عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 13-12-2025, 11:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع

صـــ 172 الى صـــ 181
(196)




( قال ) وإذا قطعت يد السارق ، وقد قطع الثوب قميصا ، ولم يخطه أو صبغه أسود أو باعه من رجل أو وهبه منه ، وهو بعيبه في يده فإنه يرد على المسروق منه ; لأن القطع نقصان ، وكذلك السواد في الثوب نقص والبيع والهبة من السارق باطل ; لأنه حصل في ملك الغير بغير أمر صاحبه فكما يكون للمسروق منه أن يأخذه إذا وجده في يد السارق ، فكذلك إذا وجده في يد المشتري منه فإن كان خاط الثوب فلا سبيل للمسروق منه عليه لما اتصل بالثوب من وصف متقوم هو حق السارق ، ألا ترى أن الغاصب لو قطع الثوب وخاطه لم يتمكن المغصوب منه من أخذ الثوب منه بعد ذلك ؟ فهذا مثله إلا أن هناك يكون الغاصب ضامنا للثوب بمنزلة ما لو أتلفه أو تلف في يده وها هنا لا يكون ضامنا ; لأنه لو تلف في يده أو أتلفه بعد القطع لا يضمن ، فكذلك إذا احتبس عنده بما اتصل به من الوصف حقا له ، فأما إذا صبغه أحمر أو أصفر .

فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ينقطع حق المسروق منه في الاسترداد ، وعند محمد رحمه الله لا ينقطع ، ولكنه يأخذ الثوب ويعطي السارق ما زاد الصبغ فيه ; لأن عين الثوب قائم بعد الصبغ ، ومن وجد عين ماله فهو أحق به بالنص ثم الصبغ لو حصل من الغاصب لم ينقطع به حق المغصوب منه في الاسترداد ، فكذلك من السارق إلا أن ما اتصل به من الصبغ مال متقوم من الصباغ [ ص: 173 ] وهو وصف والثوب أصل والوصف تبع للأصل فكان لصاحب الأصل أن يأخذه فيعطيه ما زاد الصبغ فيه ، كما في الغاصب ، ولو أراد أن يسلم له الثوب ويضمنه قيمة ثوبه أبيض لم يكن له ذلك بخلاف الغصب ; لأن عند تسليم الثوب له يجعله في حكم المستهلك ، ولو استهلك المغصوب حقيقة كان ضامنا له ، ولو استهلك المسروق حقيقة لم يكن ضامنا فباعتبار هذا المعنى يقع الفرق بينهما في هذا الجانب ، فأما عند اختيار الأخذ فلا فرق بين الغاصب والسارق ، ومن حيث إن كل واحد منهما جان وأن مراعاة حقه بأداء قيمة الصبغ إليه ممكن فلا ضرورة في قطع حق صاحب الثوب عن الثوب وجه قولهما أن الوصف الذي اتصل بالثوب متقوم حقا للسارق فينقطع به حق المسروق منه في الاسترداد كالخياطة ، وهذا ; لأن هذا حق ضعيف له مقصور على العين ، ألا ترى أنه لا يتعدى إلى بدل العين عند الاستهلاك ؟ ومثل هذا الحق يبطل بالصبغ كحق الواهب في الرجوع وترجيح الأصل عند مساواة الحقين في القوة ، فأما الضعيف لا يظهر في مقابلة القوي بخلاف الغاصب ، فإن حق المغصوب منه قوي يسري إلى بدل العين فيستقيم الترجيح هناك باعتبار الأصل والتبع .

واستدل أبو يوسف رحمه الله تعالى في الأمالي بحرف آخر فقال : لو بقي الثوب على ملك المسروق منه بعد الصبغ تعذر استيفاء القطع من السارق ; لأنه يصير شريكا في العين بملكه في الصبغ ، واقتران الشركة بالسرقة يمنع وجوب القطع فاعتراضها بعد السرقة يمنع الاستيفاء وبالإجماع يستوفى القطع من السارق فعرفنا أنه لم يبق حق المسروق منه في الثوب .

( فإن قيل ) هذا فاسد ، فإنه إذا جعل السارق متملكا للثوب يمنع استيفاء القطع منه أيضا .

