عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 14-12-2025, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع

صـــ 192 الى صـــ 201
(198)



قلنا : نعم لكن وجد من الآخر الإقرار له بعد ذلك التكذيب فيصح تصديقه في ذلك ، كمن أقر لإنسان بمال فكذبه ثم أقر له ثانيا به فصدقه كان له أن يأخذ المال ، وإن كان ذلك في شهادة لم يضمن واحد منهما شيئا ; لأن الشهادة لا توجب شيئا بدون القضاء ، ولا يقضي القاضي بها إلا إذا ترتبت على خصومة صحيحة ، وقد سقط اعتبار خصومته للتناقض ، ولأنه صار مكذبا كل فريق بتصديق الآخر كالمدعي إذا أكذب شاهده لم تقبل شهادته له
( قال ) رجل قال : لآخر سرقت منك كذا وكذا ، فقال : كذبت لم تسرق مني ولكنك غصبته غصبا ، وإنما أردت بذكر السرقة أن تبرأ من الضمان ففي القياس لا شيء عليه ; لأنه كذبه ثم ادعى عليه غصبا مبتدأ فبطل إقراره بالتكذيب ، ولم يثبت ما ادعاه بغير حجة ، ولكنه استحسن فقال : له أن يضمنه ; لأن كلامه موصول ، وفي آخره بيان أن مراده التكذيب في جهة السرقة لا في أصل المال المضمون عليه والبيان المغير صحيح إذا كان موصلا بالكلام ثم المقر له انتدب بما صنع إلى ما ندب إليه في الشرع من إبقاء الستر على المسلم والاحتيال لدرء العقوبة عنه فلا يكون ذلك مسقطا حقه في المال ، وإن قال : سرقت منك كذا فقال الطالب : غصبته غصبا فهو مستهلك فعليه ضمانه ; لأنه كما صدقه في الإقرار بملك أصل المال له ، فقد صدقه في إيجاب الضمان في ذمته ; لأن الغصب والسرقة كل واحد منهما سبب للضمان والأسباب مطلوبة لأحكامها لا لأعيانها فمع التصديق في الحكم لا يعتبر التكذيب في السبب ، وإن قال غصبتك كذا فقال سرقته مني فله أن يضمنه ; لأنه صدقه فيما أقر له به وادعى زيادة جهة السرقة ، ولم يثبت له تلك الزيادة بدعواه فعليه ضمان القيمة ، والقول في مقدار القيمة قول الضامن مع يمينه لإنكاره الزيادة التي يدعيها الطالب

وإن قال : سرقت [ ص: 193 ] من فلان وفلان ثوبا وأحدهما غائب لم يكن للحاضر أن يقطعه ، ولكن يقضى له بنصف الثوب إن كان قائما وبنصف قيمته إن كان مستهلكا ; لأن التصديق من الغائب لم يعرف ، فإذا حضر ربما يكذبه فيبقى نصف الثوب على ملكه ، فلو قطعناه لقطعنا فيما هو شريك فيه ، وذلك لا يجوز ، وهذا بخلاف ما لو قال : زنيت بفلانة وفلانة فكذبته إحداهما وصدقته الأخرى يقام عليه الحد ; لأن فعله بكل واحدة منهما متميز عن فعله بالأخرى ، وهنا إنما أقر بفعل واحد في ثوب بينهما ، ولم يثبت بإقراره السرقة في نصيب الغائب قبل تصديقه فلا يمكن القضاء بالسرقة في نصيب الحاضر خاصة ; لأن فعل السرقة في نصف الثوب شائعا لا يتحقق منفردا عن النصف الآخر ، فلهذا لم يقطع .

