
14-12-2025, 12:12 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع
صـــ 202 الى صـــ 205
(199)
( قال ) وإن بيتوا على مسافرين في منازلهم في غير مصر ، ولا في مدينة فكابروهم وأخذوا المال فالحكم فيهم كالحكم في الذين قطعوا الطريق ; لأن السبب قد تحقق منهم ، وهو المحاربة وقطع الطريق إذ لا فرق في ذلك بين أن يفعلوا في مشيهم أو في حال نزولهم ; لأنهم في حفظ الله تعالى في الحالين ، فإنما يتمكن هؤلاء منهم لمنعتهم وشوكتهم في الحالين فإن نزل المسافرون منزلا في قرية ففعلوا ذلك بهم لم يلزمهم حد قطاع الطريق ; لأن الذين نزلوا القرية بمنزلة أهل القرية في أن بعضهم يغيث البعض فلا يتحقق قطع الطريق بما فعل بهم ، وكذلك إن أغار بعض النازلين في القرية على البعض فقتلوا وأخذوا المال فالحكم فيهم كالحكم في الذي فعل ذلك في جوف المصر ، فإن نزل رجل في بيت أو في فسطاط فأغلق عليه بابه وضم إليه متاعه فجاء رجل وسرق من فسطاطه أو بيته شيئا فالحكم فيه ما هو الحكم في السارق في المصر
( قال ) وما قتل به قطاع الطريق من حديد أو حجر أو عصي أو سوط فهذا كله سواء ; لأن هذا حكم ينبني على المحاربة فيكون بمنزلة استحقاق السهم بالغنيمة وثبوت صفة الشهادة فلا يفترق الحال في ذلك بين القتل بالسلاح وغيره فهذا مثله بخلاف القصاص فإنه يعتمد العمدية والمماثلة ، وذلك يختلف بالسلاح وغيره
( قال ) وإذا أخذ قاطع الطريق ويده اليسرى شلاء أو مقطوعة لم يقطع منه شيء وقتل أو صلب لما بينا في السرقة الصغرى أنه لا يستوفى القطع على وجه يؤدي إلى تفويت منفعة الجنس ، وقد طعن عيسى في هذا الفصل وقال اعتبار ذلك المعنى في السرقة للتحرز عن الاستهلاك الحكمي أو شبهة الاستهلاك ، ولا معنى لذلك هاهنا فإن إتلافه حقيقة قد صار مستحقا ; لأنه يقتل ويصلب بعد القطع فكيف يمنع استيفاء القطع لشلل في يده اليسرى ، ولكنا نقول مع هذا القطع جزاء أخذ المال فلا يستوفى على وجه يكون متلفا له حكما ، ألا ترى أنه لم يشرع قطع عضوين منه من شق واحد للتحرز عن الإتلاف الحكمي ؟ وإنما يشرع قطع اليد والرجل من خلاف لكي لا يؤدي إلى الإتلاف حكما ، وهذا ; لأنه لا يستحق إتلافه مرتين ، فإذا كان تفويت منفعة الجنس إتلافا ثم قتله كان إتلافا مرتين ، وإن كانت اليمنى منه مقطوعة قطعت الرجل اليسرى وقتل أو صلب ، وإن كان أشل اليمنى قطعها مع الرجل اليسرى ، وقد بينا نظيره في السرقة ، فكذلك [ ص: 203 ] في قطع الطريق
( قال ) ، وإن كان في المقطوع عليهم الطريق ذو رحم محرم من القطاع أو شريك له مفاوض لم يلزمهم حكم القطع ; لأنه امتنع وجوب القطع على ذي الرحم المحرم للشبهة فيمتنع وجوبه على الباقين للشركة ، وقد بينا ذلك في السرقة ، فكذلك في قطع الطريق وكان الشيخ أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول : تأويل المسألة إذا كان في المال المأخوذ لذي الرحم المحرم شركة للجميع وللشريك المفاوض ; لأن مال ذي الرحم المحرم في حكم العقوبة ، كماله فشركته بمنزلة شركة أحد قطاع الطريق في المال المأخوذ ، فأما إذا أخذوا مع ذلك مالا كثيرا لا شركة فيه لذي الرحم المحرم منه يلزمهم القطاع باعتبار ذلك المال ، كما لو سرقوا من حرز ذي الرحم المحرم من أحدهم مالا ومن حرز أجنبي آخر مالا بخلاف ما إذا سرقوا من حرز ذي الرحم المحرم من أحدهم ماله ومال غيره ; لأن الشبهة هناك في الحرز .