( قلنا ) نعم ، ولكن يجعل الثوب في حكم المستهلك ، فإنما يقطع بسرقة ما قد صار مستهلكا لا باعتبار ما هو مملوك له في الحال ، كما إذا خاط الثوب ، فأما مع بقاء حق الأخذ له لا يمكن جعله مستهلكا فيتقرر معنى الشركة وعلى هذا الطريق نقول لو صبغه بعد ما قطعت يده لا يتعذر على المسروق منه الاسترداد ; لأنه لا تأثير للشركة بعد استيفاء القطع والدليل على اعتبار معنى الشركة أن في المغصوب لو اختار المغصوب منه بيع الثوب استقام ذلك وضرب صاحب الثوب في الثمن بقيمة الثوب أبيض والآخر بقيمة الصبغ ، وهذا لا يكون بعد ثبوت الشركة بينهما في المبيع وعلى هذا الخلاف لو كان المغصوب سويقا فلته بسمن ; لأن السمن زيادة في السويق من غير أن يكون مبدلا للعين حتى لا ينقطع به حق المغصوب منه فهو [ ص: 174 ] كالصبغ في الثوب في جميع ما ذكرنا ، وإن كان المسروق دراهم فسبكها أو صاغها قلنا كان للمسروق منه أن يأخذها ; لأن الصنعة بانفرادها لا تتقوم في الذهب والفضة فلا تثبت الشركة باعتبارها بينهما ، وقد ذكر الخلاف في الجامع الصغير في الغصب أن عند أبي حنيفة رحمه الله لا ينقطع به حق المغصوب منه عن استرداد العين وعندهما ينقطع ، فكذلك في السرقة والأصح أنه على ذلك الخلاف ، ومنهم من يفرق لأبي يوسف رحمه الله تعالى فيقول هناك لو اعتبرنا حق الغاصب في الصنعة لم يبطل به حق المغصوب منه أصلا ، ولكنه يضمنه مثل المغصوب وها هنا لو اعتبرنا ذلك بطل به حق المسروق منه ; لأنه لا يتمكن من تضمين السارق والعين متقوم من كل وجه والصنعة تتقوم تبعا للأصل ، وإن كانت لا تتقوم منفردة عن الأصل فكان إبقاء حق المسروق منه في العين أولى .

فإن كانت السرقة صفرا فجعلها قمقمة أو حديدا فجعله درعا لم يأخذه ; لأن للصنعة قيمة في هذه الأعيان ، ولهذا يخرج بالصنعة من أن يكون مال الربا فلا بد من اعتبارها حقا للسارق ثم هذه الصنعة لو وجدت من الغاصب انقطع بها حق المغصوب منه عن استرداد العين ، فكذلك إذا وجدت من السارق ، وكذلك كل شيء من العروض وغيرها إذا كان قد غيره عن حاله فإن كان التغيير بالنقصان فللمسروق منه أن يأخذ ، كما للمغصوب منه إلا أن المغصوب منه يضمن الغاصب النقصان والمسروق منه لا يضمنه النقصان اعتبارا لإتلاف الجزء بإتلاف الكل ، وإن كان التغيير زيادة فيه فإن كان على وجه لو حصل من الغاصب لا يتمكن المغصوب منه من أخذ العين بعد ذلك ، فكذلك المسروق منه لا يتمكن من أخذه ، وإن كان على وجه لا يتعذر على المغصوب منه استرداد العين فهو على الخلاف الذي بينا