فإذا تعذر استيفاء القطع ظهر حكم المال فيقضى للحاضر بما أقر له به ، وذلك نصف الثوب إن كان قائما ونصف قيمته إن كان مستهلكا فإن كانا حاضرين فقال : أحدهما كذبت لم تسرقه ، ولكنك غصبته أو استودعناكه أو أعرناكه أو قال : هو ثوبك لا حق لنا فيه لم يقطع في شيء من ذلك إما للشركة له في الثوب بإقرار أحدهما له بالملك أو لانتفاء فعل السرقة عن نصيب أحدهما بتكذيبه ; لأنه لا يتحقق فعل السرقة في نصيب الآخر من الثوب منفردا ، ولكن يقضى بنصف الآخر أو بنصف قيمته إن كان مستهلكا لما بينا أن في حق الثاني ينبني القضاء على ما أقر له ، وإن كان ذلك ببينة وأحدهما غائب فقضي للحاضر بنصف الثوب أو بنصف قيمته ثم جاء الغائب وادعى السرقة يقضى له بمثل ذلك ; لأن أحد الشريكين في إثبات الملك قائم مقام صاحبه ، ولكن لا يقطع السارق ; لأن القاضي حين قضى بنصف الثوب للأول أو بنصف قيمته ، فقد درأ القطع عنه في نصيبه إذ القاضي لا يشتغل بالضمان إلا بعد درء الحد ، ولأنه بالضمان ملك ذلك النصف ، واعتراض الملك في البعض كاعتراضه في الجميع في إسقاط الحد عنه .

وإن كان الآخر حاضرا وقت الخصومة فقال : الثوب وديعة أو عارية لنا عندك لم يقض له بشيء ; لأنه أكذب شهوده ، فإنهم شهدوا بالسرقة وإكذاب المدعي شاهده يبطل الشهادة في حقه وليس للآخر أن يشاركه في تلك الخصومة ; لأنه أبطل حق نفسه بإكذابه شهوده وصار كما لو أبرأه عن نصيبه من الضمان وبعد الإبراء لا يبقى له حق مشاركة الآخر فيما يقبض
( قال ) رجلان أقرا أنهما سرقا هذا الثوب من هذا الرجل والرجل يدعي ذلك فلما أمر الحاكم بقطعهما قال أحدهما : الثوب ثوبنا لم نسرقه قال يدرأ القطع عنهما ; لأن المعترض [ ص: 194 ] من دعوى الملك من أحدهما كالمقترن بالسبب ، ألا ترى أنهما لو ادعيا جميعا الملك بعد القضاء كان شبهة في درء الحد بمنزلة المقترن بالسبب ، فكذلك إذا ادعى ذلك أحدهما ، وهذا ; لأن الحد وجب عليهما في شيء واحد ، وقد آل الأمر إلى الخصومة والاستحلاف في ذلك الشيء ، ولو كان أحدهما قال : سرقنا هذا الثوب من هذا الرجل وقال الآخر : كذبت لم نسرقه ، ولكنه لفلان قال : يقطع المقر بالسرقة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله : أحب إلي أن لا يقطع واحد منهما .

وكذلك لو قال أحدهما : سرقناه وقال الآخر : لم أسرق معك ، ولا أعرفك ، ولا أعرف هذا الثوب فهو على الخلاف ، وقد كان أبو يوسف رحمه الله تعالى أولا يقول كقول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ثم رجع . وجه قول أبي يوسف رحمه الله تعالى أن المقر منهما أقر بسرقة شيء واحد ، وقد تعذر إيجاب القطع على واحد منهما لإنكاره فصار ، كما لو تعذر إيجاب الحد عليه لدعواه الملك لنفسه فيكون شبهة في درء الحد عنهما . وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أن المقر أقر بالفعل الموجب للعقوبة على نفسه وعلى غيره ، وقد انعدم أصل الفعل في حق الآخر لتكذيبه فلا يوجب ذلك شبهة في الفعل الثابت في حق المقر بإقراره ، ولا في موجبه ، كما لو قال : قتلت أنا وفلان فلانا ، وقال الآخر : أنا ما قتلت فالقصاص واجب على المقر ، وكذلك لو قال : زنيت أنا وفلان بفلانة وكذبه الآخر كان على المقر الحد بخلاف ما لو ادعى الآخر الملك ، فإن أصل الفعل ثبت هناك مشتركا لاتفاقهما ثم امتنع وجوب القصاص على أحدهما للشبهة فيمتنع وجوبه على الآخر للشركة ، كما في المقرين بالقتل إذا زعم أحدهما أنه كان مخطئا .

