عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 13-12-2025, 11:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,508
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع

صـــ 162 الى صـــ 171
(195)







( قال ) فإن سرق شاة من مرعاها لم يقطع ; لأنها غير محرزة والمقصود من تركها في المرعى الرعي دون الإحراز ، وإن سرقها من دار قطع ; لأنها محرزة بالدار كسائر الأموال ، وكذلك الإبل والبقر والفرس والحمار والبغل فإن كانت تأوي بالليل إلى حائط قد بني لها عليه باب يغلق عليها ومعها من يحفظها أو ليس معها حافظ فكسر الباب ودخل وسرق منه بقرة فآواها أو ساقها أو ركبها حتى أخرجها قال : يقطع لما روينا أنه صلى الله عليه وسلم { قال إذا جمعها المراح ففيها القطع } ، ولأنها بالليل تجمع في المراح للإحراز والحفظ ثم المذهب عندنا أن المكان الذي هو حرز لمال يكون حرزا لمال آخر حتى لو سرق ثياب الراعي من هذا الموضع يقطع وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى المراح حرز للدواب دون غيرها من الأموال ; لأن المعتبر في إحراز كل مال ما هو المعتاد ، ومعتاد إحراز الدواب بالمراح دون سائر الأموال ، ألا ترى أنه بابه قد يكون بحيث يمنع خروج الدواب ، ولا يمنع دخول الناس فيه ؟ فلهذا لا يقطع إذا سرق منه مالا آخر
( قال ) وإذا شهد شاهدان أنه سرق بقرة واختلفا في لونها فقال أحدهما : بيضاء وقال الآخر : سوداء فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى تقبل هذه الشهادة وعندهما لا تقبل قال الكرخي رحمه الله : في لونين متشابهين كالحمرة والصفرة تقبل عنده ، فأما فيما لا يتشابه كالسواد والبياض لا تقبل الشهادة بالاتفاق والأصح أن الكل على الخلاف فهما يقولان اختلفا في المشهود به على وجه لا يمكن التوفيق فلا تقبل الشهادة ، كما شهد أحدهما أنه سرق ثورا والآخر أنه سرق أنثى أو شهد أحدهما أنه سرق بقرة والآخر أنه سرق بعيرا والدليل عليه أن في الغصب لو اختلف الشهود [ ص: 163 ] في لون البقرة لم تقبل مع أن الثابت به مما لا يندرئ بالشبهات ، وهو الضمان ففي السرقة التي يتعلق بها ما يندرئ بالشبهات أولى ، ولا معنى لقول من يقول لعله كان أحد شقي البقرة أبيض والآخر أسود ; لأن تلك بلقاء لا سوداء ولا بيضاء .

وأبو حنيفة رحمه الله يقول : اختلفا فيما لم يكلفا نقله والتوفيق ممكن فتقبل الشهادة ، كما لو اختلف شهود الزنا في الزانيين في بيت واحد وبيان الوصف أنهما لو سكتا عن بيان لون البقرة لم يكلفهما القاضي بيان ذلك ، ولهذا تبين أنه ليس من صلب الشهادة والاختلاف فيما ليس من صلب الشهادة إذا كان على وجه يمكن التوفيق لا يمنع قبول الشهادة وها هنا التوفيق ممكن بأن كان أحد جانبيها أبيض والآخر أسود ، وقوله هذه تسمى بلقاء نعم ، ولكن في حق من يعرف اللونين ، أما في حق من لا يعرف إلا أحدهما فهو على ذلك اللون ، وشهود السرقة يتحملون الشهادة من بعيد في ظلمة الليل فلا يتمكنون من أن يقتربوا من السارق ليتأملوا في جانب البقرة وبه فارق الغصب ، فإن الغاصب مجاهر بما يصنع فالشاهد يتمكن من التأمل ليقف على صفة المغصوب ، فلهذا لا يشتغل بالتوفيق هناك ، وهذا بخلاف البقرة والبعير ، فإن الاختلاف هناك في صلب الشهادة وبخلاف الذكر والأنثى ، فإنه لا يوقف على هذه الصفة إلا بعد القرب منها وعند ذلك لا يشتبه ولا حاجة إلى التوفيق
( قال ) ولو شهدا أنه سرق ثوبا فقال أحدهما : هروي وقال الآخر : مروي ، فقد ذكر هذه المسألة في نسخ أبي سليمان على الخلاف أيضا ، وفي نسخ أبي حفص قال لا تقبل هذه الشهادة عندهم جميعا ، ووجه الفرق لأبي حنيفة رحمه الله أن الهروي والمروي جنسان مختلفان وبيان الجنس من صلب الشهادة فكان هذا اختلافا في صلب الشهادة ، وذلك مانع من قبول شهادتهما وإن اختلفا في الوقت لم تجز الشهادة عندهم جميعا ; لأن السرقة فعل والفعل الموجود في وقت غير الموجود في وقت آخر ، فإذا اختلفا في الزمان والمكان يمتنع قبول شهادتهما - كما في الغصب والقتل

