
13-12-2025, 10:39 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,655
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع
صـــ 102 الى صـــ 111
(189)
( قال ) وليس على واطئ البهيمة حد عندنا ، ولكنه يعزر ، ومن الناس من أوجب عليه الحد لحديث روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى بهيمة فاقتلوه } ، ولكن الحديث شاذ لا يثبت الحد بمثله ، ولو ثبت فتأويله في حق من استحل ذلك الفعل ، ثم ليس لفرج البهيمة حكم الفرج حتى لا يجب ستره والإيلاج فيه بمنزلة الإيلاج في كوز أو كوة ، ولهذا قلنا أنه لا تنتقض طهارته بنفس الإيلاج من غير إنزال ، ولأن الحد مشروع للزجر ، ولا يميل طبع العقلاء إلى إتيان البهيمة ، فإنها ليست بمشتهاة في حق بني آدم وقضاء الشهوة يكون من غلبة الشبق أو فرط السفه ، كما يحصل قضاء الشهوة بالكف والألية ، ولكنه يعذر لارتكابه ما لا يحل .
( قال ) في الأصل بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه أتي برجل أتى بهيمة فلم يحده وأمر بالبهيمة فذبحت وأحرقت بالنار ، وهذا ليس بواجب عندنا وتأويله أنه فعل ذلك كي لا يعير الرجل به إذا كانت البهيمة باقية
( قال ) ولو قذف قاذف رجلا بإتيان البهيمة فلا حد عليه ; لأن القاذف إنما يستوجب الحد إذا نسبه إلى فعل يلزمه الحد بمباشرته وذلك غير موجود هنا ، ألا ترى أنه لو قذفه بوطء الميتة أو تقبيل الحرام لا يجب الحد ؟ فكذلك إذا قذفه بإتيان البهيمة
( قال ) وإن قذفه بعمل قوم لوط لم يحد إلا أن يفصح معناه إذا قال : يا لوطي لا حد عليه بالاتفاق ; لأنه نسبة إلى نبي من أنبياء الله تعالى فلا يكون هذا اللفظ صريحا في القذف ، فأما إذا أفصح بنسبته إلى ذلك الفعل فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يعزر ، ولا يحد ; لأنه نسبة إلى فعل لا يلزمه الحد بذلك الفعل عنده وعندهما يلزمه حد القذف ; لأنه نسبة إلى فعل يستوجب بمباشرته الحد عندهما
( قال ) ومن وطئ امرأة في نكاح فاسد ثم قذفه رجل لا حد عليه ; لأنه ارتكب وطئا حراما غير مملوك فيسقط به إحصانه
( قال ) ، ولا ينبغي للقاضي أن يلقن الشهود ما تتم به شهادتهم في الحدود [ ص: 103 ] لأنه مأمور بالاحتيال لدرء الحد لا لإقامته ، وفي هذا احتيال لإقامة الحد فلا يكون للقاضي أن يشتغل به
( قال ) وينبغي للقاضي إذا أشكل عليه شيء أن يسأل من هو أفقه منه ، ولا يسعه إلا ذلك لقوله تعالى { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } { وقال صلى الله عليه وسلم هلا سألوه إذا لم يعرفوه ، وإنما شفاء العي السؤال } ، ولأنه مأمور بالقضاء بحق ، ولا يتصل إلى ذلك فيما أشكل عليه إلا بالسؤال فلا يسعه إلا ذلك ، فإن أشار عليه ذلك الذي هو أفقه منه في رأي نفسه بما هو خطأ عند القاضي فعليه أن يقضي بما هو الصواب عنده إذا كان يبصر وجوه الكلام ; لأنه مأمور شرعا بالاجتهاد إذا كان مستجمعا شرائطه .