وقد ذكر في الحدود أنه إذا أقر أنه زنى بامرأة وكذبته أنه لا حد عليه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وعندهما يقام عليه الحد فمحمد رحمه الله تعالى يسوي بين الفصلين ويقول : تكذيب المكذب لا يؤثر في حق المقر وأبو يوسف رحمه الله تعالى يفرق بينهما فيقول : هناك يقام الحد عليه وها هنا لا يقام ; لأن فعلها في الزنا ليس من جنس فعله ، فإن فعله إيلاج وفعلها تمكين وهي في الحقيقة محل الفعل والمباشر هو الرجل فانتفاؤه في جانبها بتكذيبها لا يمكن شبهة الرجل وها هنا الفعل من السارقين واحد والمشاركة بينهما تتحقق فانتفاؤه عن أحدهما بإنكاره يمكن شبهة في حق الآخر ، كما في القتل إذا اشترك الخاطئ مع العامد وأبو حنيفة رحمه الله يفرق بينهما أيضا فيقول هناك لا يقام عليه الحد وهنا يقام على المقر منهما ; لأن فعل الزنا من الرجل لا يتصور [ ص: 195 ] بدون المحل ، وقد انعدم المحل بتكذيبها ، فأما فعل السرقة من المقر يتحقق بدون الآخر فانتفاء الفعل في حق الآخر بإنكاره لا يمنع تقرر الفعل في حق المقر موجبا للقطع والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

باب قطاع الطريق ( قال ) رضي الله عنه وإذا قطع قوم من المسلمين أو من أهل الذمة على قوم من المسلمين أو من أهل الذمة الطريق فقتلوا وأخذوا المال قال : يقطع الإمام أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى من خلاف أو يصلبهم إن شاء ، وإنما شرطنا أن يكونوا قوما ; لأن قطاع الطريق محاربون بالنص ، والمحاربة عادة من قوم لهم منعة وشوكة يدفعون عن أنفسهم ويقوون على غيرهم بقوتهم ، ولأن السبب هنا قطع الطريق ، ولا ينقطع الطريق إلا بقوم لهم منعة ، وشرط أن يكونوا من المسلمين أو من أهل الذمة ليكونوا من أهل دارنا على التأبيد ، فإنهم إذا كانوا من أهل الحرب مستأمنين في دارنا ففي إقامة الحد عليهم خلاف ، وقد بيناه ، وشرط أن يقطعوا الطريق على قوم من المسلمين أو من أهل الذمة لتكون العصمة المؤبدة ثابتة في مالهم ، فإنهم إذا قطعوا الطريق على المستأمنين لا يقام عليهم الحد لانعدام العصمة المؤبدة في مالهم ، وقد بينا ذلك في السرقة الصغرى فهو مثله في السرقة الكبرى .

ثم قد بينا في أول الكتاب أن حد قطع الطريق على الترتيب بحسب جنايتهم عندنا ، وهو قول ابن عباس وإبراهيم رضي الله عنهما ، وعند مالك رحمه الله تعالى هو على التخيير ، وهو قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى ، ولم نأخذ بذلك ; لأن الذي أخاف السبيل ، ولم يقتل ، ولم يأخذ مالا قد هم بالمعصية والقتل والقطع أغلظ العقوبات فلا يجوز إقامته على من هم بالمعصية ولم يباشر ، والقطع جزاء أخذ المال ، كما في السرقة الصغرى إلا أن ذاك دخله نوع تخفيف من حيث إنه يخفي فعله ، وهذا يغلظ بالمجاهرة ، ولهذا وجب قطع عضوين منه من أعضائه ثم من هم بالسرقة الصغرى ، ولم يأخذ المال لا يقام عليه القطع ، فكذلك من هم بأخذ المال هاهنا ولم يأخذ ، فإن قتلوا وأخذوا المال فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى الإمام فيهم بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم ثم قتلهم من غير قطع ، وإن شاء صلبهم ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى الإمام يصلبهم أخذا فيه بقول ابن عباس رضي الله عنهما ، ولأنه اجتمع عليه [ ص: 196 ] العقوبة في النفس وما دونه حقا لله تعالى فيكون الحكم فيه أن يدخل ما دون النفس في النفس ، كما إذا اجتمع حد السرقة والشرب والرجم ، وهذا ; لأن المقصود الزجر ، وذلك يتم باستيفاء النفس فلا فائدة بالاشتغال بما دونه ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى حرفان : أحدهما : أن مبنى هذا الحد على التغليظ لغلظ جريمتهم والقطع ثم القتل أقرب إلى التغليظ فكان للإمام أن يختار ذلك لكونه أقرب إلى ما لأجله شرع هذا الحد ، والثاني أن السبب الموجب للقطع هو أخذ المال ، وقد وجد منهم والسبب الموجب للقتل ، وهو قتل النفس قد وجد منهم ، وإنما يثبت الحكم بثبوت السبب والكل حد واحد ، ولا تداخل في الحد الواحد كالجلدات في الزنا إنما التداخل في الحدود .

