عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 13-12-2025, 11:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع

صـــ 132 الى صـــ 141
(192)




فذكر أصحاب الإملاء عن أبي يوسف رحمهم الله تعالى أن من زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها لا حد عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعليه الحد في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وذكر ابن سماعة رحمه الله تعالى في نوادره على عكس هذا قال علي : قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى عليه الحد في الوجهين جميعا ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا حد عليه في الوجهين جميعا .

وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا زنى بأمة ثم اشتراها فلا حد عليه ، وإن زنى بحرة ثم تزوجها فعليه الحد ، فأما وجه الرواية التي قال لا حد عليه في الفصلين أن الملك في المحل لو اقترن بالفعل كان مانعا وجوب الحد ، فإذا طرأ بعد الوجوب قبل الاستيفاء يكون مسقطا للحد كملك السارق العين المسروقة بعد ما وجب عليه القطع والعمى والفسق في الشهود بعد وجوب الحد قبل الاستيفاء ، وهذا ; لأنه لو أقام الحد عليه إنما أقام بوطئه امرأة هي زوجته في الحال وذلك لا يجوز .

وجه الرواية التي قال يقام الحد في الفصلين أن وجوب الحد باعتبار المستوفى والمستوفى مثلا شيء فبالنكاح والشراء بعد الاستيفاء لا يثبت له الملك في المستوفى فلا يسقط الحد بخلاف السرقة ، فإن وجوب القطع على السارق باعتبار العين ، وقد ملك تلك العين فسقط القطع عنه بالشبهة . وجه رواية الحسن في الفرق بين النكاح والشراء أنه بالشراء يملك عينها وملك العين في محل الحرث سبب لملك الحل فيجعل الطارئ قبل الاستيفاء كالمقترن بالسبب كما في باب السرقة ، فأما بالنكاح لا يملك عين المرأة ، وإنما يثبت له ملك الاستيفاء ، ولهذا لو وطئت بالشبهة كان المهر لها فلا يورث ذلك شبهة فيما تقدم استيفاؤه منها ، فلهذا لا يسقط الحد عنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصدق والصواب وإليه المرجع والمآب .
[ ص: 133 ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب السرقة

( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد الأستاذ شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى : السرقة لغة أخذ مال الغير على وجه الخفية سمي به ; لأنه يسارق عين حافظه ويطلب غرته ليأخذه ، أو يسارق عين أعوانه على الحفظ بأن يسامره ليلا ; لأن الغوث بالليل قل ما يلحقه . وهي نوعان : صغرى وكبرى ، فالكبرى هي قطع الطريق ; لأنه يأخذ المال في مكان لا يلحق صاحبه الغوث ويطلب غفلة من التزم حفظ ذلك المكان وهو السلطان ، والعقوبة تستحق بكل واحد من الفعلين على حسب الجريمة في الغلظ والخفة

فهذا الكتاب لبيان هذين الحدين وكل واحد منهما ثابت منهما بالنص .

أما في السرقة الصغرى الواجب بالنص قطع اليد ، قال الله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله } والواجب بأخذ المال في السرقة الكبرى قطع يد ورجل ، قال الله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية ، وكل واحد من الحدين عقوبة ، فإن الله عز وجل سمى أحدهما نكالا والآخر خزيا بقوله تعالى { ذلك لهم خزي في الدنيا } وكل واحد منهما جميع موجب الفعل ، فقد سمى كل واحد منهما جزاء ، وفيه إشارة إلى الكمال ، يقال : خزى أي قضى وجزأ بالهمزة أي : كفى ، فعرفنا أنه جميع موجب الفعل ، وإن كان كل واحد منهما مستحقا حقا لله تعالى ; لأن الجزاء على الأفعال المحرمة من العباد يكون حقا لله تعالى ، وفيه إشارة إلى أن الفعل محرم العين ، وأن عصمة المال فيما يرجع إلى موجب الفعل لله تعالى خالصا .