( قال ) وإن كانت السرقة شاة فولدت أخذهما جميعا المسروق منه ; لأن الولد زيادة متولدة من العين ، وكما يتمكن من استرداد العين قبل انفصال هذه الزيادة ، فكذلك بعدها ، ألا ترى أن المغصوب منه يتمكن من الاسترداد بعد الولادة وأن حق الواهب لا ينقطع في الرجوع بالولادة ، وهذا بخلاف السمن والصبغ فالزيادة هناك في ملك السارق يثبت باعتبارها معنى الشركة وها هنا الزيادة في ملك المسروق منه فلا يثبت باعتبارها للسارق شركة
( قال ) وإذا قطع في صوف أو كتان أو قطن فرده على صاحبه فصنع منه ثوبا ثم سرقه فعليه القطع ; لأن العين تتبدل بالصنعة والثوب في حكم الحادث بالنسج ، ألا ترى أنه لو وجد هذا من الغاصب كان الثوب مملوكا له ؟ فسرقته لذلك بعد [ ص: 175 ] صنعته بمنزلة سرقته مالا آخر
( قال ) فإن كان السارق أشل اليد اليمنى واليد اليسرى صحيحة قطعت اليمنى ; لأن اليمنى لو كانت صحيحة وجب قطعها بسبب السرقة ، فإذا كانت شلاء أولى ، وهذا بخلاف ما إذا كانت يده اليسرى شلاء ، فإنه لا تقطع يده اليمنى ; لأن شرط استيفاء القطع أن لا يكون مفوتا منفعة الجنس ، وفي قطع اليمنى إذا كانت اليسرى شلاء تفويت منفعة البطش ، ولا تقطع الرجل اليسرى أيضا ; لأن فيه تفويت منفعة المشي ، فإن اليد اليسرى إذا كانت شلاء فقطعت رجله اليسرى لا يمكنه المشي بعصي بخلاف ما إذا كانت يده اليسرى صحيحة .

( فإن قيل ) التفويت لا يكون باستيفاء اليد اليمنى بل بالشلل في اليسرى .

( قلنا ) لا كذلك فالحكم إذا كان ثابتا بعلة ذات وصفين يحال به على آخرهما وجودا وآخرهما قطع اليد اليمنى هاهنا فكان التفويت مضافا إليه ، وكذلك إذا كانت رجله اليمنى شلاء لم تقطع يده اليمنى ، ولا رجله اليسرى ; لأن فيه تفويت منفعة الجنس ، وهو المشي ، فإنه لا يمكنه المشي بعده بعصي فإن كانت رجله اليسرى شلاء قطعت يده اليمنى ; لأنه ليس فيه تفويت ، فإنه يتمكن من المشي بعصي إذا كانت يده اليسرى صحيحة

