
14-12-2025, 02:57 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,067
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر
صـــ 22 الى صـــ 31
(202)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما { : أن رجلا من المشركين وقع في الخندق فمات فأعطى المسلمون بجيفته مالا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنهاهم } وفيه دليل لأبي يوسف على أبي حنيفة ومحمد رحمهم الله تعالى في أنه لا يجوز للمسلم بيع الميتة من الحربي في دار الحرب بمال فإن مطلق النهي دليل فساد المنهي عنه ، ولكنهما يقولان : إنما يجوز ذلك للمسلم المستأمن في دار الحرب وموضع الخندق كان من دار الإسلام فلهذا نهى عن ذلك وهذا ليس بقوي فإن في دار الإسلام إنما لا يحل ذلك مع الحربي المستأمن فأما مع الحربي الذي لا أمان له يجوز في دار الإسلام ودار الحرب لأن ماله مباح فللمسلم أن يأخذه بأي وجه يقدر عليه ولكن الأصح أن نقول : إنما نهى عن ذلك لما عرف فيه من الكبت والغيظ للمشركين لا لأن ذلك حرام أو لئلا يظن بالمسلمين أنهم يجاهدون لطلب المال بل لابتغاء مرضاة الله تعالى وإعزاز الدين .
وعن الشعبي وزياد بن علاقة رحمهما الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أني قد أمددتك بقوم من أهل الشام فمن أتاك منهم قبل أن تتفقى القتلى فأشركه في الغنيمة فيه بيان أن الإمام إذا بعث جيشا ينبغي له أن يمدهم بقوم أخر ليزدادوا بهم قوة وأن المدد إذا لحق الجيش بعد إصابة الغنيمة قبل الإحراز فإنهم يشاركونهم في المصاب كما هو مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى وأن مراد عمر رضي الله عنه في قوله : الغنيمة لمن شهد الوقعة . إذا كانت الوقعة في دار الإسلام ودار الحرب بمنزلة موضع واحد فمن حصل من المدد في دار الحرب كان شاهدا للوقعة معنى وتكلموا في معنى قوله : قبل أن تتفقى القتلى . قيل : معناه قبل أن تتشقق القتلى بطول الزمان فجعل ذلك كناية عن الانصراف إلى دار الإسلام وقيل : معناه قبل أن يميز قتلى المسلمين من قتلى المشركين والتفقؤ عبارة عن هذا ومنه سمي الفقيه لأنه يميز الصحيح من السقيم وقال الشاعر
: تفقأ فوقه القلع السواري وجن الخازباز به جنونا . ومنهم من يروي تتقفى القتلى القاف قبل الفاء ومعناه قبل أن تجعلوا القتلى على قفاكم بالانصراف [ ص: 23 ] إلى دار الإسلام وعن أبي قسيط قال : بعث أبو بكر رضي الله عنه عكرمة بن أبي جهل في خمسمائة رجل مددا لزياد بن لبيد البياضي والمهاجر بن أمية المخزومي إلى اليمن فأتوهم حتى افتتحوا النجير فأشركهم في الغنيمة ، وبهذا يستدل من يجعل للمدد شركة وإن لحقوا بالجيش في دار الإسلام لأن بالفتح قد صارت تلك البقعة دار إسلام ولكنا نقول : تأويله أنهم فتحوا ولم تجر أحكام الإسلام فيها بعد وبمجرد الفتح قبل إجراء أحكام الإسلام لا تصير دار إسلام وعليه يحمل أيضا ما روي أن { أبا هريرة رضي الله عنه التحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما فتح خيبر ، } وكذلك جعفر مع أصحابه رضي الله عنهم قدموا من الحبشة بعد فتح خيبر حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا أدري بأي الأمرين أنا أشد فرحا بفتح خيبر أو بقدوم جعفر } ولم يشركهم في الغنيمة لأنهم إنما أدركوا بعد تصير البقعة دار إسلام فلهذا لم يسهم لهم ، مع أن غنائم خيبر كانت عدة من الله تعالى لأهل الحديبية خاصة كما قال الله تعالى { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } وهما ما كانا من أهل الحديبية فلهذا لم يسهم لهما والدليل على أن للمدد شركة إذا لحقوا بالجيش في دار الحرب ما روي أن أهل الكوفة غزوا نهاوند فأمدهم أهل البصرة بألفي فارس وعليهم عمار بن ياسر رضي الله عنه فأدركوهم بعد إصابة الغنيمة فطلب عمار رضي الله عنه الشركة وكان على الجيش رجل من عطارد فقال : يا أجدع أتريد أن تشركنا في غنائمنا فقال عمار رضي الله عنه : خير أذني سببت وكان قد قطعت إحدى أذنيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ثم رفع إلى عمر رضي الله عنه فجعل لهم الشركة في الغنيمة فبهذه الآثار يأخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى .
وعن ابن عباس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بيهود قينقاع على بني قريظة ولم يعطهم من الغنيمة شيئا } وفي هذا دليل أنه لا بأس للمسلمين أن يستعينوا بأهل الذمة في القتال مع المشركين وقد كره ذلك بعض الناس فقالوا : فعل المشركين لا يكون جهادا ، فلا ينبغي أن يخلط بالجهاد ما ليس بجهاد ، واستدلوا على ذلك بما روي { أن رجلين من المشركين خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال : لا يغز معنا إلا من كان على ديننا فأسلما } ، ولكنا نقول في الاستعانة بهم : زيادة كبت وغيظ لهم والاستعانة بهم كالاستعانة بالكلاب عليهم ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لعلمه أن الرجلين يسلمان إذا أبى ذلك عليهما .
ألا ترى أنه قال في الحديث { فأسلما ، } وقيل : كان يخاف الغدر منهما لضعف كان بالمسلمين يوم بدر كما قال الله [ ص: 24 ] تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ، وإذا خاف الإمام ذلك فلا ينبغي أن يستعين بهم ، وأن يمكنهم من الاختلاط بالمسلمين وهو تأويل ما ذكر من حديث الضحاك رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد ، فإذا كتيبة حسناء ، أو قال : خشناء ، فقال : من هؤلاء ؟ قالوا : يهود كذا وكذا ، فقال : لا نستعين بالكفار } ، أو تأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم لا يقاتلون تحت راية المسلمين ، وعندنا إنما يستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين ، فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم ، وهو تأويل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : لا تستضيئوا بنار المشركين } ، وقال صلى الله عليه وسلم { : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك } يعني : إذا كان المسلم تحت راية المشركين .
وعن الحكم أن أبا بكر رضي الله عنهما كتب إليه في أسيرين من الروم أن لا تفادوهما وإن أعطيتم بهما مدين من الذهب ، ولكن اقتلوهما أو يسلما ، ففيه دليل أنه لا يجوز مفاداة الأسير بالمال كما هو المذهب عندنا بخلاف ما يقوله الشافعي رحمه الله وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى الأسرى يوم بدر ، وكان الفداء أربعة آلاف } ، إلا أنه انتسخ ذلك بنزول قوله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } إلى قوله { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } .
وقد كان أبو بكر رضي الله عنه قد أشار عليه بالفداء وعمر رضي الله عنه كان يشير بالقتل ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر رضي الله عنه لحاجة الصحابة رضي الله عنهم إلى المال في ذلك الوقت ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { لو نزل من السماء عذاب ما نجي من ذلك إلا عمر ، } فلهذا بالغ أبو بكر رضي الله عنه في النهي عن المفاداة بقوله : ولو أعطيتم بهما مدين من ذهب ففيه دليل على أن الأسير يقتل إن لم يسلم ، وممن قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسارى بدر عقبة بن أبي معيط { قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : قدمه واضرب عنقه وأوف بنذر نبيك } { ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي عزة يوم بدر بشرط أن لا يعين عليه ، وكان شاعرا فوقع أسيرا يوم أحد وأمر بقتله ، وكان طلب أن يمن عليه فقال صلى الله عليه وسلم : لا تحدث العرب أني خدعت محمدا مرتين } ثم ذكر عن الحسن وعطاء رحمهما الله تعالى قال : لا يقتل الأسير ولكن يفادى أو يمن عليه ، وكأنهما اعتمدا ظاهر قوله تعالى { فإما منا بعد وإما فداء } ولسنا نأخذ بقولهما فإن حكم المن والمفاداة بالمال قد انتسخ بقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ; لأن سورة [ ص: 25 ] براءة من آخر ما نزل ، وذكر في بعض النوادر عن محمد رحمه الله تعالى قال : كان ذلك في عبدة الأوثان من العرب لأنه لا يجوز استرقاقهم ، فلم يكن في المن والمفاداة إبطال حق المسلمين عما ثبت حقهم فيه ، ولكن هذا ضعيف والصحيح ما بينا أن حكم المن والمفاداة قد انتسخ ولا يجوز للإمام أن يفعل ذلك إلا إذا عرف للمسلمين فيه منفعة عامة كما روي { أن ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة أسره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وربطوه بسارية المسجد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما وراءك يا ثمامة فقال : إن عاقبت عاقبت ذا ذنب وإن مننت مننت على شاكر وإن أردت المال فعندي من المال ما شئت فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن يقطع الميرة عن أهل مكة ففعل ذلك حتى قحطوا } .
وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : لم يخمس طعام خيبر وكان قليلا فكان أحدنا إذا احتاج إلى شيء أخذ قدر حاجته . وفي هذا دليل أنه يباح لكل واحد من الغانمين أن يتناول من الطعام والعلف بقدر حاجته وقد رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه كان يخمس الغنيمة إلا الطعام والعلف فكان يأخذ من ذلك بقدر حاجته } وكتب صاحب جيش عمر رضي الله عنه بالشام إليه : إنا افتتحنا أرضا كثيرة الطعام فكرهت أن أمضي في ذلك شيئا إلا بأمرك فكتب إليه : دع الناس ليصيبوا من ذلك بقدر حاجتهم بشرط أن لا يبيعوا فمن باع شيئا من ذلك فقد وجب فيه خمس الله تعالى ورسوله وبهذه الآثار نأخذ التساهل في أمر الطعام بالناس وللعلم بتجدد الحاجة إليه في كل وقت وعجزهم عن الحمل من دار الإسلام ما يحتاجون إليه للذهاب والرجوع إذا أمعنوا في دار الحرب فقد روي { عن عبد الله بن المفضل قال : دلي علي جراب من شحم من بعض حصون خيبر فاحتضنته وقلت في نفسي لا أعطي أحدا منه شيئا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي ويتبسم ، } ولم ينكر عليه ذلك لعلمه بحاجته .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { : المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم } ، والمراد باليد النصرة يعني النصرة للمسلمين على من سواهم كما قال الله تعالى { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } وفي قوله { تتكافأ دماؤهم } دليل لنا على المساواة بين العبيد والأحرار في حكم القصاص ولا معنى لاستدلال الشافعي رحمه الله تعالى بهذا اللفظ أنه لا يقتل مسلم بكافر لأن فيه إثبات التساوي في دماء المسلمين [ ص: 26 ] لا نفي المساواة بين دمائهم ودماء غيرهم بل ذلك مفهوم والمفهوم عندنا ليس بحجة وبقوله يسعى بذمتهم أدناهم يستدل محمد رحمه الله تعالى على صحة أمان العبد فإن أدنى المسلمين العبيد ، ولكنا نقول معناه يسعى بذمتهم أقربهم إلى دار الحرب وهو من يسكن الثغور مشتق من الدنو وهو القرب لا من الدناءة قال الله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى } وقيل : معناه أقلهم في القرب ويكون ذلك من القلة كما في قوله تعالى { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر } فيكون ذلك دليلا على صحة أمان الواحد ، أو المراد به الفاسق لأنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينسب العبد الورع إلى الدناءة ، وقيل : المراد بالذمة عقد الذمة دون الأمان وذلك صحيح من العبد عندنا .