( فإن قيل ) هذا فاسد ; لأن للإمام أن يقتلهم ويدع القطع .

( قلنا ) لا بطريق التداخل بل ; لأنه ليس عليه مراعاة الترتيب في أجزاء حد واحد فكان له أن يبدأ بالقتل لذلك ثم إذا قتله فلا فائدة في اشتغاله بالقطع بعده فلا يشتغل كالزاني إذا ضرب خمسين جلدة فمات ، فإنه يترك ما بقي ; لأنه لا فائدة في إقامته ثم في ظاهر الرواية هو مخير في الصلب إن شاء فعله ، وإن شاء لم يفعله واكتفى بالقتل وعن أبي يوسف رحمه الله قال ليس للإمام أن يدع الصلب ; لأن المقصود به الإشهار ليعتبر غيره فينزجر فلا يتركه .

وجه ظاهر الرواية أن معنى الزجر يتم بالقتل ، ولم ينقل في شيء من الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم صلب أحدا ، ألا ترى أنه لم يفعله بالعرنيين مع المبالغة والاستقصاء في عقوبتهم حتى سمل أعينهم .

( قال ) وإذا أراد أن يصلب ففي ظاهر الرواية يصلبهم أحياء ثم يطعن تحت ثندوتهم الأيسر ليموتوا ، فإن المقصود الزجر ، وذلك إنما يحصل إذا صلبهم أحياء لا بعد موتهم ، وذكر الطحاوي أنه لا يصلبهم أحياء ; لأنه مثلة { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، ولو بالكلب العقور } ، ولكنه يقتلهم فبه يتم معنى الزجر والعقوبة في قتلهم ثم يصلبهم بعد ذلك للاشتهار حتى يعتبر بهم غيرهم ، وفي الصحيح من المذهب يتركهم على الخشب ثلاثة أيام ثم يخلي بينهم وبين أهاليهم ; لأنه لو تركهم كذلك تغيروا وتأذى بهم المارة فيخلي بينهم وبين أهاليهم بعد ثلاثة أيام لينزلوهم فيدفنوهم