ولا معتبر بالحرز في قطع الطريق فكل واحد حافظ لماله محرز له والأصح أن الجواب في الكل واحد ; لأن مال جميع القافلة في حق قطاع الطريق كشيء واحد ، فإنهم قصدوا أخذ ذلك كله بفعل واحد ، فإذا تمكنت الشبهة في بعض ذلك المال في حقهم ، فقد تمكنت الشبهة في جميعه بخلاف السرقة من حرز ثم من حرز ; لأن كل واحد من الفعلين هناك منفصل عن الآخر حقيقة وحكما ووزان هذا من ذلك أن لو قطعوا الطريق على قوم فيهم ذو الرحم المحرم من أحدهم ثم قطعوا الطريق على قوم أجانب وأخذوا المال ، وهذا في حكم القطع دون القتل حتى لو قتلوا أحدهم يقتلون ; لأن المحرم كالأجنبي في القتل
( قال ) وإذا شهد أحد الشاهدين عليهم بمعاينة قطع الطريق وشهد الآخر على إقرارهم بالقطع لم تجز الشهادة لاختلاف المشهود به ; لأن الفعل غير القول ، وإن قال الشاهدان قطع الطريق علينا وعلى أصحابنا هو وأصحابه وأخذوا المال منا لم تجز شهادتهما ; لأنهما يشهدان لأنفسهما وشهادة المرء لنفسه دعوى ، وكذلك إن شهدا أنه قطع الطريق على والدهما أو ولدهما لم تجز شهادتهما ; لأنهما يشهدان لأبيهما ، وهذا ; لأن الحد ، وإن كان استيفاؤه إلى الإمام فلا بد من خصومة صاحب المال ، وفيما كان الخصم أب الشاهد أو ابن الشاهد لا شهادة له ، ولأن شهادته لأبيه كشهادته لنفسه ، وإن شهدوا أنه قطع الطريق على رجل من عرض الناس له ولي يعرف أو ليس له ولي يعرف لم يقم الإمام عليهم الحد إلا بمحضر من الخصم لما بينا أن السبب لا يثبت بالشهادة عنده إلا إذا ترتبت على خصومة الخصم
( قال ) فإن قطعوا الطريق في دار الحرب على تجار [ ص: 204 ] مستأمنين أو في دار الإسلام في موضع قد غلب عليه عسكر أهل البغي ثم أتي بهم إلى الإمام لم يمض عليهم الحد ; لأنهم باشروا السبب حين لم يكونوا تحت يد الإمام ، وفي موضع لا يجري فيه حكمه ، وقد بينا أن ذلك مانع من وجوب الحد حقا لله تعالى لانعدام المستوفي ، فإن استيفاء ذلك إلى الإمام ، ولا يتمكن من الاستيفاء إذا كانوا في موضع لا تصل إليهم يده
( قال ) وإذا رفع قوم من قطاع الطريق إلى القاضي فرأى تضمينهم المال وسلمهم إلى أولياء القود فصالحوهم على الديات ثم رفعوا بعد زمان إلى قاض آخر لم يقم عليهم الحد إما لتقادم العهد أو لانعدام الخصم ، وقد سقطت خصومتهم بما وصل إليهم أو لقضاء الأول فيهم بما قضى ، فإن ذلك نافذ لحصوله في موضع الاجتهاد ، ومن العلماء من يقول : يتقرر الضمان عليهم ووجوب القود بالقتل ، وإن كان متحتما وقضاء القاضي في المجتهدات نافذ
( قال ) وإذا قضى القاضي على قطاع الطريق بقطع الأيدي والأرجل والقتل وحبسوا لذلك فذهب رجل بغير إذن الإمام فقتل منهم رجلا لم يكن عليه شيء ; لأن الإمام أحل دمهم حين قضى عليهم بالقتل ، ومن قتل حلال الدم لا شيء عليه كمن قتل مرتدا أو مقضيا عليه بالرجم ، وكذلك لو قطع يده ; لأنه لما سقطت حرمة نفسه اقتضى ذلك سقوط حرمة أطرافه ضرورة ويتم بقية الحد ; لأن ما فعله ذلك الرجل من إقامة الحد ، وإن افتات فيه على رأي الإمام ففعله في ذلك كفعل الإمام ; لأنه رجل من المسلمين والإمام بمنزلة جماعة من المسلمين في استيفاء هذا الحد ، وإن أخطأ الإمام حين قدم إليه فقطع يده اليسرى فلا شيء عليه ; لأن دمه حلال ، فإنه يقتله بعد القطع فلا عصمة في طرفه ، ولأنه مجتهد فيما صنع ، وقد بينا نظيره في الحداد