واختلف العلماء بعد هذا في السرقة الصغرى قال فقهاء الأمصار رضي الله عنهم : المستحق قطع اليد اليمنى من الرسغ ، وقال الخوارج : إلى المنكب ; لأن اليد اسم للجارحة من رءوس الأصابع إلى الآباط ، وقال بعض الناس المستحق قطع الأصابع فقط ; لأن بطشه كان بالأصابع فتقطع أصابعه ليزول تمكنه من البطش بها ، وهو مخالف للنص والمنصوص قطع اليد وقطع اليد قد يكون من الرسغ ، وقد [ ص: 134 ] يكون من المرفق ، وقد يكون من المنكب ، ولكن هذا الإبهام زال ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه أمر بقطع يد السارق من الرسغ ، ولأن هذا القدر متيقن به ، وفي العقوبات إنما يؤخذ بالمتيقن
، فأما قوله جل وعلا { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } ، فقد قيل : المراد يحاربون أولياء الله ، فإن أحدا لا يحارب الله تعالى ، ولكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وهو أصل في اللغة ، وقيل : المراد بيان أن قاطع الطريق كأنه يحارب الله تعالى لأن المسافر في المفاوز في أمان الله تعالى وحفظه ، فالمتعرض له كأنه يحارب الله تعالى ، وهو نظير قوله سبحانه وتعالى { ومن يشاقق الله ورسوله } ، فإن أحدا لا يشاقق الله حقيقة ، ولكن راد أمر الله تعالى كأنه يشاقق الله تعالى .

وزعم بعض العلماء رحمهم الله تعالى أن نزول الآية في المرتدين واستدلوا عليه بحديث أنس رضي الله عنه { أن العرنيين لما ارتدوا وقتلوا الرعاة وساقوا إبل الصدقة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم وجيء بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم } فنزلت الآية ، ولكن الأصح أن نزول الآية في الذين قطعوا الطريق من غير المرتدين ; لأن في الآية بيان عقوبة تستحق بقطع الطريق ، وقيل : المرتد يستحق القتل قطع الطريق أو لم يقطع ، وإنما سبب نزول هذه الآية الذين قطعوا الطريق وما بدأ به محمد الكتاب ورواه عن أبي يوسف رحمه الله تعالى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين .

( قال ) { وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي فجاء أناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق فنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال صلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ، ومن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان في الشرك } .

فقوله : وادع ، يحتمل المؤقتة وهي الأمان ويحتمل المؤبدة وهي الذمة ، فأجرى أبو يوسف رحمه الله تعالى الكلمة على ظاهرها وقال : يقام حد قطاع الطريق على المستأمنين وأهل الذمة بدليل الحديث وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا : المراد الموادعة المؤبدة وهي عقد الذمة ; لأنه قد ثبت بالنص وجوب تبليغ المستأمنين مأمنهم ، والآية وإن نزلت في الكفار فالحكم غير مقصور عليهم ; لأن السبب الموجب للعقوبة قطع الطريق بالنص ففي حق كل من تقرر السبب ثبت الحكم ، ولكن بعد أن يصير محاربا بقطع الطريق والمستأمن محارب وإن لم يقطع الطريق ; لأنه متمكن من الرجوع إلى دار الحرب [ ص: 135 ] والمحارب بقطع الطريق يكون من أهل دارنا ، وقوله : فجاء أناس يريدون الإسلام قيل معناه : قد أسلموا فجاءوا يريدون الهجرة لتعلم أحكام الشرع ، وقيل : بل جاءوا على قصد أن يسلموا ، ومن جاء من دار الحرب على هذا القصد فوصل إلى دار الإسلام فهو بمنزلة أهل الذمة والحد يجب بقطع الطريق على أهل الذمة ، كما يجب بقطع الطريق على المسلمين بخلاف المستأمنين على ما بيناه .

ثم في هذا الحديث دليل على أن هذا الحد مشروع على الترتيب بخلاف ما يقوله مالك رضي الله عنه أنه على التخيير بظاهر حرف أو ، وهذا ; لأنه الجناية تختلف منه بمباشرة القتل أو أخذ المال أو إخافة الناس ، والعقوبة بحسب الجناية فيستحيل أن يقال عند غلظ الجناية يعاقب بأخف الأنواع ، وعند خفتها بأغلظ الأنواع فعرفنا أنها مرتبة كما ذكر في الحديث ، فظاهر قوله : من قتل وأخذ المال صلب دليل لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في أن الإمام لا يشتغل بقطع يده ورجله بهذه الحالة ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله يقول : المراد بيان ما يختص به بهذه الحالة .