ولا يحل للمجتهد أن يدع رأيه برأي غيره ، وإن كان أفقه منه ، فقد يسبق وجه الصواب في حادثة لإنسان ويشتبه على غيره ، وإن كان أفقه منه ، وإن ترك رأيه وعمل بقول ذلك الفقيه كان موسعا عليه أيضا ; لأن هذا نوع اجتهاد منه ، فإن عند تعارض الأقاويل ترجيح قول من هو أفقه منه نوع اجتهاد ، ألا ترى أن القاضي إذا لم يكن مجتهدا واختلف العلماء في حادثة كان عليه أن يأخذ بقول من هو أفقه عنده ويكون ذلك اجتهاد مثله ، وهنا أيضا إذا قدم رأي من هو أفقه منه على رأي نفسه كان ذلك نوع اجتهاد منه فكان موسعا عليه والله أعلم بالصواب .
باب الرجوع عن الشهادات
( قال ) ، وإذا شهد ثمانية نفر على رجل بالزنا كل أربعة يشهدون على الزنا بامرأة على حدة فرجمه القاضي ثم رجع أربعة منهم عن الشهادة لم يضمنوا ، ولم يحدوا ; لأنه قد بقي على الشهادة أربعة منهم ، ولأن ما يثبته عليه شهادة الأربعة ، والمعتبر في مسائل الرجوع بقاء من بقي على الشهادة ، فإن بقي على الشهادة من تتم به الحجة لم يضمن الراجعون شيئا ، ولا يحدون أيضا ; لأنه غير محصن في حق أحد ما بقيت حجة تامة على زناه ، فإن رجع واحد من الآخرين أيضا فعلى الراجعين ربع الدية ; لأنه قد بقي على الشهادة من يستحق بشهادته ثلاثة أرباع النفس ، وإنما انعدمت الحجة في الربع فعلى الراجعين ذلك القدر وليس بعضهم بالوجوب عليه بأولى من البعض ; لأنه قبل شهادتهم جميعا ويحدون حد القذف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وفي قول محمد رحمه الله تعالى لا يحدون ، وكذلك إن رجع [ ص: 104 ] الفريقان جميعا فعليهم ضمان الدية ويحدون عندهما ، ولا حد عليهم عند محمد ; لأن كل أربعة أثبتوا بشهادتهم زنى آخر فالزنا بزينب غير الزنا بعمرة ففي حق كل فريق يجعل كأن الفريق الأول ثابتون على الشهادة في حكم سقوط الإحصان ، ألا ترى أن شهود الزنا لو رجعوا وقذف المرجوم إنسان فلا حد على القاذف ؟ ويجعل في حقه كأنهم ثابتون على الشهادة ، وكذلك لو شهد أربعة سواهم أنه كان زانيا بعد رجوعه لا يحدون إلا أن هذا المعنى لا يعتبر في سقوط ضمان بدل النفس ; لأنه يؤدي إلى إهدار الدم ويعتبر في امتناع وجوب الحد عليهم ; لأن الحد يندرئ الشبهات وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا : هم في حق الرجوع كالشاهدين عليه بزنى واحد ; لأن المقصود بهذه الشهادة إقامة الحد ، ولا يقام عليه إلا حد واحد ، وإن تعدد فعل الزنا منه ، والدليل عليه أن في حكم الضمان جعلوا كالشاهدين بزنى واحد ، وأنه لو رجع اثنان من كل فريق لا يضمنون شيئا أيضا ، ولو لم يجعلوا كذلك لضمنوا ; لأن الباقي على الشهادة شاهدان أنه زنى بامرأة وشاهدان أنه زنى بامرأة أخرى ، والحجة لا تتم بهذا فعرفنا أنهم جعلوا كالشاهدين عليه بزنى واحد .
( قال ) ، ولو شهدوا بذلك ثم رجع خمسة حدوا جميعا فهذا مثله ، وهذا ; لأنهم إذا رجعوا جميعا ، فقد حكمنا في حقهم بأنه محصن مقتول ظلما حتى غرمناهم الدية فيبعد أن يقال : لا يقام عليه الحد ومن زعمهم أنه عفيف ، وأنهم قذفوه بغير حق
( قال ) وإن شهد خمسة على رجل بالزنا والإحصان فرجم ثم رجع واحد فلا شيء عليه لبقاء حجة تامة ، فإن رجع آخر غرما ربع الدية ; لأن الباقي على الشهادة من يستحق بشهادته ثلاثة أرباع النفس ويحدان جميعا ; لأنه لم يبق على الشهادة من تتم به الحجة ، وقد انفسخت الشهادة في حقهما بالرجوع فعليهما الحد .