( قال ) وإذا سرق ثوبا فشقه في الدار نصفين ثم أخرجه فإن كان لا يساوي عشرة دراهم بعدما شقه لم يقطع بالاتفاق ; لأن المعتبر كمال النصاب عند تمام السرقة وتمامه بالإخراج من الحرز ، فإذا لم تكن قيمته نصابا عند الإخراج لم يلزمه القطع بخلاف ما لو شقة بعد الإخراج فانتقصت قيمته من النصاب ، وذلك ; لأن سرقته تمت في نصاب كامل ثم التعيب تفويت جزء من الثوب ، ولو استهلك الكل بعد ما أخرجه من الحرز لم يسقط القطع ، فكذلك إذا فوت جزءا منه بخلاف ما قبل الإخراج [ ص: 164 ] فإنه لو استهلكه في الحرز لم يلزمه القطع ، فكذلك إذا فوت جزءا منه ، وهذا ; لأن ما استهلك مضمون عليه في ذمته ، ولا يتصور إتمام فعل السرقة فيما هو دين ; لأن إتمام فعل السرقة بالإخراج ، وذلك في الدين لا يتحقق ، فأما إذا لم تنتقص العين بفوات شيء منه بعد الإخراج ، وإنما انتقصت قيمته من النصاب بنقصان السعر فلا قطع عليه عندنا وروى هشام عن محمد رحمهما الله تعالى أنه يقطع ، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لأن السرقة تمت في نصاب كامل فالنقصان بعد ذلك لا يمنع استيفاء القطع كالنقصان في العين .

ولكنا نقول : كما أن النصاب يشترط لإيجاب القطع فيشترط بقاؤه إلى وقت الاستيفاء كالثياب على الإقرار والشهادة ، وقد انعدم ذلك ; لأن نقصان السعر فتور رغائب الناس فيه ، وذلك لا يكون مضمونا على أحد ، فإنما يقطع باعتبار هذا العين فقط وقيمته دون النصاب بخلاف ما إذا كان النقصان في العين ; لأنه يتقرر الضمان عليه بقدر ما فات من العين ، فإنما يقطع باعتبار هذا العين فيما صار دينا في ذمته وهو نصاب كامل ، فأما إذا شق الثوب في الحرز ثم أخرجه ، وهو يساوي عشرة فإن كان هذا العيب يمكن نقصانا يسيرا فعليه القطع بالاتفاق ، ولأن حق صاحب الثوب في تضمين النقصان وليس له أن يضمنه القيمة إذا كان العيب يسيرا ، فأما إذا كان النقصان فاحشا فإن اختار أخذ الثوب وبتضمين النقصان فعليه القطع ، وإن اختار أن يضمنه قيمة الثوب وسلم له الثوب فلا قطع عليه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى : لا يقطع في الوجهين جميعا وذكر ابن سماعة رحمه الله تعالى هذا الخلاف على قلب هذا ، ولكن ما ذكر في الأصل أصح .