( قال ) ، وإذا أقر القاطع بقطع الطريق مرة واحدة أخذ بالحد إلا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، كما في السرقة ، وإن أنكره بعد ذلك درئ عنه الحد لرجوعه عن الإقرار وأخذ بالمال والقود ; لأن رجوعه عن الإقرار فيما هو حق العبد باطل
( قال ) وإذا قطع الطريق وأخذ المال ثم ترك ذلك وأقام في أهله زمانا لم يقم الإمام عليه الحد استحسانا ، وفي القياس يقام عليه ; لأن الحد لزمه بارتكاب سببه ، ولكن استحسن لتوبته وتحوله عن تلك الحالة قبل أن يقدر عليه ، والأصل فيه ما روي أن الحارث بن زيد قطع الطريق ثم ترك ذلك وتاب فكتب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى عامله بالبصرة أن الحارث بن زيد كان من قطاع الطريق ، وقد ترك وتحول عنه فلا تعرض له إلا بخير
( قال ) وإذا قطعوا [ ص: 205 ] الطريق على قوم من أهل الحرب مستأمنين في دار الإسلام لم يلزمهم الحد لما بينا أن السبب المبيح في مال المستأمن قائم ، وهو كون مالكه حربيا ، وإن تأخر ذلك إلى رجوعه إلى دار الحرب ، ولكنهم يضمنون المال ودية القتلى لبقاء الشبهة في دم المستأمن بكونه متمكنا من الرجوع إلى دار الحرب ، وهذا مسقط للعقوبة ، ولكنه غير مانع من وجوب الضمان الذي يثبت مع الشبهة لقيام العصمة في الحال ، ولكن يوجعون عقوبة لتخويفهم الناس بقطع الطريق ، كما إذا لم يصيبوا مالا ، ولا نفسا
( قال ) وإذا قطعوا الطريق على قافلة عظيمة فيها مسلمون ومستأمنون أقيم عليهم الحد إلا أن يكون القتل وأخذ المال وقع على أهل الحرب خاصة فحينئذ لا يجب الحد ، كما لو لم يكن معهم غيرهم ، فأما إذا وقع القتل وأخذ المال على المسلمين وأهل الحرب يقام عليهم الحد كما لو لم يكن أهل الحرب معهم ، وهذا بخلاف ما إذا كان في القافلة ذو رحم محرم من أحدهم لما بينا أن مال ذي الرحم في حقه في حكم الحد كماله فيمكن ذلك شبهة في فعلهم ، فأما مال المستأمنين ليس كماله ، وإنما لم يكن أخذ مال المستأمنين موجبا للعقوبة عليه لبقاء شبهة الإباحة في ماله ، وذلك غير موجود في حق المسلمين وأهل الذمة فيقام عليهم الحد باعتبار نفوس المسلمين ومالهم ويجعل كأنهم لم يتعرضوا للمستأمنين بشيء
( قال ) وإذا أحرم قاطع الطريق حين يأتي به الإمام لم يدرأ عنه الحد بذلك ; لأن إحرامه لو اقترن بالسبب لم يمنع وجوب الحد عليه ، فكذلك إذا اعترض ، وكذلك لو كان ذميا فأسلم ، وهذا الحد معتبر بسائر الحدود حكما ، وكما أن إحرامه وإسلامه لا يمنع إقامة سائر الحدود ، فكذلك هذا الحد
( قال ) وإذا قتله رجل في حبس الإمام قبل أن يثبت عليه شيء ثم قامت البينة بما صنع فعلى قاتله القود ; لأن العصمة والتقوم لا يرتفع بمجرد التهمة ما لم يقض القاضي بحل دمه ، فإنما قتل نفسا محقونة فعليه القود ثم القاضي لا يقضي عليه بحل دمه بعد ما قتل لفوات المحل فوجود هذه البينة كعدمها إلا أن يكون القاتل هو ولي المقتول الذي قتله هذا في قطع الطريق فحينئذ لا يلزمه شيء ; لأنه استوفى حق نفسه على ما بينا أن السبب الموجب للقود قد تقرر ، وإنما يمتنع ظهوره إذا ظهر استحقاق نفسه حدا ، ولم يظهر ذلك قبل إقامة البينة عليه فكان الولي مستوفيا حقه فلا يلزمه شيء والله أعلم

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|