( فإن قيل ) الأول منهما حين رجع لم يجب عليه الحد ، ولا ضمان ، فلو لزمه ذلك يلزمه برجوع الثاني ورجوع غيره لا يكون ملزما إياه الحد .
( قلنا ) لم يجب لانعدام السبب بل لمانع ، وهو بقاء حجة تامة ، فإذا زال برجوع الثاني وجب الحد على الأول بالسبب المتقرر في حقه لا بزوال المانع ، فلو اعتبرنا هذا المعنى لوجب القول بأنهم لو رجعوا معا لم يحد واحد منهم ; لأن في حق كل واحد منهم لا يلزمه شيء برجوعه وحده لو ثبت أصحابه على الشهادة ، وهذا بعيد
( قال ) وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا فعل الإمام الذي ليس فوقه إمام شيئا مما هو إلى السلطان فليس فيه عليه الحد إلا القصاص والأموال ، فإنه يؤخذ بها ; لأن استيفاء الحد إلى الإمام ، وهو الإمام فلا يملك إقامة الحد على [ ص: 105 ] نفسه ; لأن الشرع ما جعل من عليه نائبا عنه في الاستيفاء من نفسه ، فإن إقامته بطريق الخزي والعقوبة فلا يفعل الإنسان ذلك بنفسه ومن هو دونه نائبه لا يمكنه أن يقيم فانعدم المستوفي ، وفائدة الوجوب الاستيفاء ، فإذا انعدم المستوفي قلنا أنه لا يجب والشافعي رحمه الله تعالى يقول : يلزمه الحد ويجتمع الصلحاء من المسلمين على رجل ليقيم عليه ذلك الحد ، وأهل الزيغ يعللون في هذه المسألة ويقولون إنه بالزنا قد انعزل فكان زناه في وقت لا إمام فيه ، ولو زنى في مكان لا إمام فيه ، وهو دار الحرب لا يلزمه الحد ، فكذلك إذا زنى في زمان لا إمام فيه ، وهذا قول باطل عندنا لما قلنا إنه بالفسق لا ينعزل ، فأما القصاص والأموال محض حق العبد واستيفاؤه إلى صاحب الحق فيستوفيه منه إن تمكن من ذلك
( قال ) وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : السكر الذي يجب به الحد على صاحبه أن لا يعرف الرجل من المرأة ، وإنما أراد به أن من شرب ما سوى الخمر من الأشربة فلا حد عليه ما لم يسكر ، وحد سكره عندهما أن يختلط كلامه فلا يتميز جده من هزله ; لأنه إذا بلغ هذا الحد يسمى في الناس سكران وإليه أشار الله عز وجل في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } وأبو حنيفة رحمه الله تعالى قال ما لم يبلغ نهاية السكر لا يلزمه الحد ; لأن في الأسباب الموجبة للحد يعتبر أقصى النهاية احتيالا لدرء الحد ، وذلك في أن لا يعرف الأرض من السماء والفرو من القباء والذكر من الأنثى إلى هذا أشار في الأشربة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب الشهادة في القذف
( قال ) رضي الله تعالى عنه وإذا ادعى رجل أنه قذفه ، ولا بينة له لم يستحلف على ذلك ، ولا يمين في شيء من الحدود ; لأن المقصود من الاستحلاف القضاء بالنكول والنكول إنما يكون بدلا والبدل لا يعمل في الحدود أو يكون قائما مقام الإقرار والحد لا يقام بما هو قائم مقام غيره إلا أن على قول الشافعي رحمه الله يستحلف في حد القذف بخلاف سائر الحدود بناء على أصله أن حد القذف حق العبد فيستحلف فيه كالتعزير والقصاص ، ولأن في سائر الحدود رجوعه بعد الإقرار صحيح فلا يكون استحلافه مفيدا ، وفي حد القذف رجوعه عن الإقرار باطل فالاستحلاف فيه يكون مفيدا كالأموال ، ولكنا نقول هذا حد يدرأ [ ص: 106 ] بالشبهة فلا يستحلف فيه كسائر الحدود ، وهو بناء على أصلنا أن المغلب فيه حق الله تعالى على ما نبينه .