( قال ) وإذا حبس السارق ليسأل عن الشهود فقطع رجل يده اليمنى عمدا فعليه القصاص ; لأن بمجرد الشهادة قبل اتصال القضاء بها لا تسقط حرمة يده فالقاطع استوفى يدا متقومة من نفس محترمة فعليه القصاص ، وقد بطل الحد عن السارق لفوات المحل ، وهو ضامن قيمة المسروق ; لأن سقوط ذلك لضرورة استيفاء القطع حقا لله تعالى ، ولم يوجد ذلك ، وكذلك إذا كان قطع يده اليسرى ; لأنه يتعذر استيفاء الحد بعده لما فيه من تفويت منفعة البطش
( قال ) فإن حكم عليه بالقطع في السرقة فقطع رجل يده اليمنى من غير إذن الإمام فلا شيء عليه ; لأنه سقطت قيمة يده بقضاء الإمام عليه بالقطع فالقاطع استوفى يدا لا قيمة لها فلم يكن ضامنا ، ولكن الإمام يؤدبه على ذلك ; لأنه أساء الأدب حين قطعه قبل أن يأمر الإمام به ، وإن أمر القاضي الحداد بقطع يده اليمنى فأخطأ وقطع يده اليسرى فهو ضامن في القياس ; لأن بالقضاء بالقطع في اليد اليمنى لم تخرج اليد اليسرى من أن تكون محترمة متقومة فقطعها خطأ قبل القضاء وبعده سواء ، وفي الاستحسان لا شيء عليه ; لأن فعله حصل في موضع الاجتهاد ، فإن المنصوص عليه قطع اليد من السارق ، وقد قطع اليد واجتهد ، وإن أخطأ فلا [ ص: 176 ] ضمان عليه إذا كان فعله في موضع الاجتهاد يوضحه أنه ، وإن فوت عليه اليسرى ، فقد عوض اليمنى ; لأنه لا تقطع يده اليمنى بعد هذا وما عوضه من جنس ما فوت عليه فهو خير له مما فوت عليه ; لأن منفعة البطش في اليد اليمنى أظهر والإتلاف بعوض لا يوجب الضمان ، وإن تعمد ذلك ، فإن كان السارق أخرج يده اليسرى فقال : اقطعها فلا ضمان عليه بالاتفاق ; لأنه قطعها بإذن صاحب اليد ، ألا ترى أن من قطع يد الغير بإذنه من غير أن يكون قطعه مستحقا بالسرقة لم يكن ضامنا شيئا ؟ فهذا أولى ، وإن لم يكن أمره بذلك فأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أخذا بالقياس هاهنا وقالا : يضمن الحداد ; لأنه جان فيما صنع متعد فيكون ضامنا ، كما لو قطع رجله أو أنفه وأبو حنيفة رحمه الله تعالى أخذ بالاستحسان لما بينا أن الحداد مجتهد وفعله حصل في موضع الاجتهاد بخلاف ما لو قطع رجله أو أنفه ، ولأنه عوضه من جنس ما فوت عليه ما هو خير منه والإتلاف بعوض لا يوجب الضمان على المتعدي كالشهود إذا شهدوا عليه ببيع مال بمثل قيمته ، فأما إذا قطع أنفه فلم يعوضه مما أتلف عليه شيئا ; لأن القطع في اليد لا يسقط عنه بذلك ، وإن قطع رجله اليسرى فلم يعوضه شيئا ; لأن القطع لا يسقط عنه بهذا ، وإن قطع رجله اليمنى فلم يعوضه من جنس ما فوت عليه ; لأن منفعة البطش ليست من جنس منفعة المشي
( قال ) وإذا حكم عليه بالقطع بشهود في السرقة ثم انفلت ، ولم يكن حكم عليه حتى انفلت فأخذ بعد زمان لم يقطع لما بينا أن حد السرقة لا تقام بحجة البينة بعد تقادم العهد والعارض في الحدود بعد القضاء قبل الاستيفاء كالعارض قبل القضاء ، وإن اتبعه الشرط وأخذوه من ساعته قطعت يده ; لأن مجرد الهرب ليس بمسقط للحد عنه ، ولأنه لم يتمكن هاهنا تهمة التهاون والتقصير في الطلب من أحد
( قال ) وإذا ردت السرقة إلى صاحبها قبل أن يرفع السارق إلى الإمام ثم رفع إليه لم يقطع ; لأن توبته قد تحققت برد المال ، وقد نص الله تعالى في السرقة الكبرى على سقوط الحد بالتوبة قبل قدرة الإمام عليه ففي الصغرى أولى ، ولأن الإمام لا يتمكن من إقامة الحد عليه إلا بعد ظهور السرقة عنده ، ولا تظهر إذا رد المال قبل أن يرفع إليه ; لأن السرقة لا تظهر عنده إلا بالخصومة في المال ، ولا خصومة بعد استرداد المال ، ولأنا قد بينا أن الخصومة شرط وانعدام الشرط قبل القضاء يمنع القاضي من القضاء بالقطع

وإذا كانت أصبعان من اليسرى مقطوعة لم تقطع يده اليمنى في السرقة ; لأن قطع الأصبعين ينقص من البطش باليد اليسرى أو يفوت بمنزلة [ ص: 177 ] الشلل فقطع اليد اليمنى بعد ذلك يكون تفويتا لمنفعة الجنس ، وكذلك أن كانت الإبهام وحدها مقطوعة ; لأن منفعة البطش منها تفوت بقطعها ، كما تفوت بالشلل ، وإذا كانت أصبع واحدة سواها مقطوعة قطعت اليد اليمنى ; لأن قطع الأصبع الواحدة سوى الإبهام لا يفوت منفعة البطش من اليسرى فقطع اليد اليمنى في هذه الحالة لا يفوت عليه منفعة البطش ، وإن كانت رجله اليمنى مقطوعة الأصابع فإن كان لا يستطيع القيام والمشي عليها قطعت يده ، وإن كان لا يستطيع أن يمشي عليها لم تقطع ، وكذلك إن كان المقطوع من رجله اليسرى أصبعين ; لأن فيه تفويت منفعة المشي عليه
( قال ) وكل شيء درأت فيه الحد ضمنته السرقة إن كانت مستهلكة ، وإذا قطعت لم أضمنه ، وإن كانت قائمة رددتها لبقاء الملك فيها لصاحبها
( قال ) وإذا سرق سرقات لم يقطع بها إلا يد واحدة ; لأن مبنى الحدود على التداخل ومعنى الزجر يتم بقطع يد واحدة فإن حضروا جميعا قطعت يده بخصومتهم ، ولم يضمن شيئا من السرقات المستهلكة ; لأن في حق كل واحد منهم قد استوفي الحد بخصومته بعد ما ظهرت السرقة فكأنه ليس معه غيره ، وإن حضر أحدهم قطعت يده بخصومته على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ولا يضمن شيئا من سرقاته المستهلكة وعندهما هو ضامن للسرقات كلها إلا السرقة التي قطعت يده بالخصومة فيها ، وذكر ابن سماعة في نوادره هذا الخلاف على عكس هذا وما ذكره في الأصل أصح .