وجه قول أبي يوسف رحمه الله تعالى أن سبب الملك قد انعقد له في الثوب قبل إتمام فعل السرقة وانعقاد سبب الملك يمكن شبهة ، كما لو اشترى ثوبا على أن البائع بالخيار ثم سرقه منه ، وبيان ذلك أنه ثبت للمالك خيار تضمين القيمة إياه والمضمونات تملك بالضمان فعرفنا أن سبب الملك انعقد له قبل الإخراج وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى : يقولان تمت سرقته في نصاب كامل فعليه القطع كما لو كان النقصان يسيرا ، وبيان ذلك أن شق الثوب من السارق عدوان محض فلا يصلح سببا للملك إنما يكون سبب الملك ما هو مشروع وهو يقرر الضمان عليه ، وهذا الملك يثبت شرطا لتقرر الضمان كي لا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد ، فإما أن يكون العدوان سبب المملك فلا إذا ثبت هذا ، فإذا اختار المالك تضمينه قبل أن يقطع فقد صار [ ص: 165 ] مملكا للثوب منه ، وذلك مسقط للقطع ، كما لو ملكه بالبيع أو الهبة ، وإن اختار استرداد الثوب فلم يحدث السارق فيه ملكا ولا سبب ملك فيبقى القطع عليه

( قال ) وإذا سرق شاة فذبحها في الدار وأخرجها فلا قطع عليه ; لأنها صارت لحما واللحم مما يتسارع إليه الفساد ، وإتمام فعل السرقة فيما يتسارع إليه الفساد غير موجب للقطع ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لهذه العلة ولثبوت حق التضمين للمالك ، فإن له أن يضمنه قيمة الشاة ويملكه ذلك اللحم فكان ذلك شبهة في إسقاط القطع عنه
( قال ) وإذا قطعت يد السارق ورد المتاع على صاحبه ثم سرقه مرة أخرى لم يقطع عندنا استحسانا ، وعن أبي يوسف أنه يقطع ، وهو القياس وهو قول الشافعي ; لأنه سرق مالا كامل المقدار من حرز لا شبهة فيه وبهذه الأوصاف قد لزمه القطع في المرة الأولى ، فكذلك في المرة الثانية ، وهذا ; لأنه تعذر رد المتاع على المسروق منه وهذه العين في حق السارق كعين أخرى في حكم الضمان حتى لو غصبه أو أتلفه كان ضامنا ، وكذلك في حكم القطع ، ألا ترى أنه لو باعه المسروق منه من إنسان فسرقه من المشتري أو باعه ثم اشتراه ثم سرقه منه ثانيا يقطع ؟ فكذلك قبل البيع والشراء .

والدليل عليه أنه لو سرق غزلا فقطعت يده ثم نسجه المالك ثم سرقه ثانيا يقطع ، وكذلك الحنطة إذا طحنها ، وكذلك لو كانت بقرة فولدت عند المسروق منه ثم سرق ولدها يقطع والولد جزء منها ، فإذا كان يقطع بسرقة جزء منها ، فكذلك بسرقتها والدليل عليه أنه لو سرق من حرز فقطعت يده فخرب ثم أعيد ذلك الحرز فسرق منه مرة أخرى قطع ، فكذلك المال ، ولأن هذا حد لله تعالى خالصا فيتكرر بتكرر الفعل في محل واحد كحد الزنا ، فإن من زنى بامرأة فحد ثم زنى بها مرة أخرى لزمه الحد بخلاف حد القذف ، فإنه حق المقذوف عندي وخصومته في الحد غير مسموعة في المرة الثانية ; لأن المقصود إظهار كذب القاذف ودفع العار عن المقذوف ، وقد حصل ذلك بالمرة الأولى .

( وحجتنا ) فيه نوعان من الكلام : أحدهما ، ما بينا أن صفة المالية والتقوم لم يبق في هذا العين حقا للمسروق منه بعد ما قطعت يد السارق بدليل أنه لو تلف في يده أو أتلفه لم يضمن ، فبعد ذلك وإن ظهرت المالية والتقوم في حقه بالاسترداد يبقى ما سبق مورثا شبهة والقطع يندرئ بالشبهات ، وهو نظير ما يوجد مباح الأصل في دار الإسلام إذا أحرزه إنسان صار مالا متقوما له ومع ذلك لم يقطع السارق فيه باعتبار الأصل فهذا مثله ، فأما إذا باعه ثم اشتراه ، فقد قيل لا يلزمه القطع أيضا [ ص: 166 ] ولئن سلمنا ، فإن الملك هناك يتجدد بتجدد السبب والمالية والتقوم باعتبار الملك فجعل متجددا أيضا بخلاف ما قبل البيع والشراء هذا ; لأن اختلاف أسباب الملك كاختلاف الأعيان ، ألا ترى { أن بريرة كان يتصدق عليها وهي تهديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هو لها صدقة ولنا هدية } والمشتري إذا باع من غيره ثم اشتراه ثم وجد به عيبا لم يرده على البائع الأول فدل أن تبدل سبب الملك كتبدل العين ، فأما الغزل إذا نسجه فهو في حكم عين آخر ، فلهذا لو فعله الغاصب كان الثوب مملوكا له ، فإنما سرق في المرة الثانية عينا أخرى ، وعلى هذا الحرز فإنه إذا أعيد الحرز كان هذا حرزا متجددا غير الأول ; لأن الحرز ليس بعبارة عن عين الجدار بل هو عبارة عن التحفظ والتحصن .