( قال ) إلا أنه يستحلف في السرقة لأجل المال فإن أبى أن يحلف ضمن المال ، ولم يقطع ; لأن المال حق العبد ، وهو يثبت مع الشبهات وحقيقة المعنى فيه أن في السرقة أخذ المال ، فإنما يستحلف على الأخذ لا على فعل السرقة ، وعند نكوله يقضى بموجب الأخذ ، وهو الضمان ، كما لو شهد رجل وامرأتان بالسرقة يثبت الأخذ الموجب للضمان ، ولا يثبت القطع الذي ينبني على فعل السرقة فإن جاء المقذوف بشاهدين فشهدا أنه قذفه سئلا عن ماهيته وكيفيته ; لأنهم شهدوا بلفظ مبهم فالقذف قد يكون بالزنا ، وقد يكون بغير الزنا فإن لم يزيدوا على ذلك لم تقبل شهادتهم ; لأن المشهود به غير معلوم ، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول ، فكذلك يمتنع عن القضاء عند امتناعهما عن بيان ما شهدا به .
فإن قالا : نشهد أنه قال يا زان قبلت شهادتهما وحد القاذف إن كانا عدلين ; لأنهم شهدوا بالقذف بالزنا ، وهو موجب للحد بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى { والذين يرمون المحصنات } واتفق أهل التفسير أن المراد بالرمي الرمي بالزنا دل عليه قوله تعالى { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } ، فإن عدد الأربعة في الشهود شرط في الزنا خاصة ، وأما السنة فما روي { أن هلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك ابن سحماء قال صلى الله عليه وسلم ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد في ظهرك }
( قال ) وإن لم يعرف القاضي شهود القذف بالعدالة حبسه حتى يسأل عنهم ; لأنه صار متهما بارتكاب ما لا يحل من هتك الستر وأذى الناس بالقذف فيحبس لذلك ، ولا يكفله ; لأن التكفيل للتوثق والاحتياط والحد مبني على الدرء والإسقاط ثم ذكر أنه لا يكفل في شيء من الحدود والقصاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الأول ذكره في كتاب الكفالة ، وفي قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول محمد رحمهما الله تعالى يأخذ منه الكفيل في دعوى حد القذف عليه ، وكذلك في دعوى القصاص ، ولا خلاف له أنه لا تصح الكفالة بنفس الحد والقصاص ; لأن النيابة لا تجري في إيفائهما ، والمقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في الإيفاء ، وهذا لا يتحقق في شيء من الحدود فلا تصح الكفالة بها ، فأما أخذ الكفيل بنفس المدعى عليه فعند أبي حنيفة رحمه الله .