وجه قولهما أن الأخذ الموجب للضمان متقرر في حق كل واحد منهم حتى لو سقط الحد بشبهة كان ضامنا لكل واحد منهم ماله ، فإنما سقط الضمان لضرورة استيفاء القطع حقا لله تعالى ، وإنما وجد ذلك في حق الذي خاصم خاصة ; لأن القطع في سرقته دون غيره من السرقات ، فإن الشرط الخصومة المظهرة للسرقة ، ولم يوجد ذلك في حق الباقين ; لأن الحاضر ليس بخصم عنهم ، ولأنه ما خاصم إلا في سرقته فيجعل في حقهم كأنه تعذر إقامة الحد للشبهة فبقي الضمان واجبا لهم وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول في حق السارق حضور أحدهم كحضورهم ، فإنه لا يقطع به إلا يد واحدة في الأحوال كلها ، وكما لا يضمن شيئا لو حضروا ، فكذلك إذا حضر بعضهم ، وهذا ; لأن الحد هو المستحق عليه بكل شيء سرقه والمقام عليه حد واحد بالاتفاق فيكون مسقطا ضمان السرقات كلها ، ألا ترى أنه لو أقر بالسرقة والمسروق منه غائب فاجتهد الإمام وقطع يده لم يضمن للمسروق منه شيئا ، وإن حضر فصدقه

