة ومحمد رحمه الله تعالى يقول : إنه فيما وظف اعتبر الطاقة حيث قال : لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فإذا كانت تطيق الزيادة يزاد بقدر الطاقة .
ألا ترى أنها إذا كانت لا تطيق تلك الوظيفة لقلة ريعها تنقص فكذلك إذا كانت تطيق الزيادة لكثرة ريعها ; يزاد وقد قررنا هذا في شرح الزيادات ثم في خراج الأراضي الرجال والنساء والصبيان سواء لأنها مؤنة الأراضي النامية وهم في حصول النماء لهم سواء .
فأما خراج الرءوس لا يؤخذ من النساء والصبيان لما بينا أنه خلف عن النصرة التي فاتت بإصرارهم على الكفر ونصرة القتال لو كانوا مسلمين على الرجال دون النساء والصبيان ولأن في حقهم الوجوب بطريق العقوبة كالقتل وإنما يقتل الرجال منهم دون النساء والصبيان حين كانوا حربيين فكذلك حكم الجزية بعد عقد الذمة ولئن كان مؤنة السكنى فالنساء والصبيان في السكنى تبع وأجرة السكنى على من هو الأصل دون التبع ولكن الأول أصح فإنه لا تؤخذ الجزية من الأعمى والشيخ الفاني والمعتوه والمقعد مع أنهم في السكنى أصل ولكن لا يلزمه أصل النصرة ببدنه لو كان مسلما فكذلك لا يؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة وعن أبي يوسف أن الأعمى والمقعد إذا كان صاحب مال ورأي يؤخذ منه لأنه يقاتل برأيه وإن كان لا يقاتل ببدنه لو كان مسلما وعجزه لنقصان في بدنه ولا نقصان في ماله فيؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة والفقير الذي لا يستطيع أن يعمل لا تؤخذ منه الجزية لأن الجزية مال يؤخذ منه ولا مال له والعاجز عن الأداء معذور شرعا [ ص: 80 ] فيما هو حق العباد قال الله تعالى { : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } ففي الجزية أولى وهذا لأن الجزية صلة مالية وليست بدين واجب .
ألا ترى أنها سميت خراجا في الشرع والخراج اسم لما هو صلة قال الله تعالى { فهل نجعل لك خرجا } { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } والصلة المالية لا تكون إلا ممن يجد للمال فأما من لا يجد يعان بالمال فكيف يؤخذ منه ولا خراج على رءوس المماليك لأنه خلف عن النصرة والمملوك لا يملك نصرة القتال في نفسه أن لو كان مسلما فلا يلزمه ما هو خلف عن النصرة ثم هو أعسر من الحر الذي لا يجد شيئا لأنه ليس من أهل الملك أصلا ثم المملوك في السكنى تبع لمولاه ولا خراج في الاتباع كالنساء والصبيان ولا صدقة في أموال أهل الذمة من السوائم ومال التجارة في أوطانهم لأن الإمام في الباب عمر رضي الله عنه وهو لم يتعرض لأموالهم في ذلك بشيء لا أن يمروا على العاشر فقد بينا ذلك في الزكاة وكان المعنى فيه أن الأخذ من أموال المسلمين بطريق العبادة المحضة دون المؤنة فإن الشرع جعل الزكاة أحد أركان الدين والكافر ليس بأهل لذلك بخلاف الخراج والعشر فالأخذ من المسلم بطريق مؤنة الأرض ولهذا جاز أخذه من الكافر ولكن يؤخذ من الكافر ما هو أبعد عن معنى العبادة وأقرب إلى معنى الصغار وهو الخراج .
ومن أسلم من أهل الذمة قبل استكمال السنة أو بعدها قبل أن يؤخذ منه خراج رأسه سقط عنه ذلك عندنا وقال الشافعي إن أسلم بعد كمال السنة لم يسقط عنه وإن أسلم قبل كمال السنة فله فيه وجهان وحجته في ذلك أنه دين استقر وجوبه في ذمته فلا يسقط عنه بإسلامه كسائر الديون وبيان الوصف وهو أنه مطالب بأدائه مجبر على ذلك محبوس فيه كسائر الديون أو أقوى حتى إذا بعث بالجزية على يد نائبه لا تقبل بخلاف سائر الديون وبأن كان لا تجب ابتداء على المسلم فلهذا لا يمنع بقاءه عليه بعد الإسلام كخراج الأراضي فالمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج على الأرض ثم يبقي وكذلك الرق لا يبتدأ به المسلم ثم يبقى رقيقا بعد الإسلام وكذلك الفقير لا تجب عليه الزكاة ابتداء ثم تبقى إذا استهلك النصاب بعد الوجوب عليه وهذا لأنه مؤنة السكنى فالإسلام لا ينافي استيفاءه كالأجرة وإنما لا يجب عليه بعد الإسلام ابتداء لأنه صار من أهل دار الإسلام أصلا وهذا بدل حقن الدم بمنزلة المال الواجب بالصلح عن القصاص فالإسلام لا يمنع استيفاءه إذا حصل له الحقن به فيما مضى ولكن لا يجب بعد الإسلام ابتداء لأنه حقن دمه بالإسلام .