إذا زعم المقذوف أن له بينة حاضرة في المصر ، فإن القاضي لا يأخذ من المدعى عليه كفيلا بنفسه ولكن يحبسه إلى آخر المجلس فإن أحضر بينته وإلا خلى سبيله ، ومراده بهذا الحبس الملازمة أنه [ ص: 107 ] يأمره بملازمته إلى آخر المجلس لا حقيقة الحبس ; لأنه عقوبة وبمجرد الدعوى لا تقام العقوبة على أحد ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يأخذ منه كفيلا بنفسه إلى ثلاثة أيام ليأتي بالبينة ، وقالا : إن حد القذف في الدعوى والخصومة بمنزلة حقوق العباد ، وفي أخذ الكفيل نظر للمدعي من حيث إنه يتمكن من إحضار الخصم بإقامة البينة عليه ، ولا ضرر فيه على المدعى عليه فيأخذ القاضي كفيلا بنفس المدعى عليه ، كما في الأموال ، وهذا ; لأن تسليم النفس مستحق على المدعى عليه حقا للمدعي ، ولهذا يستوفي منه عند طلبه ، وهو مما يجري فيه النيابة فيجوز أخذ الكفيل فيه وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول المقصود من هذه الخصومة إثبات الحد والكفالة للتوثق والاحتياط والحد مبني على الدرء والإسقاط فلا يحتاط فيه بأخذ الكفيل ، كما في حد الزنا ، وكان أبو بكر الرازي رحمه الله يقول : مراد أبي حنيفة أن القاضي لا يجبر الخصم على إعطاء الكفيل ، ولكن إن سمحت نفسه فأعطى كفيلا بنفسه صح ذلك ; لأن تسليم النفس مستحق عليه ، كما قلنا ، وإن أقام المدعي شاهدا واحدا فإن كان القاضي لا يعرف هذا الشاهد بالعدالة فهو وما لم يقم الشاهد سواء لا يحبسه إلا بطريق الملازمة إلى آخر المجلس ، وإن كان يعرف هذا الشاهد بالعدالة فادعى أن شاهده الآخر حاضر حبسه يومين أو ثلاثة استحسانا ، وفي القياس لا يفعل ; لأن الحجة لا تتم بالشاهد الواحد حتى لا يجوز القضاء به بحال ، ولكنه استحسن فقال : قد تم أحد شرطي الشهادة ، فإن للشهادة شرطين العدد والعدالة ، فلو تم العدد حبسه قبل ظهور العدالة ، فكذلك إذا وجدت صفة العدالة قلنا : أنه يحبسه إلى أن يأتي بشاهد آخر ويمهله في ذلك يومين أو ثلاثة فيحبسه هذا المقدار استحسانا ، وهذا كله عند أبي حنيفة ; لأنه لا يرى الكفالة بالنفس في الحد فأما عندهما يأخذ كفيلا بنفسه ، ولا يحبسه والمقصود يحصل بذلك
( قال ) وإذا تزوج المجوسي أمة ودخل بها ثم أسلما وفرق بينهما ثم قذفهما رجل فعليه الحد عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأن من أصله أن نكاح المحارم فيما بينهم له حكم الصحة فلا يسقط به الإحصان
( قال ) وإن مات المكاتب وترك وفاء فأديت مكاتبته فقذفه رجل فلا حد عليه لشبهة الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم أنه مات حرا أو عبدا ، وقد بينا هذا فيما سبق وبعد ثبوت القذف يسأله البينة أنه حر يريد به إنه إذا زعم القاذف أن المقذوف عبد ، وقد بينا أن الحرية الثابتة بالظاهر لا تكفي لثبوت الإحصان واستحقاق الحد على القاذف ، وكذلك إذا ادعى القاذف أنه عبد [ ص: 108 ] وعليه حد العبيد فالقول قوله فما لم يقم المقذوف البينة على حريته لا يقام عليه حد الأحرار فإن عرف القاضي حريته اكتفي بمعرفته ; لأن علم القاضي أقوى من الشهادة ، ولا يقال : كيف يقضي القاضي بالحد بعلمه ; لأن في حد القذف له أن يقضي بعلمه ، ولأنه إنما يقضي بالحرية هنا بعلمه والحرية ليست بسبب لوجوب الحد فإن اختلف الشاهدان في الوقت أو المكان لم تبطل شهادتهما في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعلى قولهما لا يحد القاذف بهذه الشهادة ، فالحاصل أن ما يكون قولا محضا كالبيوع والأقارير ونحوها فاختلاف الشهود في المكان أو الزمان لا يمنع قبول الشهادة ; لأنه مما يعاد ويكرر ويكون الثاني هو الأول فلا يختلف المشهود به باختلافهما في المكان والزمان ، وكذلك لو اختلفا في الإنشاء والإقرار ; لأن حقيقة الإنشاء والإقرار واحد في هذا الباب ومن هذه الجملة القرض ; لأن تمام القرض ، وإن كان بالتسليم ولكن تحمل الشهادة على قول المقرض أقرضتك ، وذلك قول فألحقه بالإقرار لهذا ، فأما الجناية والغصب ، وما أشبههما من الأفعال اختلاف الشهود في المكان والزمان والإقرار والإنشاء يمنع قبول الشهادة ; لأن الفعل مما لا يتكرر والإقرار بالفعل غير الفعل ، وما لم يتفق الشاهدان على شيء واحد لا يتمكن القاضي من القضاء به والنكاح من هذا النوع أيضا ; لأنه ، وإن كان قولا فلا يصح إلا بمحضر من شاهدين وحضور الشهود فعل فألحق بالأفعال لهذا ، وفي القول الذي لا يتم إلا بالفعل كالهبة والصدقة والرهن اختلاف معروف نذكره في الهبة والرهن .