وكذلك حد الزنا ، فإنه يجب باعتبار المستوفى فالمستوفى مثلا شيء والمستوفى في المرة الثانية غير المستوفى في المرة الأولى ، فلهذا لزمه الحد مع أن هناك حرمة المحل لا تسقط في حقه باستيفاء الحد منه في المرة الأولى بخلاف المالية والتقوم الذي هو حق المالك في العين فإنه يسقط اعتباره باستيفاء القطع من السارق ، ولأن هذا حد لا يستوفى إلا بخصومة فلا يتكرر بتكرر الخصومة من واحد في محل واحد كحد القذف ، وبيانه أن الشهود لو شهدوا بالسرقة من غير خصم لا يثبت القطع بالاتفاق وتأثيره أن في خصومته في المرة الثانية نوع شبهة ; لأنه قد استوفى بخصومته مرة ما هو جزاء سرقة هذا العين فيمكن شبهة في خصومته في المرة الثانية ، وذلك مانع من القطع الذي يندرئ بالشبهات غير مانع من الضمان الذي يثبت مع الشبهات بخلاف حد الزنا ، فإنه لا تعتبر الخصومة فيه

( قال ) والسارق تقطع في المرة الأولى يده اليمنى فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى فإن سرق بعد ذلك لم يقطع عندنا استحسانا ، ولكن يعزر ويحبس حتى تظهر توبته ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى في المرة الثالثة تقطع يده اليسرى ، وفي المرة الرابعة تقطع رجله اليمنى ثم يحبس بعد ذلك ، وعند أصحاب الظواهر في المرة الخامسة يقتل ، وحجته قوله تبارك وتعالى { فاقطعوا أيديهما } واسم اليد يتناول اليسرى ، كما يتناول اليمنى بدليل آية الطهارة ، ولا معنى لاستدلالكم بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه وهو قوله تعالى { فاقطعوا أيديهما } ; لأن بهذه القراءة ينبغي أن تقطع رجله اليمنى ثم عندكم إذا سرق وهو مقطوع اليد اليسرى أو مقطوع الإبهام من اليد اليسرى لم تقطع يده اليمنى ، وبالقراءتين وبالإجماع صار قطع اليمنى مستحقا من السارق فلا يجوز تركه بالرأي ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه { أن [ ص: 167 ] النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سرق السارق فاقطعوه فإن عاد فاقطعوه إلى أن قال في الخامسة فإن عاد فاقتلوه } ، وفي رواية مفسرا في المرة الأولى ذكر { اليد اليمنى ، وفي الثانية الرجل اليسرى ، وفي الثالثة اليد اليسرى ، وفي الرابعة الرجل اليمنى } وروى المعلى { أنه قطع من السارق هكذا } ، وقد بينا حديث أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والمعنى فيه أن اليد اليسرى يد باطشة فتقطع في السرقة كاليمنى ، وهذا ; لأن سرقته بالبطش والمشي يتأتى فقطعت هذه الأعضاء للزجر لتفويت ما به تتأتى السرقة ، وذلك موجود في اليد اليسرى والرجل اليمنى وربما يقولون المتناول للسرقة متناول فيها كاليد اليمنى والرجل اليسرى ، وكل عقوبة تتعلق باليد اليمنى تتعلق باليد اليسرى كالقصاص والدليل عليه أنه إذا أخطأ الحداد فقطع اليسرى مكان اليمنى لم يضمن وكان مستوفيا للحد حتى لا يضمن السارق المسروق واستيفاء الحد من غير محله لا يتحقق ، فتبين أن اليسرى محل إلا أنه لا يصار إليها في المرة الثانية مراعاة للترتيب المشروع وكان المعنى في شرع هذا الترتيب أن يكون الحد زاجرا له بالتنقيص له من بطشه ومشيه فإن لم يحصل الانزجار به فالزجر بالتفويت يتحقق به الانزجار .