فأما قطع اليد والرجل عند أخذ المال مبين في الحديث ، ألا ترى أنه لم يذكر القتل في هذه الحالة ; لأنه مبين في حق من قتل ولم يأخذ المال فأقول : الإمام يتخير في هذه الحالة بين أن يقطع يده ورجله ثم يقتله ويصلبه أو يقتله ويصلبه ثم يطعن تحت ثندوته اليسرى فيقتله على خشبة ففي ظاهر المذهب يتخير بين أن يصلبه حيا وبين أن يقتله ثم يصلبه ، وذكر الطحاوي أنه لا يصلبه قبل القتل ، فإن ذلك مثلة ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور ، ولكن في هذا الحديث دليل على أن له ذلك لتحقيق معنى الخزي في حقه ، ولهذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى : يتركه على خشبته أبدا إلى أن يسقط لتحقيق معنى الخزي وليعتبر به غيره .

فأما قوله عز وجل { أو ينفوا من الأرض } فهو غير مذكور في هذا الحديث والمراد عندنا الحبس في حق من خوف الناس ولم يأخذ مالا ولم يقتل ; لأنه إما أن يكون المراد نفيه من جميع الأرض ، وذلك لا يتحقق ما دام حيا ، أو المراد نفيه من بلدته إلى بلدة أخرى وبه لا يحصل المقصود ، وهو دفع أذيته عن الناس ، أو يكون المراد نفيه عن دار الإسلام إلى دار الحرب ، وفيه تعريض له على الردة فعرفنا أن المراد نفيه من جميع الأرض إلى موضع حبسه ، فإن المحبوس يسمى خارجا من الدنيا قال القائل :
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى [ ص: 136 ] إذا جاءنا السجان يوما لحاجة
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
والشافعي رحمه الله تعالى يقول : المراد إتباعه حتى لا يتمكن من القرار في موضع فذلك نفيه من الأرض ، فأما قوله : من جاء مسلما هدم الإسلام ما كان في الشرك فهو معنى قوله جل وعلا { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } ، وفيه كلام نبينه في بابه ، ثم الإسلام يهدم ما كان في الشرك من الجناية على خالص حق الله تعالى ، قال الله جل وعلا { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ، وقال صلى الله عليه وسلم { الإسلام يجب ما قبله } والتوبة قبل قدرة الإمام عليه مسقطة لهذه العقوبة بالنص على ما نبينه إن شاء الله تعالى
وذكر عن عبد الله بن عمر { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تقطع اليد إلا في ثمن المجن } ، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم ، وفيه دليل على أن النصاب في المسروق معتبر لإيجاب القطع على السارق ، وهو قول فقهاء الأمصار ، وأصحاب الظواهر يقولون لا يعتبر النصاب فيه ، وقد نقل ذلك عن الحسن البصري رحمه الله تعالى واستدلوا بالآية ، فإن الله عز وجل قال { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } يعني بالسرقة ; لأن السارق اسم مشتق من فعل ، والفعل الذي اشتق منه الاسم يكون علة للحكم ، ولكن السرقة لا تتحقق إلا بصفة المالية والمملوكية والحرز ، فإن أخذ المال المباح يسمى اصطيادا أو احتطابا لا سرقة ، وكذلك ما ليس بمحرز محفوظ فأخذه لا يكون سرقة لانعدام مسارقة عين الحافظ فشرطنا ما يقتضيه اسم السرقة وليس في اسم السرقة ما يدل على النصاب فالسرقة تتحقق في القليل والكثير فاشتراط النصاب يكون زيادة على النص ، وذلك يعدل النسخ ، وفي الحديث { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده } والبيضة قد لا تساوي أكثر من فلس .