( قال ) وإن شهد شاهدان أنه نقب بيت هذا وأخرج منه كارة لا يدريان [ ص: 178 ] ما فيها لم يقطع ; لأن المشهود به مجهول وشرائط وجوب الحد بمثل هذه الشهادة المجهولة لا تثبت ، ولم يشهدوا للمسروق منه بالملك في شيء أيضا فالمخرج من بيته قد يكون ماله ، وقد يكون مال المخرج ، وإن قالوا : نشهد أنه سرق منه هذا المتاع ، فإذا هو ثياب مختلفة تساوي مالا عظيما قطع ; لأنهم شهدوا بفعل السرقة في معلوم ، فإن الإعلام بالإشارة إلى العين أبلغ من الإعلام بالتسمية ، ولأن الشاهد لا يتمكن عند تحمل الشهادة من أن يقتص ما سرقه ليتأمل كل ثوب منه ، ولا يكلف أداء الشهادة بما ليس في وسعه
( قال ) وإن كان للسارق دين على المسروق منه لم يبطل القطع عنه بخلاف ما يقوله بعض الناس أن قيام الدين عليه له سبب لاستحقاق ماله ، ألا ترى أن مال المديون لا يكون نصاب الزكاة بطريق أنه كالمستحق لصاحب الدين بدينه وسبب الاستحقاق يورث شبهة في درء الحد عنه ، ولكنا نقول محل الدين الذمة ، ولا تعلق له بالمال خصوصا في حال صحة المديون حتى يملك التصرف في ماله كيف شاء ببدل وبغير بدل ، وإنما تعلق الدين بالمال من حيث إن قضاء الدين يكون به ، فأما قبل القضاء فلا حق لصاحب الدين في مال المديون إلا أنه إذا كان الدين من جنس ما أخذه كان فعله استيفاء ، ولصاحب الدين أن يستوفي جنس حقه إذا ظفر به فلا يلزمه القطع لذلك ، فأما إذا كان من خلاف جنس حقه ففعله ليس باستيفاء ، ولكنه سرقة موجبة للحد عليه فإن قال : إنما أردت أن آخذه رهنا بحقي أو قضاء لحقي درئ عنه الحد لشبهة اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى فإن ابن أبي ليلى رحمه الله كان يقول ، وإن ظفر بخلاف جنس حقه كان له أخذه لوجود المجانسة باعتبار صفة المالية ، ومن العلماء من يقول يأخذه رهنا بحقه والاختلاف المعتبر يمكن شبهة ، وهذا ; لأن فعله كان في موضع الاجتهاد لا ينفك عن شبهة ، وإن كان هو مخطئا في ذلك التأويل عندنا
( قال ) وإن سرق الحربي المستأمن في دار الإسلام لم يقطع ، وهو ضامن إلا على قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمه الله تعالى ، فإنهما يقولان يقطع ، ولا ضمان عليه ، وقد بينا نظيره في كتاب الحدود
( قال ) وإذا أشكل على الإمام قيمة المسروق واختلف أهل العلم فقال بعضهم : قيمتها عشرة دراهم وقال بعضهم : أدني ، لم يقطع ; لأن كمال النصاب شرط يراعى وجوده حقيقة ، وذلك ينعدم عند اختلاف المقومين فيه ، وقد بينا حديث عمر حين قضى بالقطع على السارق فقال عثمان رضي الله تعالى عنه مرقته لا تساوي إلا ثمانية دراهم فدرأ القطع عنه
( قال ) وإن كان أراها واحدا منهم فقال هي تساوي عشرة [ ص: 179 ] دراهم لم يقطعها حتى يريها لآخر منهم ; لأن الحجة الحكمية لا تتم بقول واحد وشرط القطع يعتبر ثبوته بالحجة الحكمية ، فلهذا لا يكتفي بقول الواحد حتى يراها غيره فإن اجتمع اثنان على ذلك ، ولم يرها أحد بعد ذلك قطعه ; لأن سبب الحد يثبت بشهادة اثنين ، فكذلك شرطه يثبت بقولهما في الحكم فيستوفي القطع إلا أن يقول آخر لا يساوي ذلك فحينئذ للمعارضة تتمكن الشبهة ، كما لو أقر بالسرقة ثم رجع
( قال ) فإن سرق دينارا أو مثقال ذهب لا يساوي عشرة دراهم لم يقطع لقيام الدليل على أن نصاب السرقة يتقدر بعشرة دراهم وغير المنصوص يقام مقام المنصوص عليه باعتبار القيمة ، فإذا لم تبلغ قيمته نصابا لم يتم شرط القطع ، ولا يقال الدينار كان مقوما بعشرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأن ذلك شيء يختلف باختلاف الأوقات والأمكنة في قلة الوجود وكثرة الوجود وليس هذا الحكم شرعيا ليصار في معرفته إلى ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
( قال ) ولو شهدوا أن هذا سرق ، ولم يعرفوا اسمه قطع ، ولم يضرهم إن كانوا لا يعرفون اسمه ; لأنهم عرفوه بالإشارة إليه فهو أبلغ من ذكر الاسم والنسبة ، ولأنه إنما يحتاج إلى ذكر الاسم والنسبة لتعريف الغائب به ، وهو حاضر فلا يقدح في شهادتهم أن لا يعرفوا اسمه
( قال ) ، وإن قال السارق صاحب البيت أذن لي في دخولي أو قال كنت ضيفا عنده درئ عنه القطع ; لأنه لو ثبت ما ادعاه لم يكن فعله موجبا للقطع فبمجرد دعواه تتمكن الشبهة ، كما لو ادعى ملك العين لنفسه ، وهذا ; لأنه إذا آل الأمر إلى الخصومة والاستحلاف فلا يستحسن إقامة القطع معه
( قال ) وإن كان القوم في دار واحدة كل رجل في مقصورة وباب عليه مغلق دون مقصورة صاحبه فنقب رجل منهم على صاحبه فسرق منه قال لا يقطع إلا أن تكون دارا عظيمة فيقطع ، وقد بينا أن الدار العظيمة كالمحلة فكل مقصورة منها حرز على حدة ، ومن يسكن بعض المقاصير يتم منه فعل السرقة في مقصورة صاحبه ، فأما إذا كانت دارا صغيرة فبيوت هذه الدار كلها حرز واحد ، وإن كان يغلق على كل بيت منها باب فمن يسكن بعض هذه البيوت فهو متمكن من الدخول في الحرز شرعا فيصير ذلك شبهة في درء العقوبة عنه ، ولهذا قلنا في الدار الصغيرة لو أخذ مع المتاع في صحن الدار لا يقطع ما لم يخرجه إلى السكة بخلاف الدار العظيمة ، فإن السارق إذا أخذ من مقصورة منها إذا أخذ في صحن الدار يقطع