( وحجتنا ) فيه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه فاقطعوا إيمانهما قال إبراهيم النخعي إن من قراءتنا والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما وهذه القراءة من القراءة المشهورة بمنزلة المقيد من المطلق فيصير كأنه قال : فاقطعوا أيمانهما من الأيدي فلا يتناول الرجل أصلا ولا يتناول اليسرى ، والدليل عليه أنه في المرة الثانية لا تقطع يده اليسرى ومع بقاء المنصوص لا يجوز العدول إلى غيره ، فلو كان النص متناولا لليد اليسرى لم يجز قطع الرجل مع بقاء اليد والأيدي ، وإن ذكرت بلفظ الجمع فالأصل أن ما يوجد من خلق الإنسان تذكر تثنيته بعبارة الجمع ، قال الله سبحانه وتعالى { ، فقد صغت قلوبكما } يقال : ملئت بطونهما ، ولأن الجمع المضاف إلى الجماعة يتناول الفرد من كل واحد يقال ركب القوم دوابهم فيصير معنى الآية فاقطعوا يدا من كل سارق وسارقة .

وكان ينبغي باعتبار هذا الظاهر أن لا يقطع الرجل اليسرى منهما ، ولكن ثبت ذلك بدليل الإجماع ، ولا يجوز الاعتماد على الآثار المروية ، فقد قال الطحاوي تتبعنا هذه الآثار فلم نجد لشيء منها أصلا ، ثم يحتمل أنه كان هذا في الابتداء ، فقد كان في الحدود تغليظا في الابتداء ، ألا ترى أنه قطع الأيدي والأرجل من العرنيين وسمل أعينهم ثم انتسخ ذلك باستقرار الحدود ؟ وقيل : كان ذلك الرجل مرتدا على ما قال جابر رضي الله عنه في حديثه { أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 168 ] بسارق فقال : اقتلوه ، فقيل : إنما سرق يا رسول الله ، فقال : اقطعوه ثم ذكر هكذا في كل مرة إلى أن قال في المرة الخامسة : ألم أقل لكم اقتلوه ؟ } فقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي وجوب القتل عليه ولما خاف أن يظن ظان أن موجب السرقة القتل أمر بقطعه حتى تبين لهم ذلك في المرة الخامسة فأمر بقتله ، فلما كان مستوجبا للقتل يباح قطع الأعضاء منه .

وقد بينا أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في هذه المسألة اختلافا ظاهرا واختلافهم يورث شبهة ، ثم أخذنا بقول علي رضي الله عنه ; لأنه حاجهم بالمعنى حيث قال إني لأستحيي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها ورجلا يمشي عليها ، وفي هذا بيان أن القطع إنما شرع زاجرا لا متلفا ، وفي استيفاء الأعضاء الأربعة إتلاف حكما أو شبهة الإتلاف ، الشبهة تعمل عمل الإتلاف فيما يندرئ بالشبهات ، وبيان الوصف أن الإمام مأمور بالتحرز عن الإتلاف عند إقامة الحد بحسب الإمكان ، ألا ترى أنه لا يقيم في الحر الشديد والبرد الشديد ولا في حالة المرض كي لا يؤدي إلى الإتلاف ؟ وأنه مأمور بالحسم بعد القطع كي لا يؤدي إلى الإتلاف ، وأنه يقطع في المرة الثانية الرجل اليسرى واليد إلى اليد أقرب ، ألا ترى أن في باب الطهارة لا يتحول إلى الرجل إلا بعد الفراغ من اليدين .