ولا يجوز أن يقال : المراد بيضة الحديد وحبال السفن واللؤلؤ ; لأن المقصود بيان حقارة السارق ، وفي حمله على ما قلتم تفويت هذا المقصود ، ولكنا نقول : لما كان في اسم السرقة ما ينبئ عن صفة الإحراز صار كون المال محرزا شرطا بالنص ، وشرائط العقوبة يراعى وجودها بصفة الكمال لما في النقصان من شبهة العدم ، والإحراز إنما يتم في المال الخطير دون الحقير فالقليل لا يقصد الإنسان إحرازه عادة وإليه أشارت عائشة رضي الله عنها في قولها { كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه } فصار ما يتم به الإحراز ، وهو كون المال خطيرا ثابتا بالنص والمراد من الحديث بيضة [ ص: 137 ] الحديد إلا أن صاحب الشرع ، وإن ذكره لإظهار حقارة السارق ، فقد أضمر في كلامه هذا المعنى ليحصل المقصود ويكون كلامه حقا على ما روي { أنه كان يمازح ولا يقول إلا حقا } ، وقيل : إن هذا كان في الابتداء لزيادة التغليظ والتشديد ثم انتسخ بالآثار المشهورة باعتبار النصاب في المسروق

ثم اختلفوا في مقدار النصاب فقال علماؤنا رحمهم الله تعالى : عشرة دراهم أو دينار ، وقال الشافعي رحمه الله : ربع دينار ، وقال رحمه الله : ثلاثة دراهم ، وقال ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى خمسة دراهم ، وقال عكرمة رحمه الله تعالى أربعة دراهم وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أربعون درهما واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بحديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال القطع في ربع دينار فصاعدا } ، ولأنهم اتفقوا على أن القطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان إلا في ثمن المجن واختلف في ثمن المجن ، وعند الاختلاف في القيمة يؤخذ بالأقل ، كما إذا اختلف المقومون في قيمة المسروق يؤخذ بالأقل في ذلك فأقل ما نقل فيه ثلاثة دراهم ، فلهذا قدر مالك رحمه الله تعالى النصاب به .

وقد كانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر درهما فثلاثة دراهم يكون ربع دينار وابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يستدل بحديث عثمان رضي الله عنه لا تقطع الخمس إلا بخمسة يعني اليد التي عليها خمسة أصابع لا تقطع إلا بخمسة دراهم ، ومن اعتبر بأربعين استدل بحديث عائشة رضي الله عنها { كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه فكانت تقطع في ثمن المجن ، وهو كان يومئذ ذا ثمن } ، وهذا منها إشارة إلى أنه كان مالا خطيرا والخطير ما يكون مقدارا يعتبر لإيجاب الزكاة فيه وأدنى ذلك الأربعون في نصاب الشياه .

وعلماؤنا رحمهم الله استدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم } وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا { لا تقطع اليد إلا في دينار أو في عشرة دراهم } وهكذا عن علي رضي الله عنه ، وفي الحديث المعروف { لا مهر أقل من عشرة ، ولا قطع في أقل من عشرة دراهم } ، وعن أيمن بن أبي أيمن وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم { أن المجن الذي قطعت اليد فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يساوي عشرة دراهم } والرجوع إلى قولهم أولى ; لأنهم من جلة الغزاة فكانوا أعرف بقيمة السلاح من غيرهم وليس هذا من جملة ما قال إن [ ص: 138 ] الأخذ بالأقل أولى ; لأن في قيمة المسروق إنما يؤخذ بالأقل لدرء الحد ، وذلك يوجب أن يؤخذ بالأكثر هاهنا ; لأن معنى درء الحد فيه ، وقد روي أن عمر رضي الله تعالى عنه عنه أتي بسارق سرق ثوبا فأمر بقطع يده ، قال عثمان رضي الله تعالى عنه إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم فأمر بتقويمه فقوم بثمانية دراهم فدرأ الحد عنه فدل أنه كان ظاهرا معروفا فيما بينهم أن النصاب يتقدر بعشرة دراهم ويعتبر نصاب الحد بنصاب المهر ، وقد قامت الدلالة لنا على أن أدناه عشرة دراهم والمستحق بكل واحد منهما ماله خطر ، وهو مصون عن الابتذال فلا يستحق إلا بمال خطير والحديث الذي رواه عن عائشة رضي الله عنها اضطرب أهل الحديث فيه وأكثرهم على أنه غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان القاسم بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى إذا سمع من يروي هذا الحديث مرفوعا رماه بالحجارة .