( قال ) وإذا وجد منهم القتل وأخذ المال فلا معتبر بالجراحات في تعلق الأرش والقصاص بها ; لأنهم استوجبوا أتم ما يكون من الحد فيسقط اعتبار ما دون ذلك من الجراحات وعفو الأولياء في ذلك باطل ; لأن هذا حد يقام لحق الله تعالى وإسقاط الأولياء إنما يعمل فيما هو حقهم [ ص: 197 ] ويكون استيفاؤه إليهم أو يستوفى بطلبهم ، فأما ما يستوفيه الإمام لله تعالى فلا عفو فيه للأولياء ، ولا للإمام أيضا ; لأنه ليس بصاحب الحق بل هو نائب في الاستيفاء فهو في العفو كغيره والأصل فيه ما روينا { لا ينبغي لوالي حد ثبت عنده حق الله تعالى إلا أقامه } ثم المذهب عندنا أن الواجب عليهم الحد ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى القتل الواجب عليهم القصاص متحتم لا يعمل فيه عفو الولي ; لأن هذا قتل لا يستحق إلا بالقتل والقتل المستحق يكون قصاصا إلا أنه تأكد بانضمام حق الشرع إليه فلا يعمل فيه الإسقاط كالعدة ، ولكنا نقول القطع والقتل المستحق بالقتل في قطع الطريق كله حد واحد ثم القطع حق الله تعالى ، فكذلك القتل ، ألا ترى أن الله تعالى سماه جزاء والجزاء المطلق ما يجب حقا لله تعالى بمقابلة الفعل ، فأما القصاص واجب بطريق المساواة ، وفيه معنى المقابلة بالمحل والدليل عليه أن الله تعالى جعل سبب هذا القتل ما قال في قوله تعالى { يحاربون الله ورسوله } وما يجب بمثل هذا السبب يكون لله تعالى وسماه خزيا بقوله تعالى { ذلك لهم خزي في الدنيا } فعرفنا أنه حد واحد لله تعالى
( قال ) فإن كان فيهم عبد أو امرأة فالحكم فيه كالحكم في الرجال الأحرار ، أما العبد فلأنه مخاطب محارب ، وهو في السرقة الصغرى يستوي بالحر ، فكذلك في الكبرى ، والمرأة كذلك في ظاهر الرواية ، وهو اختيار الطحاوي رحمه الله ، فإنه قال في كتابه : الرجال والنساء في حق قطاع الطريق سواء ، كما يستويان في سائر الحدود ، وهذا ; لأن الواجب قتل وقطع ، وفي القطع الواجب جزاء الرجل والمرأة سواء كالسرقة ، وفي القتل الواجب جزاء الرجل والمرأة سواء كالرجم وذكر الكرخي رحمه الله تعالى أن حد قطع الطريق لا يجب على النساء ; لأن السبب هو المحاربة وانقطاع الطريق بهم والمرأة بأصل الخلقة ليست بمحاربة كالصبي ، ألا ترى أن في استحقاق ما يستحق بالمحاربة ، وهو السهم من الغنيمة لا يسوى بين الرجل والمرأة ، فكذلك في العقوبة المستحقة بالمحاربة ، وهو السهم من الغنيمة لا يسوى بين الرجل والمرأة ، فكذلك في العقوبة المستحقة بالمحاربة ، ولكن يدخل على هذا العبد فأنه لا يساوي الحر في استحقاق السهم ثم يساويه في حق هذا الحد ، وفي الصبيان والمجانين لانعدام الأهلية للعقوبة بعدم التكليف لا يثبت الحكم ، وذلك لا يوجد في حق النساء وذكر هشام في نوادره عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه إذا قطع قوم من الرجال الطريق ، وفيهم امرأة فباشرت المرأة القتل وأخذت المال دون الرجال ، فإنه يقام الحد عليهم ، ولا يقام عليها ، وقال محمد رحمه الله تعالى يقام عليها ، ولا يقام عليهم وذكر ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى أنه يدرأ [ ص: 198 ] عنهم جميعا لكون المرأة فيهم وجعل المرأة فيهم كالصبي ، ولو كان معهم صبي أو مجنون لا يقام على واحد منهم ، فكذلك المرأة ومحمد رحمه الله تعالى يقول الردء تبع للمباشر في المحاربة والرجال لا يصلحون تبعا للنساء في التناصر والمحاربة ، وإنما يقام عليهما جزاء المباشرة ، ولا يقام على الرجال وأبو يوسف رحمه الله يقول إنما يتأتى هذا الفعل منها بقوتهم ، فإن بنيتها لا تصلح للمحاربة بدون الرجال فكأنهم فعلوا ذلك فيقام الحد عليهم لا عليها ; لأن المانع من الإقامة عليها معنى فيها لا في فعلها ، وهو أن بنيتها لا تصلح للمحاربة بخلاف الصبي ، فإن المانع معنى في فعله ، وهو أن فعله لا يصح موجبا للعقوبة ، وقد تحقق الاشتراك في الفعل بينهم وبينه فلا يقام الحد على واحد منهم
( قال ) والمباشر وغير المباشر في حد قطاع الطريق سواء عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يقام الحد إلا على من باشر القتل وأخذ المال ; لأنه جزاء الفعل فلا يجب إلا على من باشر الفعل كحد الزنا ، ألا ترى أنهم لو لم يقتلوا ، ولم يأخذوا مالا لم يقم الحد على واحد منهم ففي حق الذين لم يأخذوا يجعل كأنهم جميعا لم يأخذوا .