( قال ) وإذا أجر الرجل منزله من رجل ، وهو في منزل آخر فسرق المؤاجر من المستأجر متاعه من ذلك الموضع قطع في قول أبي حنيفة رحمه الله [ ص: 180 ] وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا قطع عليه لقيام ملكه في الحرز ووجوب القطع باعتبار هتك الحرز وأخذ المال ثم لو سرق العين الذي أجره من المستأجر لم يقطع لقيام ملكه في العين ، فكذلك إذا سرق من البيت الذي أجره ، وهذا ; لأن له نوع تأويل في الدخول لينظر هل استرم شيء منه فيرم ذلك أو هل خرب المستأجر شيئا منه فيمنعه من ذلك وأبو حنيفة رحمه الله يقول : سرق ملك الغير من حرز صاحب الملك فيلزمه القطع ، كما لو باع منزله ثم سرق منه متاع المشتري ، وهذا ; لأن الحرز ليس بعبارة عن عين الجدار ، ولكنه عبارة عن التحفظ بها ، وذلك صار للمستأجر خالصا لا حق للآجر فيه في مدة الإجارة بخلاف المال الذي آجره ; لأن وجوب القطع باعتبار العين والعين باق على ملكه والدليل عليه أنه لو حدث الملك للسارق في المال بعد تمام فعل السرقة يسقط القطع عنه ، ولو حدث له الملك في الحرز لم يسقط القطع عنه ، فكذلك إذا اقترن بالسبب ، ولم يذكر في الكتاب أن المستأجر إذا سرق متاع الآجر من منزله ، ففي بعض النوادر ذكر أنه على الخلاف أيضا ، والأصح أنه إذا كان المنزل المؤاجر حرزا على حدة والمنزل الذي يسكنه المؤاجر حرزا على حدة ، فإنه يلزمه القطع عندهم ; لأنه لا تأويل للمستأجر في منزل المؤاجر ، ولا شبهة ، وقد ذكر الخلاف في بعض نسخ الأصل ، وتأويل ذلك فيما إذا كانت صغيرة أجر منزلا منها من إنسان حتى يكون الكل في حكم حرز واحد فحينئذ لا يلزمه القطع عندهما ، ولكن إذا كان التأويل هذا ، فكذلك ينبغي على قول أبي حنيفة رحمه الله ، كما لو باع منزلا منها من إنسان فهذا فصل مشتبه ، ولكن الجواب الصحيح فيه ما بينا
ثم ذكر في الأصل ما يقطع فيه وما لا يقطع من الأعيان وذكر في الجملة أنه يقطع في الحناء والوسمة ، وقد ذكر قبل هذا أنه لا يقطع فيهما فتأويل ما ذكر قبل هذا في الرطب منه قبل أن يحرزه صاحبه إحرازا تاما وتأويل ما ذكر هاهنا في اليابس منه فهو نظير الثمار لا يقطع في الرطب ويقطع في الفواكه اليابسة إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال ما لا يقطع في رطبه لا يقطع في يابسه ; لأن العين على حاله بعد اليبس فيصير ذلك شبهة ، وقد بينا أنه يقطع في اللؤلؤ والياقوت والزمرد والفيروزج إلا في رواية عن محمد رحمه الله تعالى فإنه يقول : هذا من الأحجار ، ولا قطع في الحجر ، ولكنا نقول إنما لا يقطع في الحجر لمعنى التفاهة وما يكون من أعز الأموال يرغب فيه من يتمكن منه لا يكون تافها