وإنما شرع الترتيب هكذا للتحرز عن الإتلاف الحكمي فدل أنه شرع زاجرا لا متلفا ، وفي قطع الأعضاء الأربعة إتلاف للشخص حكما ، فإن فيه تفويت منفعة الجنس على الكمال ، وبقاء الشخص حكما ببقاء منافعه ، فلهذا يتعلق بقطع اليدين من العبد كل قيمة النفس ، ولهذا لا يجوز إعتاق مقطوع اليدين في الكفارة ، فعرفنا أنه استهلاك حكما ، وفيه شبهة الإتلاف والشبهة كالحقيقة فيما يندرئ بالشبهات ، وهذا بخلاف القصاص فالمستحق هناك اعتبار المساواة دون التحرز عن الإتلاف ، ألا ترى أن الإتلاف الحقيقي يستحق به إذا كان المساواة فيه بخلاف ما نحن فيه ، فأما الحداد إنما لا يضمن إذا قطع اليسرى ; لأنه عوضه من جنس ما فوت عليه ما هو خير له منه والإتلاف بعوض لا يكون سببا لوجوب الضمان ، وإنما أسقطنا ضمان المسروق لتحقيق معنى التعويض ، ولأن الحداد مجتهد فاعتمد ظاهر النص فيما صنع فنفذ اجتهاده ، ولم يكن ضامنا .

وهذا هو الجواب عما قاله أنه إذا كان مقطوع اليد اليسرى في الابتداء عندكم لا تقطع يده اليمنى قلنا اليد اليمنى محل بالنص ، ولكن للاستيفاء شرط ، وهو أن لا يكون على وجه يفوت منفعة الجنس ، وقد انعدم هذا الشرط إذا كان [ ص: 169 ] مقطوع اليد اليسرى فلانعدام الشرط لا تقطع اليمنى في هذه الحالة ، كما إذا كان مريضا لا تقطع يده اليمنى مع وجود المحل لانعدام الشرط فربما ينضم ألم القطع إلى ألم المرض فيؤدي إلى الإتلاف ، وكذلك في الحر الشديد والبرد الشديد فهذا مثله
( قال ) وإن شهد شاهدان على رجل بالسرقة فقطعت يده ثم أتيا بإنسان آخر وقالا هذا السارق الذي شهدنا عليه ، ولكنا أخطأنا بذلك لم تجز شهادتهما على هذا وضمنا دية يد الأول هكذا روي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل شهد عليه رجلان بالسرقة فقطع يده ثم أتيا بآخر فقالا : وهمنا يا أمير المؤمنين إنما السارق هذا فقال : لا أصدقكما على الثاني وأغرمكما دية اليد ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما ، وبه يستدل الشافعي في وجوب القصاص على الشهود وقطع اليدين بيد واحدة .

ولكنا نقول : إنما ذكر هذا اللفظ على سبيل التهديد ، ولم يكن كذبا منه ; لأنه علقه بشرط لا سبيل إلى معرفته ، وقد صح عن علي رضي الله عنه أن اليدين لا يقطعان بيد واحدة ذكره محمد في كتاب الرجوع ، والمعنى أنهما شهدا على أنفسهما بالغفلة وتناقض كلامهما في الشهادة على الثاني ، فقد رجعا عن الشهادة على الأول فكانا ضامنين لما استوفى بشهادتهما ، وإن لم يرجعا ، ولكنهما وجدا عبدين كانت دية اليد على بيت المال ; لأن هذا خطأ من الإمام لما استوفاه لله تعالى فإن رجعا عن شهادتهما بعد الحكم بالسرقة قبل أن تقطع يده أو قالا شككنا في شهادتنا درئ الحد ، ولكن السرقة تسلم للمشهود له ; لأن رجوعهما بعد القضاء مبطل للقضاء فيما كان عقوبة لتمكن الشبهة أو فيما كان حقا لله تعالى ; لأن تمامه بالاستيفاء ، فأما فيما هو حق العبد فالشهادة تتأكد بنفس القضاء والرجوع لا يبطل حق المقضي له والمال حق المسروق منه ، ولهذا لا يبطل حقه برجوعهما بعد القضاء ، وإن لم يرجعا عند الحاكم ، ولكن شاهدين شهدا عليهما بالرجوع قبل القطع أو بعده فلا معتبر بهذه الشهادة وتقطع يد السارق ; لأن الرجوع عن الشهادة معتبر بالشهادة والشهادة في غير مجلس الحكم لا توجب شيئا ، فكذلك الرجوع ، فإنما شهد هذين على رجوع باطل