وعن أبي عمير مولى آبي اللحم قال { : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين فقال لي : تقلد هذا السيف فتقلدته فجررته على الأرض فأعطاني من حربي المتاع } ، ومنهم من يروي مولى آبي اللحم والأشهر هو الأول لأن مولاه كان يأبى اللحم فسمي بآبي اللحم وفي الحديث إشارة إلى صغره لأن جر السيف على الأرض لصغره وقيل : لا بل فعل ذلك على طريق الخيلاء كما يفعله المبارز بين الصفين وفائدة الحديث أن من قاتل ممن لا يستحق السهم لصغر أو رق فإنه يرضخ له لأنه أعطاه من حربي المتاع يعني الشفق منه على سبيل الرضخ .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال { : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم لمستهل الشهر وأقام عليها أربعين يوما وفتحها يعني الطائف في صفر } وفي هذا دليل على أنه لا بأس بالقتال في الشهر الحرام فإن المحاصرة من القتال وقد روي أنه نصب المنجنيق على الطائف ففعله بيان أن ما كان من حرمة القتال في الأشهر الحرم قد انتسخ ، وكان الكلبي رحمه الله يقول ذلك ليس بمنسوخ ولسنا نأخذ بقوله في ذلك بل بما روي عن مجاهد رحمه الله قال : النهي عن القنال في الأشهر الحرم منسوخ نسخه قوله تعالى { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . وقد بينا أن سورة براءة من آخر ما نزل فانتسخ به ما كان من الحكم في قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } الآية .
( فإن قيل ) كيف يستقيم دعوى النسخ بهذه الآية وقد قال الله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } الآية .
( قلنا ) : المراد به مضي مدة الأمان الذي كان لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى كما قال { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ووافق مضي ذلك انسلاخ الأشهر الحرم والدليل على نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم قوله تعالى { منها أربعة حرم } إلى قوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة [ ص: 27 ] كما يقاتلونكم كافة } قيل معناه لا تظلموا فيهن أنفسكم بالامتناع من قتال المشركين ليجترئوا عليكم بل قاتلوهم كافة لتنكسر شوكتهم وتكون النصرة لكم عليهم وفيما ذكر من الأخبار في الأصل عن الزبير رضي الله عنه عمن شهد المشاهد قال { : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة فقال : من كانت له عانة فاقتلوه ومن لم تكن له عانة فخلوا عنه فكنت ممن لا عانة له فخلي عني } قلت : وما من أحد إلا وله عانة فالعانة في اللغة الموضع الذي ينبت عليه الشعر ولكن المراد من نبت الشعر على ذلك الموضع منه وجعل اسم الموضع كناية عنه وبه يستدل مالك رحمه الله تعالى فإنه يجعل نبات الشعر دليل البلوغ ولسنا نقول به لاختلاف أحوال الناس فيه فنبات الشعر في الهنود يسرع وفي الأتراك يبطئ . وتأويل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف من طريق الوحي أن نبات الشعر في أولئك القوم يكون عند البلوغ أو أراد تنفيذ حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فإنه كان من حكمه بأن يقتل منهم من جرت عليه الموسى لعلمه أنه كان من المقاتلة فيهم .
وذكر عن محمد بن إسحاق والكلبي رحمهما الله أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر كان مع سهم عاصم بن عدي وفيه دليل على أن الإمام ينبغي له أن يقسم الغنيمة على العرفاء أولا ثم يقسم كل عريف على من تحت رايته ليكون ذلك أسهل وفيه دليل على تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يجعل باسم نفسه سهما ولكن جعل نفسه تحت راية غيره وروي أن أول السهام خرج يومئذ سهم عاصم بن عدي لكون سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم .
وذكر عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : والله ما يصلح إلي من فيئهم ولا مثل هذه الوبرة أخذها من سنام بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال : أخذت هذه لأخيط بها بردعة بعير لي فقال صلى الله عليه وسلم : أما نصيبي فهو لك فقال : أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها } وفيه دليل حرمة الغلول وأن ذلك في القليل والكثير ويستدل الشافعي رحمه الله تعالى بالحديث في جواز هبة المشاع فقد وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه من الرجل وكان مشاعا ولكنا نقول : مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المبالغة في المنع من الغلول يعني أنك تطلب مني أن أجعل لك هذه الكبة ولا ولاية [ ص: 28 ] لي إلا على نصيبي منها فقد جعلت نصيبي منها لك إن جاز ليبين به أنه ليس للإمام ولاية إبطال حق الغانمين وتخصيص أحدهم بشيء منه مع أن الكبة من الشعر لا تحتمل القسمة بين الجند لكثرتهم فإنه لا يصيب كل واحد منهم شيئا منتفعا به إذا قسمت وعندنا هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة يجوز وعن أبي المليح بن أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع { : كل ربا كان في الجاهلية موضوع وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب } زاد في رواية { : وكل دم كان في الجاهلية موضوع وأول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث } وإن العباس رضي الله عنه بعد ما أسلم يوم بدر رجع إلى مكة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يربي بمكة قبل نزول التحريم وبعد نزوله لأن حكم الربا لا يجري بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد كانت مكة يومئذ دار حرب ، ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه موضوع لا خصومة فيه بعد الفتح وقيل : مراده أنه لا مطالبة له بما بقي منه بعد الفتح قال الله تعالى { وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } وإنما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بربا العباس رضي الله عنه فيما أخبر أنه موضوع ليبين أن فعله ليس على نهج الملوك فالملوك في الأوامر يبدءون بالأجانب وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه ليبين للناس أن القريب والبعيد عنده في حكم الشرع سواء .
وذكر عن حبيب بن سلمة قال { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث : } وفيه دليل على جواز التنفيل للتحريض على القتال كما أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } وبظاهره يستدل الأوزاعي رحمه الله تعالى في جواز التنفيل بعد الإصابة فإن التنفيل في الرجعة يكون بعد الإصابة ولكنا نقول المراد أنه كان ينفل السرية الأولى الربع والسرية الثانية الثلث قبل الإصابة لا بعدها وهذا لأن التنفيل للتحريض والجيش في أول دخولهم ينشطون في القتال ما لا ينشطون بعد تطاول المدة ولهذا قلل نفل السرية الأولى وزاد في نفل السرية الثانية ولأن السرية الثانية يحتاجون إلى أن يمعنوا في الطلب فلهذا زاد في النفل لهم .
وذكر عن الزهري رحمه الله تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا تعقر الخيل في أرض العدو } وهو دليلنا على مالك رحمه الله تعالى فإنه يجوز العقر فيما يقوم عليه من الدواب من الغنيمة كانت أو من غيرها لحديث جعفر الطيار رضي الله عنه فإنه لما استقتل يوم موته وعلم أنه لا ينجو منهم عقر فرسه [ ص: 29 ] وتقدم في نحر العدو حتى قتل ، ولكنا نقول في العقر مثلة { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور } ولعل فعل جعفر رضي الله عنه كان قبل النهي فانتسخ به .
وعن الضحاك رضي الله عنه قال { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال : لا تقتلوا وليدا ولا النساء ولا الشيخ الكبير } وقد بينا حرمة قتل النساء والصبيان منهم لأنهم لا يقاتلون وكذلك الشيخ الكبير الذي أمن من قتاله بنفسه ورأيه ولا يرجى له نسل أما إذا كان له رأي يقتل .