والدليل عليه ما اشتهر من قول عائشة رضي الله عنها كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه وكانت تقطع في ثمن المجن ، فلو كان عندها نص لما اشتغلت بهذا الجواب المبهم ثم يحتمل أنه كان التقدير بربع دينار في الابتداء ثم انتسخ ذلك بعشرة دراهم ليكون الناسخ أخف من المنسوخ قال الله جل وعلا { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ثم في ظاهر الرواية المعتبر عشرة دراهم من النقرة المضروبة حتى روى ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى إذا سرق نقرة لا تساوي عشرة دراهم مضروبة فلا قطع عليه ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن المعتبر عشرة دراهم من النقد الغالب بعد أن تكون الفضة فيها غالبة على الغش ، وأما ما يغلب عليه الغش فهو من الفلوس لا من الدراهم ، والأول أصح لما بينا أن شرط العقوبة يراعى وجوده بصفة الكمال ، فإذا كانت الدراهم مغشوشة فالغش ليس من الفضة في شيء ، ولو أوجبنا القطع عليه كان إيجاب القطع في موضع الشبهة وما يندرئ بالشبهات لا يستوفى مع الشبهة ، فلهذا اعتبرنا عشرة دراهم من النقرة المضروبة ثم المعتبر عشرة دراهم من وزن سبعة ، فإنه هو المعتبر في وزن الدراهم في غالب البلدان ، وقد بينا تفسير ذلك فيما أمليناه من شرح الإفرار

وعن ابن مسعود وابن عباس وإبراهيم رضوان الله عليهم أجمعين قالوا : إذا أصاب من الحدود فيها القتل قتل وألغي ما سوى ذلك معناه ما سوى ذلك من الحدود التي حق لله تعالى ، فأما ما فيه حق العباد كحد القذف والقصاص في الطرف فلا بد من استيفائه مقدما لمراعاة من له الحق ، وفي حقوق الله تعالى القتل أهم ، وفي معنى الزجر أتم فيبدأ به ثم لا فائدة في الجلد [ ص: 139 ] والقطع بعده بهذا استدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في أن قاطع الطريق إذا استحق قتله لا يشتغل بقطع يده ورجله وأبو حنيفة رحمه الله يقول إن المراد في الحدود لا في حد واحد وحد قاطع الطريق واحد ، ولا تداخل في أجزاء حد واحد فللإمام أن يقطع يده ورجله ثم يقتله لتحقيق معنى التغليظ
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا بحضرته ، فإنما شهدوا على ضغن قال الحسن رحمه الله في حديثه ، ولا شهادة لهم ، والمراد الحدود التي هي محض حق الله تعالى والشهادة عليها بطريق الحسبة من غير أن ينبني على خصومة في الحد كالزنا والسرقة وشرب الخمر ، وأما حد القذف فالشهادة عليه تنبني على الدعوى والخصومة في الحد فلا يمتنع قبولها بتقادم العهد
وعن علي رضي الله عنه في رجل أخذ ، وقد نقب البيت ، ولم يأخذ المتاع قال : لا حد عليه وبه نأخذ ، فإن سبب وجوب الحد ما لم يتم لا يجب الحد

وتمام السرقة بإخراج المال من الحرز ، وهذا ; لأن الحد يتعلق بما هو المقصود من كل نوع ، ولهذا لم يجب حد الزنا إلا بالإيلاج في الفرج ، والمقصود في السرقة إخراج المال دون هتك الحرز ، فإن أخذ قبل إخراج المال ، فقد انعدم ما هو المقصود فلا حد عليه ، وعن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر ، ولا في كثر } ، وبه نقول فالثمر اسم الرطب المعلق على الأشجار ، وهو مما يتسارع إليه الفساد ، ولا قطع عندنا في سرقة ما يتسارع إليه الفساد .

( فإن قيل ) المراد ثمار المدينة ، فإنها على رءوس الأشجار وهي لا تكون محرزة لقصر الحيطان .