فأما القذف فأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قالا : اختلاف الشهود فيه في المكان والزمان يمنع قبول الشهادة ; لأنه إنشاء سبب موجب للحد ، وما لم يتفق الشاهدان على سبب واحد لا يتمكن القاضي من القضاء ، ألا ترى أنهما لو اختلفا في الإقرار والإنشاء لم تقبل شهادتهما وألحق ذلك بالأفعال ؟ فكذلك لو اختلفا في الوقت والمكان ، وهذا ; لأن وجوب الحد بالتناول من عرض المقذوف فالشهادة عليه بمنزلة الشهادة على التناول من نفسه بالجناية وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول القذف قول قد تكرر فيكون حكم الثاني حكم الأول فلا يختلف المشهود به باختلافهما في المكان والزمان كالطلاق والعتاق بخلاف الإقرار والأفعال ، وهذا هو القياس إذا اختلفا في الإنشاء والإقرار ، قال : إلا أني أستحسن هناك ; لأن حكم الإقرار بالقذف مخالف لحكم الإنشاء بالقذف ، ألا ترى أن من تزوج امرأة ثم أقر أنه كان قذفها قبل أن يتزوجها فعليه الحد ، وإن قذفها في الحال لاعنها [ ص: 109 ] وكذلك لو أبان امرأته ثم أقر أنه كان قذفها قبل الإبانة فلا حد عليه ، ولا لعان ، ولو قذفها في الحال حد فلما كان حكم الإقرار مخالفا لحكم الإنشاء يتحقق الاختلاف بين الشاهدين إذا اختلفا في الإقرار والإنشاء ، فأما حكم القذف لا يختلف بالمكان والزمان فلا يتحقق الاختلاف بينهما في الشهود به ، وإن اختلفا في المكان والزمان
( قال ) ، وإذا قضى القاضي بحد القذف على القاذف ثم عفى المقذوف عنه بعوض أو بغير عوض لم يسقط الحد بعفوه عندنا وذكر ابن عمران عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهم الله تعالى أنه يسقط ، وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى .
وأصل المسألة أن المغلب في حد القذف عندنا حق الله تعالى ، وما فيه من حق العبد فهو في حكم التبع ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى المغلب حق العبد وحجته لإثبات هذا الأصل أن سبب الوجوب التناول من عرضه ، وعرضه حقه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم { أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم إذا أصبح قال : اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك } ، وإنما يستحق المدح على التصدق بما هو من حقه والمقصود دفع الشين عن المقذوف وذلك حقه ، ومن حيث الحكم حد القذف يستوفى بالبينة بعد تقادم العهد ، ولا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار ، وذلك دليل ظاهر على أنه حق العبد ولذلك لا يستوفى إلا بخصومته ، وإنما يستوفى بخصومته ما هو حقه بخلاف السرقة فخصومته هناك بالمال دون الحد ، ويقام هذا الحد على المستأمن بالاتفاق ، وإنما يؤاخذ المستأمن بما هو من حقوق العباد إلا أن من له لا يتمكن من الاستيفاء بنفسه ; لأن ألم الجلدات غير معلوم المقدار ، فإذا فوض إلى من له ربما لا يقف على الحد لغيظه فجعل الاستيفاء إلى الإمام مراعاة للنظر من الجانبين بخلاف القصاص ، فإنه معلوم بحده ، فإذا جاوز من له الحق ذلك الحد يعلم ذلك فيمنع منه .