ألا ترى أن دريد بن الصمة قتل يوم حنين وكان ابن مائة وستين سنة وقد ذهب بصره ولكنهم أحضروه ليستعينوا برأيه وأشار إليهم بأن يرفعوا الثقل إلى عليا بلادهم ويلقوا المسلمين على متون الخيل بسيوفهم فخالفوه في ذلك ، وفيه يقول
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وإنما قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيه في الحرب .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى أن تدخل المصاحف أرض العدو } والمشهور فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو } وإنما نهى عن ذلك مخافة أن تناله أيدي العدو ويستخفوا به فعلى هذا النهي في سرية ليست لهم منعة قوية فأما إذا كانوا جندا عظيما كالصائفة فلا بأس بأن يتبرك الرجل منهم بحمل المصحف مع نفسه ليقرأ فيه لأنهم يأمنون من ذلك لقوتهم وشوكتهم .
( فإن قيل ) : أهل الشرك وإن كانوا يزعمون أن القرآن ليس بكلام الله تعالى فيقرون أنه كلام حكيم فصيح فكيف يستخفون به ، ( قلنا ) إنما يفعلون ذلك مغايظة للمسلمين وقد ظهر ذلك من فعل القرامطة في الموضع الذي أظهروا فيه اعتقادهم على ما ذكره ابن رزام في كتابه أنهم كانوا يستنجون بالمصاحف وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في مشكل الآثار أن هذا النهي كان في ذلك الوقت لأنه يخاف فوت شيء من القرآن من أيدي المسلمين فأما في زماننا فقد كثرت المصاحف وكثر الحافظون للقرآن عن ظهر القلب فلا بأس بحمل المصحف إلى أرض العدو لأنه لا يخاف فوت شيء من القرآن وإن وقع بعض المصاحف في أيديهم .
وذكر عن يزيد بن هرمز قال : أنا كتبت كتاب ابن عباس رضي الله عنهما إلى نجدة كتبت إلي تسألني عن قتل الولدان وإن عالم موسى قتل وليدا وقد { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان } فلو كنت تعلم في الولدان ما كان يعلم عالم موسى كان ذلك وقد بينا أن نجدة كان [ ص: 30 ] يسأل ابن عباس رضي الله عنهما سؤال التعمق حتى سأله يوما لماذا طلب سليمان عليه الصلاة والسلام الهدهد قال : ليخبره بالماء فإنه يبصر الماء تحت الأرض وإن كان إلى مائة ذراع فقال : إنه لا يبصر الفخ تحت التراب فكيف يبصر الماء تحت الأرض فقال ابن عباس رضي الله عنهما إذا جاء القضا عمي البصر ومما سأله هذا لذا رواه وجوابه ما قال ابن عباس رضي الله عنهما إن عالم موسى كان يعلم من ذلك الغلام ما أظهره لموسى عليه الصلاة والسلام حين استعظم ذلك فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا وذكر الطحطاوي رحمه الله تعالى أن ذلك الغلام الذي قتله عالم موسى كان بالغا فقد كان عاقلا مميزا والبلوغ في ذلك الوقت كان بالعقل ثم ذكر في الحديث وكتبت تسألني عن اليتيم متى يخرج من اليتم ؟ فإذا احتلم يخرج من اليتم ويضرب له بسهم وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم { لا يتم بعد الحلم } والذي روي أن الكفار كانوا يسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب بعد المبعث قد كانوا يقصدون الاستخفاف به لا أنه في الحال يتيم قيل هذا لطف من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يشتمون يتيما وهو لم يكن يتيما ولا تتناوله تلك الشتمة كما روي أنهم كانوا يسمونه مذمما ويشتمون مذمما وهو كان محمدا صلى الله عليه وسلم فلا تتناوله تلك الشتمة فهذا مثله والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . .
باب معاملة الجيش مع الكفار
( قال ) رضي الله عنه وإذا غزا الجيش أرضا لم تبلغهم الدعوة لا يحل لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الإسلام ليعرفوا أنهم على ماذا يقاتلون وهو معنى حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام } ولو قاتلوهم بغير دعوة كانوا آثمين في ذلك ولكنهم لا يضمنون شيئا مما أتلفوا من الدماء والأموال عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : في القديم يضمنون ذلك لبقاء صفة الحقن والعصمة إلا أن يوجد الإباء منهم ولا يتحقق ذلك إلا أن تبلغهم الدعوة ولكنا نقول : العصمة المقومة تكون بالإحراز وذلك لم يوجد في حقهم ولئن كانت العصمة بالدين كما يدعيه الخصم فهو غير موجود في حقهم أيضا والقتال إما أن يكون للمحاربة كما يقوله علماؤنا رحمهم الله تعالى أو للشرك كما يقوله الخصم وذلك موجود في حقهم ولكن شرط الإباحة تقديم الدعوة فبدونه لا يثبت [ ص: 31 ] ومجرد حرمة القتل لا يكفي لوجوب الضمان كما في النساء والولدان منهم وكما نهى عن قتل من بلغته الدعوة منهم بطريق المثلة ثم لا يكون موجبا للضمان عليه على من فعله وإن كانوا قد بلغتهم الدعوة فإن هم دعوهم فحسن لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { بعث معاذا في سرية وقال : لا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدؤكم فإن بدؤكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ثم أروهم ذلك القتيل وقولوا لهم هل إلى خير من هذا سبيل ؟ فلأن يهدي الله تعالى على يديك خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت } وقد بينا أن المبالغة في الإنذار قد تنفع وإن تركوا ذلك فحسن أيضا لأنهم ربما لا يقوون عليهم إذا قدموا الإنذار والدعاء .
ولا بأس أن يغيروا عليهم ليلا أو نهارا بغير دعوة لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون غافلون ويعمهم على الماء بسقي وعهد إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يغيروا على أبنا صباحا ثم يحرق } { وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغير على قوم صبحهم واستمع النداء فإن لم يسمع أغار عليهم حتى روي أنه صبح أهل خيبر وقد خرج العمال ومعهم المساحي والمكاتل فلما رأوهم ولوا منهزمين يقولون : محمد والخميس ، والخميس : الجيش وقد كانوا وجدوا في التوراة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم يوم الخميس ويظفر عليهم وكان ذلك اليوم يوم الخميس فلما قالوا ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين } ، ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الأشجار وكان الأوزاعي رحمه الله تعالى يكره ذلك كله لحديث أبي بكر رضي الله عنه في وصية يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه : لا تقطعوا شجرا ولا تخربوا ولا تفسدوا ضرعا ولقوله تعالى { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } الآية وتأويل هذا ما ذكره محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير { أن أبا بكر رضي الله عنه كان أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الشام تفتح له على ما روي أنه قال يوما : إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر } فقد أشار أبو بكر رضي الله عنه إلى ذلك في وصيته حيث قال : فإن الله ناصركم عليهم وممكن لكم أن تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم الله منكم أنكم تأتونها تلهيا فلما علم أن ذلك كله ميراث للمسلمين كره القطع والتخريب لهذا .
ثم الدليل على جوازه ما ذكره الزهري رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم { أمر بقطع نخيل بني النضير فشق ذلك عليهم حتى نادوه ما كنت ترضى [ ص: 32 ] بالفساد يا أبا القاسم فما بال النخيل تقطع فأنزل الله تعالى { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها } } الآية واللينة النخلة الكريمة فيما ذكره المفسرون { وأمر بقطع النخيل بخيبر حتى أتاه عمر رضي الله عنه فقال : أليس إن الله تعالى وعد لك خيبر فقال : نعم ، فقال : إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك فأمر بالكف عن ذلك } { ولما حاصر ثقيفا أمر بقطع النخيل والكروم حتى شق ذلك عليهم وجعلوا يقولون الحبلة لا تحمل إلا بعد عشرين سنة فلا عيش بعد هذا } ففي هذا بيان أنهم يذلون بذلك وأن فيه كبتا وغيظا لهم وقد أمرنا بذلك قال الله تعالى { ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار } { ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر عوف بن مالك النضري فأمر بأن يحرق } وفيه يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه
وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير 
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|