( وحجتنا ) فيه أن هذا حكم متعلق بالمحاربة فيستوي فيه الردء والمباشر كاستحقاق السهم في الغنيمة وتأثيره أنهم جميعا مباشرون السبب ، وهو المحاربة وقطع الطريق هكذا يكون في العادة ; لأنهم لو اشتغلوا جميعا بالقتال خفي عليهم طريق الإصابة لكثرة الزحمة ، ولا يستقرون إن زلت قدمهم فانهزموا ، فإذا كان البعض ردءا لهم التجئوا إليهم وتنكسر شوكة الخصوم برؤيتهم ، وكذلك في العادة إنما يتولى أخذ المال الأصاغر منهم والأكابر يترفعون عن ذلك وانقطاع الطريق يكون بهم جميعا فعرفنا أنهم مباشرون للسبب ، فأما أخذ المال والقتل شرط فيه وإذا صار الشرط موجودا بقوتهم وباشروا السبب بأجمعهم قلنا : يقام الحد عليهم
( قال ) وإن أصابوا المال ، ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ولم يقتلوا ; لأنهم باشروا أخذ المال فيقام عليهم جزاؤه ، وقد بينا أن القتل شرط لوجوب القطع عليهم والحكم بعد وجود السبب لا يثبت قبل وجود الشرط