( وحجتنا ) في ذلك ، وهو أن هذا الحد يعتبر فيه الإحصان فيكون حقا لله تعالى كالرجم وتأثير هذا الكلام ; لأن الحدود زواجر ، والزواجر مشروعة حقا لله تعالى ، فأما ما يكون حقا للعبد فهو في الأصل جائز فما أوجب من العقوبات حقا للعبد وجب باسم القصاص الذي ينبئ عن المساواة ليكون إشارة إلى معنى الجبر ، وما أوجب باسم الحد فهو حق الله تعالى ، وفي الاسم إشارة إلى معنى الزجر والدليل عليه أن في حقوق العباد يعتبر المماثلة وبه ورد النص حيث قال تعالى { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ، ولا مناسبة بين نسبة الزنا وبين ثمانين جلدة لا صورة ولا معنى ، والدليل عليه وهو أن الحد مشروع [ ص: 110 ] لتعفية أثر الزنا وحرمة إشاعة الفاحشة من حقوق الله تعالى فكان هذا نظير الواجب بمباشرة الزنا من حيث إن كل واحد منهما مشروع لإبقاء الستر وتعفية أثر الزنا واعتبار الإحصان لمعنى النعمة ، وذلك فيما هو من حق الله تعالى ، وما ذكره الخصم لا ينفي معنى حق الله تعالى ; لأن في عرضه حقه وحق الله تعالى ، وذلك في دفع عار الزنا عنه ; لأن في إبقاء ستر العفة معنى حق الله تعالى ، فإذا دل بعض الأدلة على أنه محض حق الله تعالى وبعض الأدلة على اجتماع الحقين فيه ، قلنا بأن المغلب حق الله تعالى مع اعتبار حق العبد فيه أيضا ليكون عملا بالأدلة كلها والدليل عليه أن الاستيفاء إلى الإمام ، والإمام إنما يتعين نائبا في استيفاء حق الله تعالى .
وأما ما كان حقا للعبد فاستيفاؤه إليه ، ولا معتبر بتوهم التفاوت ، فإن للزوج أن يعزر زوجته ، وإن كان ذلك يوهم التفاوت لكن التعزير لما كان للزوج حقا له لا ينظر إلى توهم التفاوت من هذا الوجه ، وهذا ; لأن هذه المبالغة كما تتوهم من صاحب الحق تتوهم من الجلاد ، ويمنع صاحب الحق من ذلك إذا ظهر أثره ، كما يمنع الجلاد منه مع أن توهم الزيادة لا يمنع صاحب الحق عن استيفاء حقه كتوهم السراية في القصاص ، والدليل عليه أنه يتنصف هذا الحد بالرق ، وإنما يتنصف بالرق لانعدام نعمة الحرية في حق العبد ، لا لأن بدنه دون بدن الحر في احتمال الضرب فاحتمال بدن العبد للمهانة والضرب أكثر ، وإنما يتكامل بتكامل النعم ما كان حقا لله تعالى ; لأن شكر النعمة والتحرز عن كفران النعمة حق للمنعم والدليل عليه أن ما كان متمما لهذا الحد ، وهو سقوط الشهادة كان حقا لله تعالى ، فكذلك أصل الحد ، ولكن قد بينا أن فيه معنى حق العبد أيضا ، فلهذا تعتبر خصومته وطلبه ، ولهذا لا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار ; لأن الخصم مصدق له في الإقرار مكذب له في الرجوع بخلاف ما كان محض حق الله تعالى ، فإن هناك ليس من يكذبه ، ولهذا يقام بحجة البينة بعد التقادم لعدم تمكن الشهود من أداء الشهادة قبل طلب المدعي فلا يصيرون متهمين بالضغينة ، ولهذا يقام على المستأمن ; لأنه لما كان للعبد حق الخصومة والطلب به والمستأمن ملتزم لحقوق العباد فيقام عليه إذا ثبت هذا الأصل فنقول بعفوه لا يسقط عندنا ، ولأنه إنما يملك إسقاط ما يتمحض حقا له فأما حق الله تعالى لا يملك إسقاطه .