( وحجتنا ) في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 81 ] قال { : ليس على مسلم جزية } وفي حديث عمر رضي الله عنه أن ذميا طولب بالجزية فأسلم فقيل له : إنك أسلمت تعوذا فقال : إن أسلمت تعوذا ففي الإسلام لمتعوذ فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه عنه فقال : صدق فأمر بتخلية سبيله والمعنى فيه ما قررنا أن الوجوب عليهم بطريق العقوبة لا بطريق الديون وعقوبات الكفر تسقط بالإسلام كالقتل والدليل على أنه نظير القتل أنه يختص بالوجوب عليه من يقتل على كفره حتى لا يوجب على النساء والصبيان وبه فارق خراج الأراضي والاسترقاق مع أن الاسترقاق عقوبة من حيث تبديل صفة المالكية بالمملوكية وقد تم ذلك حين استرق فهو عقوبة مستوفاة ووزانها جزية استوفيت قبل الإسلام ثم في حق المسلمين هذا المال خلف عن النصرة كما بينا وإذا أسلم فقد صار من أهل النصرة فيسقط ما هو خلف لأنه لا بقاء للخلف بعد وجود الأصل ولأن أخذ الجزية منهم بطريق الصغار كما قال تعالى { وهم صاغرون } ولهذا لا تقبل منه لو بعثها على يد نائبه بل يكلف بأن يأتي به بنفسه فيعطي قائما والقابض منه قاعد وفي رواية يأخذ بتلبيبه فيهزه هزا ويقول : أعط الجزية يا ذمي وبعد الإسلام لا يمكن استيفاؤه بطريق الصغار لأن المسلم يوقر لإيمانه وإذا تعذر استيفاؤه من الوجه الذي وجب امتنع الاستيفاء لأنه لا يجوز أن يستوفي غير الواجب وإنما يتحقق استيفاء الواجب إذا استوفي بالصفة التي وجب وهذا بخلاف ما إذا استهلك النصاب في مال الزكاة بعد وجوبها لأن وجوب الزكاة على المسلم بطريق العبادة وبعدما افتقر يستوفي بطريق العبادة أيضا حتى لو خرج من أن يكون أهلا للعبادة بأن ارتد نقول بأنه لا يبقي وقد بينا أن الجزية ليست بدين ولا بدل عن السكنى ولا بدل عن حقن الدم ولئن سلمنا له ذلك فإنما هو بدل عن الحقن في المستقبل لا فيما مضى وقد استفاد الحقن بالإسلام فلا معنى لأخذ الجزية منه بعد ذلك وعلى هذا الخلاف لو مات بعد مضي السنة عندنا لا يستوفي الجزية من تركته وعنده يستوفي اعتبارا بسائر الديون .
وطريقنا ما قررنا في المسألة الأولى ولأن هذه صلة والصلات لا تتم إلا بالقبض وتبطل بالموت قبل التسليم كالنفقات ودليل أنها صلة ما بينا أنها ليست ببدل عن السكنى لأنه بعقد الذمة صار من أهل دارنا فإنما يسكن دار نفسه ولا يسكن ملك نفسه حقيقة وقولنا دار الإسلام نسبة للولاية فلا يستحق باعتباره الأجرة ولا هو بدل عن حقن الدم لأن الآدمي في الأصل محقون الدم والإباحة بعارض القتال فإذا زال ذلك بعقد الذمة عاد الحقن الأصلي [ ص: 82 ] ولأن قتل الكافر جزاء مستحق لحق الله تعالى فلا يجوز إسقاطه بمال أصلا فإذا ثبت أنه ليس بعوض عن شيء عرفنا أنه صلة وفي الصلات المعتبر الفعل دون المال والأفعال لا يمكن استيفاؤها من التركة فإنما يبقى بعد الموت ما يمكن استيفاؤه .
ألا ترى أنه لو استأجر خياطا ليخيط ثوبه بيده فمات الخياط بطل العقد لأن المستحق الفعل ولا يمكن استيفاؤه من التركة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|