( قال ) فإن لم يوجدوا طلبوا إلى أن يوجدوا أو ينقطع أذاهم ويأمن المسافرون منهم في طريقهم ، وذلك نفيهم من الأرض في تأويل بعضهم فإن قتلوا ، ولم يصيبوا مالا قتلوا ، ولم تقطع أيديهم وأرجلهم ; لأن جزاء أخذ المال لا يتم إلا بأخذ المال
( قال ) فإن قتلوا وأخذوا المال ثم تابوا فردوا المال إلى أهله ثم أتي بهم الإمام لم يقطعهم ، ولم يقتلهم لقوله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } ، وقد بينا أن تمام توبته في رد المال لينقطع به خصومة صاحب المال [ ص: 199 ] فإن الإمام لا يقيم الحد إلا بخصومة صاحب المال في ماله ، وقد انقطعت خصومته بوصول المال إليه قبل ظهور الجريمة عند الإمام فيسقط الحد ، ولكنه يدفعهم إلى أولياء القتلى فيقتلونهم أو يصالحونهم ، وهذا ; لأن في التوبة إنما يسقط ما كان حقا لله تعالى ، فأما ما كان حقا للعبد فلأوليائه وإليه أشار الله تعالى في قوله { أن الله غفور رحيم } ، وقد كان السبب الموجب للقتل متقررا ممن باشر القتل منهم ، وهو تعمده قتل نفس بغير حق إلا أن استحقاق القتل عليهم حدا كان مانعا من ظهور القود ، فإذا سقط ذلك زال المانع فظهر حكم القود والقود إنما يجب على من باشر القتل دون الردء
( قال ) وللولي الخيار إن شاء عفا ، وإن شاء صالح على مال ، وإن شاء استوفى القتل لقوله صلى الله عليه وسلم { من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا أخذوا الدية } وقال صلى الله عليه وسلم { لولي القتل أتعفو فقال لا فقال أتأخذ الدية فقال لا فقال أتقتل فقال نعم } فعرفنا أنه يتخير بين هذه الأشياء ، ومن باشر منهم الجراحات ففيما يمكن اعتبار المساواة فيها يجب القصاص ، وفيما لا يمكن يجب الأرش ، كما لو كانت الجراحات منهم من غير قطع الطريق ، وهذا ; لأن سقوط اعتبار حكم الجراحات بوجود إقامة الحد ، فإذا زال ذلك ظهر حكم الجراحات ، كما إذا استهلك السارق المال سقط حكم التضمين لوجود إقامة القطع ، فإذا سقط القطع ظهر حكم التضمين
( قال ) وإذا قطعوا الطريق وأخافوا السبيل ، ولم يقتلوا أحدا ، ولم يأخذوا مالا حبسوا حتى يتوبوا بعد ما يعزرون ، وفي الكتاب يقول عوقبوا فكأنه كره إطلاق لفظ التعزير على ما يقام عليهم قبل التوبة لما في التعزير من معنى التطهير ، وهو المراد من قوله تعالى { أو ينفوا من الأرض } يعني يحبسون ، وقد بينا ذلك ، وهذا أولى مما قاله الشافعي رحمه الله تعالى أن المراد الطلب ليهربوا من كل موضع ; لأن العقوبة بالحبس مشروع فالأخذ بما يوجد له نظير في الشرع أولى من الأخذ بما لا نظير له ، وفي هذا الموضع يطالبون بموجب الجراحات التي كانت منهم من قصاص أو أرش ; لأنه لا يقام عليهم الحد وسقوط اعتبار حكم الجراحات لوجود إقامة الحد ، فإذا انعدم ذلك وجب اعتبار الجراحات في حق العبد فإن تابوا ، وفيهم عبد قد قطع يد حر دفعه مولاه أو فداه ، كما لو فعله في غير قطع الطريق ، وهذا ; لأنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فيبقى حكم الدفع أو الفداء فإن كانت فيهم امرأة فعلت ذلك فعليها دية اليد في مالها ; لأنه لا قصاص بين الرجال [ ص: 200 ] والنساء في الأطراف فعليها الدية والفعل منها عمدا لا تعقله العاقلة فكان في مالها
( قال ) وإذا أخذهم الإمام قبل أن يتوبوا ، وقد أصابوا المال فإن كان يصيب كل واحد منهم من المال المصاب عشرة دراهم فصاعدا فعليهم الحد عندنا ، وقال الحسن بن زياد رحمه الله تعالى : الشرط أن يكون نصيب كل واحد منهم عشرين درهما فصاعدا ; لأن التقدير بالعشرة في موضع يكون المستحق بأخذ المال قطع عضو واحد وها هنا المستحق قطع عضوين ، ولا يقطع عضوان في السرقة إلا باعتبار عشرين درهما ، ولكنا نقول هذا حد هو جزاء على أخذ المال فيستدعي مالا خطيرا ، وقد بينا أن العشرة مال خطير فيستحق به إقامة الحد ، كما يستحق به القطع بالسرقة ثم تغلظ الحد هاهنا باعتبار تغلظ فعلهم باعتبار المحاربة وقطع الطريق لا باعتبار كثرة المال المأخوذ ففي النصاب هذا الحد وحد السرقة سواء ، وإن كان لا يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم درئ الحد عنهم إلا على قول مالك رحمه الله وهكذا مذهبه في الصغرى ، فإنه يعتبر أن يكون المأخوذ في نفسه نصابا كاملا سواء أخذه الواحد أو الجماعة .

ولكنا نقول إقامة الحد على كل واحد منهم باعتبار ما يصيبه من المال فلا بد من أن يكون خطيرا في نفسه وما دون النصاب في نفسه تافها ثم يضمنون المال إذا درئ الحد عنهم والأمر في القصاص في النفس وغيرها إلى الأولياء إن شاءوا استوفوا ، وإن شاءوا عفوا ، وقد طعن عيسى رحمه الله تعالى في هذه المسألة فقال يقتلهم الإمام حدا ; لأنهم لو قتلوا ، ولم يأخذوا شيئا من المال قتلهم الإمام حدا لا قصاصا والردء والمباشر فيه سواء ، فكذلك إذا أخذوا مع القتل مالا يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابا إما ; لأن ما دون النصاب لما لم يتعلق به حكم فوجوده كعدمه أو ; لأنه تتغلظ جنايتهم بأخذ شيء من المال وما يغلظ الجناية لا يكون مسقطا للحد ، ولكن ما ذكر في الكتاب أصح ; لأن وجوب الحد عليهم باعتبار ما هو المقصود والظاهر أنهم يقصدون بقطع الطريق أخذ المال ، وإنما يقدمون على القتل ليتمكنوا من أخذ المال ، فإذا لم يأخذوا المال عرفنا أن مقصودهم لم يكن المال ، وإنما كان القتل فأوجبنا عليهم الحد قتلا بالقتل الموجود منهم ، وإن أخذوا المال عرفنا أن مقصودهم كان أخذ المال وأن إقدامهم على القتل كان للتمكن من أخذ المال فباعتبار ما هو المقصود لا يمكن إيجاب الحد عليهم إذا كان ما يصيب كل واحد منهم ما دون النصاب ، فلهذا قال محمد رحمه الله تعالى يدرأ الحد عنهم ويبقى حكم القصاص