( قال ) ولا يقطع في الزجاج ، أما جوهر الزجاج فلأنه يوجد مباح الأصل بصورته في دار الإسلام غير [ ص: 181 ] مرغوب فيه ، فأما المعمول منه فمن أصحابنا رحمهم الله تعالى من يقول يجب فيه القطع بمنزلة المعمول من الخشب ; لأن هذا لا يوجد بصورته مباحا والأصل فيه أنه لا يجب ; لأن هذا مما يتسارع إليه الكسر فهو في معنى ما يتسارع إليه الفساد ، ولأن الصنعة فيه لا تغلب على الأصل عادة وعلى هذا الأصل قال لا يقطع في البواري والقصب ; لأن القصب يوجد مباح الأصل غير مرغوب فيه ثم الصنعة لا تغلب على الأصل من حيث إنه لا يتضاعف قيمته بالصنعة ويكون تافها بعد الصنعة في الاستعمال والبسط في المواضع المحرزة وغير المحرزة بخلاف المعمول من الخشب فالصنعة هناك تغلب على الأصل ، ألا ترى أن القيمة تزداد بالصنعة أضعافا وذكر أن في العاج يجب القطع ، وكذلك في الأبنوس ; لأن هذا مما لا يوجد مباح الأصل في دار الإسلام ، ولأنه لا يكون تافها ، فإن من يتمكن من أخذه لا يتركه عادة وعلى هذا يجب القطع في الصندل والعنبر وما أشبهه ; لأنه لا يوجد مباح الأصل في دار الإسلام غير مرغوب فيه ، وإنما يوجد ذلك في دار الحرب ، وذلك لا يمكن شبهة في الأموال ; لأن الأموال كلها في دار الحرب على الإباحة
( قال ) وإذا شهد شاهدان أنه سرق من هذا العبد كذا وكذا يقطع ، وكذلك السارق من أهل الذمة ، ومن مال اليتيم ; لأنه لا تأويل له في مال هؤلاء ، ولا شبهة والسرقة بخصومة العبد والذمي ووصي اليتيم عند الإمام بلا شبهة
( قال ) ولا يقطع السارق من مال الحربي المستأمن عندنا استحسانا ، وفي القياس يقطع ، وهو قول زفر رحمه الله ; لأن ماله محرز بدارنا ، فإنه معصوم ، كمال الذمي وجه الاستحسان أن العصمة بالإحراز بالدار وإحراز المستأمن لا يتم ، ألا ترى أن إحراز المال تبع لإحراز النفس ، ولا يتم إحراز نفسه بدار الإسلام حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب ، فكذلك لا يتم إحراز ماله ، ولأنه بقي حربيا حكما حتى يبقى النكاح بينه وبين زوجته في دار الحرب ومال الحربي مباح الأخذ إلا أنه يتأخر إباحة الأخذ بسبب الأمان إلى أن يرجع إلى دار الحرب فيصير ذلك شبهة في إسقاط القطع عن السارق بخلاف الذمي ، فإنه يتم إحراز نفسه بعقد الذمة ويخرج به من أن يكون حربيا من كل وجه
( قال ) رجل من أهل العدل أغار في عسكر أهل البغي ليلا فسرق من رجل منهم مالا فجاء به إلى الإمام العدل قال لا يقطعه ; لأن لأهل العدل أن يأخذوا أموال أهل البغي على أي وجه يقدرون على ذلك ويمسكوه إلى أن يتوبوا أو يموتوا فيرد على ورثتهم فتتمكن الشبهة في أخذه بهذا الطريق ، وكذلك لو أغار رجل من أهل البغي في عسكر أهل [ ص: 182 ] العدل لم يقطع أيضا ; لأن أهل البغي يستحلون أموال أهل العدل ، وتأويلهم وإن كان فاسدا ، فإذا انضم إليه المنعة كان بمنزلة التأويل الصحيح ، ألا ترى أنه لا يضمن الباغي ما أتلف من مال العادل بهذا الطريق ؟ فكذا لا يلزمه القطع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.65 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]