( قلنا ) رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على المعنى المانع من وجوب الحد والقطع ، وهو كون المسروق ثمرا ، وفي الحمل على ما قلتم تعطيل هذا السبب وإحالة الحكم إلى سبب آخر ، فأما الكثر ، فقد قيل المراد به الجمار هكذا قال يحيى بن سعيد وقال غيره : هو الودي ، وهو النخل الصغار ، وقد حكي أن غلاما سرق وديا فغرسه في أرض مولاه فأتي به مروان فأمر بقطعه فجاء مولاه إلى رافع بن خديج رضي الله عنه فأخبره بذلك فقال لا قطع عليه فسأله أن يأتي معه مروان فقام إليه ، وقد روى الحديث { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا قطع في ثمر ، ولا في كثر } فدرأ الحد مروان ، وعن الحسن رحمه الله { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع في الطعام المهيأ للأكل ، فإن ذلك مما يتسارع إليه الفساد ، ولا يمكن ادخاره } ، وأما الحنطة ونحوها يتعلق بسرقتها القطع بعد تمام الإحراز وقبل تمام الإحراز لا يتعلق بها القطع لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حريسة [ ص: 140 ] الجبل فقال هي ومثلها والنكال ، وإذا جمعها المراح ففيها القطع } ، وفي رواية { ففيها غرم مثله وجلدات نكال } ، وفي رواية { ، فإذا آواها الجرين وبلغ ثمن المجن ففيها القطع } ، وقيل : المراد لا قطع في عام السنة وهي زمان القحط ; لأن الضرورة تبيح التناول من مال الغير بقدر الحاجة فيمنع ذلك وجوب القطع لما روي عن مكحول رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا قطع في مجاعة مضطر } وذكر عن الحسن عن رجل قال : رأيت رجلين مكتوفين ولحما فذهبت معهم إلى عمر رضي الله عنه فقال صاحب اللحم كانت لنا ناقة عشراء ننتظرها ، كما ينتظر الربيع فوجدت هذين قد اجتزراها فقال عمر رضي الله عنه : هل يرضيك من ناقتك ناقتان عشراوان مربعتان ؟ فإنا لا نقطع في العذق ، ولا في عام السنة وكان ذلك في عام السنة ، والعشراء هي الحامل التي أتى عليها عشرة أشهر وقرب ولادتها فهي أعز ما يكون عند أهلها ينتظرون الخصب والسعة بلبنها ، كما ينتظرون الربيع .

وقوله : فإنا لا نقطع في العذق منهم من يروي في العرق ، وهو اللحم والأشهر العذق ، وهو الكباسة ومعناه لا قطع في عام السنة للضرورة والمخمصة ، وقد كان عمر رضي الله عنه في عام السنة يضم إلى أهل كل بيت أهل بيت آخر ويقول لن يهلك الناس على إنصاف بطونهم فكيف نأمر بالقطع في ذلك وعن علي رضي الله عنه في الخلسة قال تلك الدعارة المغالبة لا قطع فيها ، وفي رواية الغالبة فهذا منه منه إشارة إلى أن القطع إنما يتعلق بفعل السرقة والخلسة لا تكون سرقة ، فإن المختلس يستدير صاحب المتاع ، ولا يسارق عينه
وعن إبراهيم قال : لا قطع على سارق الحر الصغير ، وإن سرق مملوكا قطع وبه نأخذ والحر ليس بمال بخلاف المملوك ، وفي الصغير يتحقق فعل السرقة ، وفيه اختلاف لأبي يوسف رحمه الله تعالى نبينه
وعن علي رضي الله عنه في السارق تقطع يده اليمنى فإن عاد قطعت رجله اليسرى فإن عاد استودعته السجن إني لأستحيي من الله تعالى أن لا أدع له يدا يأكل بها ورجلا يمشي عليها ، وذكر في الأصل أنه عرض السجون فأتي برجل قد قطعت يده ورجله ، وقد سرق فقال : ما ترون فيه ، قال : بعضهم تقطع يده اليسرى فقال : ليس ذلك عليه فبأي شيء يستنجي ويرفع لقمته ، وقال بعضهم تقطع : رجله اليمنى فقال : ما ذاك عليه فبأي شيء يمشي إلى حاجته قال إبراهيم رحمه الله تعالى ، وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم من قال أقطعه حتى أتي على قوائمه كلها يريد به قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ومنهم من قال أقطع يده ورجله ثم أحبسه يريد به قول علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما قال [ ص: 141 ] هذا أحب إلي وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى لأن القطع شرع زاجرا لا متلفا ، وفي تفويت منفعة الجنس إتلاف حكمي على ما أشار إليه علي رضي الله عنه وسيأتي بيان هذا الفصل ، وذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أضاف أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقطع اليد والرجل فكان يصلي بالليل فقال له أبو بكر رضي الله عنه من قطعك فقال يعلى بن أمية باليمن قال أبو بكر رضي الله عنه ما ليلك بليل سارق ثم أغار على حلي لأسماء فسرقه ثم أصبح يدعو مع القوم على من سرق أهل البيت الصالح ، وفي رواية كان يقول : اللهم أظهر فلم يقم القوم حتى أتي بصائغ بالمدينة عنده الحلي فقال أتاني به هذا الأقطع واعترف فقال أبو بكر رضي الله عنه لعزته بالله أعز علي من سرقته ، وفي رواية ما أجهلك بالله ، فقال عمر رضي الله عنه : والله لا أبرح حتى يقطع فقطعت يده اليسرى .