وإن كان للعبد فيه حق كالعدة ، فإنها لا تسقط بإسقاط الزوج لما فيها من حق الله تعالى ، وقد روي مثل مذهبنا عن علي رضي الله عنه ، ولكن الحد ، وإن لم يسقط بعفوه ، فإذا ذهب العافي لا يكون للإمام أن يستوفي لما بينا أن الاستيفاء عند طلبه ، وقد ترك [ ص: 111 ] الطلب إلا أنه إذا عاد فطلب فحينئذ يقيم الحد ; لأن عفوه كان لغوا فكأنه لم يخاصم إلى الآن ، ولو صدقه فيما قال أو قال : شهودي شهدوا بالباطل فليس له أن يخاصم في شيء ; لأنه إذا أكذب شهوده تبطل شهادتهم كالمسروق منه إذا أكذب شهوده ، وإذا صدقه ، فقد صار مقرا بالزنا وانعدم به إحصانه وقذف غير المحصن لا يوجب الحد فبإقراره ينعدم السبب الموجب للحد لا أنه يسقط فأما بعفوه لا ينعدم السبب ، وما أسقطه حق الشرع فكان إسقاطه لغوا لهذا
( قال ) ويستحسن للإمام أن يقول للطالب قبل إقامة البينة اترك هذا وانصرف ; لأن الحد لم يثبت عنده بعد ، وهذا نوع احتيال منه لدرء الحد وهكذا في السرقة يستحب له أن يقول للمسروق منه اترك دعوى السرقة قبل أن نثبت السرقة بالبينة
( قال ) ولو قذف جماعة في كلمة واحدة أو في كلمات متفرقة لا يقام عليه إلا حد واحد عندنا ، وعند الشافعي إن قذفهم بكلام واحد ، فكذلك الجواب ، وإن قذفهم بكلمات متفرقة يحد لكل واحد منهم ; لأنه حق المقذوف عنده فلا يجري فيه التداخل عند اختلاف السبب ، وعندنا المغلب فيه حق الله تعالى ، وهو مشروع للزجر فيجري فيه التداخل كسائر الحدود ، وكذلك إن حضر بعضهم للخصومة ، ولم يحضر البعض فأقيم الحد بخصومة من حضر فعلى مذهبه إذا حضر الغائب وخاصم يقام عليه الحد لأجله أيضا ، وعندنا لا يقام إذا علم أنه قذفه بالزنا قبل إقامة الحد عليه ; لأن حضور بعضهم للخصومة كحضور جماعتهم ، وما هو المقصود قد حصل ، وهو دفع العار عن المقذوف بالحكم بكذب القاذف
( قال ) ولا يقبل في القذف كتاب القاضي إلى القاضي ، ولا الشهادة على الشهادة ، ولا شهادة النساء مع الرجال ; لأن موجبه الحد يندرئ بالشبهات وتجوز شهادة القاذف بعد ما ضرب بعض الحد إذا كان عدلا ; لأن رد شهادته من تتمة الحد ، فلو ثبت قبل كمال الجلد لم يكن متمما للحد ، ولأن الله تعالى عطف رد الشهادة على الجلدات والمعطوف لا يسبق المعطوف عليه
( قال ) رجل قال لامرأته : زنيت مستكرهة ، أو قال : جامعك فلان جماعا حراما ، أو زنيت وأنت صغيرة لا حد عليه ; لأنه نسبها إلى فعل غير موجب للحد عليها ، وقد بينا أن وجوب الحد على القاذف بنسبة المقذوف إلى فعل موجب للحد عليه ، ثم المستكرهة لا فعل لها ، وقوله جامعك جماعا حراما ليس بصريح بالقذف بالزنا ، وقوله زنيت وأنت صغيرة محال شرعا ; لأن فعل الصغيرة لا يكون زنى شرعا ، ألا ترى أنها لا تأثم به فهو كقوله زنيت قبل أن تولدي وذلك غير موجب للحد ; لأن الشين بهذا الكلام يلحق القاذف دون [ ص: 112 ] المقذوف وإقامة الحد لدفع العار عن المقذوف

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|