( قال ) وإذا شهد رجلان وامرأتان على رجل بسرقة مال لم يقطع وأخذ بالمال ، وكذلك الشهادة على الشهادة ; لأن في شهادة النساء ضرب شبهة من حيث إن الغالب عليهن الضلال والنسيان وإليه أشار الله تعالى تبارك وتعالى في قوله { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } فلا يثبت بشهادتهما ما كان يندرئ بالشبهات ، وهو السرقة الموجبة للقطع [ ص: 170 ] ولكن يثبت به أخذ المال ; لأن الثابت به رد العين ووجوب الضمان ، وهو مما يثبت مع الشبهات ، وكذلك في الشهادة على الشهادة ضرب شبهة من حيث إن الكلام إذا تداولته الألسن يتمكن فيه زيادة ونقصان
( قال ) وإذا شهد شاهدان على رجلين أنهما سرقا من هذا الرجل ألف درهم وأحد الرجلين غائب قطع الحاضر ، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الآخر ، وهو قولهما ، وفي قوله الأول لا يقطع ، ذكر القولين بعد هذا في الإقرار إذا أقر أنه سرق مع فلان الغائب لم يقطع في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الأول ، وهو قول زفر رحمه الله تعالى ويقطع المقر في قوله الآخر ، وهو قولهما ، وقد بينا نظيره في الحدود إذا أقر أنه زنى بغائبة .

وجه قوله الأول أن الغائب لو حضر ربما يدعي شبهة يدرأ بها القطع عن نفسه وعن الحاضر ، فلو قطعنا الحاضر قطعناه مع الشبهة وذا لا يجوز كقصاص مشترك بين حاضر وغائب لا يكون للحاضر أن يستوفيه حتى يحضر الغائب .

وجه قوله الآخر أن السرقة ظهرت على الحاضر بالبينة أو بالإقرار فيستوفي الإمام حقا لله تعالى ، وهذا ; لأن السراق يحضرون وقل ما يحضرون بل في العادة يهربون وبعضهم يوجد وبعضهم لا يوجد ، فلو لم يقطع الحاضر أدى إلى سد باب هذا الحد وما من شبهة يدعيها الغائب إلا والحاضر يتمكن من أن يدعي ذلك ، وقد بينا أن بالشبهة التي يتوهم اعتراضها لا يمتنع الاستيفاء بخلاف القصاص فالشبهة هناك توهم عفو موجود من الغائب في الحال فإن جاء الغائب بعد ذلك لم يقطع بالشهادة الأولى حتى تعاد تلك البينة عليه أو غيرها فيقطع حينئذ ; لأن تلك البينة في حق الغائب قامت بغير محضر من الخصم ، فإن الحاضر لا ينتصب خصما عنه إما ; لأن النيابة في الخصومة في الحد لا تجري أو لأنه ليس من ضرورة ثبوت السرقة على الحاضر ثبوتها على الغائب ، فلهذا يشترط إعادة البينة على الغائب ليقطع

( قال ) وإن كان القاضي يعرف شهود الحدود والقصاص أنهم أحرار مسلمون غير أنه لا يعرف عدالتهم ، ولا يطعن فيهم السارق حبسه حتى يسأل عنهم ; لأنه صار متهما بارتكاب الكبيرة فيحبس ، ولا تقطع يده قبل السؤال عن الشهود ; لأن هذا شيء لو وقع فيه الغلط لا يمكن تداركه وتلافيه فعلى الحاكم أن يسأل عن الشهود صيانة لقضاء نفسه طعن الخصم فيه أو لم يطعن ، وهذا ; لأن الشبهة متمكنة في شهادتهم قبل التزكية ومع تمكن الشبهة لا يقدم على استيفاء ما يندرئ بالشبهات ، فأما في غير الحدود والقصاص مما لا يندرئ بالشبهات فالقاضي يقضي عند أبي حنيفة رحمه الله قبل أن يسأل عنهم إلا أن يطعن الخصم فيهم أو [ ص: 171 ] يستريب فيهم ، وعندهما لا يقضي ما لم يسأل عنهم على كل حال ; لأنه مأمور بالقضاء بالشهادة العادلة فما لم تظهر العدالة عنده لا يجوز له أن يقضي شرعا ، كما في الحدود ، وهذا ; لأنه مأمور بالتوقف في خبر الفاسق منهي عن العمل به ، فإنما ينتفي الفسق عنهم بالتزكية فما لم يظهر ذلك عنده بالسؤال لا يحل له أن يقضي ; لأن قبل السؤال ثبوت عدالتهم بالظاهر والظاهر حجة لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق به . وأبو حنيفة رحمه الله تعالى