[ ص: 201 ] قال ) وإذا قطعوا الطريق في المصر أو بين الكوفة والحيرة أو ما بين قريتين على قوم مسافرين لم يلزمهم حد قطاع الطريق وأخذوا برد المال وأديروا وحبسوا والأمر في قتل من قتل منهم أو جرح إلى الأولياء وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يقام عليهم حد قطاع الطريق ، وهو قول الشافعي رحمه الله ; لأن السبب قد تقرر ، وهو أخذ المال والقتل على وجه المحاربة والمجاهرة وجريمتهم بمباشرة ذلك في المصر أغلظ من جريمتهم بمباشرة ذلك في المفازة ; لأن تغلظ الجريمة باعتبار المجاهرة والاعتماد على مالهم من المنعة ، وهذا في المصر أظهر واعتبر هذا الحد بحد السرقة ، فإنه لا فرق هناك بين مباشرة السبب في المصر ، وفي المفازة فهذا مثله .

( وحجتنا ) فيه أن سبب وجوب الحد ما يضاف إليه ، وهو قطع الطريق ، وإنما ينقطع بفعلهم ذلك في المفازة لا في جوف المصر ، ولا فيما بين القرى فالناس لا يمتنعون من التطرق في ذلك الموضع بعد فعلهم وبدون السبب لا يثبت الحكم ، ولأن السبب محاربة الله ورسوله ، وذلك إنما يتحقق في المفازة ; لأن المسافر في المفازة لا يلحقه الغوث عادة ، وإنما يسير في حفظ الله تعالى معتمدا على ذلك فمن يتعرض له يكون محاربا لله تعالى ، فأما في المصر ، وفيما بين القرى يلحقه الغوث من السلطان والناس عادة ، وهو يعتمد ذلك بالتطرق في هذه المواضع فيتمكن باعتباره معنى النقصان في فعل من يتعرض له من حيث محاربة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يقام عليه الحد ، وهو نظير المختلس من السارق في أنه لا يقام عليه حد السرقة ; لأنه بقدر ما جاهر يتمكن النقصان في فعل السرقة .

وقد قال بعض المتأخرين : أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى أجاب بذلك بناء على عادة أهل زمانه ، فإن الناس في المصر ، وفيما بين القرى كانوا يحملون السلاح مع أنفسهم فثبت مع ذلك تمكن دفع القاصد من قطع الطريق وأخذ المال والحكم لا ينبني على نادر ، وكذلك فيما بين الحيرة والكوفة كان يندر ذلك لكثرة العمران واتصال عمران أحد الموضعين بالموضع الآخر ، فأما اليوم ، فقد ترك الناس هذه العادة وهي حمل السلاح في الأمصار فيتحقق قطع الطريق في الأمصار ، وفيما بين القرى موجبا للحد وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : إن قصده في جوف المصر أو بين القرى بالسلاح يقام عليه حد قطاع الطريق ، وإن قصده بالحجر والخشب فإن كان ذلك بالنهار لا يقام عليه حد قطاع الطريق ، وإن كان بالليل يقام عليه ذلك ; لأن السلاح لا يلبث والظاهر أنه يأتي عليه قبل أن يلحقه الغوث ، فأما الخشب والحجر لا يكون مثل السلاح في [ ص: 202 ] ذلك والظاهر أن الغوث يلحق بالنهار في المصر قبل أن يأتي عليه ذلك ، فأما في الليل الغوث يبطئ فإلى أن ينتبه الناس ويخرجوا قد أتى عليه ، فلهذا ثبت في حقه حكم قطع الطريق


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]