وقد ذكرنا في كتاب الإكراه أنه كان أقطع اليد فقطع أبو بكر رضي الله عنه رجله اليسرى وليس لحكاية الحال عموما فعند اختلاف الرواية فيه يضعف الاستدلال به والإشكال في الحديث أنه كان ضيفا عند أبي بكر رضي الله عنه والضيف إذا سرق من بيت المضيف لا يقطع ; لأنه مأذون بالدخول في الحرز ، ولكن تأويله أن بيت الضيافة لأبي بكر رضي الله عنه كان منفصلا عن بيت العيال فلم يكن الضيف مأذونا في بيت العيال فلهذا قطعه ، وفيه دليل على أنه لا يعتمد على ظاهر حال الرجل في دعائه وصلاته ، وقد كان يصلي بالليل ثم كان مقصوده السرقة لا الصلاة وتمام فوائد الحديث نبينه في الإكراه إن شاء الله تعالى

وذكر عن يزيد بن خصيف رضي الله عنه قال : { أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقال : أسرقت ما إخاله سرق ، فقال : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به ففعلوا به ذلك ، فقال : تب إلى الله ، فقال : تبت إلى الله تعالى ، فقال : اللهم تب عليه } ، وفيه دليل على أن الإمام مندوب إلى الاحتيال لدرء الحد وتلقين المقر الرجوع ، ويدل عليه ما روي عن أبي الدرداء أنه أتي بسارق أو بسارقة فقال : أسرقت قولي لا ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه أتي بسوداء يقال لها سلامة فقال : أسرقت قولي لا ، قالوا : أتلقنها ؟ قال : جئتموني بأعجمية لا تدري ما يراد بها حين تفسر فأقطعها ، وفيه دليل على أن المقر بالسرقة إذا رجع درئ عنه الحد وأن الرجل والمرأة في ذلك سواء ، وأن للإمام أن ينيب غيره منابه ليستوفي الحد لا بحضرته ، فإنه عليه الصلاة والسلام قال { : اذهبوا به فاقطعوه } ، وفيه دليل على أن القطع للزجر لا للإتلاف ; لأنه أمر بالحسم بعد القطع [ ص: 142 ] وهو دواء وإصلاح يتحرز به عن الإتلاف ، وفيه دليل على أن التطهير لا يحصل بالحد إذا كان مصرا على ذلك ، ولأنه خزي ونكال ، وإنما التطهير والتكفير به في حق التائب ، فإنه دعاه إلى التوبة بقوله صلى الله عليه وسلم { تب إلى الله } ، وفيه دليل على أن التوبة لا تتم بقوله تبت ، فإنه صلى الله عليه وسلم { قال : اللهم تب عليه } وتمام التوبة بالندم على ما كان منه ، والعزم على أن لا يعود إليه من بعد مع الوجل فيما بين ذلك

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.58 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.39%)]