استدل بقوله صلى الله عليه وسلم { المسلمون عدول بعضهم على بعض } وهكذا روي عن عمر رضي الله عنه فيما كتب به إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، فقد عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسلم بإسلامه فتعديل صاحب الشرع إياه لا يختلف عن تعديل المزكي فيتمكن القاضي من القضاء إلا أن يطعن الخصم فهو أيضا معدل بإسلامه على لسان صاحب الشرع فللتعارض احتاج الإمام إلى السؤال ، ولهذا يتبين أن هذا ليس بقضاء بالظاهر بل بدليل موجب له ، وهو إسلامه فالمسلم يكون منزجرا عن ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه حتى يظهر خلافه ثم المستحق بشهادتهما مال إذا وقع فيه الغلط أمكن تداركه بالرد فلا يجب على القاضي الاستقصاء فيه للقضاء بخلاف الحدود وبهذا تبين أن السؤال عن الشهود هناك لحق المدعي ، فإنما يشتغل به عند طلبه ، فأما قبل الطلب لو اشتغل القاضي به كان ذلك منه إنشاء لخصومة ، وهو مأمور بفصل الخصومة لا بإنشائها فكان ذلك إعانة منه لأحد الخصمين ، وهو منهي عن ذلك

( قال ) وإذا شهد الشهود على رجل بحد هو خالص حق الله تعالى بعد تقادم العهد لم تقبل شهادتهم ، وقد بينا هذا في كتاب الحدود وذكرنا حد التقادم في حد الزنا والسرقة ، فأما في شرب الخمر ، فكذلك الجواب عند محمد ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى حد التقادم زوال رائحة الخمر حتى لا يقام عليه إذا شهدوا بعد زوال رائحة الخمر أو أقر هو بذلك فمحمد رحمه الله تعالى يقول هذا حد ظهر سببه عند الإمام فلا يشترط لإقامته بقاء أثر الفعل كحد الزنا والسرقة ، وهذا ; لأن وجود الرائحة لا يمكن أن يجعل دليلا ، فقد يتكلف لزوال الرائحة مع بقاء أثر الخمر في بطن الشارب ، وقد توجد رائحة الخمر من غير الخمر ، فإن من استكثر من أكل السفرجل والتفاح يوجد منه رائحة الخمر قال القائل :
يقولون لي إنك شربت مدامة فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا
فكان هذا شاهد زور ، ألا ترى أنه لا يقام الحد لوجود الرائحة ما لم يشهد الشهود عليه بالشرب [ ص: 172 ] أو يقر به وهما احتجا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه أتي بشارب الخمر قال مزمزوه وترتروه واستنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فحدوه ، فقد شرط لإقامة الحد وجود الرائحة والمعنى فيه أن حد الخمر ضعيف من الوجه الذي بينا أنه لا نص فيه فلا يقام إلا على الوجه الذي ورد الأثر به ، وإنما ورد الأثر بإقامة الحد على من كان الخمر في بطنه ولوجود الخمر في بطنه علامة ، وهو وجود الرائحة منه فلا يقضي إلا بظهور تلك العلامة كالمرأة إذا ادعت الولادة ما لم تشهد القابلة بذلك لا يقضي القاضي به ثم زوال رائحة الخمر بعد الشرب لا يكون إلا بمضي زمان ، وقد بينا أنه لا نص في حق التقادم ففيما أمكن اعتبار التقادم لمعنى في الفعل كان المصير إليه أولى من المصير إلى غيره .

ووجود رائحة الخمر من غير الخمر نادر ، ولا يكون مستداما أيضا فلا يعتبر ذلك ، ولكن هذا إذا كان بحضرة الإمام ، فأما إذا كانوا بالبعد منه فجاءوا به بعد زوال الرائحة لبعد المسافة فالصحيح أنه لا يمتنع استيفاء الحد بشهادتهم ; لأنه لم يوجد منهم تفريط وما لا يمكن التحرز عنه يجعل عفوا ، ألا ترى أن الإمام إذا علم أن الشارب تكلف لإزالة الرائحة لا يمتنع من إقامة الحد عليه فهذا مثله


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]